قالت المخرجة الكندية إيرين وايزجربر إن فيلمها القصير «البحار السوداء» (Black Seas) لا يتعامل مع الأرشيف السينمائي بوصفه سجلاً للماضي ينبغي الحفاظ عليه، وإنما باعتباره مادة قابلة لإعادة الاكتشاف وصناعة معانٍ جديدة منها، مؤكدة أن الصور القديمة لا تنتمي إلى زمن انتهى، بل تستطيع أن تعكس قضايا معاصرة مثل الهجرة والحدود والهوية، وأن السينما قادرة على إعادة إحياء الذاكرة، ليس باستنساخها، ولكن بإعادة النظر إليها من زاوية مختلفة.
وأضافت وايزجربر، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم»، أن فكرة الفيلم ولدت عندما تلقت دعوة من «السينماتيك الكيبيكية»، وهي الجهة المعنية بحفظ وأرشفة الأفلام في مقاطعة «كيبيك» الكندية، للمشاركة في مشروع يستهدف إعادة توظيف نسخ سينمائية سوفياتية تعرضت لتلف بالغ، بعدما تعذر عرضها أو الاحتفاظ بها داخل الأرشيف، مؤكدة أن هذه الدعوة كانت الشرارة الأولى التي قادتها إلى إنجاز الفيلم.
وشارك الفيلم الكندي القصير، الذي تبلغ مدته 12 دقيقة، في الدورة الستين من مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» بالتشيك، وهو يعتمد على إعادة توظيف لقطات من فيلمين للمخرجين ألكسندر سوكوروف وإيراكلي كفيريكادزه، ليصنع منهما تجربة سينمائية جديدة تتأمل الذاكرة الجماعية، والهجرات، وتحولات الخرائط السياسية، في عمل يقترب من السينما التجريبية أكثر من السرد التقليدي.

وتدور أحداث «البحار السوداء» (Black Seas) حول مواد أرشيفية تعرضت لتلف شديد، لم يعد بالإمكان ترميمها أو استخدامها بالشكل الذي صُنعت من أجله. لكن المخرجة لا تتعامل مع هذه الشرائط باعتبارها بقايا من الماضي، وإنما تعيد تركيبها داخل سياق جديد، تتحول فيه صور البحر الأسود ومدينة أوديسا إلى استعارة بصرية عن البشر الذين تغيرت أوطانهم، والحدود التي لم تتوقف عن التحرك، والذاكرة التي لا تستقر على معنى واحد.
وأكدت المخرجة الكندية أن المؤسسة دعت 6 مخرجين لإعادة التفكير في مصير هذه النسخ، بدلاً من التخلص منها، وهو ما اعتبرته فرصة للنظر إلى الأرشيف باعتباره مساحة للإبداع وليس مجرد مخزن للماضي، مشيرة إلى أن المفارقة كانت في أن كثيراً من تلك الأفلام لم يكن متاحاً في نسخ رقمية، بل كان العثور على أي معلومات عنها يمثل تحدياً في حد ذاته، إذ بدأت رحلتها بالبحث عن ملخصات وصور ومعلومات متفرقة عبر الإنترنت، قبل أن تطلب مشاهدة عدد محدود من هذه الأفلام على شرائط 35 ملم داخل إحدى قاعات العرض.

وقالت إن عملية الاختيار لم تعتمد على شهرة الأفلام، وإنما على ما يمكن أن تتيحه صورها من إمكانات بصرية، موضحة أنها وجدت في مشاهد البحر الأسود ومدينة أوديسا نقطة انطلاق لفيلم يتجاوز المكان نفسه، ليصبح البحر رمزاً للذاكرة، وللحدود التي تتغير باستمرار، ولحركة البشر عبر التاريخ.
وأكدت أن الفيلم لا يسعى إلى ترميم المواد الأرشيفية، لأن النسخ الأصلية للأفلام محفوظة بالفعل ويمكن مشاهدتها، لكنها كانت مهتمة بالنسخ المتضررة التي استهلكها الزمن، معتبرة أن التلف نفسه أصبح جزءاً من تاريخ الصورة، وأن آثار الخدوش والتآكل تحمل معنى لا يقل أهمية عن المشهد المصور.
وأشارت إلى أنها أرادت أن يكون التفاعل مع الفيلم تفاعلاً مادياً أيضاً، لذلك لم تكتفِ بالمعالجة الرقمية، بل أعادت تحويل شرائط 35 ملم إلى 16 ملم، قبل أن تطبع الصور يدوياً على الشرائط، معتبرة أن هذه العملية الحرفية كانت امتداداً لفكرة الفيلم نفسه، التي تقوم على إعادة تشكيل المادة وليس مجرد إعادة عرضها.
وعن العلاقة بين الصور الأصلية والعمل الجديد، قالت إن أكثر ما شغلها لم يكن الحفاظ على قوة اللقطات، لأن هذه القوة موجودة بالفعل بفضل صناعها الأصليين، وإنما البحث عن إمكانية أن تقول هذه الصور شيئاً آخر، موضحة أن التحدي الحقيقي كان في إنتاج معنى جديد باستخدام صور صُنعت أصلاً لخدمة قصة مختلفة تماماً.

وأضافت أن الفيلم ينظر إلى الهوية باعتبارها فكرة متحركة وليست حالة ثابتة، مشيرة إلى أن التاريخ يكشف باستمرار أن الحدود السياسية تتغير، وأن ما يبدو اليوم حقيقة راسخة قد يصبح غداً جزءاً من الماضي، لذا فإن النقاشات المعاصرة حول الهوية كثيراً ما تتجاهل هذه الحقيقة، رغم أن التاريخ الإنساني كله قائم على الهجرة والاختلاط وتحول الانتماءات.
وقالت إن أكثر ما يشغلها هو الإنسان العادي الذي يجد نفسه داخل صراعات لم يخترها، موضحة أن الحروب وعمليات الغزو لا تغير الخرائط فقط، وإنما تدفع ملايين الأشخاص إلى إعادة تعريف مفهوم الوطن والانتماء، ولذلك فإن الفيلم لا يتحدث عن مكان بعينه، بقدر ما يتناول تجربة إنسانية تتكرر في أماكن مختلفة من العالم.
ورأت أن الذاكرة لا يمكن أن تكون كاملة أو محايدة، لأن أي فيلم، مثل أي حكاية، يختار ما يحتفظ به وما يتركه للنسيان، مؤكدة أن السينما لا تحفظ الماضي كما هو، بل تعيد صياغته في كل مرة يُعاد فيها النظر إليه، ولذلك فإن الأرشيف لا يمثل نهاية القصة، وإنما يمكن أن يكون بداية لقصص جديدة.
