تعقيدات أمنية وقانونية تواجه تنفيذ «المناطق التجريبية» بجنوب لبنان

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: مخاوف من إشكالات تتعلق بالعودة والتفتيش

دورية للجيش اللبناني في بلدة صريفا بقضاء صور في جنوب لبنان، بالتزامن مع اختتام جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما برعاية أميركية، والتي أسفرت عن الاتفاق على المضي في تنفيذ "المناطق التجريبية" (أ.ف.ب)
دورية للجيش اللبناني في بلدة صريفا بقضاء صور في جنوب لبنان، بالتزامن مع اختتام جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما برعاية أميركية، والتي أسفرت عن الاتفاق على المضي في تنفيذ "المناطق التجريبية" (أ.ف.ب)
TT

تعقيدات أمنية وقانونية تواجه تنفيذ «المناطق التجريبية» بجنوب لبنان

دورية للجيش اللبناني في بلدة صريفا بقضاء صور في جنوب لبنان، بالتزامن مع اختتام جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما برعاية أميركية، والتي أسفرت عن الاتفاق على المضي في تنفيذ "المناطق التجريبية" (أ.ف.ب)
دورية للجيش اللبناني في بلدة صريفا بقضاء صور في جنوب لبنان، بالتزامن مع اختتام جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما برعاية أميركية، والتي أسفرت عن الاتفاق على المضي في تنفيذ "المناطق التجريبية" (أ.ف.ب)

تفتح ترتيبات تنفيذ «المناطق التجريبية» في جنوب لبنان ملفات قانونية وأمنية تتجاوز الانسحاب والانتشار، لتشمل حرية التنقل والعودة، وصلاحيات الجيش اللبناني، وآليات التحقق من خلو المناطق من السلاح، والدور الخارجي في التنفيذ. وبينما يُفترض أن تشكل اختباراً لاستعادة الدولة سيطرتها، تثير تفاصيلها غير المحسومة تساؤلات حول الضمانات التي تمنع استخدام أي خلاف ذريعة لتأخير الانسحاب أو الإبقاء على الوجود العسكري الإسرائيلي.

وقال مصدر محلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن المرحلة التجريبية «لن تُختبر ميدانياً فقط، بل ستواجه تحديات قانونية وأمنية معقَّدة، لأن كثيراً من تفاصيلها لا يزال غير محسوم». وأوضح أن أبرز الإشكاليات يتعلق بكيفية التعامل مع المنتمين إلى «حزب الله» الذين يملكون منازل داخل المنطقة، وما إذا كان سيُسمح لهم بالبقاء ما داموا لا يمارسون نشاطاً عسكرياً.

وأضاف أن «الإشكاليات تمتد أيضاً إلى المنتمين للحزب القادمين من بلدات أخرى، وإلى المدنيين الراغبين في الاستئجار أو الإقامة، في ظل غياب آليات واضحة للعبور والتفتيش والإقامة».

ولفت إلى أن «تفتيش الأملاك الخاصة أو التحقق من خلوّها من السلاح يبقى من أكثر الملفات حساسية، لما يثيره من إشكاليات قانونية تستوجب، وفق الأصول، أذونات قضائية، فيما لا تزال آلية معالجته غير واضحة».

ليات تابعة للجيش اللبناني خلال دورية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الهدف إزالة المظاهر المسلحة لا السكان

بدوره، قال العميد المتقاعد بسام ياسين لـ«الشرق الأوسط»، إن الحديث عن «المناطق التجريبية» يجب ألا يُفهم على أنه منع لأبناء القرى من العودة إلى منازلهم بسبب انتماءاتهم السياسية، بل يقتصر على إزالة المظاهر العسكرية والسلاح.

وأوضح أن «المقصود أن تكون هذه المناطق خالية من المسلحين والمراكز العسكرية والمواقع القتالية ومخازن الأسلحة، وليست خالية من السكان»، مضيفاً: «لا أعتقد أن الهدف هو منع أصحاب الأرض وأبناء القرى من العودة إلى منازلهم، إذا كانوا من مناصري (حزب الله) أو منتسبين إليه؛ فهذا طرح غير واقعي، لأن عدداً كبيراً من أبناء الجنوب ينتمون إلى الحزب».

وأشار إلى أن «التجربة الأولى في فرون والغندورية لا يُتوقع أن تواجه صعوبات كبيرة، نظراً إلى وجود الجيش اللبناني فيها وانتشاره داخلها، بينما تختلف الظروف في المنطقة الثانية؛ حيث لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر عليها بالنار ويحتفظ بوجود ميداني فيها؛ ما يجعل دخول الجيش اللبناني إليها جزءاً أساسياً من مرحلة التنفيذ».

