مونديال التاريخ… عندما واجهت إسبانيا ظلال إمبراطوريتها القديمة

الملك فيليبي السادس ملك إسبانيا والملكة ليتيزيا برفقة الأميرتين ليونور وإنفانتا صوفيا تقدموا الصورة مع لاعبي المنتخب الإسباني لكرة القدم في قصر «زارزويلا» بمدريد بعد تتويج الفريق ببطولة كأس العالم (أ.ب)
الملك فيليبي السادس ملك إسبانيا والملكة ليتيزيا برفقة الأميرتين ليونور وإنفانتا صوفيا تقدموا الصورة مع لاعبي المنتخب الإسباني لكرة القدم في قصر «زارزويلا» بمدريد بعد تتويج الفريق ببطولة كأس العالم (أ.ب)
TT

مونديال التاريخ… عندما واجهت إسبانيا ظلال إمبراطوريتها القديمة

الملك فيليبي السادس ملك إسبانيا والملكة ليتيزيا برفقة الأميرتين ليونور وإنفانتا صوفيا تقدموا الصورة مع لاعبي المنتخب الإسباني لكرة القدم في قصر «زارزويلا» بمدريد بعد تتويج الفريق ببطولة كأس العالم (أ.ب)
الملك فيليبي السادس ملك إسبانيا والملكة ليتيزيا برفقة الأميرتين ليونور وإنفانتا صوفيا تقدموا الصورة مع لاعبي المنتخب الإسباني لكرة القدم في قصر «زارزويلا» بمدريد بعد تتويج الفريق ببطولة كأس العالم (أ.ب)

يرتبط في أذهان كثيرين تعبير «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس» ببريطانيا الفيكتورية، التي بسطت نفوذها مع مطلع القرن الـ20 من كندا إلى هونغ كونغ.

لكن الحقيقة التاريخية تعيد صياغة الحكاية، فالعبارة صاغها الدبلوماسي الإيطالي جيوفاني باتيستا غواريني عام 1585، واصفاً بها الإمبراطورية الإسبانية التي «لا تغيب عنها الشمس... حتى حين يحل الظلام».

في عهد الإمبراطور شارل الخامس وورثته من آل هابسبرغ، كانت مدريد تحكم شعوباً في كل قارات الأرض باستثناء القارة القطبية الجنوبية... جيوش جرارة جابت أوروبا، وسفن «الكارافيل» و«الجليون» شقت عباب البحار المجهولة، لتمتد السيادة الإسبانية من بيرو إلى الفلبين.

اليوم، وبعد قرون من الأفول، عادت تلك الجغرافيا القديمة لتجسد مفارقة مدهشة في «كأس العالم لكرة القدم 2026»، فبفضل ضربات الحظ والصدف البحتة التي حملتها قرعة مرحلة المجموعات والأدوار الإقصائية، وجد لاعبو منتخب «الماتادور» أنفسهم في مواجهة مباشرة مع منتخبات تمثل شعوباً خضعت يوماً للتاج الإسباني، في سيناريو درامي لم يخرج عنه سوى مواجهتي فرنسا والمملكة العربية السعودية.

بدأت الرحلة الإسبانية بمواجهة الرأس الأخضر (كاب فيردي)؛ الأرخبيل الأفريقي الذي استعمره البرتغاليون أولاً، قبل أن تبتلع إسبانيا البرتغال وممتلكاتها عام 1580 فيما عرف بـ«الاتحاد الإيبيري».

وبعد عبور محطة السعودية، ضربت إسبانيا موعداً مع أوروغواي في مدينة غوادالاخارا المكسيكية.

وأوروغواي، كما هو معلوم، كانت جزءاً مما سميت ذات زمن «نيابات الملك الإسباني في بيرو» و«ريو دي لا بلاتا» قبل استقلالها عام 1810.

لكن المباراة لم تكن مجرد كرة قدم، بل خيمت عليها ظلال إرث الاستعمار في المكسيك البلد المضيف. فقبل سنوات، وتحديداً في عام 2019، طالب الرئيس المكسيكي آنذاك آندريس مانويل لوبيز أوبرادور الملك الإسباني فيليبي السادس باعتذار رسمي عن فظائع الغزو الإسباني في القرن الـ16.

وقوبل الطلب برفض مدريد؛ مما أشعل فتيل أزمة دبلوماسية امتدت إلى عهد خليفته الرئيسة المكسيكية الحالية كلاوديا شينباوم، التي كسرت البروتوكول ولم تَدعُ العاهل الإسباني لحفل تنصيبها في عام 2024.

