الإعلان عن تشكيل «حكومة ليبية جديدة» يفجّر انتقادات واسعة

ضمن مبادرة أطلقها سياسيون من جنيف لإنهاء «انقسام الأفرقاء»

لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)
لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)
TT

الإعلان عن تشكيل «حكومة ليبية جديدة» يفجّر انتقادات واسعة

لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)
لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)

أثار إعلان سياسيين وناشطين ليبيين خلال اجتماع عُقد في جنيف، الجمعة، اختيار مصطفى المجدوب رئيساً لما وصفوه بـ«حكومة ليبية موحدة»، موجة واسعة من الانتقادات والتشكيك في الأوساط السياسية الليبية، في حين أوضح القائمون على المبادرة أنها «مسعى ليبي خالص لإنهاء الانقسام السياسي».

وجاء الإعلان عبر ما سُمي بـ«ملتقى الحوار السياسي» بعيداً عن المسارات الأممية، قبل أن تنتشر صور الاجتماع ومقاطع مصورة منه داخل ليبيا، لتتحول المبادرة سريعاً إلى محور للنقاش وحتى السخرية، وسط تساؤلات عن شرعيتها، وإمكانية تحولها إلى واقع سياسي.

المجدوب خلال «ملتقى جنيف» الجمعة (صفحة آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)

غير أن المجدوب، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» من جنيف، السبت، قال إنه يتقبل الانتقادات، بما فيها تلك التي وصفها بـ«اللاذعة»، معتبراً أنها «تأتي في إطار الممارسة الديمقراطية وروح التفاهم، ولا تمثل سبباً للتراجع عن المبادرة، أو وقف التحركات الرامية إلى تسويقها سياسياً داخل ليبيا».

وشدد المجدوب على تمسكه بالمضي في تنفيذ المبادرة، مشيراً إلى أنه أجرى اتصالات مع أعضاء في مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة»، إلى جانب شيوخ قبائل وممثلين عن مكونات اجتماعية، بهدف بناء توافق أوسع حولها، وقال إن الساعات المقبلة «ستشهد مفاجآت» تتعلق بمسار المبادرة، وما ستسفر عنه من اتصالات وتحركات جديدة.

انتقادات واسعة للمبادرة

بحسب مطلقي المبادرة، فإن الملتقى يمثل «مبادرة ليبية خالصة» شارك في إطلاقها نحو 60 شخصية من الأقاليم التاريخية الثلاثة، وتضم ممثلين عن أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني وقيادات اجتماعية وقبلية، وتهدف إلى التوصل إلى «حل ليبي - ليبي» للأزمة السياسية، بعيداً عن أي إملاءات خارجية، وهو ما كرره المجدوب في حديثه.

وأوضح المجدوب أن اختياره رئيساً للمجلس الرئاسي المقترح جاء في إطار تصور يستلهم تجربة المجلس الرئاسي السابق، برئاسة فائز السراج، الذي جمع بين رئاسة المجلس والحكومة، معتبراً أن هذه الخطوة تستهدف «إعلاء الحل الليبي»، بوصفها امتداداً لمبادرات عدة طُرحت خلال السنوات الماضية لإنهاء الانقسام السياسي، وتوحيد المؤسسات.

في المقابل، قوبلت هذه المبادرة واختيار المجدوب رئيساً بانتقادات واسعة من شخصيات سياسية وبرلمانية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رأت أنها تفتقر إلى أي سند سياسي أو قانوني أو دستوري.

وشكك عضو مجلس النواب الليبي علي التكبالي في آلية الاختيار عبر دعوة ساخرة إلى اجتماع «سري»، في حين اعتبر عضو «النواب» سعيد مغيب أن سهولة إعلان الحكومات قد تدفع أي مدينة ليبية إلى عقد حوار مماثل لتشكيل حكومة جديدة.

أما رئيسة مفوضية المجتمع المدني في طرابلس انتصار القليب، فقد تساءلت عن الجهة التي منحت المجدوب هذا التفويض، في حين رأى رئيس حزب «صوت الشعب» فتحي الشبلي أن «الشرعية لا تُكتسب بالإعلانات أو شركات العلاقات العامة، بل عبر الإرادة الشعبية والمسارات الدستورية المعترف بها».

ومن زاوية قانونية، حذر أستاذ القانون الليبي مجدي الشبعاني من أن تشكيل حكومة من دون سند قانوني قد يعرّض القائمين عليها للمساءلة، إذا اعتُبر إنشاءً لسلطة موازية، أو مساساً بنظام الحكم.

من جهته، اكتفى عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة بالتعليق قائلاً: «من ليبيا يأتي الجديد».