ورأى أن «الإشكاليات الفعلية قد تبدأ، إذا توسعت التجربة إلى مناطق تضم مواقع عسكرية أو بنى قتالية للحزب، مثل مرتفعات علي الطاهر وغيرها؛ حيث ستبرز أسئلة أكثر تعقيداً حول كيفية تسلّم الجيش اللبناني هذه المواقع ومعالجة ما قد يكون موجوداً فيها من بنى عسكرية أو مخازن أسلحة».

وفيما يتعلق بعودة السكان، أوضح ياسين أن «المشكلة لا تكمن في انتماءات الأهالي، بل في الآلية التي قد تعتمدها إسرائيل لربط العودة باستكمال الإجراءات الأمنية».

شرطان للتنفيذ

وقال النائب السابق والعميد المتقاعد، وهبي قاطيشا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «التحديات التي تواجه تنفيذ (المناطق التجريبية) في جنوب لبنان لا ترتبط بالترتيبات التقنية، بقدر ما ترتبط بسلوك طرفي الصراع، أي إسرائيل و(حزب الله)»، معتبراً أن نجاح التجربة مرهون بوجود إرادة فعلية لدى الجانبين للالتزام بما تم الاتفاق عليه.

وأضاف: «السؤال الأول هو ما إذا كانت إسرائيل تملك النية لإنجاح هذا المسار، سواء عبر المفاوضات التي تجري بوساطة أميركية أو على المستوى الميداني، لأنها تستطيع في أي وقت أن تبرر فتح النار أو تنفيذ عمليات عسكرية بذريعة وجود تهديد أو نشاط داخل المنطقة».

ورأى أن «التحدي الأهم يبقى موقف (حزب الله)؛ إذ يجب معرفة ما إذا كان يريد فعلاً إنجاح المناطق التجريبية، وما إذا كان مستعداً للتخلي عن الدور الذي يؤديه ضمن المشروع الإيراني، أو أنه سيعمل على عرقلة هذه التجربة، بما قد يؤدي إلى خلق إشكالات تعطل تنفيذها».

وأوضح قاطيشا أن «طبيعة المواجهة في جنوب لبنان تجعل تطبيق الترتيبات أكثر تعقيداً، لأنها ليست حرباً كلاسيكية بين جيشين نظاميين يلتزمان بقواعد واضحة، بل هي مواجهة مع تنظيم لا يعمل وفق الأساليب التقليدية؛ إذ يمكن لعناصره أن يكونوا مدنيين في وقت، ثم يعودوا إلى ممارسة العمل العسكري في وقت آخر، وهو ما يطرح تحديات كبيرة أمام أي آلية للتحقق من خلو المناطق من النشاط المسلح».

وأضاف: «الإشكالية الأساسية تكمن في كيفية ضمان عدم عودة السلاح بعد نزعه؛ فإذا تمكَّنت الدولة من إخلاء القرى من الأسلحة، ومنع إدخال أي سلاح إليها، فستكون تلك خطوة كبيرة يمكن البناء عليها وتوسيعها. أما إذا جرى تسليم السلاح شكلياً ثم عاد حمله مجدداً، فإن التجربة ستفقد جدواها، ولن يكون ممكناً تحقيق أهدافها الأمنية».

التجربة يجب أن تبدأ من أرض محتلة

وترى أستاذة العلوم السياسية، الدكتورة ليلى نقولا، أن تنفيذ «المناطق التجريبية» يواجه تحديات سياسية وأمنية وقانونية.

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «التحدي الأول يتمثل في التشكيك الإسرائيلي بقدرة الجيش اللبناني، رغم انتشاره في هذه المناطق، والثاني في استمرار الحرب وغياب ضمانات تمنع استئناف العمليات الإسرائيلية، فيما يكمن التحدي الثالث في مكان تنفيذ التجربة؛ إذ يُفترض أن تبدأ من أراضٍ تحتلها إسرائيل فعلياً، تنسحب منها وتسلمها للجيش اللبناني، لا من مناطق غير محتلة تُفرض عليها ترتيبات أمنية استثنائية».

آليات للجيش اللبناني تنفذ دورية في جنوب لبنان، بالتزامن مع اختتام جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما برعاية أميركية (أ.ف.ب)

إقامة المدنيين وإشكالية الأملاك الخاصة

وفيما يتعلق بالحديث عن منع وجود أشخاص مرتبطين بـ«حزب الله» داخل المناطق التجريبية، أكدت نقولا أنه «لا يوجد في القانون اللبناني أو القانون الدولي ما يمنع المواطن من الإقامة في أرضه أو العودة إلى منزله، حتى لو كان من أبناء بلدة أخرى أو يملك منزلاً أو عقاراً فيها». كما اعتبرت أن «دخول الأملاك الخاصة يطرح إشكالية قانونية، لأن دخول المنازل والعقارات يحتاج، وفق الأصول، إلى إذن من النيابة العامة».


