قيادات بالجنوب الليبي تتحرك سياسياً لكسر «التهميش»

أجرت لقاءين مع نائبة المبعوثة الأممية وعضو بالمجلس الرئاسي في طرابلس

قيادات بالتجمع السياسي في فزان خلال لقاء مع خوري بالعاصمة طرابلس الثلاثاء (البعثة الأممية)
قيادات بالتجمع السياسي في فزان خلال لقاء مع خوري بالعاصمة طرابلس الثلاثاء (البعثة الأممية)
TT

قيادات بالجنوب الليبي تتحرك سياسياً لكسر «التهميش»

قيادات بالتجمع السياسي في فزان خلال لقاء مع خوري بالعاصمة طرابلس الثلاثاء (البعثة الأممية)
قيادات بالتجمع السياسي في فزان خلال لقاء مع خوري بالعاصمة طرابلس الثلاثاء (البعثة الأممية)

كثفت قيادات سياسية واجتماعية في إقليم فزان، جنوب ليبيا، تحركاتها خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعزيز حضور الإقليم في أي ترتيبات سياسية مقبلة، وسط مخاوف من استمرار ما عدوه «تهميشاً للجنوب الليبي» في المبادرات المحلية والدولية المطروحة لإنهاء الانقسام السياسي، الذي تشهده البلاد، وكذلك في الخدمات التنموية والمعيشية الرئيسية.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الليبية (الوحدة)

ويأتي هذا الحراك في وقت تزداد فيه النقاشات حول مبادرات دولية لإعادة تشكيل السلطة في ليبيا، وهو ما دفع مكونات سياسية في فزان إلى التحرك لتأكيد أن أي تسوية لن تكون قابلة للاستمرار ما لم تتضمن تمثيلاً متوازناً للأقاليم الثلاثة، وتمنح الجنوب دوراً في صناعة القرار السياسي.

اللافي خلال لقاء مع قيادات التجمع السياسي في فزان بطرابلس الثلاثاء (المجلس الرئاسي)

وفي هذا السياق، عقد وفد من التجمع السياسي الوطني لفزان، الثلاثاء، لقاءين منفصلين مع نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفاني خوري، وعضو المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، ضمن سلسلة من المشاورات، التي يجريها التجمع منذ الإعلان عن تأسيسه في يونيو (حزيران) الماضي.

وركز لقاء خوري على مستقبل العملية السياسية، وتوصيات الحوار السياسي المُهيكل الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، إضافة إلى ضرورة إشراك جميع المناطق الليبية في رسم ملامح المرحلة المقبلة. كما طرح وفد التجمع أولويات إقليم فزان في ملفات الحوكمة والتنمية والاستقرار، مؤكداً أهمية أن يحظى الجنوب بتمثيل فاعل في أي تسوية سياسية مرتقبة.

وأوضحت بعثة الأمم المتحدة أن ممثلي فزان شددوا خلال اللقاء على الدور التاريخي للإقليم في بناء الدولة الليبية ومؤسساتها، وأعربوا عن دعمهم للمسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، بوصفه الإطار الأنسب للتوصل إلى حل سلمي للأزمة. وفي المقابل، أكدت خوري التزام البعثة بإجراء مشاورات واسعة مع مختلف المكونات الليبية، بما يضمن التوصل إلى حل سياسي «ليبي القيادة والملكية»، يراعي خصوصية إقليم فزان وتاريخه وموقعه الجغرافي.

وفي لقاء منفصل مع عضو المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، تصدر ملف الشراكة الوطنية جدول الأعمال، حيث ناقش الطرفان أهمية الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة، وتحافظ على وحدة البلاد واستقرارها. كما برز توافق على أن نجاح أي مسار سياسي يرتبط بتمثيل عادل للأقاليم الليبية، وضمان حضور الجنوب في مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار، بما يحقق قدراً أكبر من التوازن في توزيع السلطة والتنمية.

ويعد هذا الحراك امتداداً لسلسلة لقاءات أجراها التجمع منذ تأسيسه مع عدد من المسؤولين في غرب ليبيا، من بينهم رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، حيث طرح خلال تلك الاجتماعات رؤية تدعو إلى «شراكة عادلة» لفزان في القرار السياسي والتنموي، وتمثيل أبناء الجنوب في رئاسة المؤسسات السيادية والتنفيذية، بوصف الإقليم شريكاً رئيسياً في أي ترتيبات مستقبلية.

