عبد العزيز الشلاحي لـ«الشرق الأوسط»: المكان يصنع هوية الفيلم

المخرج السعودي تحدَّث عن جديده «عكس سير» وقصة اختياره المنطقة الشرقية

عبد العزيز الشلاحي مع فريق الفيلم خلال التصوير (الشرق الأوسط)
عبد العزيز الشلاحي مع فريق الفيلم خلال التصوير (الشرق الأوسط)
TT

عبد العزيز الشلاحي لـ«الشرق الأوسط»: المكان يصنع هوية الفيلم

عبد العزيز الشلاحي مع فريق الفيلم خلال التصوير (الشرق الأوسط)
عبد العزيز الشلاحي مع فريق الفيلم خلال التصوير (الشرق الأوسط)

بعد 3 أفلام طويلة رسَّخت اسمه بين أبرز مخرجي السينما السعودية، ينتقل عبد العزيز الشلاحي في فيلمه الجديد «عكس سير» إلى مساحة جديدة تجمع الأكشن والكوميديا، في رابع تعاون يجمعه بالكاتب مفرج المجفل. وتدور الأحداث داخل عالم شركة لنقل الأموال، على أن يبدأ عرضه في صالات السينما السعودية في 13 أغسطس (آب) المقبل.

في الفيلم، يواصل الشلاحي رهانه المعتاد على المكان بوصفه جزءاً من السرد، وليس فقط خلفية للأحداث. ويأتي «عكس سير» بعد فيلمه الأخير «هوبال»، الذي عكس علاقته الوثيقة بالبيئة والهوية السعودية، قبل أن يختبر الشلاحي نفسه للمرة الأولى في قالب الكوميديا، متّخذاً هذه المرة المنطقة الشرقية قلباً للحكاية ومسرحاً لأحداثها.

رحلة اختيار موقع التصوير

يكشف الشلاحي لـ«الشرق الأوسط» عن أنّ اختيار المنطقة الشرقية لم يكن مطروحاً منذ بداية المشروع، وجاء بعد الانتهاء من النسخة الأولى للسيناريو، مبيناً أنّ عادته في معظم أعماله تقوم على اختيار المكان قبل الكتابة، ثم زيارته وقضاء وقت طويل فيه، حتى يصبح جزءاً من تكوين الفيلم، غير أن «عكس سير» سلك مساراً مختلفاً.

وبسؤاله عن ذلك، يوضح أنّ النقاش الذي جمعه بالكاتب مفرج المجفل، بعد قراءة السيناريو، قادهما إلى إعادة التفكير في البيئة التي تدور فيها الأحداث. فالقصة كانت قابلة للانتقال إلى أيّ مدينة، وإنما المنطقة الشرقية بدت أكثر قدرةً على منح الفيلم اتساعاً بصرياً وإيقاعاً يناسب طبيعته؛ لذلك اتُّخذ القرار بعد اكتمال النص، لا قبله.

ويرى أنّ خصوصية المنطقة الشرقية تكمن في قدرتها على جمع بيئات متباينة ضمن مساحة جغرافية متقاربة، ممّا منح الفيلم تنوّعاً بصرياً يخدم الأحداث. ويشير إلى أنّ المشاهد تنتقل بين البحر والميناء والصحراء والطرق الطويلة والمنشآت الصناعية وخطوط السكك الحديدية، إلى جانب تفاصيل الحياة اليومية وإضاءات المدن ليلاً، وهي عناصر أسهمت في تشكيل هوية الفيلم وإحساسه البصري.

ويضيف: «هذا التنوّع لم ينعكس على الصورة وحدها، بل وفَّر حلولاً إنتاجية مهمة؛ إذ ساعد تقارُب مواقع التصوير على اختصار الوقت وسهولة الانتقال بين المَشاهد، مّما منح فريق العمل مرونة أكبر خلال التنفيذ».

عبد العزيز الشهري وعبد المجيد الكناني بطلا الفيلم (الشرق الأوسط)

المكان... أحد أبطال الحكاية

تبدو علاقة الشلاحي بالمكان وثيقة، إذ يصفه بأنه أحد عناصر الكتابة السينمائية؛ لأنّ البيئة التي تتحرّك فيها الشخصيات تؤثّر في سلوكها وإيقاعها بقدر تأثير الحوار أو الحدث الدرامي، وفق رأيه. ولهذا رأى أنّ المنطقة الشرقية لا تقدم مناظر مختلفة فحسب، إذ تمنح الشخصيات فضاءً يتوافق مع طبيعة الفيلم.