مقالات ذات صلة

تأجيل الاجتماع التقني بين لبنان وإسرائيل يؤخر تنفيذ «المناطق التجريبية»

المشرق العربي العلم الإسرائيلي على أحد المباني في جنوب لبنان حيث دعا الجيش الإسرائيلي الصحافيين إلى جولة في المنطقة حيث تقع قلعة الشقيف التي سيطر عليها (أ.ب)

تأجيل الاجتماع التقني بين لبنان وإسرائيل يؤخر تنفيذ «المناطق التجريبية»

أرجأت الولايات المتحدة الاجتماع الافتراضي الذي كان مقرراً الجمعة بين الوفود العسكرية اللبنانية والإسرائيلية والأميركية.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي يوهان فاديفول وزير الخارجية الألماني يتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعه مع نظيره الفنلندي في العاصمة الفنلندية هلسنكي - 15 يوليو 2026 (د.ب.أ)

وزير خارجية ألمانيا يقترح إرسال بعثة للاتحاد الأوروبي محل قوات الأمم المتحدة في لبنان

اقترح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول نشر قوة بتفويض من الاتحاد الأوروبي كبديل لبعثة الأمم المتحدة في لبنان التي تنتهي مهمتها بحلول نهاية هذا العام.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)

الجيش اللبناني ينتظر الضوء الأخضر لدخول «المناطق التجريبية»

ينتظر الجيش اللبناني «الضوء الأخضر» لدخول المناطق التجريبية في جنوب لبنان، تطبيقاً لـ«اتفاق الإطار» مع إسرائيل برعاية أميركية، حيث من المزمع أن يُعقد اجتماع.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)

لبنان ينجح بفصل مساره التفاوضي مع إسرائيل عن المحادثات الإيرانية

نجح لبنان الرسمي، إلى حدّ كبير، بفصل المسار التفاوضي اللبناني عن المسار الإيراني، عبر اتفاق يبدأ تنفيذه في منطقة تجريبية.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي جندي لبناني يقف على حاجز مستحدث في بلدة فرون المدرجة ضمن المناطق التجريبية في جنوب لبنان (أ.ب)

الجيش اللبناني يستبق الجلسة التقنية مع إسرائيل بإجراءات أمنية في الجنوب

كثف الجيش اللبناني إجراءاته العسكرية والأمنية في المنطقة المقترحة لتكون ضمن المنطقة التجريبية في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

تأجيل الاجتماع التقني بين لبنان وإسرائيل يؤخر تنفيذ «المناطق التجريبية»

العلم الإسرائيلي على أحد المباني في جنوب لبنان حيث دعا الجيش الإسرائيلي الصحافيين إلى جولة في المنطقة حيث تقع قلعة الشقيف التي سيطر عليها (أ.ب)
العلم الإسرائيلي على أحد المباني في جنوب لبنان حيث دعا الجيش الإسرائيلي الصحافيين إلى جولة في المنطقة حيث تقع قلعة الشقيف التي سيطر عليها (أ.ب)
TT

تأجيل الاجتماع التقني بين لبنان وإسرائيل يؤخر تنفيذ «المناطق التجريبية»

العلم الإسرائيلي على أحد المباني في جنوب لبنان حيث دعا الجيش الإسرائيلي الصحافيين إلى جولة في المنطقة حيث تقع قلعة الشقيف التي سيطر عليها (أ.ب)
العلم الإسرائيلي على أحد المباني في جنوب لبنان حيث دعا الجيش الإسرائيلي الصحافيين إلى جولة في المنطقة حيث تقع قلعة الشقيف التي سيطر عليها (أ.ب)

أرجأت الولايات المتحدة الاجتماع الافتراضي الذي كان مقرراً الجمعة بين الوفود العسكرية اللبنانية والإسرائيلية والأميركية، والمخصص لبحث الآليات التنفيذية للمرحلة الأولى من تطبيق «المناطق التجريبية»، في خطوة تؤجل عملياً بدء تنفيذ الخطوات العملية لـ«اتفاق الإطار» ولا سيما المرتبطة بـ«المناطق التجريبية»، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول مسار التنفيذ والجدول الزمني الذي لم يتم تحديده.

وكان الاجتماع التقني الذي اتفق عليه خلال الجولة الأخيرة من المفاوضات التي عقدت بداية الأسبوع في روما يهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على الآليات التنفيذية للمرحلة الأولى، التي تقوم على انسحاب الجيش الإسرائيلي من عدد من المناطق التجريبية مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها بإشراف لجنة المراقبة، تمهيداً لتوسيع نطاق التنفيذ في مراحل لاحقة.

