تاريخ بريطاني طويل من الانقسام الثقافي... شمالاً وجنوباً

«ملك الشمال» في 10 داونينغ ستريت

جورج آرويل
جورج آرويل
TT

تاريخ بريطاني طويل من الانقسام الثقافي... شمالاً وجنوباً

جورج آرويل
جورج آرويل

تتجاوز إطلالة رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام، الملقب بـ«ملك الشمال»، من خلف الباب الأسود الشهير لمقر رئاسة الوزراء البريطانية في 10 داونينغ ستريت دلالات التغيير الروتيني في التركيبة القيادية لمنظومة الحكم داخل المملكة المتحدة، لتجسد ما يمكن قراءته تحولاً جوهرياً في بنية السياسة المعاصرة ومراجعة تاريخية عميقة لعلاقة المركز بأقاليم البلاد، مما قد يشرّع النوافذ أمام تقييم نقدي جذري مستحق لمسار تنموي احتكر الثروة والنفوذ في العاصمة لندن لعقود طويلة، مخلّفاً وراءه فجوات هيكلية متراكمة في الشمال والأقاليم.

تضرب جذور الانقسام بين الشمال والجنوب في عمق التاريخ البريطاني القديم، حيث أول تقسيم إداري ورسمي للبلاد خلال عهد الإمبراطورية الرومانية التي قسمت المنطقة إلى «بريطانيا العليا» متخذةً من لندن عاصمة لها في الجنوب، و«بريطانيا السفلى» برئاسة مدينة يورك في الشمال، مطلقةً إشارة مبكرة إلى اختلاف الوظائف الإدارية والعسكرية بين الإقليمين، وهو تمايز وظيفي أسّس لنمط من العلاقة بين المركز والأطراف ظل ماثلاً عبر العصور.

غير أن الشرخ الجغرافي والثقافي تعمق إثر حملات الملوك النورمانديين في القرن الحادي عشر، وتحديداً عبر حملة «تدمير الشمال» الشهيرة التي شنها الملك ويليام الأول في شتاء عام 1069، والتي لم تكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بقدر ما كانت سياسة ممنهجة تهدف إلى حمل المناطق الشمالية على الخضوع واستئصال شأفة التمرد، مما أورث الشمال كارثة اقتصادية وديمغرافية هائلة امتدت آثارها التنموية لأجيال متعاقبة، وأسست لنوع من الجفاء التاريخي المتبادل بين السلطة المركزية وسكان الأقاليم الشمالية، جفاء ظل يتغذى على ذاكرة جماعية للقهر وسياسات الإخضاع.

شهدت القرون التالية ترسيخاً لهذه الحدود الفاصلة، حيث رسم خط «دانلو» الفاصل بين أقاليم النفوذ الاسكندنافي والأنغلو-ساكسوني حدوداً ثقافية وقانونية امتدت من نهر الميرسي وصولاً إلى نهر التيمز، مانحاً الشمال هوية قانونية وثقافية متميزة عن الجنوب، هوية ترسخت في العادات والتقاليد والأنماط السكانية. وتؤكد البيانات الديمغرافية التاريخية الصادرة عن المراكز الأكاديمية المختصة أن أنماط الهجرة بين عامي 1851 و1911 أظهرت عزوفاً واضحاً لسكان المراكز الصناعية الشمالية مثل لانكشاير ويوركشاير ونورثمبرلاند عن الانتقال إلى العاصمة لندن، إذ فضَّل السكان البقاء ضمن أقاليمهم ذات الفرص الصناعية الواعدة والروابط الاجتماعية المتماسكة، مما جعل التطور العمراني والثقافي للعاصمة لندن يعتمد بصورة شبه كاملة على المهاجرين الوافدين من الأقاليم الجنوبية، الأمر الذي كرس انقساماً ديمغرافياً وثقافياً ملموساً ظل يلقي بظلاله على مجريات الحياة العامة في البلاد.

