الصمغ العربي السوداني... ثروة تنزف بين الحرب والنزوح

المعارك بين طرفي الصراع دمرت الغابات والأسواق وأوقفت الإنتاج ودفعت المنتجين للهروب

مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)
مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)
TT

الصمغ العربي السوداني... ثروة تنزف بين الحرب والنزوح

مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)
مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)

أخرجت الحرب آلاف منتجي الصمغ العربي من مناطقهم، ودمرت مساحات واسعة من غابات الهشاب والطلح، بينما تحولت إحدى أهم السلع الاستراتيجية التي يتصدر السودان إنتاجها عالمياً إلى محور تحذيرات دولية من استغلال عائداتها في تمويل الصراع. وبينما يواجه العالم معضلة تتبع تجارة الصمغ العربي، يعيش المنتجون السودانيون مأساة مختلفة، بعد أن فقدوا أراضيهم ومحاصيلهم ومصادر رزقهم، لينتقل كثير منهم من الإنتاج إلى النزوح والاعتماد على المساعدات الإنسانية.

تعمل عايدة حسن في إنتاج الصمغ العربي بولاية النيل الأزرق منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وهي مهنة توارثتها أسرتها جيلاً بعد جيل. وبفضل عائداتها المجزية تمكنت الأسرة من ادخار الأموال والتوسع في زراعة الغابات ومزارعها، قبل أن تقلب الحرب حياتها رأساً على عقب، وتحولها من منتجة تعتمد على عملها إلى نازحة تنتظر المساعدات الإنسانية.

وتقيم عايدة منذ عام ونصف عام في أحد مراكز إيواء النازحين بمدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق، ضمن مئات الأسر التي تعتمد على مساعدات إغاثية محدودة تصل على فترات متقطعة. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المهنة توارثناها أباً عن جد، ولا نعرف غيرها، كنا نوفر منها المال ونتوسع في مزارعنا، لكن حياتنا تبدلت ودخلنا دائرة الفقر».

مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)

تروي عايدة أن رحلة نزوحها بدأت عقب اقتحام «قوات الدعم السريع» لمنطقة بوط بولاية النيل الأزرق، حيث تعرض محصول الأسرة وآلياتها الزراعية وممتلكاتها للنهب، ما اضطرها إلى السير مع أفراد عائلتها عشرة أيام متواصلة للوصول إلى مدينة الدمازين هرباً من القتال. وتضيف بصوت خافت: «ما نعيشه الآن قطعة من نار، وليس لي غير دموعي لأطفئ بها حرارتها».

ولا تمثل قصة عايدة حالة فردية، بل تعكس واقع آلاف المنتجين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة حزام الصمغ العربي الممتد عبر ثلاث عشرة ولاية سودانية. ويتركز الجزء الأكبر من الإنتاج في إقليمي كردفان ودارفور، إلا أن مساحات واسعة منهما أصبحت تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» أو تحولت إلى مناطق مواجهات عسكرية، الأمر الذي أدى إلى توقف الإنتاج في كثير من المناطق ونزوح المزارعين وفقدانهم مصادر رزقهم.

ويستخرج الصمغ العربي بصورة رئيسية من أشجار الهشاب والطلح، ويعد من أهم المواد الخام المستخدمة في الصناعات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل والمشروبات الغازية، بينما يوفر السودان، بحسب مسؤولين في القطاع، نحو 80 في المائة من الإنتاج العالمي. غير أن استمرار الحرب يهدد هذه المكانة التاريخية، في وقت توسع فيه دول أخرى إنتاجها سعياً للاستفادة من اضطراب الإمدادات السودانية.

سودانيان يجمعان حصادهما من الصمغ العربي في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان 9 يناير 2023 (أ.ف.ب)

يقول رئيس منتجي الصمغ العربي في شمال دارفور، أبكر أدومة أحمد، لـ«الشرق الأوسط»، إن القتال أدى إلى تراجع إنتاج الإقليم إلى أقل من ثلاثين ألف طن، بعد أن هجر معظم المنتجين مناطق الحزام بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، واضطروا إلى النزوح أو اللجوء عقب فقدان ممتلكاتهم. وأضاف: «الحرب دمرت بورصة الصمغ العربي، وأزالت مساحات من الغابات المنتجة، كما ألحقت أضراراً كبيرة بطرق نقل المحاصيل إلى الأسواق».

