تمرُّ بعد أيام الذكرى العاشرة لرحيل المخرج المصري محمد خان، الذي توفي في الـ26 من هذا الشهر عام 2016. وكان قد تعرَّض لوعكة صحية قبل أيام من وفاته، ولم يتعافَ بعدها، وودَّع الحياة في أحد مستشفيات القاهرة.
خلال السنوات الـ10 الماضية، أُطلقت أفلام مصرية قليلة تستحق التقدير والإعجاب. ليس لأنّ المخرجين الطموحين، القادرين على تحقيق أعمال جيدة، غير متوفّرين بالمطلق، وإنما لأنّ التوجّه التجاري المحض للسينما المصرية ازداد شراسة، وبات هو الخيار الأول وعنوان إنتاجاتها الأساسي، مدعوماً بإقبال المشاهدين العرب. هناك تقدُّم في توظيف التقنيات في أفلام الأكشن، وكثير من العضلات الشابة التي تشارك في الأداء، لكن ليس ثمة أيّ اكتراث فعلي بالقيمة الجوهرية للسينما.
الحال، بأسرها، ليست غريبة. فقد كانت قد استشرت في أيام محمد خان. ما بين «يوم حلو... يوم مُر» (1988) وفيلمه اللاحق «أيام السادات» (2001)، 12 سنة. وما بين «شقة مصر الجديدة» (2007) وفيلمه التالي «فتاة المصنع» (2014) 7 سنوات عجاف. ذلك لأن المنتجين نفضوا أيديهم من مخرجين من طرازه، لا تحقّق أعمالهم أرباحاً ترضيهم.

ما بين 1979 و2014، أنجز خان 24 فيلماً روائياً طويلاً. ومَن ينظر إليها اليوم يجدها أكثر تنوّعاً مما بدا سابقاً. صحيح أنه اشتغل على أفلام ذات طابع تشويقي، مثل «ضربة شمس» (1979)، و«الثأر» (1980)، و«نص أرنب» (1982)، و«فارس المدينة» (1992)، وإنما معظم أفلامه كانت اجتماعية بمضامين جدّية. وكان من بينها أفلام كوميدية، مثل «خرج ولم يعد» (1984)، وأخرى محورها الإنسان الحائر بين انتماءات عاطفية وعائلية، مثل «الحريف» (1983) و«عودة مواطن» (1986)، وأحدها، وهو «أيام السادات»، كان فيلماً سِيَريّاً. وحتى تلك الأفلام التي يمكن وصفها بالتشويقية، لم تخلُ مطلقاً من رؤية اجتماعية ومعالجة جدّية لشخصياتها.

ملامح مبكرة
كانت بدايته في الأفلام الروائية الطويلة، بعد بضعة أفلام قصيرة، متجسّدة في فيلم من كتابة الراحل فايز غالي وبطولة نور الشريف، الذي أنتج أيضاً الفيلم. وكان ذلك في «ضربة شمس»، الذي حمل ملامح عدّة لما سيكون عليه أسلوب محمد خان في أفلامه المقبلة. هو فيلم عن القاهرة ومتاهاتها. وليس معنى ذلك أنه جيد في كلّ زوايا وجوانب عمله؛ فالتصوير الليلي ضعيف في توزيع إضاءته، وموسيقى كمال بكير مستَخدمة أكثر مما يجب، كما أنّ هناك ثغراً في الكتابة، مثل أن يترك مصور صحافي كاميرته على دراجته ثم يُفاجأ بسرقتها. وإلى جانب هؤلاء، بدأ خان علاقة عمل مثمرة فنياً مع المونتيرة نادية شكري، استمرّت ردحاً طويلاً.
لكن ما يكشف الفيلم عنه هو تصاميم تصوير خارجية منفَّذة بنجاح، وهي سمة مهمّة في أفلام خان اللاحقة، يلتقط عبرها أنفاس المدينة.