ومنذ وقت مبكر ذهب البيان التأسيسي للتجمع إلى نفي أي توجهات انفصالية أو جهوية لمشروعه، مركزاً على أنه ينطلق من التمسك بوحدة ليبيا وسيادتها، مع السعي إلى معالجة ما وصفه بـ«الاختلالات التنموية والسياسية التاريخية»، التي عانى منها الجنوب لعقود، عبر الحوار الوطني والعمل السلمي، وتقديم مبادرات تدعم الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة.

غير أن هذه التحركات لم تحظ بإجماع داخل فزان، حيث أبدى رئيس المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان، إبراهيم أبو بكر نصر، تحفظه على المسار الذي يتبعه التجمع، عادّاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن أي مبادرة سياسية لا تنطلق من توافق واسع بين مكونات الإقليم، ولا تستند إلى مؤسساته الاجتماعية والرسمية، «ستظل محدودة التأثير».

كما رأى نصر أن المجلس الرئاسي «لا يملك الأدوات التنفيذية الكافية لتحويل مثل هذه التفاهمات إلى قرارات عملية، وهو ما يجعل نتائجها السياسية محل شك».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

ويتزامن هذا الحراك مع استمرار الجدل حول المبادرة المنسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط، مسعد بولس، التي تتحدث عن صيغة جديدة لتقاسم السلطة في ليبيا، تتضمن إسناد رئاسة المجلس الرئاسي إلى نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر، مقابل تولي رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة رئاسة حكومة موحدة.

وسبق أن أعلن «التجمع السياسي الوطني لفزان» رفضه للمبادرة، كما رفض أي مبادرات خارجية لا تراعي مشاركة جميع الأطراف الليبية في صياغة الحل، داعياً إلى بلورة موقف وطني موحد لتقييم المبادرات الدولية وتطويرها، بما يخدم استقرار البلاد، ومشدداً على أن أي تسوية سياسية لن تحقق أهدافها إذا استمرت في تجاهل إقليم فزان، الذي يرى أنه يمثل ركناً أساسياً في معادلة الأمن والاستقرار ووحدة الدولة الليبية.


مقالات ذات صلة

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

شمال افريقيا وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

صعّد المعلمون في عدة مدن ليبية احتجاجاتهم للمطالبة بزيادة رواتبهم، في وقت شدد وزير التعليم في غرب ليبيا على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوق المعلمين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)

«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

كشف تحرك محمد المنفي نحو المحكمة الجنائية الدولية، بشأن خلية متهمة باستهداف منشآت حيوية، عن تباين ليبي، مع تمسك وزارة الدفاع بالتحقيقات المحلية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)

غياب التوافق الليبي يثير تكهنات حول اللجوء لمجلس الأمن بشأن الانتخابات

لم تلُح في الأفق، حتى الآن، ملامح على وجود توافق في المواقف بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بشأن تمرير اتفاق لممثلي طرفي الصراع في ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)

قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

يزداد القلق في ليبيا من تأثيرات ارتفاع منسوب المياه الجوفية على مشروعات الإعمار، وسط شكاوى من غرق منازل وشوارع وتضرر أراضٍ زراعية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا من عملية استهداف سابقة لمنشآت الطاقة والوقود في مدينة الزاوية غرب ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

تصعيد أمني جديد يؤجج التوترات في غرب ليبيا

عاد التوتر الأمني إلى الواجهة في غرب ليبيا، خلال الأربعة وعشرين ساعة الماضية، مع استهداف أجهزة أمنية بقذائف «آر بي جي» في منطقة أبو سليم بالعاصمة طرابلس.

خالد محمود (القاهرة )

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.


جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
TT

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026

أثار حبس ناشطة وأستاذة للُّغة الأمازيغية في الجزائر موجة جدل حقوقي وسياسي واسع، بعد احتجازها بسبب منشور متصل بالانتخابات، وسط ملاحقات قضائية لكثير من النشطاء، بسبب تدويناتهم ومواقفهم السياسية عبر المنصات.

واتَّخذ الأمر منحى سياسياً، حين طالبت زعيمة «حزب العمال» اليساري المعارض ومرشحة انتخابات الرئاسة السابقة، لويزة حنون، في مؤتمر صحافي بالعاصمة، السبت، بالإفراج عن الناشطة نادية موساوي، المعروفة في منطقة القبائل، وإحدى الداعيات إلى تمكين اللغة الأمازيغية التي ينطق بها ملايين الجزائريين.