ويشير إلى أنّ كثيراً من الإنتاجات المحلّية تتجه عادةً إلى المدن التي تتمركز فيها شركات الإنتاج أو المعدات أو الممثلون، لحسابات تتعلّق بسهولة التنفيذ وإدارة الميزانية، وإنما فريق «عكس سير» اختار خوض تجربة مختلفة، بعد اقتناع المنتجين بأنّ القيمة التي سيضيفها المكان تستحق هذا الخيار.

ويكشف أيضاً عن أنّ قرار التصوير في المنطقة الشرقية قُوبل في بدايته بشيء من التحفُّظ، قبل أن يتحوّل إلى تجربة فاقت التوقّعات مع انطلاق التصوير، بعدما وجد فريق العمل تعاوناً واسعاً من الجهات الحكومية والقطاع الخاص في المنطقة الشرقية، الأمر الذي انعكس على سير الإنتاج وسهّل تنفيذ كثير من تفاصيل العمل.

من ناحية أخرى، يؤكد الشلاحي أنّ هذا التعاون امتد إلى مواقع التصوير نفسها؛ إذ نُفّذت جميع المشاهد داخل أماكنها الحقيقية، انطلاقاً من قناعة فريق العمل بأنّ واقعية المكان تضيف مزيداً من الصدق إلى الأداء. ويوضح أنّ مقر شركة «رزمة» الذي يظهر في الفيلم هو منشأة حقيقية تضم خزنة أموال فعلية ومكاتب وممرات وغرفاً لتعبئة الأموال، كما صُورت مَشاهد تعبئة أجهزة الصراف الآلي داخل بيئة العمل الأصلية، وبمشاركة موظّفي شركة نقل الأموال.

ويرى الشلاحي أنّ وجود الممثلين داخل هذه المواقع منحهم ارتباطاً أكبر بعالم الفيلم؛ لأنّ التعامل مع المكان الحقيقي يخلق تفاصيل يصعب إعادة إنتاجها داخل الاستوديو، سواء في الحركة أو الإحساس أو التفاعل مع الشخصيات.

صُوِّر الفيلم في الشرقية لإيمان الشلاحي بأهمية المكان عنصراً سينمائياً (الشرق الأوسط)

من الظهران إلى صالات السينما

ويأتي «عكس سير» امتداداً للتعاون المستمرّ بين الشلاحي والمجفل، بعد أعمال سابقة صنعت حضوراً لافتاً في السينما السعودية، هي «المسافة صفر»، و«حد الطار»، و«هوبال». كما أن الفيلم الجديد يتّجه إلى مساحة مختلفة تقوم على الأكشن والكوميديا، مع الحفاظ على الاهتمام بالتفاصيل المحلّية التي ميّزت تجاربه السابقة. وتدور أحداثه حول محاولة لإنقاذ زوجة أحد الأبطال من السجن، قبل أن تتحوّل الخطة إلى سلسلة من المطاردات والقرارات المتعاقبة التي تقود الشخصيات إلى مواقف غير متوقَّعة.

وعن انطلاقة الفيلم، يوضح الشلاحي أنّ صنّاعه رأوا أن يكون العرض الأول في المنطقة التي احتضنت التصوير، تقديراً للدور الذي أدّته في إنجاز المشروع. لذلك، تستضيف الظهران العرض الافتتاحي في الخامس من أغسطس، بالتعاون مع شركة التوزيع و«موفي سينما»، مع إتاحة الحضور للجمهور، قبل أسبوع من بدء العروض التجارية في صالات السينما السعودية.

وفي ختام حديثه، يؤكد أنّ اختيار الظهران لإطلاق الفيلم يحمل قيمة رمزية بالنسبة إلى فريق العمل؛ لأنها المدينة التي تشكّلت فيها ملامح «عكس سير»، منذ اتخاذ قرار نقل الأحداث إليها وحتى اكتمال التصوير، وباتت جزءاً من هوية الفيلم، لا مجرّد موقع احتضن تصويره.

ويضم «عكس سير» مجموعة من النجوم السعوديين، يتقدّمهم عبد العزيز الشهري، وعبد المجيد الكناني، ومؤيد النفيعي، ومهند الصالح، وأسماء السياري، إلى جانب فوز عبد الله، ومشاري العجاجي، والفنان القدير حسن العبدي. كما يشارك في الفيلم عدد من الوجوه الجديدة، من بينهم شنار الدوسري وعبد الرحمن الجدعان.


