كريستوفر نولان... المخرج الذي لا يُرفض له طلب

فيلمه الجديد عن «الأوديسا» ملحمي بمنظور مختلف


كريستوفر نولان خلال تصوير «أوديسا» (يونيفرسال)
كريستوفر نولان خلال تصوير «أوديسا» (يونيفرسال)
TT

كريستوفر نولان... المخرج الذي لا يُرفض له طلب


كريستوفر نولان خلال تصوير «أوديسا» (يونيفرسال)
كريستوفر نولان خلال تصوير «أوديسا» (يونيفرسال)

اليوم، يعود المخرج كريستوفر نولان إلى شاشات «آيماكس» العملاقة بفيلم جديد يحمل عنوان «أوديسا»، هو الأول له منذ فوزه، قبل 3 سنوات، بـ7 جوائز أوسكار عن فيلمه السابق «أوبنهايمر». ولا تكتفي هوليوود بإطلاق فيلمه الجديد، بل تعرض بعض صالاتها أيضاً 5 من أفلامه السابقة، في تظاهرة تهدف إلى تعزيز جماهيرية هذا المخرج من جهة، والتذكير بأبرز أعماله من جهة أخرى.

الأفلام المعروضة على نحوٍ موازٍ هي«أرق» (Insomnia) 2002، و«الفارس الأسود» (The Dark Knight) 2008، و«استهلال» (Inception) 2010، و«بين النجوم» (Interstellar) 2014، و«دنكيرك» (Dunkirk) 2017.

مات دامون وزندايا في لقطة من «أوديسا» (يونيفرسال)

الملحمة المأثورة

«أوديسا» هو أول فيلم في مسيرة نولان ينتمي إلى السينما التي تتناول حروب التاريخ القديم. ويستند إلى ملحمة «الأوديسا» التي وضعها الشاعر الإغريقي هوميروس، وتتألف من 24 كتاباً (أو نشيداً)، وهو صاحب الملحمة الشهيرة الأخرى «الإلياذة»، إلى جانب مؤلفات أخرى لم تنل القدر نفسه من الاهتمام. ولا يقتصر الغموض على زمان ومكان تأليف هاتين الملحمتين، بل يحيط أيضاً بحياة هوميروس نفسها.

لا يتطرق فيلم نولان إلى حياة هوميروس، ولا يستعرض جميع أحداث ملحمة «الأوديسا»، بل يكتفي بتقديم رحلة أوديسيوس (مات دامون) في عودته من طروادة بعد 10 سنوات على سقوطها، وما يرافقها من شخصيات محورية، مثل زوجته بينيلوبي (آن هاثاواي)، وابنه تليماخوس (توم هولاند)، وناشر مذكراته أنطونيوس (روبرت باتنسن)، إلى جانب شخصيات أخرى، منها أثينا (زندايا)، وكاليبسو (تشارليز ثيرون)، وهيلين الطروادية (لوبيتا نيونغو).

الموضوع في حد ذاته واسع، لكن أحداثه وشخصياته وحروبه أكثر اتساعاً وتشعباً. ومن يعرف نولان يدرك أنه لا يقدم فيلماً يقل حجماً أو طموحاً عن المادة التي يستند إليها، وهو ما انعكس على ميزانية العمل، التي بلغت 250 مليون دولار، وتحملتها شركة «يونيفرسال»، إلى جانب حملة ترويجية واسعة بدأت قبل أشهر وما زالت مستمرة.

من فيلم نولان «الفارس الأسود» (وورنر)

تفاصيل تقنية

الطموح والفرادة عنوانان لمسيرة هذا المخرج، ويختزلان شغفه بالسينما منذ حمل كاميرا «سوبر 8» وهو في الثامنة من عمره.