نأي أممي

في خضم هذا الجدل، سارعت بعثة الأمم المتحدة إلى النأي بنفسها عن المبادرة، وقال المتحدث باسمها محمد الأسعدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «ليست لنا أي صلة بهذا الحديث». لكن المجدوب رد بالقول إن مهمة البعثة الأممية تتمثل في دعم الحل السياسي، وليس فرض حلول على الليبيين، معرباً عن استغرابه مما وصفه بـ«ازدواجية المعايير»، وتساءل عن سبب التحفظ على مبادرة ليبية، وهو ما لا ينطبق على المبادرة الأميركية التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتقوم مبادرة بولس، بحسب ما هو متداول، على تصور لتقاسم السلطة بين الأطراف الرئيسية الليبية، وفق تسريبات بهذا الشأن.

ووفق السيرة الذاتية المنشورة للمجدوب، فإنه يبلغ من العمر 46 عاماً، ويحمل درجة الدكتوراه في القانون العام من جامعة شريف هداية الله الإندونيسية، إضافة إلى درجتَي ماجستير في القانون والاقتصاد، كما شارك في برامج تدريبية متخصصة في القضاء وحقوق الإنسان، والعدالة الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة.

غير أن الجدل حول المبادرة تزامن مع إعادة تداول مقاطع مصورة للمجدوب خلال قيادته إحدى المجموعات المسلحة أثناء حرب طرابلس بين عامَي 2019 و2020، وهو ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول خلفيته، ودوره خلال تلك المرحلة، ومدى انعكاس ذلك على صورته السياسية الحالية.

ورد المجدوب على ذلك بالقول إنه أدى «دوراً في مرحلة كانت فيها العاصمة، مسقط رأسه، تتعرض لهجوم»، مضيفاً أن البلاد انتقلت (اليوم) إلى مرحلة المصالحة، وأن «صفحة الماضي طُويت»، ومبرزاً أن الأولوية باتت لتوحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، بدلاً من استدعاء أحداث الماضي.

وكشف المجدوب أيضاً أنه عقد لقاءً مع رئيس أركان «الجيش الوطني» الفريق أول خالد حفتر في يونيو (حزيران) الماضي «تناول أهمية تجاوز خلافات الماضي، والانخراط في جهود تستهدف توحيد البلاد ودفعها نحو الاستقرار».

وفي معسكر المجدوب كان السياسي الليبي عبد الحكيم بعيو، الذي قال إنه حضر إلى جنيف للتأكيد على أن ليبيا ليست ملفاً تتقاسمه الدول، وإنما دولة ذات سيادة، يجب أن يكون قرارها نابعاً من إرادة أبنائها، مؤكداً أن المبادرة «وطنية خالصة»، ولا تقف وراءها أي دولة أو جهة خارجية.

تأييد حزبي

أعلن تحالف حزبي يسمي نفسه «الحراك الوطني للأحزاب الليبية» تأييده لهذه الخطوة، ودعا جميع القوى السياسية والوطنية ومؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني إلى دعمها، والتعاون من أجل إنجاحها، وتهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ونزيهة.

رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق» الليبية السابقة فائز السراج (أرشيفية - رويترز)

ورغم محاولات منظمي المبادرة تقديمها بوصفها مساراً وطنياً بديلاً، فإن دبلوماسيين ومحللين ليبيين رأوا أنها تفتقر إلى مقومات التحول إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ.

وقال الدبلوماسي الليبي محمد المرداس لـ«الشرق الأوسط» إن ما جرى يمثل «قفزة في الهواء»؛ لأنه يفتقد الحاضنة الشعبية الحقيقية، وديناميات القوة على الأرض، فضلاً عن الغطاء الدولي الذي ارتبط بالحكومات الليبية المتعاقبة منذ توقيع اتفاق الصخيرات عام 2015.

من جهته، قال المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ إن أي مجموعة يمكنها إعلان نفسها حكومة أو سلطة، لكن السؤال الحقيقي يبقى حول قدرتها على اكتساب الشرعية، والتأثير في الواقع السياسي.


مقالات ذات صلة

تحقيق ليبي في تزوير «أرقام وطنية» بالجنوب

شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور متحدثاً خلال افتتاح معرض النيابة العامة للكتاب (الصفحة الرسمية للمعرض)

تحقيق ليبي في تزوير «أرقام وطنية» بالجنوب

كشفت تحقيقات قضائية ليبية عن أرقام لافتة في ملف تزوير الأرقام الوطني، الذي يخضع للتحقيق منذ سنوات بعدما رُصد ارتفاع عدد أوراق القيود العائلية المرتبطة بـ«أوزو»

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا أمطار طوفانية تسببت في غرق سيارات بالعاصمة الليبية (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

أمطار غزيرة تُعرِّي البنية التحتية في العاصمة الليبية

تسببت أمطار غزيرة هطلت على العاصمة الليبية في إغراق شوارع ومنازل وشلل حركة السير، معيدة تسليط الضوء على كفاءة البنية التحتية ومستويات الجاهزية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الزوبي وكيل وزارة الدفاع بغرب ليبيا مستقبلاً خوري نائبة رئيسة البعثة الأممية 12 أكتوبر (البعثة الأممية)