مقالات ذات صلة

سينما شاشة الناقد: في «حبر» سيرة حياة تنطوي على تاريخ الصحافة في مرحلتها الذهبية

شاشة الناقد: في «حبر» سيرة حياة تنطوي على تاريخ الصحافة في مرحلتها الذهبية

أول ما يخطر على بال الناقد حين يشاهد هذا الفيلم الجديد لداني بويل هو الكيفية التي جرى بها تجاوز الطابع المسرحي تماماً، وصولاً إلى حالة سينمائية خالصة.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق المخرج الليبي أسامة رزق يتوسط الفنانين كافو (إلى اليسار) ومحمد عثمان خلال تصوير مسلسل «زنقة الريح» عام 2019 (الشرق الأوسط)

الكوميدي الليبي «كافو» يترك ضحكة أخيرة... ويرحل

عبّر ليبيون عديدون عن صدمتهم لرحيل الفنان خالد كافو، الذي ترك بصمة جليّة في الوجدان الفني الليبي، عبر مسيرة حافلة، قدّم خلالها تجسيداً لافتاً لشخصيات متنوعة.

جمال جوهر (القاهرة)
يوميات الشرق اعتمد الفيلم على بطولة 3 أطفال (الشركة المنتجة)

رودريجو بلا: تجربة الهجرة هروباً من الديكتاتورية قادتني لـ«الوافدين الجدد»

قال المخرج الأوروغوياني - المكسيكي، رودريجو بلا، إن فيلمه الجديد «الوافدون الجدد» (Los nuevos) يرتبط بصورة وثيقة بتجربته الشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق يرى الشمراني أنّ للأداء الصوتي أدواته وطريقته المختلفة في بناء الشخصية (الشرق الأوسط)

راشد الشمراني... 4 عقود تقوده إلى السينما

يفتح الشمراني خلال مدّة قصيرة نافذتين سينمائيتين مختلفتين في مسيرته...

إيمان الخطاف (الدمام)

«فرح»... ناطقة رقمية حكومية أطلقها الأردن للتواصل مع الشعب

حساب «فرح» على منصة «إنستغرام»
حساب «فرح» على منصة «إنستغرام»
TT

«فرح»... ناطقة رقمية حكومية أطلقها الأردن للتواصل مع الشعب

حساب «فرح» على منصة «إنستغرام»
حساب «فرح» على منصة «إنستغرام»

واكبت الحكومة الأردنية اعتماد الكثيرين على الذكاء الاصطناعي فأعلنت، الخميس، عن إطلاق «فرح»، الناطقة الرقمية الحكومية، وهي شخصية افتراضية مطوّرة بالذكاء الاصطناعي، لتبدأ التواصل مع الشعب، بحسب ما أعلنت وزارة الاتصال الحكومي الأردنية.

وأرفقت الوزارة في منشورها على منصة «إكس» لتقديم «فرح» مقطع فيديو لتلك الشخصية التي قدمت نفسها بلهجة عامية كمتحدثة رقمية، وذلك «في تجربة تُعد الأولى من نوعها في المنطقة والعالم».

وأضافت أن «هدف الحكومة من تلك المبادرة هو تسخير التكنولوجيا الرقمية لتطوير أدوات التواصل في توصيل المعلومات للمواطنين».

ومن جانبه، قال وزير الاتصال الحكومي والناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية محمد المومني في منشور عبر منصة «إكس»: «في إطار سعي الحكومة المستمر لتوظيف التكنولوجيا الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي في التَّواصل وشرح القرارات والسِّياسات الحكوميَّة وإتاحة المعلومات؛ سيتم إطلاق خدمة الناطق الرقمي (فرح)، التي ستكون إحدى أدوات التَّواصل الحكوميَّة الرقميَّة؛ والتي تهدف إلى تزويد المواطنين والمهتمين بالمعلومات».

وقالت وكالة الأنباء الأردنية (بترا) إن إطلاق حساب «فرح» على منصة «إنستغرام»، يهدف ليكون نافذة رقمية جديدة للتواصل مع الجمهور وتقديم المعلومات للمواطنين بأسلوب مبسط ومباشر.

وأضافت أن إطلاق «فرح» جاء ضمن توجه لتوظيف التكنولوجيا الحديثة في الاتصال مع المواطنين، والإجابة عن التساؤلات المتعلقة بالقضايا التي تهم الشارع، عبر محتوى رقمي موجه لمستخدمي منصات التواصل.