ومع مطلع القرن الـ21، كان كريستوفر نولان لا يزال اسماً مجهولاً. فقد أنجز فيلمه القصير Doodlebug عام 1997، ثم قدّم أول أفلامه الروائية الطويلة Following عام 1998. وبعدها انتقل إلى الولايات المتحدة مدفوعاً برؤيته السينمائية وطموحه، وكأن نجمةً دلّته على الطريق الذي ينبغي أن يسلكه. وهناك، في هوليوود، حقق فيلمه اللافت Memento («ميمنتو»، 2000)، الذي شكّل نقطة تحوّل في مسيرته.

وقاد نجاح الفيلم إلى إنجاز Insomnia («أرق»، 2002)، قبل أن تراهن شركة «وورنر براذرز» عليه عام 2005، وتكلّفه بإخراج Batman Begins («باتمان يبدأ») مع منحه ميزانية كبيرة وحرية إبداعية واسعة. فجاءت النتيجة واحداً من أفضل الأفلام التي تناولت شخصية باتمان، إلى جانب نسخة تيم بيرتن عام 1989، ومهدت لولادة ثلاثية تُعدّ من أبرز ما قُدّم في سينما الأبطال الخارقين. ومنذ ذلك الحين، واصل نولان تحقيق الأفلام التي آمن بها، حتى أصبح واحداً من أبرز مخرجي السينما في العالم اليوم.

حمل مشواره إلى هوليوود في طياته طموحاً إلى صناعة السينما الكبرى. فقد أدرك أن السينما البريطانية لا تتيح إنتاجات بهذا الحجم، ولم يشأ أن يمضي وقته في تجارب محدودة الإمكانات. وانعكس هذا الشغف أيضاً في اهتمامه الدائم بتقنيات التصوير، ولا سيما أنظمة الكاميرات التي يستخدمها. بدأ بتصوير أفلامه على شريط 35 ملم، ثم اتجه لاحقاً إلى استخدام كاميرات «آيماكس» وأفلام «كوداك» بقياس 65 ملم، بدءاً من فيلمه «دنكيرك» (2017). وفي فيلمه الجديد، يستخدم كاميرا متطورة تجمع بين تقنية «آيماكس» وشريط 65 ملم، مع إمكانية العرض بصيغة 70 ملم، وهي الصيغة التي اشتهرت بها الأفلام التاريخية والملحمية الكبرى خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي.

مساحة فكرية وبصرية

بعيداً عن التقنيات نجد أن السمات المشتركة بين أفلامه تُواكب إنجازاته البصرية. هو مخرج لا يسرد حكاية مثيرة بحد ذاتها فقط، بل يتعامل مع مضامينها العميقة والدالّة. بطلب من مشاهدي كل فيلم من أفلامه التفكير بما يراه وليس متابعته فقط. وهذا تحدٍّ صعب. كثيرون سبقوه إلى ذلك، لكن كثيرين منهم أخفقوا.

يشكّل «ممنتو»، بوصفه البداية، أكثر من مجرد حكاية رجل يبحث عن قاتل زوجته. فبطله يعاني فقدان الذاكرة، مما يفرض عليه ابتكار وسائل بديلة لتحقيق غايته. وفي المقابل، يعمد نولان إلى اعتماد أسلوب سرد غير تقليدي، وهو البدء بالنهاية ثم العودة تسلسلاً إلى البداية.

«أرق» فيلم بوليسي يتكئ على دراما نفسية، يؤدي بطولته آل باتشينو في واحد من أفضل أدواره خلال هذا القرن. يصل المحقق إلى ألاسكا لتولي التحقيق في جريمة قتل، فيمرّ بأزمات نفسية وصراعات أخلاقية تهز قناعاته.

في ثلاثية «باتمان» («باتمان يبدأ» 2005، و«الفارس الأسود» 2008، و«صعود الفارس الأسود» 2012)، لا يكتفي نولان بتقديم الشخصية بوصفها فارساً داكناً يقف على المسافة نفسها من القانون وأعدائه، بل يُعيد صياغتها ضمن إطار واقعي يختلف عن معظم أفلام «باتمان» السابقة، وعن غالبية أفلام الأبطال الخارقين في السينما، من حيث عمق شخصيَّته والمعالجة الواقعية لها. نعم، تبقى أفلام باتمان عند نولان مثيرة وبطولية، لكنها أبعد من أن تكون كرتونية أو خالية من مضامين تدعو للتفكير كشرط لاستكمال المتعة البصرية.

