شبح الركود التضخمي يعود لمحاصرة الاقتصاد العالمي

النفط عند 100 دولار يعيد الأسواق إلى معادلة النمو الضعيف والأسعار المرتفعة

محطة للوقود في ولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
محطة للوقود في ولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
TT

شبح الركود التضخمي يعود لمحاصرة الاقتصاد العالمي

محطة للوقود في ولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
محطة للوقود في ولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

عاد شبح الركود التضخمي ليخيّم على الأسواق العالمية مع صعود أسعار النفط مجدداً إلى مستوى 100 دولار للبرميل، في وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وترتفع تكاليف الاقتراض عالمياً، وتتسع الحرب التجارية بين الاقتصادات الكبرى. ويخشى المستثمرون من تكرار سيناريو يجمع بين تباطؤ النمو الاقتصادي واستمرار التضخم المرتفع، وهو التحدي الأصعب الذي تواجهه البنوك المركزية وصنّاع السياسات.

وكانت الأسواق قد راهنت مطلع يوليو (تموز) على أن اتفاق التهدئة المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران سيمنح الاقتصاد العالمي فرصة لتجنب موجة تضخمية جديدة، بعدما تراجع خام برنت إلى نحو 70 دولاراً للبرميل.

لكن تجدد المواجهات في المنطقة، واتساع اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر بعد هجمات الحوثيين على ناقلة نفط سعودية، أعادا أسعار الخام إلى مستوى 100 دولار، لترتفع بنحو 40 في المائة خلال يوليو، في أكبر زيادة شهرية منذ مارس (آذار)، بحسب وكالة «رويترز».

ولم يقتصر الارتفاع على النفط؛ إذ قفزت أيضاً أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية بأكثر من 40 في المائة خلال الشهر، لتسجل أعلى مستوياتها منذ مارس، وهو ما أعاد المخاوف من موجة جديدة من ارتفاع تكاليف الطاقة في القارة الأوروبية التي لا تزال الأكثر اعتماداً على الواردات.

وتزداد الصورة تعقيداً مع تصاعد التوترات التجارية. فقد فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية جديدة تراوحت بين 10 و12.5 في المائة على واردات من 60 شريكاً تجارياً، من بينهم الاتحاد الأوروبي والصين، وهو ما ينذر بمزيد من الضغوط على الأسعار العالمية في وقت يعاني فيه المستهلكون والشركات أصلاً من ارتفاع تكاليف التمويل والطاقة.

مخاطر الركود التضخمي

ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه العوامل تعيد إلى الواجهة مخاطر الركود التضخمي، وهو السيناريو الذي يتزامن فيه ضعف النشاط الاقتصادي مع استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة. وقالت أليسيا بيراردي، رئيسة الاقتصاد الكلي العالمي في «أمندي إنفستمنت إنستيتيوت»، إن مخاطر الركود التضخمي كانت قائمة منذ مارس، لكن اتساع الصراع في الشرق الأوسط زاد احتمال تحققها بصورة أكبر.

وتبقى الطاقة المحرك الرئيسي لتوقعات التضخم في الأجل القصير. فكل ارتفاع جديد في أسعار النفط ينعكس سريعاً على تكاليف النقل والإنتاج والكهرباء، ثم ينتقل إلى أسعار السلع والخدمات. كما أن نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر مضيق هرمز، وفق تقديرات شركة «كبلر»، ما يعني أن أي اضطراب طويل الأمد قد يرفع أيضاً أسعار الغذاء، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة التي هي أكثر اعتماداً على الواردات.

ورغم أن بيانات التضخم الأميركية لشهر يونيو (حزيران) جاءت أقل من المتوقع، فإن الأسواق لم تحتفظ بتفاؤلها طويلاً. فقد دفعت موجة ارتفاع أسعار الطاقة المستثمرين إلى بيع السندات الحكومية، لترتفع العوائد في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، في إشارة إلى توقعات باستمرار الضغوط التضخمية.

وأعاد ذلك الرهانات على تشديد السياسة النقدية. فالمستثمرون يتوقعون الآن زيادتين إضافيتين في أسعار الفائدة من البنك المركزي الأوروبي قبل نهاية العام، بعدما أبقى الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير مع الإشارة إلى احتمال مواصلة التشديد. كما عادت الأسواق لتسعير احتمال قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفع الفائدة مرتين تقريباً بحلول يناير (كانون الثاني) المقبل.