أحدثت الثورة الصناعية تحولاً جذرياً في التوازن الديمغرافي والاقتصادي للبلاد خلال الفترة الممتدة بين عامي 1750 و1850، حيث شهدت المقاطعات الشمالية معدلات نمو سكاني هائلة بلغت أوجها بفضل تدفق العمالة نحو مناجم الفحم ومصانع النسيج والصلب ومراكز الشحن البحري، لينتقل مركز الثقل السكاني للمملكة نحو الشمال مع مطلع القرن التاسع عشر، ولتصبح حواضره حاضنة الإنتاج المادي والابتكار الصناعي ومحرك النمو الاقتصادي للإمبراطورية، بينما احتفظت لندن بموقعها مركزاً للمال والإدارة والإعلام والخدمات السياسية، في تمايز وظيفي عميق بين مناطق الإنتاج ومناطق التوجيه والقرار.

ولّد هذا التمايز الاقتصادي الهيكلي هوية ثقافية صلبة لدى أبناء الشمال، ترتكز على قيمة العمل اليدوي الشاق والتضامن المجتمعي والاعتزاز بالتراث العمالي، حيث شكَّلت المدن الصناعية الكبرى مثل مانشستر وليفربول ونيوكاسل وشفيلد مختبرات للتجربة الاجتماعية العمالية، وأفرزت ثقافة سياسية ونقابية متميزة قائمة على التضامن الطبقي والمطالبة بالحقوق الاقتصادية، ثقافة كانت في كثير من الأحيان على نقيض مع الثقافة اللندنية الأكثر نخبوية وارتباطاً بالمؤسسات المالية والتجارية الدولية.

مع حلول النصف الثاني من القرن العشرين، أدت سياسات التفكيك الصناعي الحاد وإغلاق المناجم والمصانع التي تبنتها لندن إلى أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة في مدن الشمال وحوَّلتها من مراكز إنتاج صناعي إلى مناطق تعاني من البطالة المزمنة والتفكك الاجتماعي، بينما ازدادت العاصمة والجنوب الشرقي ثراءً وتوسعاً بفضل التحول الشامل نحو الاقتصاد الخدمي والروابط بالقطاع المالي المعولم.

أفرز هذا التحول التفاوتات الحالية الحادة في مؤشرات الحياة الأساسية، إذ تسجل المناطق الشمالية مستويات أجور أقل بفارق يصل إلى عشرة آلاف جنيه إسترليني سنوياً مقارنةً بالعاصمة، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض متوسط الأعمار ودرجات التحصيل العلمي، على نحو يكرّس شعور سكان الشمال بالتهميش المستمر من المؤسسات الرسمية القابعة في وستمنستر، ويضفى على العلاقة بين الأقاليم والمركز طابع المواجهة المفتوحة التي تجلت بأوضح صورها في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، حيث صوّت الشمال بأغلبية ساحقة لصالح الخروج، معتبراً أنه تصويت ضد نخب لندن السياسية والاقتصادية.

الانقسام بين الشمال والجنوب في الأرقام الاقتصادية انعكاس لتباين في البنية الثقافية والقيمية للمجتمعين كان قد وثقه الكاتب جورج أورويل في كتابه الشهير «الطريق إلى رصيف ويغان» الصادر عام 1937، حيث أشار إلى الانطباع الراسخ عن الجدية والصمود والدفء الإنساني والروح الديمقراطية لدى ابن الشمال، في مقابل الصورة النمطية الجنوبية المتسمة بالرفاهية والنخبوية والتحفظ الاجتماعي، وهي صور نمطية تغذيها معايشة يومية للفروق في تكلفة المعيشة وأنماط الاستهلاك والعلاقات الاجتماعية. ففي الشمال، تظل اللهجات المحلية والروابط العائلية الوثيقة والثقافة المجتمعية القائمة على الصراحة المباشرة حاضرة بقوة، في حين ينظر سكان الشمال إلى الثقافة اللندنية على أنها ثقافة معولمة وسريعة ومقطوعة الصلة بالواقع العملي للأقاليم، ثقافة تستهلكها العولمة وتذيبها في بوتقة النخب المالية والإعلامية.

كما يظهر التباين الحاد في سوق العقار وتكلفة المعيشة، حيث تتجاوز أسعار المنازل في لندن متوسط نصف مليون جنيه إسترليني بينما تتدنى في مدن الشمال إلى مستويات تقل عن مائتي ألف جنيه، مما يخلق واقعين اجتماعيين مختلفين تماماً ويُنتج تصورين متناقضين لمفهوم الاستقرار وجودة الحياة والرفاهية الشخصية، ويعزز من الشعور بأن بريطانيا ليست دولة واحدة، بل دولتان متجاورتان تعيشان في زمنين مختلفين. هذا التباين الثقافي والاجتماعي لم يبقَ محصوراً في مجالات المعيشة اليومية، بل امتد إلى مجالات الفن والأدب والإعلام، حيث ظل الشمال يُنتج رواياته وأغانيه وأعماله الدرامية المعبرة عن تجربته الخاصة، في مواجهة هيمنة ثقافية لندنية طغت على المشهد الثقافي البريطاني لعقود.

