على من يُطبّق القانون في ليبيا؟

بعد واقعة جلد امرأة علناً... والمطالبة بمحاسبة لصوص المال العام

أحد أفراد الشرطة القضائية في مدينة سبها خلال تنفيذ حكم الجلد بحق المرأة المدانة (من مقطع فيديو)
أحد أفراد الشرطة القضائية في مدينة سبها خلال تنفيذ حكم الجلد بحق المرأة المدانة (من مقطع فيديو)
TT

على من يُطبّق القانون في ليبيا؟

أحد أفراد الشرطة القضائية في مدينة سبها خلال تنفيذ حكم الجلد بحق المرأة المدانة (من مقطع فيديو)
أحد أفراد الشرطة القضائية في مدينة سبها خلال تنفيذ حكم الجلد بحق المرأة المدانة (من مقطع فيديو)

فرضت واقعة جلد امرأة ليبية علناً وسط المارة في مدينة سبها (جنوب غربي البلاد) نفسها على مناقشات مجتمعية عديدة، ودفعت لطرح كثير من الأسئلة المتعلقة بطبيعة المنظومة القانونية التي تحكم البلد المنقسم سياسياً، وعلى من تُطبّق؟

وأثار جلد ليبية 100 جلدة، وفقاً لحكم قضت به محكمة جنايات في سبها بشكل علني، غضب أطياف مختلفة، بحكم أن «قانون إقامة حد الزنا (رقم 70 لسنة 1973) لم ينص على نشر تنفيذ عقوبة الجلد علناً»، وأبدت شكوكاً تتعلق بمدى «إمكانية تطبيق القانون على الجميع، بمن فيهم بارونات التشكيلات المسلحة».

جانب من الملتقى الأول بين المجلس الأعلى للقضاء وجهاز الشرطة القضائية في شرق ليبيا في 7 يوليو الحالي (الشرطة القضائية)

تطبيق الحدود دون تمييز

جانب من هذه الرؤية طرحها هشام سالم الحاراتي، الباحث القانوني الليبي، الذي أشاد بـ«كل جهد يبذل في سبيل إنفاذ القانون وإقامة العدل»، لكنه قال: «نحن في حاجة ماسة إلى تطبيق الحدود دون انتقائية؛ إذ لا يجوز أن نقف عند باب واحد ونغلق الباقي».

وانطلق الحاراتي من أن «الليبي الذي أنهكته الأزمات، وانقطعت عنه الكهرباء، وضاقت به المعيشة، وتآكل دخله، لا يريد أن يرى الحدود تستدعى في ملف، وتغيب في ملفات أكبر وأخطر».

وهنا، لم يمانع الحاراتي في تطبيق الحدود، لكنه دعا إلى تطبيقها بـ«عدل واتساق وليس بانتقائية...ولنكن أول المطالبين بمحاسبة من نهب المال العام، وأفسد المؤسسات، وأضاع المليارات، واعتدى على حقوق ملايين الليبيين».

وانتقد الحاراتي واقعة الجلد، موضحاً أن «الشريعة ليست حدوداً ترفع عند الحاجة، بل منظومة عدل كاملة، تبدأ بإقامة الحق، وحماية الأموال، وصون الحقوق، ومحاربة الفساد، ثم يأتي الحد في موضعه، بعد أن تستقيم الدولة ويقام العدل على الجميع بلا استثناء»، رافضاً أن «يؤخذ الضعيف وحده، ويترك أصحاب النفوذ والمال والإفساد... هذه ليست العدالة التي أمر الله بها، ولا التطبيق الذي ينتظره الليبيون».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

وأخضع العديد من كبار المسؤولين في ليبيا وقادة ميليشيات بارزين للتحقيق من قبل النائب العام في قضايا فساد، واعتداء على المال العام، لكن أُطلق سراحهم بعد فترات من التوقيف دون أحكام بالسجن.

«أحكام انتقائية»

استقبل حقوقيون ونشطاء ومواطنون حكم المحكمة، التابعة لسلطات بنغازي، بجلد المرأة باستغراب، باعتبار أنها المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك بعد طرد تنظيم «داعش» من البلاد عام 2016، متسائلين: «أين الزاني؟ ولماذا لم نسمع أو نشاهد حكماً مماثلاً على لصوص المال العام في ليبيا؟».