ويقدر رئيس اتحاد مزارعي الصمغ العربي، عوض الله إبراهيم، عدد العاملين في هذا القطاع بنحو مليون شخص ينتظمون في خمسة آلاف جمعية إنتاجية، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن السودان ينتج نحو عشرين نوعاً من الصمغ العربي، ويعد صمغ الهشاب والطلح من أجود الأنواع عالمياً. وبحسب إبراهيم، كانت ولايات دارفور تنتج أكثر من ثلاثين ألف طن سنوياً، فيما كانت كردفان توفر نحو أربعين ألف طن، إضافة إلى كميات مقدرة من ولاية النيل الأزرق، إلا أن الحرب أدت إلى انخفاض إنتاج بعض مناطق كردفان إلى نحو عشرة آلاف طن فقط، بينما فقد آلاف المنتجين مصادر دخلهم بالكامل.

واضطر منتجون من الفولة والنهود وأولاد بخيت في ولاية غرب كردفان، والدبيبات والقوز في جنوب كردفان، إلى جانب مناطق واسعة في شرق دارفور، إلى النزوح نحو ولايات أكثر أمناً أو اللجوء إلى دول الجوار، بعد أن أصبحت مناطقهم ساحات للقتال.

الصمغ العربي يستخلص من عصارة صلبة مأخوذة من شجرتي السنط والطلح (أ.ف.ب)

وفي جنوب كردفان، يقول عضو جمعية المنتجين عثمان بقادي لـ«الشرق الأوسط» إن الإنتاج توقف في محليات كادوقلي والدلنج وهبيلا، وهي ثلاث من أصل سبع محليات منتجة للصمغ العربي، فيما نزح عدد كبير من المزارعين إلى مدينة الأبيض. وأوضح بقادي أن مدينة أبو جبيهة تحولت إلى السوق الرئيسية للصمغ العربي بعد تعطل عدد من الأسواق في شمال كردفان، واتجهت إليها شركات لشراء المحصول، إلا أن كثيراً من المزارعين امتنعوا عن العودة إلى المناطق التي استعادها الجيش بسبب انعدام مياه الشرب وبُعدها عن أماكن النزوح، كما توقف الإنتاج في المنطقة الممتدة من غرب الأبيض إلى النهود، والتي تضم أكثر من ثلاثمائة قرية كانت تشتهر بإنتاج أجود أنواع الصمغ العربي.

وفي إقليم النيل الأزرق، يقول المنتج والتاجر شاكر قنديل لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» هاجمت مناطق لم تكن تشهد أي اشتباكات، ونهبت نحو 60 في المائة من المحصول، موضحاً أن أكثر المناطق تضرراً تقع شمال مدينة الكرمك، وجنوب محلية باو، والمنطقة العربية بمحافظة التضامن.

مزارع سوداني يقوم بحصاد الصمغ العربي في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان 9 يناير 2023 (أ.ف.ب)

من جهتها، تقول مديرة إدارة الأصماغ الطبيعية بالهيئة القومية للغابات، فاطمة محمد رملي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحرب قضت على غابات كاملة، وإن المساحات المستغلة حالياً لا تتجاوز 40 في المائة من حزام الصمغ العربي، مشيرة إلى أن الهيئة تعتزم توزيع مليون شتلة في ولايات كردفان لإعادة استزراع المناطق المتضررة واستعادة الغطاء الغابي.

ولا يقتصر تأثير الحرب على تراجع الإنتاج، بل يمتد إلى عمليات النهب والتهريب التي تهدد مكانة السودان في الأسواق العالمية. فقد اتهم مسؤولون سودانيون «قوات الدعم السريع» بنقل كميات من الصمغ العربي إلى دول مجاورة، وهو ما أشار إليه أيضاً تقرير للأمم المتحدة، تحدث عن نقل كميات كبيرة من مناطق خاضعة لسيطرة «الدعم السريع» إلى دول عبور مجاورة، قبل إعادة تصديرها باعتبارها منتجات محلية، بما يصعب تتبع مصدرها الحقيقي. ولم يرد المتحدث باسم الحكومة التابعة لتحالف «تأسيس»، أحمد نقد، على طلب «الشرق الأوسط» للتعليق على هذه الاتهامات.