شكَّل هذا التراكم التاريخي والثقافي والاقتصادي المحرك الأساس لإعادة رسم المشهد السياسي الحديث في بريطانيا، إذ أظهرت الاستحقاقات الانتخابية المتعاقبة -لا سيما استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016- عمق الجفاء بين الرأي العام في الأقاليم الشمالية والتوجهات السائدة داخل العاصمة، حيث يصوّت الشمال بشكل مختلف عن الجنوب بما يخصّ كثير من القضايا الجوهرية، معبراً عن رفضه النموذج الاقتصادي والسياسي الذي تفرضه لندن. وأدى إخفاق الإدارات المتعاقبة في معالجة الفجوات التنموية وتلبية تطلعات برنامج الإصلاح التنموي إلى تراجع ثقة الناخب الشمالي في الخطابات السياسية التقليدية الصادرة من وستمنستر، وصعود الخطاب الشعبوي ورموزه، مما فرض على قيادات حزب العمال الحاكم التفكير مليّاً في إعادة تشكيل الخريطة السياسية برمتها وفتح الباب أمام أصوات جديدة تطالب بلا مركزية حقيقية في الحكم وتوزيع عادل للموارد.

لذلك، فإن تولي آندي بيرنهام المنصب التنفيذي الأهم في المملكة قد يكون فرصة أخيرة للحزب لتمديد بقائه داخل السلطة في الانتخابات العامة التالية. فالرجل الذي نجح في بناء نموذج قيادي قائم على المواجهة الصريحة مع السلطة المركزية، مستفيداً من لقبه الشعبي «ملك الشمال» ليتحدى القرارات المالية والإدارية الصادرة من لندن، ويعيد تنظيم المرافق العامة كحافلات النقل، تحت إدارة محلية بأسعار ميسورة... أظهر كيف يمكن للحكم المحلي أن يكون أكثر كفاءة واستجابة لحاجات السكان من القرارات المركزية التي تُتخذ من العاصمة، وهو أمر لا شك يجد أصداء له، لأسباب تتقارب وتتباعد، لدى الأقاليم في اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية.إن إعادة النظر في العلاقة بين الشمال والجنوب لم تعد مسألة تنمويّة أو اقتصاديّة لازمة، بل مساءلة حان وقتها للرواية التاريخية التي طوّرت المركزية اللندنية وجعلتها نموذجاً مفترضاً للتحديث والحضارة، بينما ظلّ الشمال يُصوّر في الخطاب الإعلامي والسياسي السائد على أنه منطقة متخلّفة أو مقاوِمة للتغيير. غير أن الحقائق التاريخيّة تشير إلى عكس ذلك تماماً، إذ كان الشمال هو محرك الثورة الصناعية ومنبع الابتكار التكنولوجي والحراك الاجتماعي والسياسي في بريطانيا، وما يحدث اليوم من تحولات على مستوى القيادة أقرب إلى استعادة لهذا الدور التاريخي بعد عقود من الإقصاء والتهميش، وقد تكون نذير عصر جديد لبريطانيا في عالم متغيّر، تعود فيه الأقاليم لتكون محركاً رئيسياً في رسم هيئة الغدِّ للبلاد، ليس بالضرورة من خلال التنافس مع الجنوب، بل من خلال إعادة تعريف معنى العدالة التنموية والمواطنة المتكافئة داخل دولة-خليط متعددة الثقافات والأقاليم.

وثق جورج أورويل التباين في البنية الثقافية والقيمية بين الشمال والجنوب في كتابه الشهير «الطريق إلى رصيف ويغان» 1937


مقالات ذات صلة

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

ثقافة وفنون بدر شاكر السياب

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم

د. جاسم حسين الخالدي
ثقافة وفنون قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار

يوميات ماركيز في منفاه الباريسي

كانت مقاهي الحي اللاتيني وسان جيرمان دي بري بمثابة «الوطن البديل» لشتات أدباء أميركا اللاتينية؛ ففي تلك المساحات الضيقة، حيث تتشابك رائحة القهوة مع تبغ السجائر

شاكر نوري
ثقافة وفنون «بورتريه فنانو الأكاديمية الملكية للفنون» - يوهان زوفاني .