مباحثات أممية للدفع بالعملية السياسية وتوحيد المؤسسات الليبية

تسابق البعثة الأممية في ليبيا الزمن للتقريب بين الفرقاء وتوحيد المؤسسة العسكرية، وذلك بالتزامن مع استعداد المبعوثة الأممية لعرض رؤيتها الشاملة أمام مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي مستقبلاً مليقطة رئيس جهاز الاستخبارات يوم الاثنين (مكتب المنفي)

المنفي يبحث مع رئيس الاستخبارات الليبية سبل حماية الأمن الوطني

بحث رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، مع رئيس جهاز الاستخبارات عبد المجيد مليقطة، تطورات الأوضاع الأمنية وسبل تعزيز التعاون الاستخباراتي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة للمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية الأسبوع الماضي (المجلس الأعلى)

ليبيا: تصعيد سياسي يستبق إحاطة تيتيه أمام «مجلس الأمن»

تجدد الخلاف السياسي في ليبيا مع رفض المجلس الأعلى للدولة مخرجات «4+4» وقوانين انتخابية أقرها مجلس النواب، قبيل إحاطة أممية مرتقبة قد تحدد ملامح الخطوات المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الجزائر: محاكمة ثلاثة رؤساء سابقين لـ«فاف» بتهم فساد

محكمة سيدي امحمد بالعاصمة المختصة في جرائم الفساد (الشرق الأوسط)
محكمة سيدي امحمد بالعاصمة المختصة في جرائم الفساد (الشرق الأوسط)
TT

الجزائر: محاكمة ثلاثة رؤساء سابقين لـ«فاف» بتهم فساد

محكمة سيدي امحمد بالعاصمة المختصة في جرائم الفساد (الشرق الأوسط)
محكمة سيدي امحمد بالعاصمة المختصة في جرائم الفساد (الشرق الأوسط)

يواجه ثلاثة رؤساء سابقين للاتحاد الجزائري لكرة القدم اتهامات عدة بالفساد، في محاكمة انطلقت أمس الثلاثاء، ويُرتقب أن تستمر عدة أيام، بالنظر إلى ثقل الملفات المعروضة أمام المحكمة، والمتعلقة بالتسيير المالي للهيئة الكروية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2023.

شرف الدين عمارة الرئيس السابق لاتحاد كرة القدم (اتحاد الكرة)

انطلقت المحاكمة، بعد تأجيلها عدة مرات، بـ«محكمة القطب الاقتصادي والمالي»، إذ يتابع في هذه القضية عدة متهمين موقوفين، من بينهم ثلاثة رؤساء سابقين لاتحاد كرة القدم، المعروف اختصاراً بـ«فاف»، وهم خير الدين زطشي (2017-2021)، وشرف الدين عمارة (2021-2022) وجهيد زفيزف (2022-2023).

كما يشمل الملف خمسة متهمين كانوا أعضاء في المكتب التنفيذي للاتحاد. وتشمل لائحة الاتهام «التعسف المتعمد في استغلال الوظيفة بطريقة مخالفة للقوانين والتنظيمات بغرض منح امتيازات غير مستحقة للغير»، و«إبرام صفقات مخالفة للأحكام التشريعية والتنظيمية بغرض منح امتيازات غير مستحقة للغير»، و«التبديد العمدي للأموال العمومية من خلال الاستخدام غير القانوني لها»، و«اختلاس الأموال العمومية والاستيلاء عليها بطرق غير مشروعة»، و«الاستفادة من امتيازات غير مستحقة بمناسبة إبرام عقد مع الدولة أو إحدى مؤسساتها»، و«المشاركة في التبديد العمدي للأموال العمومية».

المتهمون ينفون الشبهات

تتعلق هذه الوقائع بالتسيير المالي والإداري للاتحاد الجزائري لكرة القدم، وهي التهم التي نفاها جميع المتهمين، وفق ما نشرته صحيفة «الوطن» في عددها اليوم الأربعاء.

خير الدين زطشي الرئيس السابق لاتحاد كرة القدم (اتحاد الكرة)

وفي مستهل المحاكمة، أثارت هيئة الدفاع عن المتهمين مجموعة من «الاختلالات الإجرائية»، مع التركيز على الطعن في تحقيقات النيابة العامة، والأساس القانوني لتكييف الوقائع. وفي هذا السياق، طلب محامو جهيد زفيزف عدم الأخذ بتقرير «المفتشية العامة للمالية» (جهاز حكومي للتحري حول إنفاق المال العام)، كما طعنوا في «الظروف التي استمع فيها الخبراء إلى محامي الاتحاد»، وفي «إعداد تقرير دون ذكر أسماء معدّيه وصفاتهم». كما اعترضت هيئة الدفاع على تأسيس الطرف المدني، بحجة أنه «لا توجد أي مستحقات مالية غير مسددة بينه وبين الاتحاد».