يتميّز نولان بأنه مخرج يختار مشروعاته بعناية، واضعاً نصب عينيه تحويل كل فيلم إلى مساحة فكرية وبصرية رحبة. ولا يقلّ تنوُّع الموضوعات التي يتناولها أهمية عن أسلوبه في معالجتها؛ فهو ينتقل من الفيلم البوليسي في «أرق»، إلى التشويق في «استهلال»، ومن الخيال العلمي في «بين النجوم»، إلى الفيلم الحربي في «دنكيرك»، ثم إلى الدراما السِّيرية في «أوبنهايمر»، قبل أن يصل اليوم إلى عالم الملاحم التاريخية مع «أوديسا».

لا يخلو هذا الفيلم الجديد من المغامرة، فتكلفته الضخمة تفرض عليه تحقيق إيرادات تتجاوز ميزانيته بأضعاف قبل أن يدخل دائرة الأرباح. لكن نولان يراهن على قاعدة جماهيرية واسعة رافقته طوال مسيرته، ويعوّل أيضاً على استقطاب عشاق الملاحم التاريخية، مستنداً إلى أسلوبه البصري الذي لا يُضاهى. وإلى جانب ذلك، قد حققت أفلامه مليارات الدولارات في شباك التذاكر، وهو ما جعله يحظى بثقة استوديوهات هوليوود، التي لم تعد تتردد في تمويل أكثر مشروعاته طموحاً وتكلفة.


مقالات ذات صلة

«سهر الليالي 2» يتجاوز أزماته الإنتاجية... ويراهن على التجديد

يوميات الشرق شريف منير وعلا غانم في لقطة من فيلم «سهر الليالي» (الشركة المنتجة)

«سهر الليالي 2» يتجاوز أزماته الإنتاجية... ويراهن على التجديد

تجاوز الجزء الثاني من فيلم «سهر الليالي» أزماته الإنتاجية والفنية ليبدأ مرحلة اختيار أبطاله من الممثلين الشباب.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق المدير الفني لمهرجان لوكارنو جيونا ناتزارو (إدارة المهرجان)

جيونا ناتزارو: «صندوق البحر الأحمر» أسهم في تغيير صورة السينما العربية عالمياً

قال المدير الفني لمهرجان لوكارنو السينمائي في سويسرا، جيونا ناتزارو، إن «صندوق البحر الأحمر» يمثل أحد العناصر المهمة في دعم السينما العربية المعاصرة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الاستعدادات النهائية في مقرّ «مهرجان فينيسيا» قبيل انطلاق دورته الـ83 (إ.ب.أ)

المهرجان الإيطالي يعِد مشتركيه بإرسال أفلامهم إلى الأوسكار

ماغي جيلنهال تترأس لجنة تحكيم «مهرجان فينيسيا»، التي تضمّ أيضاً المخرجة التونسية كوثر بن هنية.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)

«فخر الدين» يستعيد «مأساة سربرنيتسا» بلغة مبتكرة

يعود الفيلم الوثائقي القصير البوسني «فخر الدين» (Fakhrudin) إلى واحدة من أكثر الصفحات ألماً في تاريخ البوسنة والهرسك الحديث.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج محمود عاصي يحمل جائزته في ختام «لوكارنو» (الشرق الأوسط)

محمود عاصي يحصد «الفهد الفضي» في مهرجان «لوكارنو السينمائي»

استعان المخرج محمود عاصي بفريق من 12 شخصاً، بينهم خبراء وأطباء بيطريون، لضمان سلامة الجَمل وفريق العمل خلال التصوير.