جنود من الجيش اللبناني يقفون عند نقطة تفتيش في قرية فرون (أ.ب)

وأفادت مصادر مطلعة على المفاوضات لـ«الشرق الأوسط» بأن التأجيل جاء بطلب من الجانب الأميركي، الذي أبلغ الأطراف أن الأمر يعود إلى الحاجة إلى استكمال إعداد الملفات التقنية والخطط التطبيقية والإجراءات التنفيذية، من دون تحديد موعد جديد للاجتماع. إلا أن المصادر رجحت أن يعقد الاجتماع خلال زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر الذي يصل إلى بيروت في 23 يوليو (تموز) الحالي، وكان قد التقى نهاية الشهر الماضي كلاً من رئيس الجمهورية جوزيف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل.

في المقابل، ربطت مصادر عسكرية التأجيل بالنوايا الإسرائيلية، وأكدت لـ«الشرق الأوسط» أن موعداً رسمياً لم يكن قد حدد أساساً للاجتماع التقني، وأن ما أثير حول تأجيله يرتبط بأسباب تقنية وعملانية تتصل باستكمال التحضيرات التنفيذية. لكنها رأت أن المشهد الميداني يعكس في الوقت نفسه حسابات إسرائيلية تتجاوز الجوانب التقنية، لافتة إلى أن «إسرائيل تواصل عمليات التدمير الممنهج في القرى الحدودية، فيما يبدو، محاولة لاستكمال أهدافها الميدانية قبل الالتزام بأي اتفاق للتنفيذ».

ولفتت المصادر «إلى أن إسرائيل، التي لا تزال ترفض الانسحاب من الأراضي اللبنانية، تحاول حصر الحديث عن المناطق التجريبية في مناطق غير خاضعة لاحتلالها أساساً، في حين يمارس الجانب الأميركي ضغوطاً عليها للبدء بتنفيذ الاتفاق من خلال الانسحاب من المناطق التي تحتلها». واعتبرت المصادر أن هذا التباين يفسر محاولات تل أبيب كسب المزيد من الوقت والمماطلة قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

وكانت الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي انعقدت في روما برعاية أميركية، قد انتهت إلى اتفاق على استكمال هيكلية المناطق التجريبية والبدء بتنفيذها خلال أيام، وفق «اتفاق الإطار» الرامي إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية مقابل انتشار الجيش اللبناني.

شابان لبنانيان يلعبان كرة القدم أمام منزل دُمِّر بغارة إسرائيلية خلال الحرب مع «حزب الله» في قرية فرون (أ.ب)

ولا يحدد الاتفاق الإطاري جدولاً زمنياً ملزماً لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي، فيما تتمسك إسرائيل بموقفها القائل إنها لن تنسحب من المنطقة الأمنية التي تسعى إلى إبقائها بعمق يقارب عشرة كيلومترات عن الحدود، قبل التأكد من نزع سلاح «حزب الله» في تلك المناطق، وهو شرط ينظر إليه على أنه شديد التعقيد في ظل الواقع اللبناني.

خروق وعمليات هدم وتدمير مستمرة

ميدانياً، استمرت الخروق الإسرائيلية في جنوب لبنان، بالتزامن مع استمرار الجيش اللبناني في تعزيز انتشاره. وسجل انتشار جديد للجيش في بلدة فرون في قضاء بنت جبيل، حيث بدأ تسيير دوريات مكثفة، علماً أن البلدة تقع ضمن القرى الست المرشحة لتكون جزءاً من المرحلة التجريبية.

في غضون ذلك، تستكمل القوات الإسرائيلية عمليات نسف المنازل، وكان آخرها في مدينة بنت جبيل، كما شنت غارات بمسيّرات على بلدتي ميفدون وشوكين، واستهدفت طريق الناقورة بثلاث غارات، إلى جانب غارة على بلدة المنصوري، وأخرى على الناقورة أسفرت عن إصابة عامل سوري. كما نفذت صباحاً تفجيراً كبيراً في بلدة حداثا عند أطراف عيتا الجبل، واستمرت عمليات التمشيط في عدد من المناطق الحدودية.

وانتشلت فرق الإسعاف جثامين ضحايا الغارة التي استهدفت بلدة المنصوري ليل الخميس، فيما ناشد أهالي بلدة حاريص الجيش اللبناني التدخل لإجلاء عدد من المدنيين بعد محاصرتهم خلال عملية تمشيط إسرائيلية، وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام».

جنود لبنانيون يقيمون نقطة تفتيش في جنوب البلاد (موقع قيادة الجيش)

«حزب الله» يواصل هجومه على «اتفاق الإطار» ويهدد بالاستقرار الداخلي

سياسياً، يواصل «حزب الله» انتقاداته لـ«اتفاق الإطار» ولأداء السلطة اللبنانية. واعتبر النائب عن الحزب علي فياض أن جولة روما أظهرت «انكشاف» الموقف الرسمي اللبناني، متهماً السلطة بمواصلة المفاوضات رغم استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، والسير في خيارات تهدف، حسب تعبيره، إلى إرضاء الولايات المتحدة وإسرائيل.