وعند بدء استجواب المتهمين غير الموقوفين، استدعت القاضية مديرة الموارد البشرية باتحاد كرة القدم، التي نفت جميع التهم الموجهة إليها، والمتعلقة باقتناء ألبسة رياضية بقيمة 60 مليون دينار (نحو 445 ألف دولار)، دون تبرير أوجه استخدامها. نافية قطعياً أن يكون ذلك صحيحاً، وموضحةً أن الأمر يتعلق بمبلغ قدره 100 ألف دينار (744 دولار)، وفق ما تثبته الوثائق المحاسبية، استُخدم لشراء ألبسة رياضية, وُزعت على العمال في إطار التضامن معهم خلال فترة جائحة كوفيد-19. وأضافت موضحة: «لقد احترمت جميع الإجراءات».

وردّ عليها ممثل النيابة بأن المشكلة تكمن في أن الجهة التي وُجهت إليها هذه الألبسة غير محددة.

جهيد زفيزف الرئيس السابق لاتحاد كرة القدم (اتحاد الكرة)

وعند مثوله أمام المحكمة، نفى عمر بهلول، عضو المكتب التنفيذي، بدوره الوقائع المنسوبة إليه، متسائلاً: «لماذا يوجد خمسة أعضاء فقط في قفص الاتهام من أصل 13 عضواً في المكتب التنفيذي؟». وأوضح أنه مع بداية كل موسم يتم توزيع 1200 طقم رياضي وفق إجراءات موثقة ومحترمة. وحاول إقناع القاضية بأنه يتعرض لما وصفه بـ«الاستهداف»، حسب ما نقله تقرير صحيفة «الوطن» بشأن أطوار المحاكمة.

وقال بهلول بهذا الصدد: «أُتابع للمرة الثانية في القضية نفسها، هنا في عنابة (شرق). وهم أنفسهم الذين قالوا لي سنة 2017 إنه إذا لم أوافق على الفندق الذي كان الاتحاد الجزائري لكرة القدم يعتزم بناءه، فسيدمرونني. لكنني رفضت ذلك، وقلت إنه من الأفضل بناء أربعة مراكز تكوين مخصصة للرياضة. وقد اعتُمدت الفكرة وجُسدت على أرض الواقع، لكن خصومي، الذين لا يزالون في مواقعهم، تمكنوا في النهاية من تدميري».

توسع نطاق المحاسبة

استمعت المحكمة أيضاً إلى عضوين آخرين من المكتب التنفيذي، لا سيما بشأن وكالة سفر تتولى توفير تذاكر السفر وحجوزات الفنادق لأطر الاتحاد الجزائري لكرة القدم، فضلاً عن العقد المبرم مع شركة «أديداس» للألبسة والمستلزمات الرياضية. غير أن جميع المتهمين نفوا ارتكاب أي مخالفة للقانون، مؤكدين أنهم «تصرفوا وفقاً للقانون».

واستؤنفت المحاكمة اليوم الأربعاء باستجواب بقية المتهمين، على أن يفسح المجال لمرافعة النيابة قبل أن تحال الكلمة للمحامين، الذين يفوق عددهم العشرين.

وشهدت فترة حكم الرئيس عبد المجيد تبون تكريساً للتوجه القضائي في التعاطي الصارم مع ملفات الفساد، حيث استمرت الملاحقات لتطال أسماء وازنة في هرم السلطة، شملت وزراء وكبار الموظفين برئاسة الجمهورية.

ويرى مراقبون أن هذه المحاكمات تعكس إصراراً على محاسبة المسؤولين وهم في صدارة المشهد السياسي، ضمن مسعى تضعه السلطة في إطار ما تسميه «أخلقة الحياة العامة».

وزير الصناعة وإنتاج الدواء السابق علي عون (الوزارة)

ومن أبرز الأسماء التي تعرضت للملاحقة القضائية علي عون وزير الصناعة والإنتاج الصيدلاني السابق، ونسيم ضيافات الوزير المنتدب السابق المكلف المؤسسات الناشئة والمصغرة، وتيجاني حسان هدام وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي السابق، ومحمد بوعكاز مستشار رئيس الجمهورية السابق والمدير العام الأسبق للتشريفات برئاسة الجمهورية.

كما شملت قضايا الفساد مسؤولين بارزين في مراحل سابقة، من بينهم رؤساء حكومات ووزراء ومسؤولون أمنيون، مثل الجنرال بشير طرطاق، والجنرال واسيني بوعزة، وقائد الدرك الوطني السابق الجنرال مناد نوبة، والمديرين العامين السابقين للأمن الوطني عبد الغني هامل وفريد بن الشيخ.


تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس

من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)
من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)
TT

تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس

من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)
من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)

في حديقة بمقر «نواة»، المنصة الإعلامية الاستقصائية المستقلة في تونس، يجلس صحافيون وهم يدخنون السجائر ويتبادلون النكات، فيما يناقشون خلال اجتماعهم التحريري مشاريع تحقيقات يخططون لنشرها. هذا يبدو المشهد قد عادياً، لكن الموضوعات التي يناقشونها قد تكلفهم حريتهم في بلد يقبع فيه أربعة صحافيين خلف القضبان، ويواجه آخرون ملاحقات قضائية، فيما اختار بعضهم المنفى هرباً من المصير نفسه.

الصحافي مهدي الجلاصي من موقع «نواة» الذي يقول مسؤولوه إنه يواجه تضييقاً من السلطات (رويترز)

إنه مشهد يناقض ما كانت ​عليه الأوضاع في السنوات التي أعقبت الثورة، حين كان انتقاد المسؤولين والرؤساء، بل حتى السخرية منهم في البرامج الكوميدية، أمراً مألوفاً، في مساحة عامة اتسعت فيها حرية التعبير، مقارنة بما عرفته البلاد في عهد زين العابدين بن علي.

اختبار صعب للصحافة

بعد خمسة عشر عاماً على الثورة التونسية، التي أطاحت بنظام بن علي عام 2011، تجد حرية الصحافة، إحدى أبرز مكاسب الثورة التونسية، نفسها أمام اختبار صعب بعدما استحوذ الرئيس قيس سعيد على صلاحيات واسعة النطاق، كما يقول مراقبون. ويواجه نحو 20 صحافياً ملاحقات قضائية بسبب تقاريرهم، أو منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد سُجن أربعة منهم بالفعل، وذلك وفقاً لزياد الدبار، نقيب الصحافيين التونسيين، الذي وصف الوضع بأنه غير مسبوق.

أيمن الرزقي رئيس تحرير «نواة» (رويترز)

في المقابل، يؤكد الرئيس سعيد أنه ليس ديكتاتوراً، وأن الصحافيين يتمتعون بحرية انتقاد السلطات، وهو ما يفعلونه مراراً. فيما تقول السلطات إن الملاحقات القضائية هي مسائل قانونية محايدة، وإنه لا أحد فوق القانون. ولم يرد المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء التونسي على طلبات التعليق المقدمة من «رويترز».

وتقول جماعات حقوقية إن وسائل الإعلام المستقلة تواجه الآن حملة قمع شاملة؛ إذ تراجع ترتيب تونس بأكثر من 50 مركزاً خلال السنوات الخمس الماضية، لتصل إلى المرتبة الـ137 في مؤشر حرية الصحافة، الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود».

وبدأ التحول في يوليو (تموز) 2021، حين سيطر الرئيس سعيد على صلاحيات واسعة، وبدأ لاحقاً الحكم ‌بالمراسيم، قبل أن يعيد ‌تشكيل النظام السياسي من خلال دستور جديد عام 2022. ولذلك يرى منتقدوه أن تركيز السلطة بين يديه أضعف الضمانات الديمقراطية، ومهد الطريق ​لتصاعد ‌الضغوط على ⁠الصحافيين والنشطاء والمعارضين ​السياسيين.

⁠حقل ألغام متحرك

بالنسبة لأيمن الرزقي، رئيس تحرير «نواة»، لم تعد المخاطر المرتبطة بالعمل الصحافي استثناء، بل جزءاً من الحياة اليومية. فخلال نحو 20 عاماً من العمل في الصحافة، عايش الرزقي السنوات الأخيرة من حكم بن علي، وتعرض للتضييق والاعتقال والملاحقات. لكنه يرى أن المناخ الحالي بات أكثر خطورة، «ليس بالضرورة لأن القيود أصبحت أكثر وضوحاً، بل لأن الحدود باتت أكثر غموضاً وتقلباً».

من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين في السجون (رويترز)

يقول الرزقي لـ«رويترز»: «قبل 2011، كانت الحدود واضحة. أما اليوم، فنحن نعيش في منطقة رمادية، أشبه بحقل ألغام متحرك، وندفع الثمن كل يوم». ويشير رئيس تحرير «نواة» إلى صعوبات متزايدة في الحصول على المعلومات الرسمية، إلى جانب الضغوط القضائية والمضايقات، والتهديدات عبر الإنترنت وهي قيود يشكو منها كثير من الصحافيين الآخرين. كما واجه موقع «نواة» قيوداً إدارية وقضائية، من بينها قرار بتعليق نشاطه لمدة شهر خلال العام الماضي. وذكر الرزقي أن موقع «نواة» يتلقى بانتظام تهديدات، سواء كانت مجهولة المصدر، أو من مؤيدين للحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي يصفونه بالخائن، بسبب تغطيته لقضايا تشمل السجون، وانقطاع التيار الكهربائي ونقص المياه.