ويستند النظام القانوني في ليبيا إلى الشريعة الإسلامية، والقانون المدني، وقد وُضع أساسه التشريعي بصدور دستور المملكة الليبية لسنة 1951 في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1951، وإصدار القانون المدني الليبي في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 1953، الذي بدأ العمل به في أوائل عام 1954.

ودفاعاً عن القانون الليبي، قال المحامي أحمد نشاد، إن «نصوصه تطبق على الجميع بلا استثناءات»، مشيراً إلى أن «الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للقانون؛ ولا تخالف نصوص القانون المدني أحكامها».

وذهب نشاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «واقعة جلد امرأة سبها صحيحة في أصلها، لأن القانون الذي طبقت أحكامه هو أحد قوانين الحدود المتعلقة بالزنا»، ورأى أنه «لا يطبق حد الجلد إلا بعد إقرار المتهم بفعله أمام القاضي، وإصراره على ما قام به».

وعقب ساعات من انشغال الرأي العام بالواقعة، أعلن جهاز الشرطة القضائية مساء الخميس، إيقاف كافة المسؤولين المباشرين عن واقعة تصوير ونشر مقطع الفيديو الذي وثق تنفيذ الحكم في قضية حد الزنا، وإحالتهم إلى التحقيق، مع تشكيل لجنة تحقيق عليا للوقوف على ملابسات الواقعة.

وهنا يرى نشاد أن «الإثارة والجدل اللذين أعقبا الواقعة ليسا في قضية الجلد ذاتها، لكن في طرح الواقعة على منصات التواصل الاجتماعي»، وانتهى متسائلاً: «هل يعتبر هذا الفعل من قبيل التشهير بالفاعل، أم هو من قبيل الإشهاد على تنفيذ الحد الشرعي ليكون فيه عبرة للغير؟».

حديث المحامي نشاد، الذي انتصر لجهة تطبيق القانون الليبي على الجميع، تعارض مع أحاديث نشطاء وحقوقيين أشاروا إلى أن مثل هذه الأحكام «تطبق على الضعفاء»، وتساءلوا عن «أسباب عدم قطع يد السارق».

ووفق تقارير محلية وأممية، يتغول الفساد في جل المؤسسات الليبية، رغم أن البيانات تشير إلى أن تصنيف ليبيا في مؤشر مدركات الفساد تراجع في أحدث تصنيف إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة في 2025، بعد أن كان في المرتبة 173 من 180 دولة عام 2024.

من جانبه، تساءل الكاتب الليبي المقيم في أميركا، علي جماعة علي: «لماذا تجلد امرأة ضعيفة، ولا تقطع يد رجل سارق، على كثرة السراق في بلادنا وقلة الزانيات بالمقارنة؟»، وأجاب: «إن ادعاء تطبيق الشريعة في عصر الدولة الوطنية الحديثة هو شعار فارغ، وحيلة خبيثة قصد منها دغدغة مشاعر البسطاء».

الشرطة القضائية في شرق ليبيا تعهدت بمحاسبة من تورط في واقعة جلد المرأة علناً (الشرطة القضائية)

وتابع علي موضحاً: «إذا كان الغرض الأسمى للشريعة هو إرساء العدل والقضاء على الظلم ومحاربة الفساد، فينبغي البدء من مكان آخر غير جسد امرأة ضعيفة، في حين لا يجرؤ على انتقاد أصحاب السلطة والقوة».

وأمام كثرة التساؤلات عن أسباب عدم قطع يد السارق، ذهب المحامي أحمد نشاد إلى أنها «تقطع في حال توفرت أركان إقامة الحد الشرعي».

وفي سياق نقد واقعة الجلد، تحدث الدكتور عقيلة دلهوم، عضو المكتب السياسي للراحل سيف الإسلام، عن «حرارة طقس سبها، وصرامة تطبيق القانون على الضعفاء»، قال إن «مشهد العقوبة العلنية في سبها أعاد إلى الذاكرة مشاهد (داعش) في سرت... فهل هذه هي صورة العدالة التي نريدها؟».

يشار إلى أنه في نهاية 2016، أعلنت سلطات طرابلس دحر تنظيم «داعش» الذي كان يسيطر على مدينة سرت، مسقط رأس الرئيس الراحل معمر القذافي.