وهدد فياض بالاستقرار الداخلي قائلاً: «هذه السلطة مُصرّة على أخذ البلد إلى مكان شديد الخطورة»، معتبراً أن هذا المسار لن يؤدي إلى استعادة الأرض أو السيادة، بل سيؤدي إلى خسارة الاستقرار الداخلي ووحدة اللبنانيين. كما أكد أن «المقاومة جاهزة لكل الاحتمالات والخيارات»، مشدداً على تمسكها بما وصفه بثوابتها في الدفاع عن لبنان وتحرير الأرض وعودة السكان إلى قراهم.


إسرائيل تصعد ميدانياً وتحضّر «منطقة إنسانية» في غزة

فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (رويترز)
فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (رويترز)
TT

إسرائيل تصعد ميدانياً وتحضّر «منطقة إنسانية» في غزة

فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (رويترز)
فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (رويترز)

اتجهت القوات الإسرائيلية، التي تسيطر على مناطق واسعة في قطاع غزة، مؤخراً على اتخاذ إجراءات ميدانية تمهد الطريق لتنفيذ خطة «مجلس السلام» القائمة على نقل فلسطينيين لا تربطهم علاقة بحركة «حماس» إلى مناطق إنسانية في رفح المدمرة والتي تقع تحت سيطرة إسرائيل بشكل كامل منذ نحو عامين.

بوابات حديدية

فوجئ سكان مواصي جنوب خان يونس، وشمال رفح، جنوب قطاع غزة، صباح الجمعة، بتركيب القوات الإسرائيلية بوابة على طريق الرشيد الساحلي، في منطقة «هاي كلاس» بمواصي رفح، وسط انتشار لآليات في تلك المنطقة، وتطلق النار على كل من يقترب من محيط البوابة.

فلسطينيون يشيعون قتيلاً سقط بهجوم إسرائيلي في مدينة غزة الخميس (رويترز)

ووفقاً لمصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن هذه البوابة الثانية التي تضعها قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة مواصي رفح، بعد أن وضعت أخرى منذ أيام في منطقة الشاكوش.

وشرح المصدر أن هاتين البوابتين تؤديان إلى مناطق غرب رفح، وتحديداً حي تل السلطان ومناطق محيطة به، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية قامت مؤخراً بحفر خندق في منطقة مواصي رفح، الهدف منه على ما يبدو منع اقتراب الفلسطينيين من تلك القوات، في حال تم فعلياً نقلهم للمنطقة التي يدور الحديث عنها للعيش فيها.

ولم يستبعد المصدر أن تستخدم هذه البوابات لاحقاً لتفتيش الفلسطينيين والتحقق من هوياتهم عند انتقالهم للمنطقة التي يتم الحديث عنها.

تل السلطان

ووفقاً لتقارير في وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، فإن حي تل السلطان بمثابة المنطقة الأولى التي ستستخدم لإقامة مشروع وُصف بـ«المنطقة الإنسانية» التي ستتم محاولة تشجيع سكان من القطاع للعيش فيها بعد تجهيزها لاستقبال السكان في إطار خطة وضعها «مجلس السلام» للتقدم بخطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في مرحلتها الثانية، التي تشير للمضي قدماً في تنفيذ الخطة حتى لو رفضت «حماس» نزع سلاحها.

فلسطيني يعاين مبنى دمرته غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين بوسط قطاع غزة الخميس (أ.ب)

ويصعب على الفلسطينيين في قطاع غزة معرفة مدى التجهيزات التي تجري في تلك المنطقة، لا سيما أن مدينة رفح تقع تحت سيطرة إسرائيل بالكامل.

ووفقاً لتقرير نُشر في «هيئة البث الإسرائيلية» قبل أسابيع، فإن إسرائيل وبطلب من الولايات المتحدة بدأت بإزالة الركام من رفح وتحديداً حي تل السلطان، بهدف بدء إقامة منطقة تجريبية هناك لجلب فلسطينيين إليها، مشيرةً إلى أن عناصر من قوة الاستقرار الدولية ستنتشر في تلك المنطقة من دون أسلحة نارية، لضبط الأمن، في وقت كان الحديث قبل أشهر يدور عن إمكانية نشر عناصر من العصابات المسلحة لضبط الأمن في تلك المنطقة.

دمار هائل

وقالت 3 مصادر ميدانية فلسطينية لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض المعالم التي كانت سابقاً، وتظهر وجود ركام ودمار كبيرين في رفح وخان يونس، بدأ يختفي فعلياً بفعل عمليات إزالتها ونقل الركام إلى داخل إسرائيل فيما يبدو.