صحافيون بالسجون وآخرون بالمنفى

لا تقتصر الضغوط على الصحافيين في «نواة» فحسب؛ ⁠ففي الرابع من سبتمبر (أيلول) الماضي، اعتقلت الشرطة محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع «الكتيبة» الاستقصائي، في أثناء توجهه إلى محطة إذاعية خاصة للمشاركة في ‌برنامج مباشر. وقد وجَّه إليه قاض تهمة الإثراء غير المشروع، وهي تهمة يصفها اليوسفي بأنها ملفقة. وفي رسالة من سجنه قال اليوسفي: «نحن ‌لسنا حزباً سياسياً، ولسنا ملحقاً بأي طرف، لكننا أيضاً لسنا جسراً تعبر من خلاله السلطة لتمرير أجنداتها. استقلاليتنا ليست ​امتيازاً نطالب به، بل هي شرط أساسي لوجود الصحافة ذاتها، ولقدرتها على أداء رسالتها في خدمة ‌المجتمع، بعيداً عن التوظيف والتدجين والرقابة».

مقر نقابة الصحافيين التونسيين وسط العاصمة (رويترز)

وفجَّر اعتقال اليوسفي، بتهمة الإثراء غير المشروع، انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان في الداخل والخارج التي طالبت السلطات بالإفراج عنه. وانضم اليوسفي إلى قائمة من ‌الصحافيين المسجونين في تونس، تشمل مراد الزغيدي وبرهان بسيس وزياد الهاني. وحُكم على الزغيدي وبسيس بالسجن ثلاث سنوات ونصف سنة لكل منهما في قضايا مالية، إضافة لتهم الإساءة للرئيس، فيما لا يزال الهاني خلف القضبان على خلفية تصريحات انتقد فيها القضاء.

لكن السجن ليس المصير الوحيد الذي يهدد الصحافيين في تونس؛ فبالنسبة للبعض منهم، أصبحت مغادرة البلاد خياراً لتجنب الوقوع خلف القضبان، حتى لو كان ذلك يعني ترك أسرهم وشبكاتهم المهنية، وكل ما بنوه على مدى سنوات، في رحلة لم تكن خياراً سهلاً بقدر ما كانت محاولة لتجنب السجن. وغادر أربعة صحافيين على الأقل البلاد، من بينهم هيثم المكي وخولة بوكريم، مؤسسة موقع «توميديا»، وهي صوت قوي ومنتقد للرئيس، والتي وجدت نفسها في ديسمبر (كانون الأول) 2025، مجبرة على مغادرة تونس إلى فرنسا خشية اعتقال وشيك.

مظاهرة احتجاجية سابقة ضد ما يعدُّه الصحافيون تضييقاً على الحريات (رويترز)

وبعد أشهر قليلة من مغادرتها، صدر بحقها حكمان غيابيان، بلغ مجموعهما أربع سنوات سجناً، وذلك على خلفية كتابات ومواقف منتقدة للقضاء، وانتقادات لنظام حكم تصفه «بالاستبدادي».

وعرفت بوكريم بانتقاداتها اللاذعة لسياسات الرئيس سعيد، وببرامج سياسية تستضيف فيها شخصيات معارضة بارزة، وتسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها في أغلب المنابر الإعلامية المحلية. كما غادر الصحافي البارز هيثم المكي تونس في يوليو (تموز) الماضي، بعدما علم بصدور حكم بسجنه عاماً، على خلفية تعليقات ومنشورات تناولت مخالفات في مستشفى صفاقس تتعلق بجثث مهاجرين.

وقد تداولت وسائل إعلام عديدة التعليقات ذاتها، من دون أن تواجه ملاحقات مماثلة. وتشير نقابة الصحافيين إلى أنه، فضلاً عن الملاحقات القضائية، كثيراً ما تمنع الشرطة الصحافيين من العمل في الأماكن العامة، كما يتم احتجازهم أحياناً لساعات. كما أن معظم الوزارات لم تعد تضم مكاتب صحافية، في حين حُرم العديد من المراسلين الدوليين من الحصول على اعتمادات رسمية، مما زاد من تقييد التغطية الإعلامية المستقلة.

تراجع المشهد الإعلامي

يتجلى انكماش مساحة الصحافة التونسية أيضاً في التحول الذي طرأ على البرامج التلفزيونية والإذاعية وطبيعة النقاش السياسي المتاح للجمهور. ففي السنوات التي أعقبت ثورة 2011، كانت السخرية السياسية جزءاً مألوفاً من المشهد الإعلامي، وكان الرؤساء وكبار المسؤولين مادة للبرامج الساخرة والكوميدية، فيما اتسع النقاش العام ليشمل انتقادات حادة غير مألوفة في باقي بلدان المنطقة. لكن بعد ذلك اختفت البرامج السياسية، وتلك التي تتضمن انتقادات من العديد من المحطات الإذاعية الخاصة.