ويجمع العاملون في قطاع الصمغ العربي على أن وقف الحرب، رغم أهميته، لن يكون كافياً لإعادة القطاع إلى سابق عهده. فاستعادة الإنتاج تتطلب برنامجاً متكاملاً لإعادة الإعمار، يشمل تمويل المنتجين الذين فقدوا محاصيلهم وآلياتهم الزراعية، وتأمين مناطق الإنتاج، وتوفير المياه والخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل الطرق والأسواق، إلى جانب حماية غابات الهشاب والطلح ومنع قطع الأشجار، حتى يتمكن السودان من الحفاظ على مكانته بوصفه أكبر منتج ومصدر للصمغ العربي في العالم.


مقالات ذات صلة

تحالف «صمود» السوداني: لم نتلقَّ اتصالاً للمشاركة في الحوار السياسي

شمال افريقيا حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)

تحالف «صمود» السوداني: لم نتلقَّ اتصالاً للمشاركة في الحوار السياسي

أكد التحالف المدني الديمقراطي السوداني «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك أنه لم يتلقَّ أي اتصال بشأن ما يتداول عن مبادرة لحوار سياسي وطني.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين وفي لقاءات أديس أبابا (إكس)

تحليل إخباري «الآلية الخماسية» لتسهيل العملية السياسية في السودان... إلى أين؟

تواجه «الآلية الخماسية» لتسهيل العملية السياسية في السودان اختبارات صعبة نتجت عن تعثر اجتماعاتها الأخيرة في أديس أبابا، والتي قاطعتها قوى سياسية أبرزها «صمود».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا آثار الدمار والحريق داخل دار الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)

السودان: الأسر البديلة... حلّ فرضته الحرب لأزمة الأطفال فاقدي السند

أدت الحرب لعجز في مؤسسات إيواء الأطفال فاقدي السند، ونتج عن ذلك ارتفاع معدلات الوفيات بين الصغار، واضطرت السلطات للجوء إلى الأسر البديلة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية) p-circle

البرهان: نخوض معركة بقاء من دون تدخل خارجي

قال قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرها إن قواته تخوض معركة بقاء «بشرف وعزة»، من دون تدخل من أي جهة خارجية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي في إنجامينا (الخارجية المصرية)

مصر تراهن على شراكة أعمق مع تشاد لاحتواء أزمات الجوار

تراهن الحكومة المصرية على تعميق شراكتها مع تشاد في مختلف المجالات، بالتوازي مع تكثيف التنسيق السياسي بين البلدين لاحتواء أزمات دول الجوار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ليبيا تضيق الخناق على شبكات تزوير «الرقم الوطني»

موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)
موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)
TT

ليبيا تضيق الخناق على شبكات تزوير «الرقم الوطني»

موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)
موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)

وسّعت السلطات القضائية الليبية ملاحقتها لشبكات تزوير وثائق الهوية والسجل المدني، في حملة كشفت اليوم الثلاثاء عن حصول نحو 7 آلاف غير مستحق على معاشات ضمان اجتماعي خلال 5 سنوات، في بلد يواجه منذ سنوات انقساماً سياسياً وأمنياً، ألقى بظلاله على مؤسسات الدولة وقواعد بياناتها.

وأعادت القضية إلى الواجهة ملفاً مفتوحاً منذ نحو أربع سنوات، وذلك عندما أعلن النائب العام الصديق الصور رصد عشرات الآلاف من الأرقام الوطنية المشتبه في تزويرها، وتوالت بعدها عمليات ضبط آلاف المتورطين في جرائم تزوير.

وتزداد حساسية الملف في ليبيا بالنظر إلى اتساع نطاق المنافع المرتبطة بالرقم الوطني من الإعانات الحكومية، والخدمات المصرفية إلى تملك العقارات والشركات، والحصول على النقد الأجنبي بالسعر الرسمي، ما يجعله أكثر من مجرد وسيلة لإثبات الهوية.

النائب العام الليبي الصديق الصور (الصفحة الرسمية لمكتبه)

وفي أحدث حلقات هذه الحملة، كشفت النيابة العامة، فجر الثلاثاء، عن نتائج مراجعة امتدت لخمس سنوات لبيانات عدد من المستفيدين من معاشات الضمان الاجتماعي. أسفرت عن وقف صرف 8400 معاش أساسي، تمهيداً لمطابقة بيانات أصحابها مع قاعدة البيانات الوطنية، والتحقق من مدى استحقاقهم.

وحسب مراقبين يبدو أن الحملة الأخيرة تستهدف تجفيف منابع تلك الشبكات الممتدة في شرق ليبيا وغربها، بعدما أظهرت عمليات الفحص استخدام 6954 رقماً وطنياً مزوراً في مستندات طلب الحصول على المنافع الاجتماعية، وهو ما ترتب عليه صرف نحو 304 ملايين خلال خمس سنوات، وفق بيان النيابة العامة.