وكشفت دورين كارادي، وهي مديرة شركة «تايلور كارادي» المتخصصة في إزالة الأنقاض، أن كمية الأنقاض الهائلة الموجودة في قطاع غزة بعد أكثر من عامين ونصف العام على الحرب، تقدَّر بنحو 40 مليون طن، وبحاجة إلى نحو 2.5 مليار دولار، كما أن إزالتها بحاجة لنحو 10 سنوات، كما نقلت عنها صحيفة «معاريف» العبرية.

خطة تجريبية

ويبدو أن ملف إعادة إعمار قطاع غزة، بات يواجه عقبات كبيرة في ظل عدم التوصل لاتفاق دائم لوقف إطلاق النار والمضي بالمرحلة الثانية من الخطة. ووفقاً لصحيفة «الغارديان» فإن خطة «مجلس السلام» لإعادة الإعمار تراجعت، من مشروع شامل لإعادة بناء القطاع بأكمله إلى برنامج تجريبي محدود في جنوبه.

وقالت الصحيفة إن الخطة التي كانت تستهدف في بدايتها إعادة إعمار غزة وإنعاش بنيتها التحتية تحولت إلى مشروع صغير يتمثل في إنشاء مخيم مؤقت قرب مدينة رفح، يستوعب عشرات الآلاف فقط من أصل أكثر من مليوني فلسطيني نزحوا بسبب الحرب، على أن تديره إدارة فلسطينية تتبع للجنة إدارة غزة، وتحرسه قوة أمنية دولية محدودة. مشيرةً إلى أن المشروع لا يتوقع أن يرى النور قبل نهاية العام الحالي، رغم اتخاذ بعض الخطوات التحضيرية فإن الأعمال الميدانية لم تبدأ بعد.

ويواجه المشروع أيضاً تحديات مالية كبيرة؛ إذ لم يصل سوى جزء محدود من أصل 17 مليار دولار سبق التعهد بها لخطة ترمب الأوسع، في حين يسعى القائمون على المشروع إلى استخدام جزء من أموال الضرائب الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل لتمويله، وهو ما أثار رفض السلطة الفلسطينية التي أكدت أن هذه الأموال حق فلسطيني لا يجوز استخدامها كورقة تفاوض.

وعقد منتصف الشهر الحالي، اجتماع هو الثالث بين مكتب التنسيق المشترك، للسلطة الفلسطينية و«مجلس السلام»، على هامش مؤتمر المانحين الدوليين في بروكسل، والذي بحث خطة التعافي المبكر في قطاع غزة. بينما شهد الاجتماع الإعلان عن مبادرة «فريق غزة»، بمشاركة أكثر من 12 دولة مانحة، إلى جانب البنك الأوروبي للاستثمار والبنك الدولي، بهدف حشد نحو مليار دولار لدعم برنامج التعافي في القطاع.

دخان جراء غارة إسرائيلية على مخيم المغازي للاجئين بوسط قطاع غزة الأربعاء (أ.ب)

تصعيد لا يتوقف

ويأتي ذلك على وقع تصعيد إسرائيلي مستمر في قطاع غزة؛ فقد اغتيل، فجر الجمعة، محمد عبيد أحد القادة الميدانيين في لواء غزة التابع لـ«كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس» إثر قصف شقة سكنية. بينما قُتلت، ظهراً، سيدة بإلقاء قنبلة من طائرة مسيرة في بلدة بيت لاهيا، وأخرى بإطلاق نار جنوب خان يونس، وقُتل شابان إثر غارتين منفصلتين مخيم النصيرات وسط القطاع، بينما انتُشل جثمان شاب سادس من المنطقة الصفراء في خان يونس، وأصيب ما لا يقل عن 6 فلسطينيين في غارات مماثلة بمدينة غزة ودير البلح وبلدة الزوايدة.

وتعرضت عدة مناطق لقصف مدفعي ونسف على جانبي الخط الأصفر، بينما قدمت آليات إسرائيلية «الخط الأصفر» قرب طريق صلاح الدين الرئيس ببلدة القرار شمال خان يونس. بينما طلبت طائرات مسيرة إسرائيلية صغيرة من السكان القاطنين في منطقة القسطل شرق دير البلح بإخلائها بشكل كامل والتوجه إلى غرب الدير فيما يبدو تمهيداً لتوسيع الخط الأصفر في تلك المنطقة.

وقُتل، الخميس، 5 فلسطينيين في غارات إسرائيلية طالت في اثنتين منها قيادات في «القسام» بغزة وخان يونس، من بينهم أنس حمدان الذي قال الجيش الإسرائيلي، الجمعة، إنه كان اليد اليمنى قبل وخلال الحرب لمحمد الضيف ورافع سلامة، وكان مسؤولاً عن احتجاز مختطفين إسرائيليين، وشارك في عمليات تسليمهم.