الحضور الأول للمرأة في الفن

تعد فنون الكهوف السجل البصري الأول الذي عرفه الإنسان وأرّخه، ورغم أن هذه الفنون قد تكون أُنتجت في سياقات نفعية أو طقسية، فإنها تظل اللغة المكتوبة الأولى

د. جواهر بن الأمير
ثقافة وفنون لوحة أم الرسام آنا ماكنيل

جيمس ماكنيل ويستلر... الموسيقى التي تنبعث من الرسوم

حين قرأت جملة ناقد الفن جون راسكن الذي اتهم فيها الرسام الأميركي جيمس ماكنيل ويستلر بأنه «يرمي دلواً من الطلاء في وجه الجمهور» صرت أفكر في أسباب انشدادي

فاروق يوسف

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة. الغريب أن العاطفة التي كانت واحدة من أهم عناصر الشعرية أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد


فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
TT

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008، وهو بمثابة «متحف موقع»؛ تعود كل القطع المحفوظة فيه إلى هذا القصر الأموي وما يتبعه من مرافق معمارية، وتشكّل مجموعات متنوّعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، وألواح الفسيفساء، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية، إضافة إلى كثير من الأواني الفخارية والأدوات المصنوعة من الحجر الصابوني. تبرز في هذا الميدان المجموعة الفسيفسائية، وتتمثّل بقطع جزئية تمثّل عينة من إرث ضاع الجزء الأكبر منه مع الأسف.

تعود هذه القطع في الأصل إلى أرضيات رُصفت على شكل سجادات متعدّدة الأحجام، تزيّن مجموعة من قاعات القصر الداخلية، وهي تحتل مساحة تمتد بين الجدران؛ شمال القصر وجنوبه، كما شرقه. تجمع هذه القطع بين التقاسيم الهندسية والعناصر التصويرية النباتية والحيوانية، وتتمثّل أبرزها في قطعة مستطيلة، تعود إلى طرف الزاوية الجنوبية الشرقية من أرضية تزيّن قاعة حملت رقم «4» في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع. ضاع الجزء الأكبر من هذه الأرضية، وما بقي منها سمح بتحديد تأليفها الأصلي، وهو على شكل شبكة تتكون من مساحات بيضاوية ودائرية مجدولة، تمتد عمودياً وأفقياً. في القسم الأعلى، تنعقد مساحتان دائريتان مع مساحتين بيضاويتين، ويتكرّر هذا التقسيم في القسم الأسفل. وفي القسم الأوسط، تحل مساحتان بيضاويتان مستقلتان، بينهما مساحتان مستطيلتان.

يحيط بهذه الشبكة إطار عريض، قوامه شريط مزخرف، بقي منه طرفه الأعلى، وهو الطرف المحفوظ على شكل لوح مستطيل في «متحف آثار قصر الحلابات». يحد هذا اللوحَ شريطٌ زخرفي قوامه زهرة اللوتس التي تحل في صياغة مجرّدة من أي ثقل، وتتحوّل عنصراً هندسياً، يتمثّل في كوب تعلوه 3 مساحات مقوّسة، تمثّل بتلات هذه الزهرة. يتكرر هذا العنصر النباتي، ويشكّل في تكراره سلسلة، تقابلها سلسلة تبدو أشبه بصورة منعكسة لها. في القسم الأعلى، يحل اللون الأحمر بتدرجاته، وفي القسم المعاكس يحلّ اللون الأخضر بتدرجاته، في صياغة تشكيلية محكمة بمساحات بيضاء ناصعة.