إلا إن الرياضة والفن يمهدان دائماً لطرق العودة، ففي لفتة تقارب غير متوقعة مطلع هذه السنة خلال معرض للفنون المكسيكية في مدريد، أقر الملك فيليبي بالتجاوزات والجدل الأخلاقي الذي رافق الغزو الإسباني، قائلاً: «ثمة أشياء، عندما ندرسها بمقاييس قيمنا الحالية، لا يمكنها بكل تأكيد أن تجعلنا نشعر بالفخر».

هذه الكلمات مهدت الطريق لانفراجة دبلوماسية تجسدت قبيل المباراة، حيث استغل الملك توقفه في مكسيكو سيتي ليلتقي الرئيسة شينباوم، في خطوة عُدّت نهاية 7 سنوات من الفتور والتوتر الدبلوماسي.

وتوالت فصول الرواية التاريخية في المونديال، حيث تفوقت إسبانيا على النمسا التي حكمها شارل الخامس يوماً، ثم واجهت الجارة اللدود البرتغال؛ البلد الذي تأسست هويته الحديثة على مقاومة الأطماع التوسعية لمدريد، وهي مخاوف لم تكن واهية؛ إذ شنت إسبانيا 6 غزوات شاملة ضد جارتها الغربية عبر التاريخ، بل إن الديكتاتور الإسباني فرنكو كان يخطط عام 1974 لإرسال قواته إلى لشبونة لإخماد «ثورة القرنفل» اليسارية.

اليوم، تلاشت مخاوف الضم وحلت مكانها علاقات الصداقة، وإن لم تخل الأجواء من المكائد الساخرة؛ إذ رسم رسامو كاريكاتير إسبان الملك فيليب الثاني فاتح البرتغال سنة 1580 وهو يقتاد كريستيانو رونالدو خارج الملعب على كرسي متحرك بعد هزيمة البرتغال.

وفي دور الـ8، اصطدم منتخب إسبانيا بنظيره البلجيكي، أو ما كانت تُعرف بين عامي 1556 و1714 بـ«الأراضي المنخفضة الإسبانية».

هناك، دفع القمع الإسباني الكاثوليكي للحركات البروتستانتية إلى اندلاع «حرب الـ80 سنة»، وهي المواجهة التي حُفرت في الوجدان البلجيكي وجسدتها تماثيل الكونت «إغمونت» والكونت «هورن» في بروكسل بوصفهما بطلَين قوميين أعدمهما الإسبان.

والمفارقة الطريفة هنا أن اللقب الحالي لمنتخب إسبانيا؛ «الغضب الإسباني (الفوريا إسبانيولا)»، يعود أصله تاريخياً إلى تلك الحقبة الدموية بالذات! فاللقب صيغ لوصف الفظائع والاضطرابات التي ارتكبها الجنود الإسبان المتمردون بسبب تأخر أجورهم في مدن مثل ميشيلين وأنتويرب في سبعينات القرن الـ16.

وبعد ترويض المنتخب البلجيكي، التقت إسبانيا فرنسا، الدولة الأوروبية الوحيدة التي نجحت تاريخياً في حكم إسبانيا القارية، عندما اجتاح نابليون بونابرت شبه الجزيرة الإيبيرية عام 1808 ونصب شقيقه جوزيف ملكاً عليها 5 سنوات.

هذا النفوذ الفرنسي التاريخي ترك عقدة نقص خفية في الوجدان الإسباني، الذي يرى فرنسا دائماً قوة عظمى متفوقة؛ مما يفسر حالة النشوة الجماعية العارمة التي اجتاحت إسبانيا بعد فوزهم على «الديوك» في المربع الذهبي.

وفي المشهد الختامي للمونديال خلال المباراة النهائية وجدت إسبانيا نفسها مجدداً في مواجهة مستعمَرة سابقة كبرى تتمثل في الأرجنتين التي خضعت رياضياً هذه المرة لرغبة الإسبان في إحراز لقبهم الثاني ولم تُبدِ أي مقاومة تذكر.

ورغم قرنين من الاستقلال، ورغم التوترات السياسية الحالية الراهنة بين الرئيس الأرجنتيني الليبرالي، خافيير ميلي، ورئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي، بيدرو سانشيز، فإن روابط الدم والتاريخ بين البلدين تظل عصية على القطع.

وخلال الحرب الأهلية الإسبانية، كانت الأرجنتين الملاذ الآمن للاجئين الإسبان، وفي سنوات المجاعة اللاحقة، أرسلت حكومة خوان بيرون أطناناً من المساعدات الغذائية لإسبانيا تحت شعار إنساني بليغ: «الابن لا يتخلى عن أمه».