انتصار دردير (القاهرة)

العصر الذهبي للفيلم السياسي في هوليوود

جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)
جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)
TT

العصر الذهبي للفيلم السياسي في هوليوود

جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)
جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)

تشارك المخرجة الأميركية باربرا كوبل في الدورة المقبلة من «مهرجان فينيسيا» (من 2 إلى 12 سبتمبر/ أيلول المقبل) بفيلمها الجديد «Union Town»، ضمن قسم الأفلام التسجيلية الذي يضم 18 فيلماً آخر.

«يونيون تاون» سياسي النبرة، شأنه شأن أفلامها السابقة، وأشهرها «Harlan County, USA». ويتناول الفيلم الجديد عمال توصيل الطلبات المحتجِّين على ساعات العمل الطويلة وتدنِّي الأجور. وكوبل هي المخرجة الوحيدة التي فازت مرتين بـ«أوسكار أفضل فيلم تسجيلي»؛ الأولى عن «هارلن كاونتي» (1976)، والثانية عن «حلم أميركي (American Dream)» (1990). لذا؛ فمن المتوقع أن يشقَّ «يونيون تاون» طريقه إلى ترشيحات «الأوسكار» في العام المقبل، وربما يمنحها الفوز لثالث مرة.

تجسُّس: جين هاكمن في «المحادثة» (باراماونت)

نماذج أولى

كوبل واحدة من جيل سينمائي أولى السياسة اهتماماً خاصاً في الستينات والسبعينات. أتحدَّث هنا عن روبرت ردفورد، وجاك نيكولسون، ووارن بيتي، وبيتر فوندا؛ من الممثلين، وهال أشبي، وفرنسيس فورد كوبولا، وألان ج. باكولا، وسيدني بولاك، وميلوش فورمان؛ من المخرجين. كانت تلك الحقبة مهمَّة؛ لأنها مرحلة أساسية في تاريخ «هوليوود»، حين التفتَ ذلك الرعيل إلى الموضوعات السياسية، ليشكلوا ما يمكن وصفه بالعصر الذهبي للفيلم السياسي في هوليوود.

مبدئياً، كانت «هوليوود» والسياسة على طرفي نقيض منذ انتشرت عبارة لا يزال صداها يتردد إلى اليوم: «إذا كانت لديك رسالة، فأرسلها إلى (وسترن يونيون)». وربما كان المنتج سام غولدوين أول من قالها، لكنها ترددت على ألسنة آخرين رأوا أنه لا داعي إلى دمج الأفلام بالسياسة؛ فالأفلام غايتها الترفيه، بينما السياسة فعل مضاد له.

لكن هذا لم يكن صحيحاً يوماً. فقد ضربت السياسة أطنابها في السينما منذ عهد الأفلام الصامتة. وكان «ميلادُ أُمَّة (Birth of a Nation)»؛ الملحمةُ التي أنجزها ديفيد وورك غريفيث عام 1915، فيلماً سياسياً مجَّد جماعة «كو كلوكس كلان»، وأيَّد الجنوب المناوئ تحرير«العبيد».

كانت أفلام المرحلة المكارثية، والأفلام التي هاجمها اليمين لكونها ناقدة، أو عُدّت ترويجاً لليسار، كلها سياسية. ومن بينها فيلم تشارلي تشابلن «أزمنة معاصرة (Modern Times)» عام 1936، وفيلم إدوارد دميتريك «مرمى نيران (Crossfire)» عام 1947. وحتى فيلما الوسترن «حادثة أوكس بو (The Ox-Bow Incident)» لوليام أ. ولمان (1943)، و«ذروة الظهر (High Noon)» لِفرِد زينمان (1952)، تضمَّنا السياسة في صلب موضوعيهما.

وغنيٌّ عن القول إن كل نتاج سينمائي يُعبِّر، بصورة أو بأخرى، عن موقف سياسي. فأفلام الترفيه تبعث الطمأنينة، وتخفِّف وطأة المصاعب، وتسلِّي الناس، وهو المنوال الذي طبع غالبية إنتاجات «هوليوود» حتى اليوم. وبدورها، تعبِّر الأفلام التي تروّج لفكرة يمينية أو يسارية عن مضمون يستخدم السينما وسيلة لنشر الرسالة.