معضلة معقدة

لكن هذه السياسة تضع البنوك المركزية أمام معضلة معقدة؛ إذ إن رفع الفائدة يساعد في احتواء التضخم، لكنه في الوقت نفسه يزيد تكلفة الاقتراض ويبطئ الاستثمار والاستهلاك، ما يضغط على النمو الاقتصادي في وقت يتعرض فيه النشاط الاقتصادي أصلاً لضغوط من ارتفاع أسعار الطاقة.

وتبدو أوروبا الأكثر عرضة لهذا السيناريو؛ نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة. فالقارة تواجه في الوقت نفسه ارتفاعاً في أسعار النفط والغاز، وتشديداً متوقعاً للسياسة النقدية، وهو ما وصفه محللو «مورغان ستانلي» بأنه «ضربة مزدوجة» تتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة وتشديد الأوضاع المالية معاً. ومع بلوغ النفط مستوى 100 دولار، تراجع اليورو إلى أدنى مستوياته في ثلاثة أسابيع دون 1.14 دولار.

ولا تقل آسيا تعرضاً للمخاطر؛ إذ تعتمد معظم اقتصاداتها على واردات النفط من الخليج. وتبرز اليابان مثالاً واضحاً على ذلك، فضعف الين إلى أدنى مستوياته في أربعة عقود رفع قيمة الواردات إلى مستويات قياسية، ما زاد الضغوط التضخمية، وأربك جهود بنك اليابان لتحقيق توازن بين دعم النمو واستقرار الأسعار.

كما تواجه اقتصادات جنوب وجنوب شرق آسيا تحديات أكبر؛ نظراً إلى محدودية قدرتها على تحمل ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء، في وقت قد تؤدي فيه ظاهرة «النينيو» إلى زيادة الضغوط على أسعار السلع الزراعية.

ورغم أن الولايات المتحدة أقل تعرضاً بفضل كونها منتجاً ومصدراً للطاقة، فإنها ليست بمنأى عن التداعيات. فقد تجاوز متوسط سعر البنزين 4 دولارات للغالون، وهو مستوى حساس للمستهلك الأميركي، في حين ارتفعت تكاليف الوقود لشركات الطيران الكبرى بصورة ملحوظة، كما أدى ارتفاع عوائد سندات الخزانة إلى زيادة معدلات الرهن العقاري، ما يضغط على سوق الإسكان.

وتحذر تقديرات البنك الدولي من أن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قد يخفضان نمو الاقتصاد العالمي إلى نحو 1.3 في المائة، مقارنة بنحو 2.9 في المائة العام الماضي، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي.

وبين صدمات الطاقة، وتشديد السياسات النقدية، وتصاعد النزاعات التجارية والجيوسياسية، تبدو الأسواق أمام مرحلة تزداد فيها احتمالات الركود التضخمي. وإذا استمرت أسعار النفط عند مستوياتها الحالية، فقد تجد البنوك المركزية نفسها أمام أصعب اختبار منذ عقود؛ إذ يصبح احتواء التضخم والحفاظ على النمو هدفين يصعب تحقيقهما في آن واحد.


مقالات ذات صلة

المركزي التركي يرفع توقعاته للتضخم إلى 28 % بنهاية 2026

الاقتصاد لقطة جوية بطائرة مسيّرة تُظهر العلم التركي يرفرف فوق منطقة سارايبورنو (رويترز)

المركزي التركي يرفع توقعاته للتضخم إلى 28 % بنهاية 2026

رفع البنك المركزي التركي توقعاته للتضخم بنهاية عام 2026 إلى 28 % من 26 % لكنه أبقى هدفه المؤقت للتضخم للفترة نفسها عند 24 %

«الشرق الأوسط» (إسطنبول )
الاقتصاد مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)

الصين تعيد هندسة إدارة السيولة قصيرة الأجل

تتحرك بكين نحو مرحلة أدق في إدارة السيولة مع انتقال «بنك الشعب (المركزي الصيني)» تدريجياً من التركيز على عمليات إعادة الشراء لأجل 7 أيام إلى الليلة الواحدة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد محافظ بنك اليابان كازو أويدا في طريقه إلى مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)

