دخل الين الياباني مرحلة جديدة من الضعف بعدما تجاوز الدولار مستوى 163 يناً، مسجلاً أعلى سعر له أمام العملة اليابانية منذ أواخر عام 1986، في تطور أعاد الأسواق إلى حالة التأهب لاحتمال تدخل مباشر من الحكومة، وكشف في الوقت نفسه عن محدودية تأثير التحذيرات الرسمية في مواجهة قوى اقتصادية أوسع تدفع الين إلى الهبوط.
وبلغ الدولار 163.24 ين في تعاملات نيويورك يوم الثلاثاء، قبل أن يستقر قرب مستوى 163 يناً خلال الجلسة الآسيوية الأربعاء. وجاء التراجع الحاد للعملة اليابانية مع ارتفاع واسع للدولار، مدعوماً بصعود أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة الأميركية، إلى جانب زيادة الطلب على العملة الأميركية بوصفها ملاذاً آمناً مع استمرار الضربات الأميركية على إيران وتصاعد المخاوف من امتداد الحرب في الشرق الأوسط.
وسارعت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما إلى تأكيد استعداد السلطات لاتخاذ «إجراء حاسم ومناسب في أي وقت»، بينما قال كبير أمناء مجلس الوزراء مينورو كيهارا إن الحكومة مستعدة للرد بالشكل الملائم على تحركات السوق. وتراقب طوكيو تراجع الين بقلق متزايد، لأن ضعف العملة يرفع كلفة واردات الطاقة والغذاء والمواد الخام، وينتقل سريعاً إلى أسعار المستهلكين في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الخارج لتأمين احتياجاته من الوقود.
لكن التصريحات القوية لم تنجح حتى الآن في تغيير اتجاه السوق. فقد أصبحت الأسواق أقل اقتناعاً بقدرة التدخل الرسمي وحده على وقف تراجع الين، بعدما تلاشى الأثر الذي أحدثته عمليات الشراء الحكومية للعملة في أبريل (نيسان) ومايو (أيار)، عندما تدخلت اليابان عقب تجاوز الدولار مستوى 160 يناً.
• فجوة كبيرة
وتكمن المشكلة في أن المتعاملين لا يرون ضعف الين مجرد موجة مضاربية قصيرة يمكن ردعها بضخ مليارات الدولارات، بل نتيجة لفجوة كبيرة في أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة، وارتفاع العوائد الأميركية، والقلق المتزايد بشأن المالية العامة اليابانية. لذلك قد يؤدي التدخل إلى ارتفاع قوي ومفاجئ للعملة، لكنه لا يغير المسار الأساسي ما لم تتبدل الظروف التي تشجع المستثمرين على بيع الين. ويظل صمت أتسوكي ميمورا، كبير مسؤولي شؤون العملة في وزارة المالية، موضع متابعة دقيقة، إذ تنظر إليه الأسواق باعتباره صاحب القرار الأهم في تحديد توقيت التدخل.
ومع ذلك، تحولت استراتيجية الحكومة في الأسابيع الأخيرة من التهديد المباشر المتكرر إلى إبقاء المستثمرين في حالة عدم يقين، على أمل دفع المضاربين إلى تقليص مراكزهم خشية تحرك مفاجئ من طوكيو. ويزيد من صعوبة مهمة الحكومة أن الدولار يستفيد من بيئة عالمية مواتية. فقد ارتفعت أسعار خام برنت إلى 92.67 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى في 6 أسابيع، بينما صعد عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.15 في المائة، وبلغ عائد السندات لأجل عشر سنوات 4.64 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ مايو.
ويعزز ارتفاع العوائد جاذبية الأصول الأميركية مقارنة بنظيرتها اليابانية، ويدفع المستثمرين إلى تمويل استثماراتهم بالين منخفض العائد ثم شراء الدولار والأصول الأعلى عائداً.
