تتصاعد بورصة التكهنات حول الأسماء التي ستخوض انتخابات رئاسة المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، المقرر إجراؤها نهاية الشهر الحالي، وسط ترقب واسع لطبيعة الكتل السياسية الداعمة لهم.
ويتجاوز المراقبون في قراءتهم لهذا الاستحقاق السنوي حدود التنافس التقليدي على مقعد قيادي، ويرون فيه «حدثاً محورياً» يسهم في ضبط بوصلة المشهد السياسي في بلد منقسم. ويستمد هذا الاستحقاق ثقله من «صلاحيات المجلس الواسعة»، بصفته شريكاً إلزامياً لمجلس النواب في حسم عدد من القضايا المهمة، ومنها التوافق حول القوانين المنظمة للانتخابات التي يترقبها الليبيون؛ وهو ما يمنح رئيس المجلس الأعلى للدولة وهيئة مكتبه نفوذاً في توجيه مسارات الحل، وبناء التحالفات بين القوى المتنازعة.

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، وتدير شرق البلاد وأجزاء من الجنوب، بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر.
وتشهد الدورة الحالية منافسة بين أربعة أسماء تردد ترشحها، وهم: الرئيس الحالي للمجلس محمد تكالة، ورئيس المجلس الأسبق عبد الرحمن السويحلي، إلى جانب العضوين البارزين بلقاسم قزيط وصلاح ميتو، وهو ما يجعل صندوق الاقتراع هذه المرة - كما يرى البعض - مؤشراً دقيقاً لقياس أوزان التحالفات الجديدة على الساحة الليبية.

وغيرت المبادرة التي طرحها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس قبل أشهر، وفق مراقبين، من التحالفات القائمة سابقاً؛ فالدبيبة لم يعلن موقفاً رسمياً تجاهها حتى الآن، لكن تكالة ومجلسه سارعا برفضها، وأدى ذلك إلى تداول أنباء عن توتر العلاقة بينهما، رغم ما جمعهما سابقاً من تقارب.
وتعمّقت هذه القراءة قبل نحو شهر مع إعلان تكالة - بالتنسيق مع عقيلة صالح رئيس البرلمان، ومحمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي - «خريطة طريق» لإنهاء المرحلة التمهيدية، وهي خطوة وصفها البعض بمحاولة لضمان عدم تهميش رؤساء المجالس في أي تسوية سياسية مقبلة، فيما رأى فيها آخرون تقارباً بين تكالة وخصوم الدبيبة.
ويرى رئيس اللجنة السياسية بالمجلس، محمد معزب، أن «المنافسة هذا العام تنحصر بين تيارين يعكسان الانقسام الفكري والسياسي داخله». وقال معزب لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك تيار الدولة المدنية، الذي يشكل الأغلبية داخل المجلس الأعلى للدولة، ويحظى بتأييد قرابة 60 في المائة من أعضائه، البالغ عددهم 142 عضواً. ويقوده تكالة، ويتمسك بإجراء انتخابات نزيهة، وبالتداول السلمي للسلطة، وبقاء طرابلس عاصمة للدولة، فيما يتوجس أنصاره من أي تقارب مع حفتر».

أما التيار الثاني، الذي يصفه معزب «بالمتقارب مع معسكر الشرق» بذراعيه السياسية والعسكرية، «فقد يحظى بدعم قرابة 30 في المائة من أصوات الأعضاء»، لافتاً إلى أن أنصار هذا التيار «ربما لا يعارضون مبادرة بولس، رغم ما تحمله من صيغ لتقاسم السلطة».
وتتركز «المبادرة الأميركية» على توحيد المؤسسات والتمهيد للانتخابات، وسط تسريبات عن منح صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من المنفي، مقابل بقاء الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة، وهو ما وصفه البعض بـ«صفقة تقاسم سلطة».
ولم يستبعد معزب «استمرار الاستقطاب السياسي حتى لحظة الاقتراع على رئاسة المجلس، لا سيما استهداف كتلة متأرجحة، تمثل ما بين 10 إلى 15 في المائة من الأصوات، توظف مواقفها وفق مصالح مناطقية أو شخصية»، ويرى أن الدبيبة «غير مكترث بانتخابات المجلس بقدر انشغاله بمصير حكومته، وكيف أن بعض الأسماء معروفة التوجه منذ فترات بعيدة».
بالمقابل، اعتبر عضو المجلس، علي السويح، أن «الصراع الراهن ينحصر بين تيارين: الأول يريد المضي قدماً وإجراء الانتخابات لتعذر استمرار الوضع الراهن، مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية وتفشي الفساد، والآخر يريد الإبقاء على المشهد الحالي دون تغيير».
وأوضح السويح لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق السياسي الموقع بالصخيرات المغربية نهاية عام 2015 - وهو المرجعية الحاكمة للفترة الانتقالية الراهنة بالبلاد - دعا إلى توافق مجلسي النواب و(الأعلى) على القوانين الانتخابية وإجراء الاستحقاق، وتشكيل حكومة موحدة ثم خروج المجلسين من المشهد، وهذا ما يريده التيار الأول الذي ننتمي إليه».
ودعا السويح أعضاء مجلسه إلى «التمسك بنصوص الاتفاق السياسي للوصول إلى وحدة المؤسسات، وحماية موارد البلاد واستعادة سيادتها، والبعد عن أي تحالفات تصب في صالح البقاء بالسلطة لا مصلحة المواطن، والتخفيف من معاناته».
من جهته، رفض عضو المجلس، سعد بن شرادة، «تصوير البعض لمبادرة بولس كعامل محدد للاختيارات في انتخابات رئاسة الأعلى للدولة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الضجة حول المبادرة تتعلق بتولي شخصيات بعينها مناصب سيادية، وهو أمر غير مؤكد، لكن جوهرها يعد تطبيقاً لخريطة الطريق، التي طرحتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي».

ولفت بن شرادة إلى «لجنة (4+4) التي شكّلتها البعثة الأممية قبل ثلاثة أشهر كإطار حواري مصغر، يضم ممثلين عن المجلسين، وشخصيات ممثلة للقوى الفاعلة أيضاً في شرق البلاد وغربها لضمان تنفيذ مخرجاتها».
وبعيداً عن حسابات التحالفات، يرى مراقبون أن الرئيس الجديد للمجلس الأعلى للدولة «سيواجه مهمة بالغة الصعوبة»؛ في ظل تحديات جسيمة تهدد بتهميش دور مجلسه والبرلمان، ويرجعون ذلك إلى «الغضب الشعبي والانتقادات الأممية لعرقلتهما الانتخابات جراء خلافاتهما المتكررة، فضلاً عن تفضيل البعثة والدول الكبرى حالياً الاعتماد المباشر على القوى الفاعلة على الأرض».