وفي نهاية المطاف، أُسدل الستار على المونديال بمباراة قمة اختُزل فيها التاريخ: دولتان تجمعها لغة واحدة وثقافة مشتركة قبل كل شيء، وهوس وهيام مطلق بكرة القدم يذيب كل الخلافات السياسية، ويؤكد أن الساحرة المستديرة هي «الإمبراطورية الوحيدة اليوم... التي لا تغيب عنها الشمس».


مقالات ذات صلة

دونيس يؤكد ثقته بلاعبي الأخضر... ويعترف: إصابة العقيدي صعبة

رياضة سعودية دونيس خلال المؤتمر الصحافي (المنتخب السعودي)

دونيس يؤكد ثقته بلاعبي الأخضر... ويعترف: إصابة العقيدي صعبة

قال اليوناني جورجيوس دونيس، المدير الفني للمنتخب السعودي، إن فريقه تنتظره مباراة صعبة أمام نظيره العماني، مشدداً على أهمية تقديم أداء يظهر تحسن اللاعبين على

علي العمري (جدة)
رياضة عالمية مبابي متألماً من الإصابة (رويترز)

«دوري الأمم»: مبابي يخرج مصاباً بعد تسجيله هدفاً في شِباك تركيا

خرج قائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي مصاباً، بعدما بدا أنه تعرّض لإصابة في ركبته اليسرى، بعد لحظات من افتتاحه التسجيل أمام تركيا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية بيتر نوغلي قائد هامبورغ السابق الراحل (نادي هامبورغ)

هامبورغ يعلن وفاة قائده الأسبق بيتر نوغلي عن 79 عاماً

أعلن نادي هامبورغ الألماني لكرة القدم، وفاة بيتر نوغلي، قائد الفريق الأسبق، الخميس، عن عمر 79 عاماً، وذلك نقلاً عن عائلته.

«الشرق الأوسط» (هامبورغ (ألمانيا))
رياضة عالمية مقاعد كبار الشخصيات في ملعب كامب نو (نادي برشلونة)

برشلونة يراهن على مقاعد كبار الشخصيات لتحقيق 700 مليون يورو

يراهن برشلونة على ملعب كامب نو الجديد ليصبح أحد أبرز محركات إيراداته في السنوات المقبلة، متوقعاً تحقيق عوائد مضمونة تقارب 700 مليون يورو.

«الشرق الأوسط» (برشلونة)
رياضة عالمية البلجيكي شارل دي كيتيلاري (أ.ف.ب)

دي كيتيلاري يكشف تفاصيل فشل انتقاله إلى سان جيرمان

أكد البلجيكي شارل دي كيتيلاري أنه أجرى محادثات مع باريس سان جيرمان الفرنسي بشأن انتقال محتمل خلال مرحلة الانتقالات الصيفية.

«الشرق الأوسط» (توبيز (بلجيكا))

114 مخالفة تهز «مانشستر سيتي»

نادي مانشستر سيتي في مفترق طرق (إ.ب.أ)
نادي مانشستر سيتي في مفترق طرق (إ.ب.أ)
TT

114 مخالفة تهز «مانشستر سيتي»

نادي مانشستر سيتي في مفترق طرق (إ.ب.أ)
نادي مانشستر سيتي في مفترق طرق (إ.ب.أ)

أوشكت فصول القضية الأكثر تداولاً في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز على الانتهاء، بعدما أُدين نادي مانشستر سيتي في جميع التهم المتعلقة بانتهاك اللوائح المالية تقريباً، فيما يُتوقع أن يتقدم سيتي باستئناف ضد القرار.

وحسب شبكة «The Athletic»، فقد أُدين سيتي في جميع التهم الـ115، باستثناء تهمة واحدة، وفقاً لمصادر مطلعة على القضية تحدثت، شريطة عدم الكشف عن هويتها لعدم حصولها على تصريح بالحديث علناً.

وقال متحدث باسم مانشستر سيتي للشبكة: «لا تزال إجراءات الدوري الإنجليزي الممتاز مستمرة، وهناك عناصر مهمة يتعين استكمالها، كما أنها تخضع لقواعد صارمة للسرية. وبناءً على ذلك، يظل موقف نادي مانشستر سيتي متوافقاً مع البيان الذي أصدره النادي في فبراير (شباط) 2023».

وينص دليل الدوري الإنجليزي الممتاز على عقوبات في حال ثبوت انتهاك سيتي للوائح، تتراوح بين التوبيخ والغرامات المالية وخصم النقاط، وصولاً إلى الطرد من الدوري الممتاز.