يتكوّن شريط الإطار من مساحات متشابكة مجدولة، تمتدّ على مساحة نحو 75 سنتيمتراً. تجمع هذه الشبكة بين سلسلة متعاقبة من الدوائر، وسلسلة مشابهة من المربعات المنحنية، تربط بينهما سلسلة من الضفائر المجدولة، تشكّل مساحات متعددة، منها المساحات المثلثة، والمساحات المقوسة، والمساحات اللولبية، في تأليف محكم يشهد لحرفة عالية في الصياغة والابتكار. تدخل سلسلة من العناصر النباتية هذا التأليف المتقن، وتنصهر فيه، وتتمثّل في 3 أنواع تحلّ في صياغة مختزلة؛ هي: الرمان، والبرتقال، والإجاص. تحضر الثمرة الأولى بشكل مفرد، وتأتي على شكل دائرة تعلوها نتوءات بارزة. وتحضر الثمرة الثانية بشكل ثلاثي، مع طرف من غصنها. أما الثمرة الثالثة، فتحضر بشكل مزدوج، وتتميّز بحجمها المنمنم. تأخذ الصياغة اللونية شكلاً تجريدياً جامعاً، وقوامها 3 ألوان متعاقبة، تتكرر في تشكيل كل ثمرة من هذه الثمار. كما في صياغة اللوتس، يحل الأحمر الخمري والأخضر اللازوردي، مع مساحة بيضاء تجمع بينهما في الوسط.

يقابل هذا الشريط الزخرفي المحكم جزء بسيط من الشبكة التي تحتل وسط الأرضية، ويتمثّل هذا التفصيل بمساحة مقوّسة يحلّ في وسطها زوج من الطيور الدجاجية، في وضعية جانبية، وهما على الأرجح من فصيلة الحجل، يتواجهان، وتكسو ريشهما الأخضر شبكة من البقع الدائرية البيضاء. تعلو هذه المساحة المقوّسة مساحتان فارغتان، يسكن كلّ منهما حيوان من الفصيلة الوحشية، بقي واحد منهما، ضاع رأسه ومؤخرته، ونجت من بدنه إحدى قائمتيه الخلفيتين. تعلو قامة هذا الحيوان المتوحّش شبكة من البقع السوداء توحي بأنه نمر، صُوّر في وضعية حيّة، وكأنّه ينقضّ إلى الأمام، شاهراً مخالبه، وظهرت منها تلك التي تعلو قائمته الخلفية التي نجت من التلف.

يحتفظ «متحف آثار قصر الحلابات» بقطع أخرى تعود إلى وسط هذه الأرضية وأسفلها. من القسم الأوسط، يظهر أرنب بري ضمن مربع يحيط به إطار مجدول، ويبدو حانياً رأسه وهو يقضم عنقود عنب مكوّناً من 9 حبات. تحت هذا الأرنب، يظهر ذئب يمد قائمتيه الأماميتين، فاتحاً فكّي فمه، كاشفاً عن أنيابه التي يتدلى من وسطها لسان طويل. في الزاوية المقابلة لصورة هذا الذئب، يظهر غزال له قرنان طويلان مقوسان ولحية متصلة بفكه الأسفل، ويبدو في وضعية جانبية، على خلفية بيضاء مجردة، تزينها شتلتان مورقتان تعلو إحداهما ثمرة برتقالية. في الجزء الأسفل من هذا اللوح، يظهر طير من فصيلة الحجل في وضعية مشابهة وسط خانة نصف دائرية مستقلة. يواجه هذا الطير في الأصل حجلٌ مشابهٌ ضاع أثره، وترتفع بين الطيرين شتلة مورقة، تمتد أغصانها بشكل متجانس على خلفية بيضاء مجرّدة. تتعدّد العناصر الحيوانية وتتنوّع في هذا التأليف كما يبدو. بين الذئب والغزال، تظهر سمكة وسط إطار مقوّس، وتبدو في وضعية جانبية، كأنها تسبح في فضاء مجرّد خلا من أي عنصر مائي.

تكشف بقايا أرضيات قاعات «قصر الحلابات» عن عناصر حيوانية أخرى. في القاعة التي تحمل رقم «10»، يظهر حيوان ضاع رأسه، وما بقي من عنقه وصدره وقوائمه يوحي بأنه جمل ذو سنام. وفي القاعة التي تحمل رقم «25»، تظهر بطة داخل إطار نصف دائري مزخرف، ينصهر في شبكة زخرفية محكمة.

تجد هذه العناصر الحيوانية ما يماثلها في الأرضيات البيزنطية المحلية، وتعكس مناخاً فردوسياً جامعاً تتعدّد تجلياته في تقاسيم تتكرّر وتتجدّد بشكل متواصل.