وتقول النقابة إن الإعلام الرسمي بات يهمش الأصوات المعارضة بشكل متزايد، وإن كانت وكالة الأنباء الرسمية تظل استثناء؛ إذ تواصل تغطية الاحتجاجات وأنشطة المعارضة، ومبادرات المجتمع المدني. لكن نقابة الصحافيين التونسيين تقول إن «الإعلام العمومي تحول إلى بوق للدعاية السياسية، وإن الأصوات المعارضة والمجتمع المدني أُقصيت من برامجه».

الكلفة الإنسانية

في منزل الصحافي المسجون زياد الهاني، تبدو الكلفة الإنسانية كبيرة أيضاً، حيث يقضي الهاني عقوبة السجن لمدة عام بعد إدانته في مايو (أيار) بتهمة ​الإساءة للغير عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في أحدث خطوة يقول معارضون إنها تهدف لإخماد الأصوات ​القوية والناقدة.

ثريا الزواري زوجة الصحافي المعتقل زياد الهاني (رويترز)

وتحدثت زوجته ثريا الزواري عن غيابه، والضغط النفسي الذي يثقل الأسرة، والصعوبة التي تواجهها بناته في تقبّل فكرة أن والدهم يقبع خلف القضبان. في بيت الهاني، لا يبدو السجن حكماً يطال شخصاً واحداً فحسب، بل محنة تمتد إلى أفراد عائلته، وتعيد تشكيل تفاصيل حياتهم اليومية. تقول الزوجة: «لا نستطيع تقبل فكرة أن زياد في السجن». لكن رغم ذلك تُظهر العائلة إصراراً كبيراً على اتباع نهج زياد في التشبث بالكلمة الحرة، ​والموقف القوي.


تحقيق ليبي في تزوير «أرقام وطنية» بالجنوب

النائب العام الليبي الصديق الصور متحدثاً خلال افتتاح معرض النيابة العامة للكتاب (الصفحة الرسمية للمعرض)
النائب العام الليبي الصديق الصور متحدثاً خلال افتتاح معرض النيابة العامة للكتاب (الصفحة الرسمية للمعرض)
TT

تحقيق ليبي في تزوير «أرقام وطنية» بالجنوب

النائب العام الليبي الصديق الصور متحدثاً خلال افتتاح معرض النيابة العامة للكتاب (الصفحة الرسمية للمعرض)
النائب العام الليبي الصديق الصور متحدثاً خلال افتتاح معرض النيابة العامة للكتاب (الصفحة الرسمية للمعرض)

كشفت تحقيقات قضائية ليبية عن أرقام لافتة في ملف تزوير الأرقام الوطنية، الذي يخضع للتحقيق منذ سنوات، بعدما تم رصد ارتفاع عدد أوراق القيود العائلية المرتبطة بإقليم أوزو، الواقع راهناً تحت السيادة التشادية، إلى 28 ألف قيد أُدرجت بالسجلات منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011.

وأعادت هذه الأرقام تسليط الضوء على النزاع الحدودي القديم بين ليبيا وتشاد، الذي حسمته محكمة العدل الدولية في لاهاي عام 1994، بحكم قضى بسيادة تشاد على إقليم أوزو، منهياً خلافاً حدودياً بين البلدين استمر عدة سنوات، وألقى بظلاله على أوضاع عائلات ارتبطت ملفات جنسيتها بالإقليم.

وأعقب الحكم سحب السلطات الليبية في عهد القذافي الجنسية من أكثر من ألفي شخص، قبل إعادة الجنسية لهم، وتسجيل قيودهم في السجلات الوطنية عام 2011، وفق تحقيقات رسمية في الملف.

غير أن النائب العام الليبي الصديق الصور كشف عن أن «التحقيقات في ملف مكتب السجل المدني بمرزق (جنوب) لا تزال مستمرة، بعد رصد ارتفاع عدد القيود العائلية المحسوبة على إقليم أوزو من نحو ألفي قيد إلى 28 ألفاً، سُجلت بعد عام 2011».

وخلال الافتتاح الرسمي لمعرض النيابة العامة الدولي للكتاب، مساء الثلاثاء، أوضح الصور أن التحقيقات «تستهدف الوقوف على ملابسات هذه الزيادة، والتحقق من الإجراءات التي أُدرج بموجبها هؤلاء الأشخاص في السجلات الوطنية، في قضية تتصل بأوضاع عائلات ليبية، ارتبطت ملفات جنسيتها بإقليم أوزو».

ويكتسب ذكر «مرزق» أهمية خاصة بالنظر إلى انتشار قبائل التبو في مناطق من جنوب ليبيا، بينها المدينة، وامتداد وجودها إلى إقليم أوزو. غير أن التحقيقات المتعلقة بالقيود المدنية تثير تساؤلات أوسع حول ضوابط إثبات الهوية والجنسية، ومدى الالتزام بالإجراءات القانونية.