ولفتت إلى أن «فرح» تتحدث بأسلوب مبسط؛ لتشكل إضافة نوعية إلى قنوات الاتصال التقليدية، في تجربة تستهدف مواكبة التحول الرقمي المتسارع وتغيّر طرق تلقي الجمهور للمعلومات والأخبار الرسمية.

وأكدت أنه ينظر إلى إطلاق الناطق الرقمي كخطوة رائدة في مسار توظيف الذكاء الاصطناعي في العمل المؤسسي والاتصال العام، بالتزامن مع توجه المؤسسات الرسمية لتعزيز حضورها على المنصات الرقمية والوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع.


«اعتقل المهاجرين وابنِ الجدار»... ألعاب جديدة على موقع البيت الأبيض الرسمي

لقطة شاشة تُظهر ألعاب البيت الأبيض الإلكترونية (موقع البيت الأبيض)
لقطة شاشة تُظهر ألعاب البيت الأبيض الإلكترونية (موقع البيت الأبيض)
TT

«اعتقل المهاجرين وابنِ الجدار»... ألعاب جديدة على موقع البيت الأبيض الرسمي

لقطة شاشة تُظهر ألعاب البيت الأبيض الإلكترونية (موقع البيت الأبيض)
لقطة شاشة تُظهر ألعاب البيت الأبيض الإلكترونية (موقع البيت الأبيض)

في خطوة جديدة تعكس توظيف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للموقع الرسمي للبيت الأبيض في الترويج لسياساتها ورسائلها السياسية، أطلقت الإدارة، يوم الخميس، سلسلة من الألعاب الإلكترونية التي تحاكي بعض أولوياتها، من بينها تشديد الرقابة على الحدود وبناء الجدار الحدودي، في أحدث تحرك ضمن حملتها الرقمية التي أثارت جدلاً واسعاً بسبب ما تضمنته أحياناً من صور ومحتوى اعتُبر عنصرياً ومسيئاً، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

وتتضمن الألعاب المنشورة على موقع البيت الأبيض ألعاباً يؤدي فيها المستخدمون أدواراً تتمثل في القبض على أشخاص أثناء عبورهم الحدود الجنوبية، إلى جانب ألعاب أخرى تتيح لهم بناء جدار حدودي.

«ريو رن»... مطاردة على الحدود

في لعبة «ريو رن» يؤدي المستخدمون دور عناصر دورية على طول نهر ريو غراندي، حيث يتعين عليهم القبض على كل من يعبر الحدود في المنطقة، بهدف تحقيق أكبر عدد ممكن من عمليات الترحيل.

وتشبه اللعبة في تصميمها لعبة «الثعبان»، إذ يظهر رمز المستخدم على هيئة رجل أبيض مسن يرتدي ربطة عنق زرقاء، بينما يظهر «المعبرون» على هيئة أشخاص من ذوي البشرة السمراء أو السوداء أو البيضاء.

وعندما ينجح اللاعب في القبض على أحد «المعبرين»، يظهر الشخص فجأة مرتدياً بذلة برتقالية اللون، ثم يبدأ في اتباع اللاعب.

وقالت أميريكا غارسيا غريوال، المديرة المشاركة لمنظمة «فرونتيرا فيديريشن» ومقرها تكساس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «هذا يثير اشمئزازي. لقد تلاعبوا بأرواح الناس لسنوات، والآن يبتكرون لعبة فيديو لأفعالهم».

وتابعت: «لقد فقد مصممو هذه اللعبة مغزى أن يكون المرء إنسانا وأن يهتم بالآخرين».

«بناء الجدار»... مواجهة «زومبي» على الحدود

وتحمل لعبة أخرى ذات طابع متعلق بالهجرة اسم «بناء الجدار»، وتطلب من المستخدمين رصّ الطوب لبناء جدار، و«الصمود» في مواجهة ما تصفه اللعبة بـ«حصار حدودي من الزومبي».

ولا تقتصر الألعاب على قضايا الهجرة والحدود، إذ تحث ألعاب أخرى المستخدمين على التحليق بنسر أصلع فوق «ناشيونال مول»، أو ملء «حسابات ترمب لأطفالهم» من خلال جمع الماس والنقود.

وقال مسؤول في البيت الأبيض لشبكة «سي إن إن»: «هذه محاولة لإبراز التناقض بين ثقافة المرح والفوز والرؤية الاشتراكية المظلمة التي يحملها الديمقراطيون لأميركا».

جدل حول استخدام المنصات الحكومية

وتعرض ترمب والبيت الأبيض لانتقادات حادة بسبب استخدامهما المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الحكومية الرسمية، بما في ذلك نشر صور ومواد وُصفت بأنها عنصرية ومسيئة.