مقالات ذات صلة

أمطار غزيرة تُعرِّي البنية التحتية في العاصمة الليبية

شمال افريقيا أمطار طوفانية تسببت في غرق سيارات بالعاصمة الليبية (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

أمطار غزيرة تُعرِّي البنية التحتية في العاصمة الليبية

تسببت أمطار غزيرة هطلت على العاصمة الليبية في إغراق شوارع ومنازل وشلل حركة السير، معيدة تسليط الضوء على كفاءة البنية التحتية ومستويات الجاهزية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الزوبي وكيل وزارة الدفاع بغرب ليبيا مستقبلاً خوري نائبة رئيسة البعثة الأممية 12 أكتوبر (البعثة الأممية)

مباحثات أممية للدفع بالعملية السياسية وتوحيد المؤسسات الليبية

تسابق البعثة الأممية في ليبيا الزمن للتقريب بين الفرقاء وتوحيد المؤسسة العسكرية، وذلك بالتزامن مع استعداد المبعوثة الأممية لعرض رؤيتها الشاملة أمام مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي (القيادة العامة)

تأكيد ليبي على «التضامن» المطلق مع السعودية

استنكرت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» ومجلس النواب في ليبيا الاعتداء على مطار الرياض، واصفَيْن استهداف المنشآت المدنية بالانتهاك الصارخ للقوانين الدولية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي مستقبلاً مليقطة رئيس جهاز الاستخبارات يوم الاثنين (مكتب المنفي)

المنفي يبحث مع رئيس الاستخبارات الليبية سبل حماية الأمن الوطني

بحث رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، مع رئيس جهاز الاستخبارات عبد المجيد مليقطة، تطورات الأوضاع الأمنية وسبل تعزيز التعاون الاستخباراتي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة للمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية الأسبوع الماضي (المجلس الأعلى)

ليبيا: تصعيد سياسي يستبق إحاطة تيتيه أمام «مجلس الأمن»

تجدد الخلاف السياسي في ليبيا مع رفض المجلس الأعلى للدولة مخرجات «4+4» وقوانين انتخابية أقرها مجلس النواب، قبيل إحاطة أممية مرتقبة قد تحدد ملامح الخطوات المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تشديد مصري - بريطاني على ضرورة وقف الاعتداءات ضد السعودية

وزير الخارجية المصري خلال محادثات الأربعاء مع نظيره البريطاني إيد ميليباند (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري خلال محادثات الأربعاء مع نظيره البريطاني إيد ميليباند (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

تشديد مصري - بريطاني على ضرورة وقف الاعتداءات ضد السعودية

وزير الخارجية المصري خلال محادثات الأربعاء مع نظيره البريطاني إيد ميليباند (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري خلال محادثات الأربعاء مع نظيره البريطاني إيد ميليباند (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

شددت محادثات مصرية - بريطانية على «ضرورة وقف الاعتداءات ضد المملكة العربية السعودية».

وناقش وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مع نظيره البريطاني إيد ميليباند، الأربعاء، على هامش اجتماعات «الخريف» لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، التطورات الحالية في المنطقة وزيادة حدة التوتر والتصعيد وانعكاسات استمرار ذلك على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، فضلاً عن الانعكاسات المباشرة على أمن الطاقة والأمن الغذائي.

واتفق الوزيران على «الأهمية البالغة لاستمرار الجهود المشتركة لخفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، ورفض وإدانة الاعتداءات على السعودية وأهمية وقفها فوراً».

كان وزير الخارجية المصري قد أكد، الثلاثاء، «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم والاستجابة لأي طلبات من الجانب السعودي، بما يعكس عمق العلاقات الأخوية والروابط الاستراتيجية التي تجمع البلدين، والحرص المشترك على صون أمن واستقرار المنطقة».

وشدد حينها على «ضرورة الوقف الفوري لجميع الهجمات التي تستهدف أراضي المملكة العربية السعودية الشقيقة». وقال إنه «لا يوجد مبرر لهذه الاعتداءات ولا يمكن القبول بها»، وأشار إلى أهمية خفض التصعيد واحتواء التوترات الإقليمية في ضوء انعكاساتها السلبية على أمن واستقرار دول المنطقة والعالم كافة».