تضخم الجملة يعزز رهانات رفع الفائدة اليابانية

بقي تضخم أسعار الجملة في اليابان عند مستويات مرتفعة خلال يوليو، في إشارة إلى اتساع ضغوط التكلفة داخل الاقتصاد

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رجل يحمل حزمة عملات من الدولار الأميركي واليوان الصيني بمحل صرافة في العاصمة الإندونيسية جاكرتا (أ.ف.ب)

اليوان يوسع حضوره العالمي مع صعود أسهمه

يسجل اليوان الصيني تحولاً لافتاً؛ حيث أصبح زوج الدولار واليوان الأكثر تداولاً في سوق الصرف بهونغ كونغ للمرة الأولى.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ ب)

إغلاق قياسي لـ«توبكس» الياباني مدعوما بأشباه الموصلات وتوقعات الأرباح

أغلقت الأسهم اليابانية على ارتفاع يوم الخميس؛ حيث سجل مؤشر توبكس مستوى قياسياً جديداً، مدعومة بارتفاع أسهم شركات أشباه الموصلات

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

ذراع «أدنوك» الإماراتية للاستثمار الدولي تدخل سوق الغاز الفنزويلية

شركة «إكس آر جي» ذراع «أدنوك» الإماراتية للاستثمار الدولي في قطاع الطاقة (الشرق الأوسط)
شركة «إكس آر جي» ذراع «أدنوك» الإماراتية للاستثمار الدولي في قطاع الطاقة (الشرق الأوسط)
TT

ذراع «أدنوك» الإماراتية للاستثمار الدولي تدخل سوق الغاز الفنزويلية

شركة «إكس آر جي» ذراع «أدنوك» الإماراتية للاستثمار الدولي في قطاع الطاقة (الشرق الأوسط)
شركة «إكس آر جي» ذراع «أدنوك» الإماراتية للاستثمار الدولي في قطاع الطاقة (الشرق الأوسط)

قالت شركة «إكس آر جي»، ذراع «أدنوك» للاستثمار الدولي في قطاع الطاقة، إنها دخلت سوق الغاز الفنزويلية للمرة الأولى، عبر الحصول على حصة في امتياز حقل «لوران» البحري للغاز من «شركة النفط الوطنية الفنزويلية»، في خطوة تتطلع فيها الشركة الإماراتية إلى توسيع محفظتها الدولية في قطاع الغاز، وحضورها في أميركا اللاتينية.

وقالت الشركة، الخميس، إن «إكس آر جي» ستشارك كلاً من «بي بي» و«يو سي سي» في امتياز الحقل، الذي يضم موارد غاز مؤكدة تزيد على 4 تريليونات قدم مكعبة، وذلك بعد الحصول على الموافقات التنظيمية ذات الصلة.

ويُعد حقل «لوران» جزءاً من مكمن الغاز البحري «لوران-ماناتي»، الممتد عبر الحدود البحرية المشتركة بين فنزويلا وترينيداد وتوباغو، ويتيح موقعه الاستفادة من البنية التحتية القائمة للوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية.

وقال محمد العرياني، رئيس منصة الغاز الدولية في «إكس آر جي» بحسب بيان، إن فنزويلا تمتلك موارد كبيرة من الغاز تؤهلها للقيام بدور أكبر في تلبية الطلب الإقليمي والدولي على الطاقة، موضحاً أن دخول الشركة إلى السوق الفنزويلية عبر مشروع «لوران» يعكس تركيزها على الاستثمار بالشراكة مع أطراف أخرى، وربط موارد الغاز بالبنية التحتية القائمة.

وأضاف أن الشركة تسعى إلى تنمية هذه الموارد بصورة مسؤولة ومستدامة، بما يسهم في خلق قيمة طويلة الأجل لفنزويلا والشركاء.

ويأتي الاستثمار في حقل «لوران» ضمن استراتيجية «إكس آر جي» لبناء منصة للغاز والغاز الطبيعي المسال في أميركا اللاتينية، إذ ستمتلك الشركة حصصاً متساوية مع «بي بي» و«يو سي سي» في الامتياز.