يوميات ماركيز في منفاه الباريسي

ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
TT

يوميات ماركيز في منفاه الباريسي

ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار

كانت مقاهي الحي اللاتيني وسان جيرمان دي بري بمثابة «الوطن البديل» لشتات أدباء أميركا اللاتينية؛ ففي تلك المساحات الضيقة، حيث تتشابك رائحة القهوة مع تبغ السجائر وضباب باريس الكثيف، نُسجت خيوط واحدة من أجمل الصداقات الأدبية في القرن العشرين وأكثرها عمقاً وتأثيراً. وقد جسّد مقهى «أولد نيفي» تطلعات ذلك الجيل وشغفه، حيث أمضى فيه غابرييل غارسيا ماركيز نحو عام كامل، يجلس ساعات طوالاً على أمل أن يلمح خوليو كورتاثار الذي لم يكن في عينيه مجرد كاتب عابر، بل كان بمثابة الأب الروحي للقصة القصيرة الحديثة في القارة اللاتينية، لا سيما بعد الصدى المدوي الذي أحدثته مجموعته القصصية الشهيرة «بيستيارو». ولم يتحقق هذا اللقاء المرتقب إلا بعد خمسة عشر عاماً، وفي باريس أيضاً، ليوثق ماركيز تلك اللحظة بوصفه الأيقوني لكورتاثار بأنه «الرجل الأطول في العالم، الذي لم يقرر يوماً أن يشيخ». وتحولت هذه العلاقة اللاحقة إلى سيل من الرسائل المتبادلة بينهما، حتى إن كورتاثار كان من أوائل النقاد والكُتّاب الذين احتفوا بولادة رواية «مائة عام من العزلة» وبشروا بعالميتها.

ولم تكن تلك المقاهي مجرد أماكن للتسلية أو تزجية الوقت، بل تحولت إلى صالونات سياسية وأدبية تُمثّل «البحر» الحاضن لقاربهم المشترك في المنفى. فبين جدرانها، كانوا يتبادلون قراءة المخطوطات الأولى لأعمالهم، ويتناقشون بحماس صاخب حول الثورات والانقلابات المتلاحقة في بلدانهم مستمسكين بما سماه بول كولود بـ«البؤس الذهبي»؛ تلك الحالة الفريدة التي يمتزج فيها جوع البطون بجموح الخيال الذي يطاول السماء.

شكّلت باريس في خمسينات القرن الماضي محطة مفصلية في حياة غابرييل غارثيا ماركيز. فبعد أن تقطعت به السبل إثر إغلاق الصحيفة الكولومبية التي كان يعمل مراسلاً لها عام 1955، عاش في ظروف متواضعة كتب خلالها بشغف روايته «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه». وقد ظل ماركيز مديناً لباريس طوال حياته؛ إذ اعتبرها المدينة التي صقلت وعيه، ومنحته رؤية أعمق وأشمل لثقافة وسياسة أميركا اللاتينية.

كانت الثلوج تتساقط بغزارة على باريس في ذلك اليوم من شهر يناير (كانون الثاني) عام 1957، حين كان الصحافي الكولومبي الشاب العامل في صحيفة «El Espectador» يضع اللمسات الأخيرة على روايته (لا أحد يراسل الكولونيل)، وهي أولى رواياته الكبرى التي ولدت من رحم المعاناة الباريسية. وكان الشاب الكولومبي قد وصل إلى بلاد رابيله ورامبو وجورج براسينس في ديسمبر (كانون الأول) 1955، محملاً بمهمة كتابة تقارير صحافية عن الأحداث الجارية في أوروبا. وتتذكر الممثلة الإسبانية تاتشيا روسوف التي كانت رفيقته في تلك الفترة، كيف كان يتعلم اللغة الفرنسية بشغف من خلال الاستماع إلى أغاني براسينس، مؤكدة أنه كان يغنيها بطريقة رائعة ومثيرة للإعجاب.

عاش ماركيز أثناء كتابة الرواية فقراً مدقعاً تقاطع تماماً مع معاناة بطلها «الكولونيل»، وذلك إثر إغلاق الدكتاتور الكولومبي روخاس بينييا صحيفته. ولتأمين وجبة طعامه اليومية، اضطر لغناء «البوليرو» في حانة «L›Escale» مقابل فرنكات معدودة، ترافقه ألحان غيتار الفنزويلي خيسوس رافائيل سوتو، الذي غدا لاحقاً من أبرز رواد الفن الحركي والبصري في العالم.