لبنان «النصر التالي» في السياسة الخارجية للولايات المتحدة

آليات للجيش اللبناني خلال دورية في الجنوب (أ.ف.ب)
آليات للجيش اللبناني خلال دورية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

لبنان «النصر التالي» في السياسة الخارجية للولايات المتحدة

آليات للجيش اللبناني خلال دورية في الجنوب (أ.ف.ب)
آليات للجيش اللبناني خلال دورية في الجنوب (أ.ف.ب)

شكل لبنان، لعقود طويلة وأسباب كثيرة، نقطة ضعف للطموحات الأميركية في الشرق الأوسط. غير أن التحولات الجيوسياسية العميقة التي طرأت خلال السنوات القليلة الماضية، يمكن أن تقدم فرصة لتحقيق «النصر التالي» في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، إذا خصصت إدارة الرئيس دونالد ترمب الموارد الضرورية، سواء بالحرب أو بالدبلوماسية، أو بهما معاً لتحييد قدرة إيران على بسط نفوذها في المنطقة، وخصوصاً عبر «حزب الله» في لبنان.

وخلال حلقة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن حول تقرير أصدره بعنوان «استراتيجية للفوز في لبنان» ليكون بمثابة «خطة سياسية» لإنقاذ هذا البلد المشرقي، عرض السفير الأميركي السابق في بيروت، ديفيد هيل، الذي أمضى عقوداً في درس الديناميكيات الإقليمية، نمطاً تاريخياً يشهد على تدخل أميركي يتحرك تقليدياً على شكل «ذروات من الانخراط» تليها فترات من التراجع، مضيفاً أن ذلك يمكن الخصوم من «استعادة مواقعهم» وتحويل لبنان إلى ساحة لصراعاتهم.

ورأى هيل أن المشهد الجيوسياسي يبدو مختلفاً تماماً الآن. فبعد الحملة العسكرية الإسرائيلية التي دمرت قيادة «حزب الله»، يمكن القول إن التنظيم الموالي لإيران «لم يختفِ، ولكنه صار مجرد ظل لما كان عليه» قبل الحرب. واعتبر أن الأهم من ذلك يتمثل في أن لبنان يمتلك الآن قيادة ترغب فعلاً في ما تريده واشنطن، وهذا أمر «لا سابق له تاريخياً». وإذ دعا إلى دعم لبنان، قال إن الانتصار هناك يعني «تأمين دولة لبنانية ذات سيادة، وإنهاء الصراع اللبناني - الإسرائيلي نهائياً، وتفكيك نموذج إيران بالوكالة من جذوره»، معتبراً أن تحقيق ذلك «سيُطلق العنان لتحول أوسع في بلاد الشام، وسيرسخ نظاماً إقليمياً جديداً بقيادة شركاء أميركا قبل أن تُتاح لإيران فرصة لعكس خسائرها». ورأى أن هذه النتيجة ستُمثل «خسارة لا رجعة فيها لطهران، مما يُضعف كلاً من التهديد الإقليمي للنظام واستبداده الداخلي».

«استئصال حزب الله»

ناشطون لبنانيون يوزعون سندويتشات أمام بيوت دمرتها الغارات الإسرائيلية في بلدة فرون بجنوب البلاد (أ.ب)

واتفق المحللون على أنه «إذا واجه (حزب الله) دولة لبنانية حازمة بدعم أميركي حاسم، فيمكن استئصاله». ومع ذلك، فإن هذه الفرصة حرجة للغاية، ولن تدوم لأن «طهران تضخ مواردها في لبنان لإعادة بناء جوهرة تاج شبكتها الوكيلة»، وفقاً للزميل الرفيع لدى معهد الشرق الأوسط، فادي نيكولاس نصار، الذي وصف هذه اللحظة الحاسمة بأنها «جائزة عظيمة لم تنلها الولايات المتحدة وحلفاؤها بعد». وحدد ثلاثة معايير واضحة للنصر: دولة لبنانية ذات سيادة، وإنهاء دائم للصراع اللبناني - الإسرائيلي، وتفكيك «حزب الله» باعتباره «نموذجاً لمحور المقاومة».

ولتحويل هذه اللحظة إلى نصر دائم، تحدد الخطة السياسية مساراً يستوجب أولاً القيام بحملة موحدة بقيادة اللبنانيين أنفسهم.

وتؤكد الخطة ضرورة أن يُنظم صناع القرار «الجهود بوصفها حملة واحدة تركز على استعادة السيادة اللبنانية»، لأن الحزب الموالي لإيران «يصوّر كل تحرك ضده على أنه مؤامرة أجنبية»، وبالتالي فإن «الحملة التي يعترف بها اللبنانيون باعتبارها حملتهم الخاصة هي وحدها القادرة على هزيمته».