ويمثل المشروع إضافة جديدة إلى محفظة «إكس آر جي» العالمية في قطاع الغاز والغاز الطبيعي المسال، التي تشمل استثمارات في مشروع «ريو غراندي» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، ومشروع الأرجنتين للغاز الطبيعي المسال، إلى جانب استثماراتها في مصر من خلال شركة «أركيوس إنرجي».

كما تضم محفظة الشركة حقل «أبشيرون» للغاز والمكثفات، وشركة «ممر الغاز الجنوبي» في أذربيجان، وحقول الغاز والمكثفات ضمن «المنطقة 1» البحرية في تركمانستان، إضافة إلى امتياز «المنطقة 4» في حوض «روفوما» للغاز الطبيعي في موزمبيق.

وتخضع مشاركة «إكس آر جي» في مشروع حقل «لوران» لاستكمال اتفاقيات الامتياز والشراكة النهائية، والحصول على الموافقات الحكومية والتنظيمية ذات الصلة، والامتثال للقوانين والاشتراطات التنظيمية، ومتطلبات التراخيص اللازمة.


قناة السويس تتلقى دفعة جديدة من «ميرسك» رغم «استهدافات» البحر الأحمر

سفينة شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)
سفينة شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)
TT

قناة السويس تتلقى دفعة جديدة من «ميرسك» رغم «استهدافات» البحر الأحمر

سفينة شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)
سفينة شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)

تلقت قناة السويس، التي تعد إيراداتها أحد أهم مصادر العملة الصعبة بمصر، دفعة جديدة من شركة «ميرسك» عملاق النقل البحري، بالتأكيد على أهمية الممر الملاحي واقتراب العودة الكاملة للملاحة، رغم استهدافات لبعض السفن بالآونة الأخيرة.

ووفق خبير اقتصادي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن إعلان ميرسك «يعكس تحسناً في تقييم كبرى شركات الشحن للمخاطر الأمنية في البحر الأحمر، ويعزز الثقة الدولية في الممر الملاحي، ويشجع خطوط ملاحية أخرى على إعادة تقييم مساراتها والعودة إلى قناة السويس».

وأكد الرئيس التنفيذي لشركة «ميرسك» للملاحة، فينسنت كليرك، في حديث نقلته «رويترز» الخميس، أن الظروف الحالية مهيأة لاستئناف حركة الملاحة الكاملة عبر قناة السويس خلال عام 2026.

وتصريح كليرك يأتي عقب إعلان شركتي «ميرسك» الدنماركية، وعملاق النقل البحري الألماني «هاباج - لويد» إجراء تعديل هيكلي على خدمة الشحن «AE19» ضمن تحالف «جيميني»، يقضي بعودة السفن للعبور عبر قناة السويس بدلاً من الإبحار حول رأس الرجاء الصالح، في خطوة جديدة ضمن العودة التدريجية للممر الملاحي المصري.

وقالت «ميرسك» في بيان في 10 أغسطس (آب) إن التعديل دخل حيز التنفيذ فوراً، مشيرة إلى أن القرار اتخذ بالتنسيق مع «هاباغ - لويد» عقب تقييم شامل للأوضاع الأمنية في منطقة البحر الأحمر، مؤكدة أن قناة السويس تمثل ممراً بحرياً حيوياً بين الشرق والغرب ومحركاً رئيسياً لكفاءة سلاسل الإمداد العالمية، عادّةً أن المرور عبر قناة السويس والبحر الأحمر هو المسار الأسرع والأكثر استدامة وكفاءة لخدمة عمليات النقل بين آسيا وأوروبا.

حاويات شحن على متن سفينة تابعة لشركة «ميرسك» راسية بميناء لوس أنجليس في لونغ بيتش بكاليفورنيا (رويترز)

دلالات إيجابية

ويرى رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، خالد الشافعي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة «ميرسك» تعبر عن تحول تدريجي ونوعي في استراتيجية كبرى شركات الشحن العالمية، حيث انتقلت الأدبيات التشغيلية من مرحلة إدارة الأزمات والاستجابة السريعة للمخاطر إلى مرحلة التخطيط للتعافي الملاحي والاستقرار التشغيلي المستدام.

وأضاف: «تؤكد الإشارة إلى أن الظروف باتت مواتية لعودة كاملة خلال عام 2026 بقناعة راسخة لدى تحالفات الشحن بأن مسار رأس الرجاء الصالح، رغم دوره المؤقت في تفادي المخاطر، يُشكل عبئاً مالياً ولوجستياً غير مستدام على المدى الطويل نظراً لطول مسافاته، وزيادة استهلاك الوقود، وارتباك جداول الإبحار».