ماركيز الشاب في باريس

باريس في ليلة شتوية

عن حياته في باريس، يقول ماركيز: «لقد جئتُ إلى باريس للمرة الأولى في ليلة شتوية شديدة البرودة من ديسمبر عام 1955. وصلت بالقطار قادماً من روما إلى محطة تزدان بأنوار أعياد الميلاد، وكان أول ما أثار انتباهي هو أولئك العشاق الذين كانوا يتبادلون القبلات في كل مكان؛ ففي القطار، وفي مترو الأنفاق، وفي المقاهي، وعلى المصاعد، كان أبناء الجيل الأول لما بعد الحرب يلقون بأنفسهم بكل طاقاتهم في الاستهلاك العلني للحب، الذي كان لا يزال المتعة الرخيصة الوحيدة المتاحة بعد تلك الكارثة. كانوا يتزاورون بالقبلات في منتصف الشارع، دون أدنى اكتراث بإعاقة المارة الذين كانوا يفسحون لهم الطريق دون أن يرمقوهم بنظرة أو يولوهم أي اهتمام، تماماً كما نفعل مع الكلاب الضالة التي تلتصق ببعضها في منتصف ساحة المدينة لتنجب جروها. لم تكن تلك القبلات الخارجية مألوفة في روما - التي كانت أول مدينة أوروبية أعُيش فيها - ولا بالطبع في بوغاتا الضبابية المتزمتة في تلك الأيام، حيث كان من الصعب حتى تقبيل أحدهم داخل غرف النوم. حدث كل هذا في الأيام الحالكة لحرب الجزائر. وفي الخلفية، وسط نغمات الأكورديون الحنينية الصادرة من زوايا الشوارع، وما وراء رائحة الكستناء المشوية المنبعثة من المواقد، كان القمع شبحاً لا يروى غليله. فجأة ودون مقدمات، كانت الشرطة تغلق مخرج مقهى ما، أو أحد المقاهي الشمال أفريقية الواقعة في جادة سان ميشيل، لتقتاد بوحشية كل من لا تحمل ملامحه (وجهاً مسيحياً). وكان أحدهم، حتماً، أنا وحدي. لم تكن أي مبررات تجدي نفعاً: فلم تكن وجوهنا وحدها هي السبب في هلاكنا، بل وأيضاً لكنة النطق بالفرنسية التي كنا نتحدث بها. في المرة الأولى التي زجوا بي فيها داخل القفص مع الجزائريين، في مركز شرطة سان جيرمان دي بري، شعرت بإهانة بالغة. لقد كان ذلك تحيزاً أميركياً لاتينياً بحتاً؛ فالسجن في ذلك الحين كان شيئاً يُستحى منه، لأننا كأطفال لم نكن نمتلك تمييزاً واضحاً للغاية بين الجرائم السياسية والجرائم الجنائية، وكان كبارنا المحافظون يحرصون على ترسيخ هذا الخلط وإبقائنا رهينةً له. غير أن وضعي كان أشد خطورة؛ فعلى الرغم من أن الشرطة قد اقتادتني لاعتقادهم بأنني جزائري، إلا أن الجزائريين أنفسهم، وما أن وجدوني داخل الزنزانة، حتى أخذهم الريب مني حين أدركوا أنني، ورغم وجهي الذي يشبه وجه بائع أقمشة متجول، لا أستطيع فهم كلمة واحدة مما يقولون. وعلى الرغم من ذلك، وبما أنني ظللت أنا وهم زائرين دائمين لتلك التوقيفات الليلية، فقد انتهى بنا المطاف إلى التوصل لتفاهم مشترك. وفي ذات ليلة، قال لي أحدهم: بما أنك ستكون سجيناً بريئاً على أي حال، أليس من الأفضل أن تكون مذنباً؟ وشرع في تشغيلي لصالح (جبهة التحرير الوطني الجزائري). كان هو أحمد تبّال، الطبيب الذي عُدَّ أحد أعز أصدقائي في باريس خلال تلك الأيام، غير أنه لقي حتفه لاحقاً في موتة حربٍ أخرى بعد استقلال بلاده. وبعد خمس وعشرين سنة، عندما دُعيتُ للاحتفال بذكرى ذلك الاستقلال في الجزائر، صرّحتُ لصحافيٍ بأمرٍ بدا يصعب تصديقه: إن الثورة الجزائرية هي الثورة الوحيدة التي سُجنتُ من أجلها حقاً.