وهذا الإطار الاستراتيجي بالغ الأهمية لأنه «يُحدد إيران و(حزب الله) باعتبارهما العقبة الرئيسية أمام استعادة البلاد»، وفقاً للسفير هيل الذي يشدد على أن اللبنانيين «يجب أن يكونوا هم مَن يصنعون هذا التغيير».

«قتال» لنزع السلاح

وكذلك يستوجب الأمر تمكين الجيش اللبناني. وركز نائب رئيس المعهد للسياسة، كينيث بولاك، على جوهر الخطة، ومسألة ما إذا كانت القوات المسلحة اللبنانية قادرة فعلاً على نزع سلاح «حزب الله»، الذي لن يحدث من خلال الإقناع وحده. وقال إن «ضمان سيادة الدولة اللبنانية يتطلب نزع سلاح (حزب الله)، و(حزب الله) لن يتخلى عن ترسانته من دون قتال». وأضاف أنه إذا كان الجيش اللبناني سينجح في إكراه «حزب الله» على نزع سلاحه، «فسيتطلب ذلك دعماً أكبر من الولايات المتحدة مما هو متصور حالياً».

ورغم وجود خيارات عسكرية مختلفة، فإن الخطة تفيد أن «النهج الأمثل يستلزم نشر مستشارين ومدربين أميركيين لتحسين قدرات الجيش اللبناني، مدعومين بالاستخبارات واللوجستيات والقوات الخاصة والدعم الناري» مثل الجو والمدفعية وطائرات الهليكوبتر. ورأى أن من شأن هذه الاستراتيجية أن «تكرر النموذج الذي استخدمته الولايات المتحدة لمساعدة القوات المسلحة العراقية على تدمير (داعش) بين عامي 2014 و2017 من دون نشر قوات قتالية أميركية».

ولمنع «حزب الله» من إعادة تشكيل نفسه بمرور الوقت، يجب على واشنطن أن تستهدف بشكل منهجي شرايين حياته المالية. ويدعو التقرير الولايات المتحدة إلى «فرض عقوبات على شركات الصرافة والميسرين الذين ينقلون الأموال الإيرانية إلى (حزب الله) والقضاة المتورطين الذين يحمون الجماعة من الملاحقة القضائية».

ولكن يجب أن يقترن هذا الضغط المالي بإصلاحات اقتصادية عميقة، لأن هذه الجماعة «تتغذى على الفساد المستشري في لبنان». ووفقاً للتقرير، يجب على الولايات المتحدة وشركائها أن يتعهدوا بتقديم مساعدة كبيرة للبنان، نقداً وعيناً، «لإظهار مزايا استعادة سيادة لبنان» بعد نزع سلاح «حزب الله».

خطة إنعاش لبنانية

ولضمان المساءلة، يجب على واشنطن وشركائها أن يصطفوا وراء خطة إنعاش واحدة «تمتلكها الحكومة اللبنانية ومصممة لتمويل إعادة الإعمار من خلال المؤسسات اللبنانية»، مع إنشاء «صندوق استئماني متعدد المانحين» يضم «مجلس إدارة مستقل، وتمثيلاً للمجتمع المدني، وقواعد مشتريات أكثر حزماً مما يتطلبه القانون اللبناني».

ويشير التقرير إلى أن «حزب الله» لطالما برر ترسانته بادعاء استمرار إسرائيل في احتلال الأراضي اللبنانية. ولذلك، فإن «استعادة سيادة الدولة اللبنانية» تتطلب «ترسيم حدودها»، علماً أن «حل النزاع على الخط الأزرق من شأنه أن يعزز الثقة اللازمة للتفاوض على تسوية نهائية للنزاعات الإقليمية المتبقية مع كل من إسرائيل وسوريا». وهذا يتطلب تنفيذ مهمة التحقق المنصوص عليها في الاتفاق الإطاري الثلاثي لشهر يونيو (حزيران) 2026، بما يضمن «انسحاب الجيش الإسرائيلي» مقابل منع الجيش اللبناني لـ«حزب الله» من العودة.

وسيؤدي تحقيق هذين الشرطين إلى «بناء الثقة التي يحتاج إليها كل طرف لنجاح نزع السلاح والانسحاب، بما يضمن سيادة لبنان وأمن إسرائيل».

وخلص المشاركون في الحلقة إلى أن نجاح هذه الخطوات سيمكن من تحقيق اختراق دبلوماسي استثنائي. ولذلك، «يملك الرئيس ترمب فرصة لتحقيق ما لم يسبقه إليه أي رئيس أميركي: اتفاق سلام دائم بين إسرائيل ولبنان».