«المنظر المختلف» مع وارن بيتي (باراماونت)

دولة عميقة

بدت المسألة أوضح في الستينات والسبعينات، عندما أمسك عدد من المخرجين بزمام الأمور كما لم يحدث من قبل. وفي سياق البحث عن موضوعات جديدة، منحت «هوليوود» مخرجيها حرية اختيار الموضوعات وكيفية معالجتها.

كان «دكتور سترانجلوف (Dr. Strangelove)» لستانلي كوبريك (1964) رائداً في الستينات، بسخريته من سياسة البيت الأبيض والمؤسسة العسكرية. وفي العام نفسه، قدَّم جون فرانكنهايمر «7 أيام في مايو (Seven Days in May)»، الذي تناول مخططاً يقوده عدد من كبار القادة العسكريين للانقلاب على رئيس الولايات المتحدة؛ اعتراضاً على توقيعه معاهدة لنزع السلاح النووي مع الاتحاد السوفياتي.

وكان فرانكنهايمر قد حقق فيلماً من النوع نفسه عام 1962، بعنوان «المرشَّح المنشوري (The Manchurian Candidate)»، حيث نجد لورنس هارفي عائداً من الحرب الكورية بعدما غُسل دماغه ليخدم الأجندة الشيوعية في أميركا.

لكن الأعمال الأكبر نضجاً وتعبيراً عن تمرُّد «هوليوود» على وصايا المكارثية ومخلَّفاتها، وعلى الخوف من المجهول، كانت تلك التي تناولت بصراحة موضوع «الدولة العميقة».

ومن أبرز الأفلام في هذا الصدد عملان حققهما ألان ج. باكولا باحتراف لافت، هما «كلوت (Klute)» عام 1971، و«المنظر المختلف (The Parallax View)» عام 1974. وكلاهما فيلم تشويقي يتناول جهات خفية تدير البلاد، وتُقدِم على القتل إذا شعرت بأن الضحية تهدد مصالحها.

وحقق باكولا بعد ذلك فيلماً مهماً آخر هو «كل رجال الرئيس (All the President’s Men)» عام 1976، عن تحقيقات الصحافيين بوب وودوورد، وكارل بيرنستاين، التي أدَّت إلى الكشف عمّا تُعرف حتى اليوم بفضيحة «ووترغيت».

وفي الاتجاه نفسه، شخَّص فرنسيس فورد كوبولا، في «المحادثة (The Conversation)»، 1974، من بطولة جين هاكمن، وضعاً مماثلاً، حيث توجد جهات نافذة تتجسَّس على المواطنين. ومع نهاية العقد نفسه، حقق رائعته «القيامة الآن (Apocalypse Now)»، التي تناولت الحرب الفيتنامية من وجهة نظر انتقادية صارمة.

أسهمت أفلام السبعينات في الكشف عن فضيحة «ووترغيت» وانتقاد حرب فيتنام والمؤسسة العسكرية الأميركية

فيتنام وسواها

شهدت «هوليوود»، منذ الستينات والسبعينات وفي العقود التالية، سيلاً من الأفلام التي تناولت الحرب الفيتنامية من وجهة نظر معارضة لها، كما في «العودة إلى الوطن» لهال أشبي، و«فصيلة (Platoon)» لأوليفر ستون، و«خسائر الحرب (Casualties of War)» لبرايان دي بالما. وفي المقابل، ظهرت أفلام قليلة أيدتها، من بينها «القبعات الخضر (The Green Berets)» لجون واين عام 1968، الذي قدَّم تلك الحرب بوصفها مشروعة.