مع ذلك، لم تكن باريس آنذاك مجرد مدينةٍ ترزح تحت وطأة الحرب الجزائرية، بل كانت أيضاً الملاذ لشتات أميركي لاتيني هو الأوسع منذ زمن طويل. كنا هاربين من الطغاة لدرجة أن الشاعر نيكولاس غيين كان يطل كل صباح من شرفته في فندق (غراند سان ميشيل) الواقع في شارع (كوجاس)، ويصرخ بالأنباء القادمة من أميركا اللاتينية باللغة الإسبانية. وفي أحد الصباحات، صاح ملء فمه: (لقد سقط الدكتاتور!). لم يكن قد سقط سوى طاغية واحد بطبيعة الحال، لكننا استيقظنا جميعاً على وهمٍ عذب بأن الجنرال المخلوع هو جنرال بلادنا نحن.

كان بوسعنا أن نطوف القارة بأكملها ونلتقي بأدبائها وفنانيها وسياسييها بمجرد جولة بين المقاهي المكتظة في سان جيرمان دي بري. كنا نتنفس أغاني براسينس في الهواء. وكانت الجميلة تاتشيا كوينتانا، الباسكية الجسورة التي تبنيناها نحن المغتربين الأميركيين اللاتينيين كواحدة منا، وكانت تصنع معجزة إعداد طبق (بايلا) شهي لعشرة أشخاص فوق موقد صغير، يعمل بالغاز. لم أكن أدرك حقيقة وضعي بوضوح حتى تلك الليلة التي وجدت فيها نفسي قرب حدائق لوكسمبورغ دون أن أذوق حبة كستناء واحدة طوال اليوم، ومن غير مأوى أنام فيه. رحت أهيم في الشوارع العريضة لساعات، على أمل أن تعتقلني دورية شرطة من تلك التي تكنس الشوارع بحثاً عن العرب، لعلّي أحظى بنوم دافئ في زنزانة، لكنني لم أجد أثراً لأي منها أينما التفتّ. ومع تباشير الفجر، حين بدأت ظلال القصور على ضفاف نهر السين تتجسد وسط الضباب الكثيف، يممت وجهي شطر جزيرة المدينة، أي وسطها، بخطوات واسعة حازمة، وبملامح عامل شريف استيقظ لتوّه ليلحق بمصنعه. وبينما كنت أعبر جسر سان ميشيل، شعرت أنني لست وحدي في هذا الضباب، إذ سمعت بوضوح وقع خطوات شخص يقترب من الاتجاه المعاكس. رأيته يتشكل عبر الضباب، على الرصيف ذاته ويسير بالإيقاع نفسه الذي أسير به، ولمحت عن قرب سترة الصوف ذات المربعات الحمراء والسوداء، وفي لحظة تقاطع طريقانا في منتصف الجسر، رأيت شعره الأشعث، وشاربه الكثّ كشارب تركي، وسحنته الحزينة التي تفضح جوعاً مؤجلاً وليالي سهد طويلة، ورأيت عينين تترقرق فيهما الدموع. تجمّد قلبي في صدري، لأن ذلك الرجل بدا وكأنه أنا نفسي... في رحلة عودتي.

استحضرتُ أعمق ذكرياتي عن باريس في طريق عودتي من ستوكهولم. فرغم أن المدينة لم تتغير، فإنني حين زرتها عام 1968 إثر الانتفاضة الطلابية، وجدتها فقدت حميميتها وثورتها؛ فاختفت قبلات العشاق العلنية، واستُبدلت حجارة الرصف، ومُحيت أجمل شعارات الجدران. وبات المشهد يقتصر على عمال النظافة ببدلاتهم ودراجاتهم الخضراء وأدواتهم الآلية، وهم يجمعون فضلات الكلاب من شوارع أجمل مدينة في الأرض».

ماركيز: الثورة الجزائرية هي الثورة الوحيدة التي سُجنتُ من أجلها حقاً