كما كشفت التحقيقات القضائية أيضاً عن استمرار صرف 52 مليوناً و251 ألف دينار لـ1446 شخصاً، رغم ثبوت وفاتهم خلال الفترة نفسها، في واقعة تعكس حجم الثغرات، التي يمكن أن تنشأ عن ضعف الربط بين قواعد البيانات الحكومية، أو استغلالها بصورة غير مشروعة.

وتأتي هذه الأموال ضمن منظومة المساعدات الاجتماعية، التي تشمل منحة «أرباب الأسر»، المعروفة في ليبيا بمنحة الزوجة والأبناء، وهي من أبرز المزايا التي تجعل الحصول على الرقم الوطني هدفاً لشبكات التزوير. وتبلغ المنحة 100 دينار شهرياً للأبناء دون 18 عاماً، والمبلغ نفسه للبنات فوق 18 عاماً، بينما تحصل الزوجة غير العاملة على 150 ديناراً شهرياً.

وكشفت قضية أخرى في مدينة سبها (جنوب) عن جانب إضافي من الخلل داخل منظومة الضمان الاجتماعي، حيث توصلت تحقيقات النيابة، الثلاثاء، إلى صرف معاشات في فرع صندوق التضامن الاجتماعي لـ1150 شخصاً، من دون مستندات تثبت استحقاقهم، إلى جانب صرف 2.46 مليون دينار من دون مستندات تبيّن سلامة التصرف فيها.

وتسلط التحقيقات الأخيرة كذلك الضوء عن وجود شبكات تتجاوز تزوير الوثيقة ذاتها إلى إعادة بناء هويات عائلية كاملة داخل السجل المدني.

ففي طرابلس، أمر مكتب النائب العام بحبس أجنبي (لم يتم تحديد جنسيته) احتياطياً على ذمة التحقيق، يوم الاثنين، بعدما تبين تورطه مع موظف في مكتب السجل المدني في استغلال قيد عائلي يعود إلى أسرة انقطع نسلها، وإنشاء بيانات مدنية جديدة، وترتيب أرقام وطنية عليها.

وحسب التحقيقات، فقد دفع المواطن الأجنبي 10 آلاف دينار للموظف مقابل تسليمه ورقة العائلة وتنسيق عملية التزوير، فيما حصلت أرملة صاحب القيد، وهي أجنبية أيضاً، على 20 ألف دينار بعد مغادرتها ليبيا.

واستخدم الأجنبي القيد المستولى عليه للحصول على هويات وطنية لتسعة من أقاربه في البيانات الجديدة، أتاحت لهم الاستفادة من حقوق مرتبطة بالمواطنة، فيما ساعدت البيانات المزورة أحد المستفيدين على تفادي تنفيذ حكم بالسجن المؤبد صادر بحقه في بلاده.

وأمرت النيابة بضبط موظف السجل المدني وبقية المتورطين في العملية، ووقف العمل بالمستخرجات الرسمية المستندة إلى البيانات المزورة، مع تتبع المنافع التي ترتبت عليها لحصر آثارها القانونية والمالية، وتحديد المسؤوليات الناجمة عنها.

ومن منظور أمني، يثير تزوير الأرقام الوطنية مخاوف أوسع تتجاوز الاحتيال المالي، مع احتمال استخدامها للحصول على جوازات سفر، أو الالتحاق بوظائف في أجهزة أمنية ومؤسسات حساسة، فضلاً عن توظيفها في أنشطة متطرفة أو إجرامية. كما يهدد تضخيم السجل المدني نزاهة أي استحقاقات انتخابية مقبلة.

وسبق أن أعلنت النيابة العامة قبل نحو 4 أعوام رصد 15 ألف بطاقة انتخابية مزورة خلال انتخابات المؤتمر الوطني العام في عام 2012، إضافة إلى ضبط 3829 بطاقة انتخابية مزورة، مرتبطة بالانتخابات التي كان مقرراً إجراؤها عام 2021، لكن لم تجر بسبب «القوة القاهرة».

تضخيم السجل المدني يهدد نزاهة أي استحقاقات انتخابية مقبلة (مفوضية الانتخابات)

ومنذ مطلع العام الحالي، اتخذت النيابة العامة سلسلة إجراءات ضد شبكات تزوير في السجل المدني، امتدت إلى طرابلس وطبرق وأوباري وتيجي، وكشفت التحقيقات في عدد من هذه القضايا عن تورط موظفين حكوميين في تقاضي رشى، مقابل تغيير قيود عائلية، وإنشاء بيانات مدنية مخالفة للحقيقة.