وتشكل هذه التصريحات والخطوات العملية التي اتُّخذت بالتنسيق مع «هاباج - لويد» مؤشراً جلياً على تغيير عميق وحذر في منهجية تقييم المخاطر الأمنية في البحر الأحمر، حسب الشافعي.

وأكد أن عودة «ميرسك» وشريكتها «هاباج - لويد» - اللتين تشكلان تحالف «جيميني» وتسيطران على حصة مؤثرة للغاية من حركة شحن الحاويات العالمية - نقطة تحول محورية واستراتيجية لاستعادة حركة الملاحة. ولا تقتصر أهميتها على التدفق المباشر لرسوم العبور وضخ السيولة النقدية للتجارة المصرية، بل ترسل إشارة ثقة قوية للغاية لباقي شركات الشحن والمستأجرين للعودة إلى الطريق الأقصر والأكثر كفاءة بين آسيا وأوروبا، مما يُسرّع من وتيرة تعافي الإيرادات القومية المتأثرة.

وحسب إحصاءات مصرية رسمية في 4 أغسطس الحالي، ارتفعت إيرادات قناة السويس في الربع الثاني من العام الحالي إلى 1.26 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.1 مليار دولار في الربع الأول، وبنمو 13 في المائة بالتزامن مع ازدياد معدلات عبور السفن، وهو أعلى مستوى فصلي للإيرادات منذ الربع الأول من 2024.

وسجلت إيرادات القناة في شهر يونيو (حزيران) الماضي 446 مليون دولار، مقابل 414 مليون دولار في مايو (أيار)، حسب الجهاز المركزي للإحصاء، وهو أعلى مستوى شهري للإيرادات منذ يناير (كانون الثاني) 2024.

وارتفع عدد السفن العابرة للقناة في الربع الثاني من 2026 إلى 3580 سفينة، مقارنة مع 3324 سفينة في الربع الأول، بنمو 7.7في المائة، وفقاً لبيانات هيئة قناة السويس، وارتفع صافي الحمولة العابرة إلى نحو 169 مليون طن خلال الربع الثاني، مقابل 142.9 مليون طن في الربع الأول، بنمو 18.3في المائة.

تحذيرات مصرية

وتأتي تلك المؤشرات تزامناً مع بيان للخارجية المصرية الخميس رفضت خلاله أي استهدافات للسفن في البحر الأحمر، ودعت لاحترام حرية الملاحة فيه.

وجددت مصر «رفضها القاطع للأعمال كافة التي تستهدف السفن والمنشآت المدنية، أو تهدد أمن وحرية الملاحة بالبحر الأحمر والممرات المائية الدولية»، مؤكدة «الأهمية البالغة لاحترام وضمان وحماية حرية الملاحة الدولية في المضايق والممرات الدولية كافة، وبما يضمن حرية التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية؛ وفقاً لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وعادة ما تؤدي الهجمات في البحر الأحمر إلى خفض حركة الملاحة في قناة السويس المصرية، ما يكبد القاهرة خسائر مالية، بسبب تحول السفن إلى مسارات بديلة لتجنب المخاطر الأمنية.

وهذا الرفض المصري يعزز، حسب الشافعي، التفاؤل الحذر لبعض الشركات الملاحية، خصوصاً مع عدة تحديات رئيسية أمام التحقق الكامل لهذا السيناريو، أبرزها الهشاشة الأمنية والاستراتيجية في منطقة جنوب البحر الأحمر.

وأكد الشافعي أن أي تجدد لاستهداف السفن أو حدوث توترات غير محسوبة قد يُعيد خطط الاستئناف إلى نقطة الصفر، في ظل التحديات اللوجستية المتعلقة بتعديل الجداول الزمنية وسلاسل الإمداد، وازدحام بعض الموانئ العالمية نتيجة إعادة توجيه أسطول السفن الضخم.

وفي مايو الماضي، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن بلاده فقدت نحو 10 مليارات دولار من عائدات قناة السويس نتيجة الاعتداءات على السفن في مضيق باب المندب ضمن تداعيات الحرب على غزة.