وفي هذا السياق، قال عضو المجلس العلمي بـ«مركز البحوث الجنائية» التابع لمكتب النائب العام، الدكتور شعبان عكاش، لـ«الشرق الأوسط» إن «التحقيقات في تزوير الهوية الوطنية مستمرة بجدية في أنحاء ليبيا، ولا تقتصر على مرزق، باعتبار أن القضية تمس الأمن القومي، وتحظى باهتمام خاص من النائب العام».

وأضاف عكاش أن التحقيقات الجارية قد تكشف عن حالات تزوير أخرى، في وقت تتسع فيه دائرة التدقيق في السجلات المدنية، وسط دعوات إلى التمييز بين القيود، التي تثبت التحقيقات وجود مخالفات فيها، والأشخاص الذين لا تثبت مسؤوليتهم عن تلك المخالفات.

مكتب السجل المدني في مرزق جنوب ليبيا (مديرية أمن مرزق)

وتزامنت هذه القضية مع إعلان النائب العام أرقاماً تتعلق بمخالفات في منظومة الهوية، شملت منح أكثر من 315 ألف رقم وطني بالمخالفة، واستخراج أكثر من عشرة آلاف جواز سفر استناداً إلى بيانات مزورة، فضلاً عن رصد 710 جوازات سفر تفتقد ضوابط جودة البيانات.

وعكست تعليقات ليبية عبر صفحات التواصل الاجتماعي، الأربعاء، حجم الاهتمام والقلق المتزايدَين من هذه الأرقام؛ إذ قال المتحدث الإعلامي باسم بلدية الكفرة، عبد الله سليمان حامد، إن «المشكلات التي تواجهها البلاد لا تساوي شيئاً أمام ما كشف عنه النائب العام بشأن الجنسية والأحوال المدنية، وما اعتراهما، من تزوير وتلاعب».

أما الناشطة والمحامية ثريا الطويبي فقد طالبت بفصل ملفات الأرقام الإدارية السابقة لعام 2011 عن الملفات اللاحقة، والنظر في كل حالة على حدة أمام القضاء. كما دعت إلى كشف ملابسات ملف أوزو، وأسس سحب القيود وإعادتها، لتحديد المستحقين وتجنب الإضرار بأشخاص لا تثبت مخالفتهم.

في المقابل، شدد عضو المجلس الأعلى للدولة عن مدينة مرزق، الطاهر المكني، على أن «وجود شبهات في السجلات لا يعني إدانة جميع المشمولين بها»، مؤكداً أن «الأصل هو براءة المتهم حتى تثبت إدانته بحكم قضائي، مع ضرورة ضمان حقوق الأفراد خلال التحقيقات».

وتساءل المكني في منشور عبر «فيسبوك»، الأربعاء، عن التركيز على مرزق دون غيرها، داعياً إلى تطبيق معايير موحدة في جميع المناطق، وإعلان نتائج التحقيقات بوضوح. وحذر من أن نشر الأرقام من دون تفاصيل كافية قد يرسخ انطباعات توحي باستهداف منطقة بعينها.

ويبدو أن مخاطر ملف تزوير الأرقام الوطنية يمكن النظر إليها من ثلاثة مستويات، وفق رؤية الباحث الليبي المختص في الأمن القومي، فيصل أبو الرايقة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إنها «قد تشمل الفساد المالي والإداري داخل أجهزة الدولة، واحتمال ارتباط بعض الحالات بطموحات مجموعات إثنية، أو المخاطر الأمنية المتعلقة بإمكان استغلال الهويات المزورة».

وأوضح أبو الرايقة أن التلاعب بالبيانات المدنية لا يقتصر على مخالفة إدارية، بل قد يفتح المجال أمام الحصول على أموال ومنافع عامة بغير وجه حق، أو تسهيل حركة أشخاص لا تستوفي بياناتهم متطلبات التحقق. كما أن احتمال استغلال هذه الثغرات من جماعات متطرفة، مثل تنظيمي «داعش» و«القاعدة»، يستدعي التدقيق الأمني والقضائي، من دون افتراض ثبوت أي ارتباط قبل ظهور نتائج التحقيقات.

ولم يجد باحثون وخبراء، ومن بينهم الرئيس التنفيذي لـ«مركز السياسات الاستراتيجية والسلام» في واشنطن خالد المشيطي، حلاً سوى «إطلاق مشروع وطني شامل للتعداد السكاني، يغطي الليبيين داخل البلاد وخارجها والنازحين والمهجرين»، مطالباً بتدقيق السجلات وإنشاء منظومة بيومترية موحدة للتحقق من الهوية، تشمل بصمات الأصابع والعين والتعرف على الوجه، وفق جدول زمني واضح، وتحت إشراف فني مستقل ورقابة قضائية وتشريعية.