«دوري الأمم»: زيدان يستبعد مبابي من تشكيلة فرنسا بسبب الإصابة

مبابي متألما أثناء خروجه من الملعب (أ.ف.ب)
مبابي متألما أثناء خروجه من الملعب (أ.ف.ب)
TT

«دوري الأمم»: زيدان يستبعد مبابي من تشكيلة فرنسا بسبب الإصابة

مبابي متألما أثناء خروجه من الملعب (أ.ف.ب)
مبابي متألما أثناء خروجه من الملعب (أ.ف.ب)

سيغادر المهاجم الفرنسي كيليان مبابي تشكيلة منتخب بلاده بعد أن اضطر للخروج من الملعب بسبب إصابة في الركبة، وذلك بعد وقت قصير من تسجيله هدف الفوز في مرمى تركيا خلال مباراة دوري الأمم الأوروبية الجمعة.

وتلقى قائد الفريق العلاج فور تسجيله الهدف، وعاد للملعب بعد فترة وجيزة، لكنه سقط مرة أخرى بعد نحو دقيقة واحدة ولم يتمكن من مواصلة المباراة ما اضطر المدرب زين الدين زيدان لاستبداله في الدقيقة 58 خلال مباراته الأولى كمدرب للمنتخب الوطني.

وقال زيدان عن لاعب ريال مدريد "لسوء الحظ، لا يبدو الوضع جيدا. أعتقد أنه سيضطر للعودة. لن نخاطر بأي شيء. يعاني من تورم في الركبة. الوضع ليس مشجعا لذلك لن نخاطر بأي شيء".

وقال الاتحاد الفرنسي للعبة أن مبابي يعاني من إصابة في «وتر الركبة» وأنه سيعود إلى مدريد.

وفازت فرنسا 1-صفر في أولى مبارياتها ضمن المجموعة الأولى بالمستوى الأول في دوري الأمم الأوروبية.


«تصفيات أمم إفريقيا»: بداية قوية للجزائر على حساب زامبيا

فرحة جزائرية بأحد الأهداف في المباراة (الشرق الأوسط)
فرحة جزائرية بأحد الأهداف في المباراة (الشرق الأوسط)
TT

«تصفيات أمم إفريقيا»: بداية قوية للجزائر على حساب زامبيا

فرحة جزائرية بأحد الأهداف في المباراة (الشرق الأوسط)
فرحة جزائرية بأحد الأهداف في المباراة (الشرق الأوسط)

استهل المنتخب الجزائري مشواره في التصفيات المؤهلة لكأس أمم أفريقيا 2027، بفوز صعب على ضيفه الزامبي 3-1 على ملعب حسين آيت أحمد بمدينة تيزي أوزو ضمن المجموعة التاسعة.

وكانت المواجهة الاختبار الرسمي الأول للمدرب الجديد لمنتخب «الخضر» إبراهيم حمداني، حيث اعتمد على أسماء جديدة وشابة ضمن خطة الإحلال والتبديل بعد جيل رياض محرز ورفاقه.

وأشرك المدرب الجديد أسماء لها ثقلها في الفريق على غرار رامي بن سبعيني وريان آيت نوري ونبيل بنطالب ومحمد الأمين عمورة وأمين غويري.

ولم يعط الجزائريون ضيوفهم الفرصة، حيث افتتحوا التسجيل بعد دقيقتين فقط عبر جوان حجام من تسديدة مباغتة من زاوية ضعيفة اثر تمريرة أمامية من عمورة.

وواصل «محاربو الصحراء» سيطرتهم بأداء قوي من ابراهيم مازة وعمورة في الوسط حيث وصلت الكرة الى بشير بلومي نجل الأسطورة المحلية لخضر بلومي الذي سدد بقوة فوق المرمى (10).

وأدرك لاعب الفيحاء السعودي فاشون ساكالا التعادل لفريق "الرصاصات النحاسية" بعدما استغل على أفضل نحو خطأ فادحا من الدفاع الجزائري في المراقبة فتقدم وسدد كرة قوية عانقت الشباك الجزائرية (57).

واستعاد الفريق الجزائري الضغط ولا سيما بعد تبديلات حمداني الجيدة، فأعاد مازة التقدم للجزائر من تسديدة قوية عجز الحارس الزامبي عن صدها (67).

وعزز البديل أنيس حاج موسى النتيجة بتسديدة الى قلب المرمى إثر تمريرة خلفية مميزة من مازا (74).