شكَّلت تلك الحرب مصدر قلق في الداخل الأميركي، ونتجت عنها أعمال لم ترتبط بها مباشرة، بقدر ما مثَّلت ارتداداً معارضاً لها، كما في «إيزي رايدر» لبيتر فوندا (1969)، الذي شارك جاك نيكولسون في بطولته. وقاد نيكولسون لاحقاً بطولة فيلمين ناقدين للمؤسسة؛ أولهما «التفصيلة الأخيرة (The Last Detail)» لهال أشبي عام 1973، وثانيهما «واحد طار فوق عش المجانين (One Flew Over the Cuckoo’s Nest)» لميلوش فورمان عام 1975.

وكان لروبرت ردفورد حضوره المهم في هذا المجال. فإلى جانب «كل رجال الرئيس»، الذي تقاسم بطولته مع داستن هوفمان، قاد بطولة «3 أيام للكوندور (Three Days of the Condor)» لسيدني بولاك عام 1975، حيث تعمد وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى اغتيال موظفيها.


شاشة الناقد: فيلمان في زمانين متباعدين حول لص فاشل وعالم يتهاوى

 جوش أوكونور في المتحف. لقطة من «العقل المدبّر» (ذا ماتش فاكتوري)
جوش أوكونور في المتحف. لقطة من «العقل المدبّر» (ذا ماتش فاكتوري)
TT

شاشة الناقد: فيلمان في زمانين متباعدين حول لص فاشل وعالم يتهاوى

 جوش أوكونور في المتحف. لقطة من «العقل المدبّر» (ذا ماتش فاكتوري)
جوش أوكونور في المتحف. لقطة من «العقل المدبّر» (ذا ماتش فاكتوري)

THE MASTERMIND ★★★★

إخراج: ‪كيلي رايكارت

الولايات المتحدة (2025).‬

نتعرّف منذ البداية على جيمس بلين موني (جوش أوكونور) داخل متحف صغير في بلدة بولاية ماساتشوستس. يتمشّى بين الغرف التي تعلو جدرانها لوحات مختلفة قد لا تضاهي، من حيث أهميتها الفنية، ما لدى المتاحف الكبيرة من أعمال، لكنها تبقى ذات قيمة. يعاينها تمهيداً لسرقة بعضها، مستغلاً حارساً ينام على كرسيه طوال الوقت.

جيمس ليس لصاً محترفاً كلصوص الأفلام البوليسية والتشويقية الأخرى، بل هو ذلك النوع من الرجال الذي لا يمكن أن يلفت الأنظار إليه. لا يمتلك سمات البطولة ولا مهارات اللصوص المحترفين. هو متزوّج وله ولدان، ويعتقد أنه وضع خطّة محكمة، طالباً من شابّين دخول المتحف وسرقة أربع لوحات سيخفيها لاحقاً في عُلّية بيته، إلى أن يتدبّر أمر بيعها. لكن أحد الشابّين يقع في قبضة الشرطة ويعترف، أما الآخر فيُبلغ عصابةً من المحترفين بأمره، فتجبره على تسليم اللوحات. وبذلك، يخرج خالي الوفاض ومطلوباً من العدالة في آن واحد. وأكثر من ذلك، يخسر زوجته وولديه.

تتلاحق الأحداث، لكن الفيلم لا يرصفها بغرض التشويق. تتّسم أفلام المخرجة بالتواضع والهدوء في الإيقاع والتنفيذ؛ فلا تهدر طاقتها ولا تنفعل ولا تحاول إثبات وجودها، بل تستند إلى شخصيات وحكايات قابلة للتصديق، لكونها تلتزم طبيعة الأشياء ولا تحاول تجاوزها.

«العقل المدبّر» ليس فيلماً يسعى إلى الإثارة والتشويق، لكن متابعته تثير فضولاً قوياً لمعرفة ما سيؤول إليه وضع بطله، وما تنوي المخرجة الإشارة إليه. هناك ثغرة أو اثنتان في الكتابة (لا يمكن أن يكون حارس المتحف نائماً في كل مرة يظهر فيها)، لكنهما لا تؤثران في سياق العمل ولا في قدرته الجلية على إثارة الاهتمام.