سنلاحظ أنّ خان، من هذا الفيلم وحتى فيلمه الرائع «الحريف» (1983)، تعامل مع كاتبين فقط، هما فايز غالي وبشير الديك، ومع مدير تصوير واحد هو سعيد شيمي، الذي طمر ثغرَ فيلم خان الأول سريعاً، وانبرى أحد داعمي أسلوب عمل المخرج وجيله.
فيلمان لخان جرى اقتباسهما من أفلام أجنبية: «الرغبة»، عن رواية ف. سكوت فيتزجيرالد «غاتسبي العظيم»، التي صُوِّرت بضع مرات، أفضلها نسخة جاك كلايتون سنة 1974، و«الثأر» (1980)، المأخوذ عن فيلم الغرب الأميركي «ذا برافادوس» (هنري كينغ، 1958). وفي كليهما تحوَّلت الحكاية إلى ما يلائم المجتمع المصري.
ما بين 1979 و2014 أنجز خان 24 فيلماً روائياً طويلاً
نساء ورجال
فيلم خان الرابع «موعد على العشاء» وَرَدَ سنة 1981 عن سيناريو لبشير الديك، الذي كتب حكاية عاطفية عن امرأة متزوجة (سعاد حسني) من رجل مهيمن (حسني فهمي)، تستعيد لحظة حبّها لشاب كانت تعرفه سابقاً (أحمد زكي في التعاون الأول بينه وبين المخرج). وما يمكن تسجيله هنا هو البداية الفعلية لاهتمام محمد خان بالمرأة في أفلامه، التي عبّر عنها في «زوجة رجل مهم» لجهة تصوير العلاقة بين رجل مستبد وامرأة تستحق حياة أفضل. أعجب الفيلم المخرج أنو قوادري، فاقتبسه موضوعاً للفيلم البريطاني «كلارا» بعد سنوات.
هناك زوجة محرومة أخرى في فيلم خان التالي «طائر على الطريق» (1981)، تؤدّيها فردوس عبد الحميد إلى جانب أحمد زكي (التعاون الثاني) وفريد شوقي، قبل أن يعود المخرج إلى سينما الحركة في «نص أرنب» (1982).
«الحريف» في 1984 شهد نضج كلّ تلك الرؤى والمعالجات السابقة. دراما حول المهمّشين. فيلم أكثر واقعية ممّا سبق لخان أن أنجزه حتى ذلك الحين، وأحد أفضل أفلامه إلى جانب «زوجة رجل مهم»، و«أحلام هند وكاميليا»، و«عودة مواطن»، و«سوبر ماركت» (1990). في هذه الأفلام تتطوَّر شخصيات خان المحبطة، التي وصلت إلى نهايات طرقها. وما عاد لديها سوى القبول بما حققته والإذعان لِما لم يتحقّق.
«فارس المدينة» (1992) هو فيلم رائع آخر، وانطلاقة جيدة لبطله محمود حميدة، وهو، في رأيي، أفضل فيلم تشويقي أنجزه خان. إنه أكثر من فيلم «أكشن» حول رجل تتقاسمه مشاغل الحياة وعواطفها.
وإذ لا تكفي المساحة لسرد جميع أعمال خان الأخرى، مثل «يوم حار جداً» (1994)، و«أيام السادات» (2001)، و«فتاة المصنع» (2014)، فإن كلاً منها نقل صورة صادقة عن الحياة في مصر. حتى «خرج ولم يعد» (1984)، مع يحيى الفخراني وليلى علوي وفريد شوقي، يبدأ في القاهرة، لكن أحداثه تدور في الريف، حيث يكمن الجمال المنسيّ للحياة.
فإنه من الضروري التوقف عند فيلمه الأخير «قبل زحمة الصيف» (2016)، الذي لم يجد بين النقاد العرب كثيراً مما يثير اهتمامهم. لكنه فيلم بديع، لحكاية عاطفية من دون أن يعلن عن نفسه كذلك. حمل هذا الفيلم نسيماً خاصاً، كما لو كان إعلان حبّ من خان للسينما، في بساطة عناصرها وعمق مدلولاتها.