واستنكرت حنون إيداع الناشطة الحبس الاحتياطي منذ أسبوعين، بسبب منشور بحسابها الخاص على «فيسبوك»، مستغربة «توظيف قانون الانتخابات في القضية»، ومؤكدة أن «المنطق القانوني غير مفهوم في ملاحقة شخص بجريمة مرتبطة بالانتخابات».

الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون (إعلام حزبي)

كما أشادت بمسار نادية موساوي التعليمي، في مجال نشر اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وسط حملة تضامن واسعة تطالب بإعادة النظر في إجراء الحبس المتخذ بحقها.

«عرقلة عملية انتخابية»

وتُعرَف الناشطة في شبكة التواصل الاجتماعي بـ«تمازيغت موساوي»، وهي مُعلمة بمدرسة ثانوية في مدينة الشرفة بولاية البويرة، على بعد مائة كيلومتر إلى الشرق من العاصمة، بينما يُنظر ملفها قضائياً أمام محكمة مدينة مشدالة المختصة إقليمياً.

وعلى مدار سنوات، تجاوزت شهرة نادية موساوي نطاق مؤسستها التعليمية، لتصبح صانعة محتوى باللغة القبائلية؛ خصوصاً بعد أن أطلقت قناة مجانية على «يوتيوب» لتقديم دروس في الأمازيغية بهدف تبسيطها وترويجها للناطقين بالأمازيغية والعربية على حد سواء، معتبِرة أن المدرسة لا تفي بهذا الغرض بالقدر الكافي، وفق ما نقل عنها مقربون منها.

وفي التاسع من سبتمبر (أيلول) الجاري، فوجئت الناشطة باستدعاء من الشرطة المحلية التي أخضعتها للمساءلة، وأحالتها إلى النيابة بمحكمة مشدالة في ولاية البويرة، ثم على قاضي التحقيق لدى المحكمة نفسها الذي أمر بوضعها رهن الحبس الاحتياطي، بسبب منشور تضمَّن رأيها الشخصي حول التصويت في الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، وشهدت مقاطعة كبيرة من الناخبين؛ خصوصاً في منطقة القبائل.

ووفق دفاعها، وجَّه لها قاضي التحقيق تهمة «عرقلة عملية انتخابية»، الأمر الذي أثار استغراب الأوساط السياسية والحقوقية.

وخلال محاكمتها يوم 16 سبتمبر الحالي، التمس ممثل النيابة العامة عقوبة عامَين حبساً مع التنفيذ، مع استمرار حبسها المؤقت لحين النطق بالحكم المقرَّر في 22 سبتمبر.

عشرات النشطاء تعرَّضوا للسجن منذ الحراك الشعبي سنة 2019 (ناشطون سياسيون)

وحسب مصادر قضائية، تعرضت نادية موساوي للمتابعة بناء على «المادة 295» من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، والتي تنص على معاقبة كل من يعرقل أو يخلُّ بسير العملية الانتخابية، بالحبس من 6 أشهر إلى سنتين، مع احتمال تطبيق عقوبات تكميلية، تتمثل في الحرمان من حق الانتخاب والترشح، مدةً تتراوح بين 3 و5 سنوات.

وتشمل الأفعال المجَرَّمة تحت هذه المادة «تعكير سير عمليات التصويت»، و«عرقلة عمل مكتب التصويت أو مراكز الاقتراع»، و«منع مرشح أو ممثله القانوني من ممارسة حقوقه المقررة قانوناً أثناء العملية».

ويؤكد المحامون والحقوقيون أن هذه الوقائع لا تنطبق على الأفعال المنسوبة لموساوي، مشيرين إلى أن سبب سجنها منشور لها تتناول فيه موقفها من الانتخابات، إضافة إلى أن وقتاً طويلاً نسبياً مرَّ على تنظيم هذه الانتخابات.

وبتصفح حسابها على «فيسبوك»، بدا أن المنشور الذي قادها إلى السجن قد حُذِف.

حرية التعبير

وفي منطقة الشرفة وبين متابعيها عبر الإنترنت، تسود حالة من الضيق والترقب للحكم؛ إذ اعتادت على تقديم محتويات اجتماعية وتعليمية، والترويج أحياناً للتجار والحرفيين المحليين، وهو ما يفسر حجم التعبئة والتضامن الواسع حولها.

وقال أحد السكان المحليين ممن يعرفونها، لـ«الشرق الأوسط»، مفضلاً عدم نشر اسمه: «السيدة نادية تنشط دوماً في الثقافة والتعليم؛ فهي ليست في تيار المعارضة، وتقوم أحياناً بالترويج لحرفيين محليين، والتجار الصغار، ومطاعم المنطقة. يمكن أن نصفها بأنها بروفايل ربة أسرة صالحة، لا يمكنها أن تؤذي ذبابة».