ومن بين الأمثلة التي أثارت انتقادات، نشر صورة لزعيم الأقلية في مجلس النواب، حكيم جيفريز، وهو يرتدي قبعة «سومبريرو»، إلى جانب تصوير عائلة الرئيس الأسبق باراك أوباما على هيئة قرود في غابة.

وفي الوقت الذي ينشر فيه بعض المستخدمين نتائجهم في ألعاب البيت الأبيض على منصة «إكس»، يتساءل آخرون عن أولويات الإدارة، ولا سيما في ظل الحرب الإيرانية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وكانت شبكة «سي إن إن» قد أفادت في نوفمبر (تشرين الثاني) بأن إدارة ترمب تتبع نهجاً غير تقليدي في التعامل مع موقع البيت الأبيض، إذ لا تراه مجرد منصة رسمية لنشر المعلومات الحكومية، بل وسيلة إضافية للترويج لرسالتها السياسية.

ونقلت الشبكة عن أحد المسؤولين قوله: «الموقع الإلكتروني غني بالمعلومات من نواحٍ عديدة، ولكنه أيضاً وسيلة لنشر رسالتنا، ونحن قادرون على استخدامه سلاحاً بطريقة لم تتمكن أي إدارة أخرى من القيام بها».


«حرّاس الذاكرة» لياسمينا نيستن: كلُّ وجهٍ يحملُ غيابَه

الفنانة ياسمينا نيستن بين بورتريهات لا تنتهي عند ملامحها (الشرق الأوسط)
الفنانة ياسمينا نيستن بين بورتريهات لا تنتهي عند ملامحها (الشرق الأوسط)
TT

«حرّاس الذاكرة» لياسمينا نيستن: كلُّ وجهٍ يحملُ غيابَه

الفنانة ياسمينا نيستن بين بورتريهات لا تنتهي عند ملامحها (الشرق الأوسط)
الفنانة ياسمينا نيستن بين بورتريهات لا تنتهي عند ملامحها (الشرق الأوسط)

تُمسك ياسمينا نيستن بالوجه كما لو أنه أكثر أجزاء الإنسان امتناعاً على القراءة. تُكبّره، تُقرّبه إلى العين، تغمره بطبقات اللون، ثم تترك فيه مساحة لا يستطيع المُشاهد اقتحامها. في معرضها «حرّاس الذاكرة» في «ذا آبر غاليري» لدى «صالح بركات غاليري» في بيروت، تبدو الوجوه أول ما يستوقف النظر، لكنّ البقاء طويلاً أمامها يُبيِّن أنّ ما يشدّ العين ليس حجمها وحده. هناك شيء مكتوم يسكنها، حزن لا يُعلن عن نفسه، وثقل يظهر في النظرات المُنسحِبة والرؤوس المُستنِدة والأجساد التي يبدو أنها وصلت إلى لحظة توقَّفت فيها عن عناد ما تشعر به.

الحيوان يعرف طريقه إلى المسافة التي يعجز عنها البشر (الشرق الأوسط)

لا ترسم نيستن أشخاصاً معروفين، ولا تسعى إلى تثبيت ملامح فرد معيَّن. تقول إنها تريد رسم الناس من دون أن ترسم شخصاً محدّداً. ومع ذلك ثمة غرابة في الألفة التي تصنعها شخصياتها. نشعر أننا رأينا هذه المرأة أو عرفنا ذلك الوجه أو جلسنا في غرفة تُشبه هذه الغرفة، من دون أن نستطيع إسناد أيٍّ منها إلى ذاكرة محدّدة. الشخصيات مُتخيَّلة، وإنما حضورها الجسدي والنفسي يمنحها كثافة أشخاص عاشوا الحياة خارج إطار اللوحة.

قُرب الأجساد لا يقيس المسافة بين أصحابها (الشرق الأوسط)

تحمل هذه الفكرة رؤية «حرّاس الذاكرة». فالذاكرة في اللوحات أثرٌ يستقرّ في الوجه والجسد والمكان. هناك امرأة تسند أخرى، شخص يستلقي في العشب، شخصية تُحدّق من نافذة مرتفعة إلى شارع بعيد، نساء حول طاولة، عروس وعريس، أجساد تجلس متقاربةً بينما تبدو المسافة بينها أكبر ممّا توحي به المقاعد. لا تحتاج هذه المَشاهد إلى حكايات مُكتمِلة. طريقة انحناء كتف أو وضع يد أو اتجاه عينين، تفتح عالماً خارج ما نراه.