فرق الإطفاء الليبية تكافح حريق مصفاة الزاوية بعد هجوم بمسيّرة

يعمل رجال الإطفاء على احتواء حريق اندلع في مصفاة الزاوية النفطية عقب غارة جوية بطائرة مسيرة في الزاوية، ليبيا (أ.ب)
يعمل رجال الإطفاء على احتواء حريق اندلع في مصفاة الزاوية النفطية عقب غارة جوية بطائرة مسيرة في الزاوية، ليبيا (أ.ب)
TT

فرق الإطفاء الليبية تكافح حريق مصفاة الزاوية بعد هجوم بمسيّرة

يعمل رجال الإطفاء على احتواء حريق اندلع في مصفاة الزاوية النفطية عقب غارة جوية بطائرة مسيرة في الزاوية، ليبيا (أ.ب)
يعمل رجال الإطفاء على احتواء حريق اندلع في مصفاة الزاوية النفطية عقب غارة جوية بطائرة مسيرة في الزاوية، ليبيا (أ.ب)

ذكر مهندسان أن فرق الإطفاء الليبية تواصل جهود مكافحة حريق اندلع في مجمع مصفاة الزاوية، اليوم الثلاثاء، في حين قالت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا إنها قد تعلن حالة القوة القاهرة وتوقف العمل في مصفاة الزاوية بشكل كامل إذا استمرت الهجمات بالطائرات المسيرة على المنشآت النفطية في المدينة.

وقال المهندسان لـ«رويترز» إن الحريق، رغم شدته، لم يُلحق أضراراً بأكبر مصفاة عاملة في ليبيا. وصرح ثلاثة مسؤولين في شركة «البريقة لتسويق النفط»، المسؤولة عن إمدادات الوقود في البلاد، لـ«رويترز» بأن إمدادات الوقود والبنزين لم تتأثر.

وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا في وقت سابق أنه - في حال استمرار هذه الاعتداءات - ستضطر إلى إعلان حالة القوة القاهرة ووقف العمل كلياً في المصفاة، التي تزود معظم السوق المحلية، بعد الإبلاغ عن ثالث هجوم بطائرة مسيرة في هذا الأسبوع. ولم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عن الهجمات. ولم تذكر السلطات من تعتقد أنه يقف وراءها، إلا أن ليبيا تشهد انقساماً بين فصيلين متنافسين منذ الإطاحة بمعمر القذافي قبل 15 عاماً.

تصاعدت ألسنة اللهب والدخان الأسود الكثيف من خزان وقود في مصفاة الزاوية النفطية عقب غارة جوية بطائرة مسيرة في الزاوية (أ.ب)

مسيرة ثالثة تستهدف مصنعاً لخلط وتعبئة الزيوت

ذكرت المؤسسة أن طائرة مسيرة ثالثة استهدفت، الاثنين، مصنعاً لخلط وتعبئة الزيوت تابعاً لشركة «الزاوية لتكرير النفط»، وسقطت بالقرب من خزان الزيوت الأساسي وشبكة الأنابيب التي تستخدم في تصنيع الزيوت لصالح السوق المحلية، دون أن يسفر ذلك عن أي إصابات أو أضرار.

وقالت وزارة النفط الليبية، في وقت مبكر من اليوم الثلاثاء، إن هجوماً على مجمع الزاوية أدى إلى اشتعال وانهيار الخزان التابع لشركة «البريقة»، وكان يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من البنزين.

وذكرت أن سلسلة هجمات بالطائرات المسيرة طالت المجمع النفطي ومصفاة الزاوية، بالإضافة إلى محطة لتحلية المياه. وقال مسؤول في «البريقة» لـ«رويترز» إن الخزانات المجاورة للخزان المستهدف في الزاوية فُرغت لمنع امتداد الحريق، وتتواصل عمليات تبريد الخزانات الأخرى.

يعمل رجال الإطفاء على احتواء حريق اندلع في مصفاة الزاوية النفطية عقب غارة جوية بطائرة مسيرة في الزاوية بليبيا (رويترز)

ليبيا تمتلك أكبر احتياطيات من النفط في أفريقيا

وتعرض إنتاج النفط في ليبيا للتوقف بشكل متكرر نتيجة لسنوات من الاضطرابات، رغم امتلاك البلاد أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط في أفريقيا. وشهدت منطقة الزاوية اشتباكات مسلحة متكررة، مما أجبر المصفاة الواقعة فيها على الإغلاق في بعض الأحيان. وكان أحدث تلك الإغلاقات لعدة أيام في مايو (أيار).