ياسين عيسوان برلماني طالب بالإفراج عن أستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي (حسابه الخاص)

ودعا ياسين عيسوان، النائب عن تيزي وزو، كبرى مدن منطقة القبائل، إلى الإفراج الفوري عنها، مُشدّداً في تصريحات إعلامية على أن «حرية التعبير حق أساسي، ولا يجوز تحويل الرأي إلى جريمة»؛ وهو الطرح الذي ترافعَت عنه مجدداً محاميتها نبيلة إسماعيل، مؤكدة استحالة إدراج حرية التعبير في خانة الجريمة.

ويكرِّس سجن أستاذة اللغة الأمازيغية واقعاً توثقه الهيئات الحقوقية باستمرار؛ حيث يدفع مئات النشطاء، منذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 الذي أطاح بالرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، ثمناً قانونياً للتعبير عن مواقفهم السياسية عبر المنصات الرقمية، في ظل سجال متواصل بين النصوص الزجرية ومبادئ حرية الرأي.


10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
TT

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)

انهار منجم للذهب في شمال السودان، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص، وإصابة 21 على الأقلّ، بحسب ما أفاد اثنان من الناجين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم (الأحد)، عقب عمليات إسعاف في الليل.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، اعتمد الطرفان في تمويل جهدهما الحربي بشكل كبير على قطاع الذهب، وفق الأمم المتحدة، إلى جانب دعم أطراف خارجية.

وقد بدأت آبار في منطقة تعدين أوني، شمال السودان، بالقرب من الحدود المصرية، تنهار أمس.

وبحلول صباح اليوم، «تمّ انتشال 10 جثث و21 مصاباً»، بحسب أحد الناجين، الذي كان يعمل في الموقع، وطلب عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية.

وقال ناجٍ آخر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب كذلك عدم الإفصاح عن هويته، إن «الحفر يتمّ بالآليات المتوفّرة في المنجم ومن الناس الشغّالين».

وأفاد الناجيان بأن عمليات البحث ما زالت متواصلة، فيما يُخشى العثور على مزيد من الضحايا.

وألحق النزاع ضرراً كبيراً بالاقتصاد السوداني، الذي كان ضعيفاً أصلاً، وخسر عدد كبير من السودانيين عملهم، ما دفع كثيرين إلى ممارسة عمليات خطيرة للتنقيب عن الذهب.

وتجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية، أو في مناجم متوقفة عن العمل.

ويقوم عمّال المناجم بالتنقيب بأيديهم وباستخدام أدوات بدائية مقابل أجور يومية زهيدة.

وداخل المناجم، وكثيرة منها غير مجهّزة، يستخلص العاملون شذرات الذهب من الكتل الصخرية، ما يعرضهم لمواد كيميائية خطرة، مثل السيانيد الذي يتسبب في انتشار الأمراض.

وتتكرّر انهيارات المناجم في أنحاء السودان. وفي مناطق سيطرة الجيش في شمال وشرق البلاد، يتسلل العمّال إلى داخل المناجم المتوقفة عن العمل أملاً في أجور يومية زهيدة.

والأسبوع الماضي، قُتل 82 شخصاً على الأقل، وأصيب العشرات في انهيار منجم في منطقة كردفان.

حتى قبل أن تهدّد الحرب ملايين السودانيين بالجوع، كان التعدين يوفّر العمل لأكثر من مليوني شخص، وفق بيانات القطاع.

ويعدّ السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، من أبرز منتجي الذهب في القارة، وسجل العام الماضي أعلى مستوى للإنتاج في 5 أعوام، بلغ 70 طناً، وفق البيانات.

لكن المسؤولين يقولون إن معظم الذهب يُهرب عبر حدود السودان، بما في ذلك عبر تشاد وجنوب السودان ومصر، قبل وصوله إلى دول في الخليج، ولا سيما الإمارات، ثاني أكبر مصدر للذهب في العالم.

وفي يوليو (تموز)، حظر الاتحاد الأوروبي بيع ونقل وتصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، نظراً لاستخدام هذه المواد في تجارة الذهب غير النظامية.

وحذّرت الأمم المتحدة مراراً من أن طرفي الحرب يحققان مكاسب مالية من السيطرة على موارد البلاد، وأن «اقتصاد الحرب» هو ما يُبقي الصراع مستمراً.