• بنك اليابان في قلب الضغوط
وفي قلب الأزمة يقف بنك اليابان، الذي يواجه ضغوطاً متناقضة. فمن جهة، أدى ضعف الين وارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم المستورد، ما يدفع البنك نحو تشديد السياسة النقدية. ومن جهة أخرى، فإن رفع الفائدة بسرعة قد يضغط على الاقتصاد المثقل بتكاليف الاقتراض، ويرفع خدمة الدين العام الضخم، ويؤدي إلى اضطرابات في سوق السندات. وكان بنك اليابان قد رفع سعر الفائدة في يونيو (حزيران) إلى 1 في المائة، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً، بعدما زادت الحرب في الشرق الأوسط كلفة الطاقة وعمّقت الضغوط التضخمية الناتجة عن ضعف العملة وضيق سوق العمل. وتشير توقعات محللين إلى احتمال رفع الفائدة إلى 1.25 في المائة بحلول نهاية العام، في حين أفادت «بلومبرغ» بأن مسؤولي البنك منفتحون على تسريع وتيرة الزيادات إذا استمر ضعف الين في رفع مخاطر التضخم، وهي معلومات قالت «رويترز» إنها لم تتمكن من التحقق منها بصورة مستقلة. غير أن الأسواق لا تزال تشكك في قدرة البنك على التحرك بالسرعة المطلوبة.
ويرتبط هذا التشكيك بالخطة الاقتصادية الأولى لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، المعروفة بتأييدها سياسات مالية ونقدية تيسيرية. فقد أثارت الخطة مخاوف من أن تضغط الحكومة على بنك اليابان للإبقاء على الفائدة منخفضة، بما يسمح بتمويل الإنفاق العام بتكلفة أقل، حتى لو جاء ذلك على حساب مكافحة التضخم.
• حرب إيران
وقال تاكاهيدي كيوتشي، كبير الاقتصاديين في معهد «نومورا» للأبحاث، إن حرب إيران وتطورات الشرق الأوسط قد تكون السبب المباشر وراء هبوط الين دون مستوى 163، لكن عدم نجاح الخطة الاقتصادية في تبديد المخاوف المتعلقة بالمالية العامة واستقلال السياسة النقدية يمثل عاملاً أكثر عمقاً.
وأضاف أن تصور الأسواق أن الحكومة قد يكون لها نفوذ واسع على قرارات البنك المركزي يثير الخشية من تأخره في مواجهة التضخم، وهو ما يضغط على العملة.
وتوضح هذه التطورات أن أزمة الين لم تعد مرتبطة بسعر الصرف وحده، بل أصبحت اختباراً لمصداقية السياسة الاقتصادية اليابانية. فالحكومة تريد حماية الأسر والشركات من ارتفاع الأسعار، لكنها تفضل في الوقت نفسه أسعار فائدة منخفضة لتخفيف عبء الدين وتمويل خططها الاستثمارية.
أما بنك اليابان، فيحاول الحفاظ على استقلاليته واحتواء التضخم من دون دفع الاقتصاد إلى تباطؤ حاد. ويرى محللو «إتش إس بي سي» أن اليابان قد تتدخل مجدداً قريباً، لكنهم يستبعدون أن يكون لأي تحرك أثر دائم ما لم يرفع بنك اليابان الفائدة عدة مرات، أو يعود الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى خفض الفائدة، أو تتحسن نظرة المستثمرين إلى أوضاع المالية العامة اليابانية.
وبذلك تبدو طوكيو قادرة على إبطاء تراجع الين، لكنها لا تزال عاجزة عن تغيير اتجاهه بمفردها. ومع اقتراب الدولار من مستويات لم تشهدها اليابان منذ 4 عقود، تزداد احتمالات مواجهة مباشرة بين السلطات والمضاربين.
غير أن نتيجة هذه المواجهة لن تتحدد بحجم الأموال التي قد تضخها وزارة المالية فقط، بل بقدرة الحكومة وبنك اليابان على تقديم سياسة متماسكة تقنع الأسواق بأن التضخم سيُحتوى، وأن استقلال البنك لن يُقوض، وأن توسع الإنفاق لن يؤدي إلى مزيد من التدهور في الثقة بالين.