وحسب متحدث الخارجية المصرية نادر زكي، اتفق وزيرا الخارجية المصري والبريطاني، خلال اللقاء، الأربعاء، على «أهمية الاستمرار في دفع علاقات التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، لا سيما الاستثمارية والاقتصادية والتجارية، بما يعكس الشراكة القائمة بين البلدين، مع مواصلة متابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في إطار اتفاقية المشاركة بين البلدين».

وفيما يتعلق بالأوضاع في السودان، تبادل الوزيران الرؤى بشأن التطورات الميدانية والسياسية الراهنة، والجهود المبذولة لدعم التوصل إلى تسوية للأزمة، حيث أكد عبد العاطي «أهمية مواصلة التحركات الرامية إلى احتواء الأزمة السودانية والحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية».

كما تناول الجانبان الدور المصري في دعم جهود تسوية الأزمة، إلى جانب الدور البريطاني في مجلس الأمن، في ضوء اضطلاع المملكة المتحدة بدور حامل القلم بشأن الملف السوداني. وتم تناول «ضرورة وقف تدفق الأسلحة إلى الميليشيا، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية بما يوفر الظروف لوقف إطلاق النار».

عبد العاطي خلال لقاء رئيس مجلس إدارة «الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي» الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

في سياق آخر أكد بدر عبد العاطي «حرص مصر على تعزيز الشراكة مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي ودعم مؤسسات العمل العربي المشترك»، وثمَّن خلال لقاء المدير العام ورئيس مجلس إدارة «الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي» فوزي يوسف الحنيف، الأربعاء، على هامش اجتماعات «الخريف»، الدعم الذي يقدمه الصندوق لمصر من خلال التمويلات الميسَّرة للمشروعات التنموية والاستراتيجية، مشدداً على «أهمية تطوير أدوات تمويلية أكثر مرونة لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية، بما يشمل اضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد، وأعباء الدين، وتحديات الأمنين الغذائي والمائي وتغير المناخ».

كما أكد «أهمية تعزيز دور الصندوق في حشد التمويلات والاستثمارات العربية في مصر، وتشجيع المستثمرين والمؤسسات المالية العربية على الاستفادة من الفرص الواعدة، إلى جانب توسيع التمويل المشترك والشراكات مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، بما يدعم التنمية الاقتصادية ويعزز دور القطاع الخاص».

ووفق إفادة لـ«الخارجية المصرية»، الأربعاء، بحث الجانبان سبل توسيع التعاون في المشروعات الإقليمية المشتركة، خصوصاً في مجالات الربط الكهربائي والنقل واللوجستيات والأمن الغذائي والبنية التحتية العابرة للحدود، بما يعزز التكامل الاقتصادي العربي، ويكرّس مكانة مصر بوصفها محوراً للربط بين العالم العربي وأفريقيا وأوروبا.


«الدهّابة» على الحدود المصرية-السودانية... مخاطر أمنية وتشابكات معقّدة

جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)
جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)
TT

«الدهّابة» على الحدود المصرية-السودانية... مخاطر أمنية وتشابكات معقّدة

جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)
جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)

ثلاث مراحل دشَّنها الجيش المصري، منذ يونيو (حزيران) حتى أكتوبر (تشرين الأول)، في مواجهة ظاهرة «الدهّابة» على الحدود مع السودان، مع تنامي التنقيب غير المشروع هناك، قبل أن يثار حديث سوداني عن حادث قصف على الحدود أوقع قتلى وجرحى.

ويرى خبراء مصريون في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن «الدهابة» يحملون معهم مخاطر على الاستقرار والأمن القومي، ولا بديل عن مواجهتهم والتصدي لهذه الظاهرة، مشيرين إلى أن هذا ما تقوم عليه حملات الجيش المصري منذ يونيو الماضي.

وتوقَّع الخبراء أن تزداد الإجراءات صرامة لمواجهة أي مساس بالحدود، خاصة وأنه غير مستبعد أن يتحول التنقيب العشوائي عن الذهب إلى «بؤر دعم للجماعات الإرهابية».