حريق في خزان تخزين بمصفاة نفط في الزاوية بليبيا (رويترز)

وتبلغ الطاقة التكريرية لمصفاة الزاوية، التي تبعد نحو 40 كيلومتراً غربي طرابلس، 120 ألف برميل يومياً، وترتبط المصفاة بحقل الشرارة النفطي الذي يبلغ إنتاجه نحو 300 ألف برميل يومياً. وتوقفت مصفاة رأس لانوف النفطية عن العمل منذ 2013، وهي الأكبر في ليبيا.

وتنتج ليبيا، التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على النفط، كميات تقل عن مستويات ما قبل عام 2011 البالغة 1.6 مليون برميل يومياً. إلا أنها تمكنت في يونيو (حزيران) من الوصول إلى 1.44 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى لها منذ 2013.


مصرع 4 في انهيار عقار شرق القاهرة

انهيار عقار تحت الإنشاء في قرية جفصا بمحافظة الدقهلية الجمعة الماضي (المحافظة)
انهيار عقار تحت الإنشاء في قرية جفصا بمحافظة الدقهلية الجمعة الماضي (المحافظة)
TT

مصرع 4 في انهيار عقار شرق القاهرة

انهيار عقار تحت الإنشاء في قرية جفصا بمحافظة الدقهلية الجمعة الماضي (المحافظة)
انهيار عقار تحت الإنشاء في قرية جفصا بمحافظة الدقهلية الجمعة الماضي (المحافظة)

أسفر انهيار عقار مكوَّن من 4 طوابق في منطقة حدائق القبة (شرق العاصمة المصرية القاهرة)، في ساعة مبكرة من صباح الثلاثاء، عن مصرع 4 أشخاص وإصابة 5 آخرين.

وتلقت «غرفة عمليات النجدة» في مديرية أمن القاهرة بلاغاً يفيد بانهيار عقار بدائرة قسم شرطة حدائق القبة، وبيَّنت المعاينة الأولية للبحث الجنائي «أن العقار من المنازل القديمة، وسقط فجأة»، بينما تم نقل المصابين إلى المستشفيات لتلقي العلاج.

ونقلت «بوابة أخبار اليوم» (حكومية محلية) عن نائب محافظ القاهرة للمنطقة الشمالية، اللواء عمر محمود الشافعي، قوله إن الحادث وقع نتيجة انهيار سقف أحد الأدوار العلوية على ما تحته.

وفرضت الأجهزة الأمنية كردوناً أمنياً حول العقار المنهار، كما تم قطع الكهرباء والغاز الطبيعي عن المنطقة كإجراء احترازي، لحين الانتهاء من عمليات رفع الأنقاض، والتأكد من استخراج جميع العالقين، وفق صحف محلية.

ويعد هذا الحادث الثالث من نوعه هذا الأسبوع، بعد انهيار عقارين في دلتا النيل، الجمعة الماضي، أحدهم في قرية جفصا بمحافظة الدقهلية دون أن يتسبب في خسائر بشرية، والثاني على بعد كيلومترات في محافظة الغربية، وتحديداً في مركز زفتى، وأسفر عن سقوط 4 ضحايا.

ولا تعد حوادث انهيار العقارات جديدة في مصر؛ بل تشكِّل أزمة عميقة تتسبب في سقوط مئات الضحايا سنوياً، مع وجود آلاف المباني الآيلة للسقوط التي هي بحاجة إلى ترميم، في حين لا تستوعب إمكانات الأجهزة المحلية ترميمها، وتغيب الصيانة عن بعضها سنوات طويلة، حسبما أكده عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان) إيهاب منصور، في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط».

وأظهرت بيانات رسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2017، أن عدد العقارات الآيلة للسقوط من دون أن يُتخذ إجراء بشأنها يبلغ 97535 عقاراً موزعة على أنحاء الجمهورية كافة.

والأسبوع الماضي، ضرب زلزال بقوة 5.6 درجة شرق مصر، وأثار الذعر في نفوس سكان العاصمة القاهرة وعدد من المحافظات المصرية، دون أن يؤدى إلى خسائر بشرية أو مادية.