«جي إف إتش» يرفع أرباحه 13 % إلى 76 مليون دولار في النصف الأول

شعار بنك «جي إف إتش» (الشرق الأوسط)
شعار بنك «جي إف إتش» (الشرق الأوسط)
TT

«جي إف إتش» يرفع أرباحه 13 % إلى 76 مليون دولار في النصف الأول

شعار بنك «جي إف إتش» (الشرق الأوسط)
شعار بنك «جي إف إتش» (الشرق الأوسط)

سجَّل بنك «جي إف إتش» نمواً في أرباحه خلال النصف الأول من عام 2026، مدعوماً بارتفاع دخل إدارة الثروات والاستثمار والائتمان والتمويل، في وقت عزَّز فيه البنك حضوره الاستثماري في السعودية والإمارات، رغم حالة عدم اليقين التي فرضتها التطوُّرات الجيوسياسية الإقليمية على الأسواق.

وأعلن البنك، الخميس، ارتفاع صافي الربح العائد على المساهمين بنسبة 13.3 في المائة خلال النصف الأول، ليصل إلى 76.2 مليون دولار، مقارنة مع 67.24 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، بينما ارتفعت ربحية السهم إلى 2.21 سنت، من 1.93 سنت.

وزاد إجمالي الدخل بنسبة 4.4 في المائة إلى 309.81 مليون دولار، مقابل 296.75 مليون دولار على أساس سنوي، بينما ارتفع صافي الربح الموحد 9.8 في المائة إلى 76.57 مليون دولار. وبلغ إجمالي أصول البنك 12.44 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران)، بزيادة 1.97 في المائة مقارنة بنهاية 2025، في حين بلغت حقوق الملكية العائدة للمساهمين 1.01 مليار دولار.

وخلال الرُّبع الثاني، ارتفع صافي الربح العائد على المساهمين 10.8 في المائة إلى 41.09 مليون دولار، مدفوعاً بنمو دخل إدارة الثروات والاستثمار بنسبة 32.5 في المائة، ودخل الائتمان والتمويل بنسبة 23 في المائة. كما ارتفع إجمالي الدخل الفصلي 8.75 في المائة إلى 158.82 مليون دولار.

وقال رئيس مجلس إدارة «جي إف إتش»، عبد المحسن الراشد، إن النتائج تعكس «مرونة نموذج أعمال البنك المتنوع»، مشيراً إلى استمرار التركيز على النمو المستدام وتعزيز مصادر الدخل المتكرر، مع الانضباط في تخصيص رأس المال وإدارة المخاطر.

عبد المحسن الراشد رئيس مجلس إدارة «جي إف إتش».(الشرق الأوسط)

من جانبه، قال الرئيس التنفيذي وعضو مجلس الإدارة، هشام الريس، إن الظروف الجيوسياسية الإقليمية وحالة عدم اليقين أثرتا على ثقة المستثمرين ونشاط الأسواق وتوقيت تنفيذ المعاملات، إلا أن تنوع مصادر دخل البنك وانتشاره الجغرافي أسهما في تعزيز مرونته.

وتصدر نشاط إدارة الثروات والاستثمار محركات النمو، محققاً دخلاً قدره 132.83 مليون دولار خلال النصف الأول، بينما بلغ دخل الائتمان والتمويل 69.91 مليون دولار، مع وصول صافي عقود التمويل إلى 2.64 مليار دولار. وحققت الخزانة والاستثمارات الخاصة دخلاً قدره 107.07 مليون دولار.

هشام الريس الرئيس التنفيذي وعضو مجلس الإدارة.(الشرق الأوسط)

وعلى صعيد التَّوسُّع الإقليمي، وقَّع البنك مذكرة تفاهم مع «أوكتو مانجمنت» لتطوير منصة عقارية لوجستية وصناعية بقيمة 300 مليون دولار في السعودية والإمارات، كما وسَّع منصته الصناعية واللوجستية في المملكة من خلال شراكة استراتيجية مع شركة «موطن العقارية».

وشملت تحركات البنك الاستثمارية المشاركة مستثمراً رئيسياً في طرح عام أولي مزدوج في بورصة نيويورك، إلى جانب تنفيذ استثمار استراتيجي طويل الأجل في شركة «سبايس إكس» من خلال صفقة مهيكلة.