وتشير إصدارات مرئية بثَّها المتحدث العسكري المصري، منذ بدء حملة «درع الجنوب» لمواجهة خطر «الدهّابة»، إلى أن التنقيب غير الشرعي عن الذهب «لم يعد مجرد اعتداء على ثروات الدولة، بل تحول إلى نشاط إجرامي منظم يهدد الأمن القومي، ويغذي جرائم تهريب السلاح والمخدرات والبشر».

وجاء في أحد الإصدارات أن المناطق الجنوبية تقع ضمن حزام معدني غني بالثروات، وتشهد توسعاً في أعمال التعدين القانونية، «غير أن شبكات إجرامية استغلت الطبيعة الجبلية الوعرة لإقامة بؤر للتنقيب غير المشروع باستخدام معدات ثقيلة وسيارات دفع رباعي وأجهزة اتصال متطورة».

وأكد المتحدث العسكري أن هذه المجموعات «تضم عناصر مصرية وأجنبية مسلحة، تورط بعضها في الاعتداء على قوات الجيش والشرطة واستهداف شركات التعدين العاملة بصورة قانونية، الأمر الذي فرض تنفيذ حملة أمنية واسعة استندت إلى معلومات استخباراتية دقيقة لتفكيك هذه البؤر وتجفيف مصادر التهديد».

التنقيب غير المشروع

في السودان، أعلن مجلس السيادة الانتقالي أنه «شكل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الحادث الذي تعرض له عدد من المعدّنين السودانيين بالمنطقة الحدودية بين مصر والسودان».

وقال المجلس في إفادة رسمية، الاثنين، إن «اللجنة تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية، للتحقيق في ملابسات الحادث، والوقوف على جميع الظروف والوقائع المرتبطة به».

وفي مصر، أعلن المتحدث باسم الجيش العقيد أركان حرب أحمد عتمان في بيان، الاثنين، أن عناصر إنفاذ القانون من القوات المسلحة والشرطة المدنية «واصلت تنفيذ المرحلة الثالثة من الحملة المكبَّرة لمجابهة أعمال التنقيب غير المشروع عن خام الذهب بالصحراء الشرقية، بعد إلقاء المنشورات التحذيرية على العناصر الإجرامية لفرض كامل السيادة داخل حدود الدولة المصرية وحماية مقدراتها وثرواتها القومية».

جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية (المتحدث العسكري)

وكانت المرحلة الأولى ضد جماعات التنقيب غير المشروع عن خام الذهب قد جرت في يونيو؛ وأفاد الجيش بأنه خلال ذلك الشهر «تم ضبط 58 واقعة تنقيب عشوائي عن خام الذهب، وضبط 20 جهازاً للكشف عن المعادن، و118 ماكينة كهرباء، و86 طن أحجار مخلوطة بخام الذهب».

وشدد الخبير المصري الاستراتيجي اللواء سمير فرج، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، على الدور الحيوي والحاسم الذي تمثله حماية الحدود الإقليمية في صون قيمة الدولة واستقرارها.

وأشار إلى أن السودان «في وضعه الحالي غير مستقر، مما ينعكس سلباً على أوضاع الحدود وتأمينها»، لافتاً إلى أن ذلك يقود بدوره إلى «تحركات غير مشروعة من عصابات تتسلل إلى داخل الحدود المصرية، تستهدف تهريب السلاح والمخدرات، فضلاً عن التنقيب غير المشروع عن الذهب، مما يدفع مصر إلى حماية حدودها ليس أكثر».

واستطرد قائلاً: «الدهّابة عصابات مدربة تحمل مخاطر جسيمة على الأمن القومي المصري، وتُخلِّف بؤر تهديد في جنوب البلاد تفتح معها الباب أمام تهديدات واسعة».

وعن الإجراءات التي تتخذها الجهات المعنية، قال إنها تشمل تعزيز نقاط حرس الحدود، وتكثيف الدوريات الراكبة والمتجولة بالاستعانة بالمركبات الحديثة وتقنيات الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية، بما يضمن منع أي وجود غير قانوني داخل الأراضي المصرية.

الأمن القومي

الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء أركان حرب أسامة كبير يرى أن ظاهرة «الدهّابة» تهدد الأمن القومي من خلال بندين أساسيين، «أولهما المهدِّد الأمني للحدود، لأنهم يخترقونها ويجلبون عمالة غير مشروعة ويمتلكون أسلحة»؛ مشيراً إلى أن ما يحدث هو مواجهة لعناصر اخترقت الحدود قبل أن يكونوا منقبين غير شرعيين عن الذهب.