بالهدوء نفسه، تطرح المخرجة الحاضنة الزمنية للأحداث. هناك السيارات القديمة، والأخبار التلفزيونية عن مجريات حرب فيتنام، وفي مشهد آخر ملصقات لحركة احتجاجية للسود ضد العنصرية. إنها أجواء نهاية الستينات ومطلع السبعينات، وما تلبث النهاية أن تصفع بطل الفيلم كما تصفع تعاطفنا مع وضعه الصعب.

في كل ذلك، لا يُمثِّل جوش أوكونور الدور بقدر ما يعيشه، مقدّماً أداءً موهوباً ينسجم مع رؤية المخرجة وطريقتها في التعامل مع كل ما يرتسم على الشاشة.

THE DOG STARS ★★★

إخراج: ريدلي سكوت

‫• الولايات المتحدة (2026) ‬

عروض: تجارية.

في هذا الفيلم، ينتقل ريدلي سكوت من التاريخ الذي عاينه في «نابليون» و«غلادياتور 2» (2023 و2024 على التوالي) إلى المستقبل. وكان قد سبق له استكشاف المستقبل والفضاء البعيد في 3 أفلام من سلسلة «إيليَن» (Alien).

لقطة من «ذ دوغ ستارز» (تونتييث سنتشري فوكس)

هذه المرّة يتحدّث عن مستقبل لا يبدو بعيداً نقلاً عن رواية لبيتر هَلَر (أول فيلم مقتبس من أعماله): مجموعة من الأشخاص الذين بقوا على قيد الحياة بعد انهيار شامل لمعالمها. هيغ (جاكوب إلرودي) وبانغلي (جوش برولين) وبضعة آخرين يدافعون عن حياتهم ضد قتلة تبحث عن الطعام والمأوى والأمان معاً. إنه قتال للبقاء على قيد الحياة والغلبة لمن ينتصر.

ففي 2035، يتوقع الفيلم، سينتشر فيروس يقضي على ملايين الناس ومن يبقى حياً بات عليه الدفاع عن حياته. هذا ليس فيلم رعب من نوع «بعد 28 يوماً»، الذي أطلق سلسلة ناجحة تتمحور حول حبكة مشابهة، بل فيلم أكشن ينطوي على قدر كبير من التأمل في ما قد يصبح عليه العالم قريباً إذا مُحيت مكوّناته الاجتماعية تحت أي ظرف.

لا يدّعي سكوت اكتشاف موضوع جديد، إنما تكمن قيمة ما يعرضه في معالجة الحكاية على نحو موحٍ وبتنفيذ جيِّد. وما يحقّقه هنا جيّد أيضاً، في الوقت الذي يقرّر فيه ترك الباب مفتوحاً أمام نهاية تحمل قدراً من الأمل. إنه فيلم مختلف عن غالبية أفلام المخرج، من حيث رغبته في أن يكون مادة للدراسة، من دون التخلّي عن تنفيذ مشاهد قتال فاعلة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
TT

مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)

أعلن مهرجان البندقية السينمائي، الاثنين، عبر موقعه الإلكتروني أن فيلما وثائقيا عن غزة من إخراج مخرجين إسرائيليين حائزين جائزة الأوسكار، سينضم إلى الاختيارات الرسمية للدورة الثالثة والثمانين للمهرجان التي تقام في الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر (أيلول).

وكان المخرجان يوفال أبراهام وراحيل تسور من بين المشاركين في تأليف الوثائقي الشهير «لا أرض أخرى» (No Other Land) الذي يتناول الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والحائز جائزة أوسكار لأفضل فيلم وثائقي لعام 2025.

ويكشف هذا الفيلم الجديد الذي يحمل عنوان «نازا»، بالتفصيل «الآليات الكامنة وراء المجزرة المخطط لها التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة» بحسب ما جاء في بيان مهرجان البندقية السينمائي.

وسيُعرض الفيلم في 10سبتمبر بحضور المخرجين والمنتجين وصحافيين من «ذي غارديان" البريطانية التي تشارك في الإنتاج.