الحزن الذي يُخيّم على كثير من الشخصيات يتشكَّل بعيداً عن قتامة اللون. ترسم نيستن بالوردي والبرتقالي والفيروزي والأصفر والأخضر والأحمر، وتضع أحياناً درجات شديدة الإضاءة إلى جوار وجه مُنسحِب أو جسد مُتعَب. هذه المفارقة تمنح اللوحات قوة خاصة. اللون لا يشرح الحالة النفسية ولا يخضع لها. العالم يستطيع أن يكون مُشرِقاً بينما يعيش الإنسان شيئاً آخر في داخله. تحتفظ الألوان الزاهية بسطوعها، ليتشكّل الحزن داخل الوجوه والنظرات ووضعيات الأجساد، مستقلاً عن المزاج اللوني للوحة.

العشب يحمل ما أرهق الجسد (الشرق الأوسط)

حتى أكثر اللحظات احتفالاً تحتفظ بما يخصّ أصحابها (الشرق الأوسط)

تتعامل الفنانة أيضاً مع الوجه على أنه مساحة رسم مستقلّة. بعض الملامح مُحكَمة، وأجزاء أخرى تذوب داخل ضربات الفرشاة. يتعدَّد اللون على سطح الجِلْد ليصبح تجمّعات من الأخضر والوردي والأزرق والأصفر والبنّي، كأنّ الوجه يُبنَى أمامنا من طبقات زمنية مُتراكِمة. كلّما اقتربنا منه، ضَعُفَ إحساسنا بأننا أمام صورة لشخص وازدادت رؤيتنا للرسم، للضربة واللون والسطح. وحين نبتعد، يعود الإنسان إلى الظهور. هذه الحركة بين الشخص والرسم تُبقي البورتريه معلَّقاً بين ما يمكن التعرّف إليه وما يظلُّ خارج الإدراك.

المدينة في الأسفل... والوحدة في الطابق الأعلى (الشرق الأوسط)

حتى الأيدي تؤدّي دوراً لا يقلّ أهمية عن الوجوه. تستند إليها الرؤوس، تُمسِك الكتب والأكواب، تُلامِس جسداً آخر أو تستقرّ ثقيلةً فوق طاولة. تبدو أحياناً أكثر صراحةً من العيون. الجسد عند نيستن لا يؤدّي حركة مسرحية ولا يطلب انتباهنا، لكنه يحمل أثر ما جرى قبله. شخصياتها في الغالب موجودة في لحظة ما بعد الفعل، حين تخفت الحركة ويبقى ما فعلته التجربة في الجسد.

للشرود وضعية يعرفها الجسد (الشرق الأوسط)

هذه الحساسية تجاه الإنسان والمكان ليست منفصلة عن مسار فنانة حملت أكثر من جغرافيا معها. وُلدت ياسمينا ألكسندرا نيستن في هلسنكي عام 1988 لعائلة لبنانية - فنلندية، ونشأت في بيروت، حيث درست الفنون الجميلة في «الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة». انتقلت لاحقاً إلى نيويورك ونالت درجة الماجستير في الفنون الرقمية من «معهد برات». خلال سنواتها هناك، شمل اهتمامها المدينة والسرد الاجتماعي ومعنى أن يكون الإنسان مرئياً أو غائباً داخل محيطه. وفي أوريغون، حيث تعيش وتعمل على ساحل المحيط الهادئ، عادت إلى البورتريه وعلاقة الإنسان بذاكرته ومكانه وما يحمله معه من أثر الأصول والبيئات المتعدّدة. لذلك يصعب فصل الأشخاص في «حرّاس الذاكرة» عن الغُرف والشوارع والحقول والنوافذ التي تضمّهم.

عينان تنظران كأنهما عادتا للتوّ من مكان بعيد (الشرق الأوسط)

نيستن معنيّة بما يصعب على الرسم القبض عليه، أيّ الجزء من الإنسان الذي لا تكشف عنه صورته ولا تُخفيه كلّياً. لذلك تمنح وجوهها كلّ هذه المساحة ثم تتركها عصيّة على الامتلاك. هناك دائماً حياة أبعد من الملامح، وتاريخ لا يصل إلى العين، وشيء يحتفظ به الإنسان لنفسه حتى وهو واقف أمامنا. فالوجه الذي نظنّ أننا نعرف كيف نقرأه قد يكون أكثر الأماكن التي يختبئ فيها صاحبه.