سبق أن أوقفت مصر عشرات المنقبين غير الشرعيين عن الذهب (المتحدث العسكري المصري)

وأضاف في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»: «هذا النشاط غير المشروع يتجاوز ملف التنقيب عن الذهب ليرتبط بشبكات تهريب وتسلل واسعة تشمل الهجرة غير الشرعية، ومافيا الاتجار بالبشر، وتهريب المخدرات والأسلحة والذخائر التي تسهم في نشر الجريمة والإرهاب داخل البلاد».

والتهديد الثاني، بحسب كبير، هو التهديد الاقتصادي، «باعتبار أن مقدرات البلد وثرواتها المعدنية وتربتها وخاماتها وذهبها وآثارها، وكل ما يُعد من مقومات الاقتصاد للدولة يكون مهدداً، خاصة مع سرقة الذهب واستنزاف وتهريب الثروات المعدنية، ولذا فإن الحملات الأمنية والعسكرية تحمي القانون».

ويقول اللواء فرج إن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تلتزم في تلك الحملات بتطبيق القواعد القانونية بدقة، والتعامل بحسم وفق الإجراءات الرسمية والتحذيرات المقررة ضد أي محاولات لاختراق الحدود أو الهروب بعد ارتكاب جرائم التهريب والتخريب.

ويشير اللواء كبير إلى وجود تنسيق تام ومشترك بين القوات المسلحة وأجهزة الشرطة خلال تلك الحملات في إطار تطبيق القانون عبر خطط محترفة ومنظمة بدقة.

ويتوقع كبير استمرار تلك الحملات بهدف حماية الحدود الإقليمية والجغرافية والسياسية للبلاد، والتعامل الحاسم مع المخالفين وفق القوانين، مع مراعاة البعد الإنساني وفحص مواقف الأفراد المتحفظ عليهم لترحيل غير المتورطين منهم، واتخاذ الإجراءات القضائية الصارمة ضد العناصر الفاعلة في أعمال التخريب والتهريب.


مصرع 4 أشخاص وإصابة 8 آخرين في انهيار مبنى سكني بالقاهرة

أحد أفراد الهلال الأحمر المصري في موقع الحادث (الصفحة الرسمية للهلال الأحمر بفيسبوك)
أحد أفراد الهلال الأحمر المصري في موقع الحادث (الصفحة الرسمية للهلال الأحمر بفيسبوك)
TT

مصرع 4 أشخاص وإصابة 8 آخرين في انهيار مبنى سكني بالقاهرة

أحد أفراد الهلال الأحمر المصري في موقع الحادث (الصفحة الرسمية للهلال الأحمر بفيسبوك)
أحد أفراد الهلال الأحمر المصري في موقع الحادث (الصفحة الرسمية للهلال الأحمر بفيسبوك)

أعلنت الحماية المدنية المصرية مصرع أربعة أشخاص وإصابة ثمانية آخرين والبحث عن مفقودين إثر انهيار مبنى سكني في القاهرة في الساعات الأولى من صباح اليوم (الأربعاء).

وقالت الحماية المدنية، في بيان صحافي، إنها تمكنت من استخراج جثامين طفلين وسيدة وشخص آخر من أسفل أنقاض العقار المنهار بمنطقة حدائق القبة، كما جرى نقل ثمانية مصابين، بينهم طفل، إلى المستشفى للعلاج وتولت النيابة التحقيق.

وأضافت أنها تواصل البحث عن أشخاص مفقودين أسفل ركام العقار وسط استمرار عمليات رفع الأنقاض، مشيرة إلى أن غرفة العمليات تلقت بلاغاً الليلة الماضية بانهيار أحد العقارات القديمة بمنطقة حدائق القبة وتبين أن العقار مبني منذ خمسينيات القرن الماضي، ويتكون من طابق أرضي وأربعة طوابق علوية.

وانتقلت قوات الحماية المدنية وسيارات الإسعاف والقيادات الأمنية إلى جانب الأجهزة التنفيذية بالمحافظة، إلى موقع الحادث لمتابعة عمليات رفع الأنقاض وإنقاذ المصابين.