صندوق النقد الدولي يخفض توقعاته لنمو اقتصاد منطقة اليورو بفعل الحرب

توقع ارتفاع التضخم وتباطؤ النشاط مع استمرار اضطرابات الطاقة وتشديد الأوضاع المالية

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي يخفض توقعاته لنمو اقتصاد منطقة اليورو بفعل الحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو اقتصاد منطقة اليورو خلال عام 2026، محذراً من أن الحرب في الشرق الأوسط باتت تمثل أحد أبرز المخاطر التي تهدد النشاط الاقتصادي، عبر اضطراب إمدادات الطاقة، وتشديد الأوضاع المالية، وارتفاع الضغوط التضخمية.

وجاء ذلك عقب اختتام المجلس التنفيذي للصندوق مشاوراته السنوية بشأن السياسات الاقتصادية المشتركة لدول منطقة اليورو، حيث خفض توقعاته لنمو الاقتصاد إلى 0.9 في المائة خلال عام 2026، مقارنة مع 1.4 في المائة في عام 2025، على أن يتعافى جزئياً إلى 1.2 في المائة في عام 2027.

كما رفع الصندوق توقعاته للتضخم إلى 2.9 في المائة خلال 2026، مقارنة مع 2.1 في المائة في 2025، قبل أن يتراجع إلى 2.3 في المائة في العام التالي.

وأشار إلى أن هذه التوقعات تمثل خفضاً بمقدار 0.5 نقطة مئوية لتوقعات النمو في 2026، و0.2 نقطة مئوية في 2027، مقارنة بالتقديرات التي سبقت اندلاع الحرب.

وأوضح الصندوق أن تراجع التوقعات يعود إلى مجموعة من العوامل، أبرزها تراجع ثقة الشركات، والمستهلكين، وتشديد الظروف المالية، إضافة إلى تصاعد الضغوط التضخمية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد أن أمن الطاقة أصبح أكبر مصدر للمخاطر التي تواجه اقتصاد منطقة اليورو، محذراً من أن أي تأخير في استعادة الإمدادات العالمية للطاقة قد يؤدي في الوقت نفسه إلى إبطاء النمو، ورفع معدلات التضخم.

وأضاف أن المخاطر لا تقتصر على الحرب في الشرق الأوسط، بل تشمل أيضاً احتمال تجدد التقلبات في الأسواق المالية، واستمرار الحرب في أوكرانيا، والغموض المحيط بالرسوم الجمركية، والسياسات التجارية.

كما حذر الصندوق من تزايد المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، مشيراً إلى أن موجة مفاجئة من عزوف المستثمرين عن المخاطرة، أو انتقال الضغوط من المؤسسات المالية غير المصرفية مرتفعة المديونية قد تمتد إلى البنوك، وأسواق التمويل الأساسية.

ودعا المجلس التنفيذي للبنوك المركزية إلى اتباع نهج حذر يستند إلى البيانات الاقتصادية عند اتخاذ قرارات السياسة النقدية، مع إعطاء الأولوية للحفاظ على استقرار توقعات التضخم.

وعلى صعيد السياسة المالية، أوصى الصندوق الحكومات بالاعتماد على المثبتات التلقائية للاقتصاد بدلاً من إطلاق برامج إنفاق جديدة، مؤكداً أن أي دعم إضافي ينبغي أن يكون مؤقتاً، وموجهاً بدقة، بما لا يؤدي إلى تشويه آليات السوق.

كما دعا الدول الأوروبية مرتفعة المديونية إلى الالتزام بخطط موثوقة لضبط أوضاع المالية العامة على المدى المتوسط، من خلال إصلاحات في جانب الإنفاق، والالتزام الكامل بالقواعد المالية للاتحاد الأوروبي.

وفي الجانب الهيكلي، شدد الصندوق على أن الإصلاحات الاقتصادية تظل عاملاً أساسياً لتعزيز تنافسية منطقة اليورو على المدى الطويل، داعياً إلى تعميق تكامل السوق الأوروبية الموحدة، وإزالة العوائق أمام النشاط عبر الحدود، وتعزيز تنقل العمالة، والاستعداد لتبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز أمن الطاقة عبر مزيد من التكامل بين الأسواق.

كما أيد الصندوق مواصلة العمل على اتحاد الادخار، والاستثمار، وتطوير مشروع اليورو الرقمي، وتعزيز ميزانية الاتحاد الأوروبي لتمويل الأولويات المشتركة، فضلاً عن تنويع الشراكات التجارية، مع الحفاظ على نظام تجاري عالمي مفتوح، وقائم على القواعد.

وفيما يتعلق بالقطاع المصرفي، وصف صندوق النقد النظام المالي في منطقة اليورو بأنه لا يزال متيناً بشكل عام، لكنه دعا إلى تشديد اختبارات الضغط، وتعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية، واستكمال مشروع الاتحاد المصرفي الأوروبي، وتطبيق معايير «بازل 3» بالكامل، مع تكثيف الرقابة على العملات المستقرة، وتعزيز التعاون الرقابي عبر الحدود.


مقالات ذات صلة

«سنترا»... كيف كسب رئيس «الفيدرالي» الجديد ثقة نظرائه؟

تحليل إخباري محادثة جانبية بين وارش ولاغارد خلال منتدى البنك المركزي الأوروبي (البنك)

«سنترا»... كيف كسب رئيس «الفيدرالي» الجديد ثقة نظرائه؟

لم يكن منتدى «البنك المركزي الأوروبي» السنوي في سنترا مجرد مناسبة لتبادل وجهات النظر بشأن التضخم والفائدة، بل تحول هذا العام إلى أول اختبار لرئيس «الفيدرالي».

«الشرق الأوسط» (سنترا (البرتغال))
الاقتصاد مقر البنك المركزي الروسي في العاصمة موسكو (إ.ب.أ)

«يوروكلير» تقاضي «المركزي» الروسي لإبطال تعويضات بـ220 مليار يورو

رفعت مؤسسة «يوروكلير» للمقاصة وتسوية المعاملات دعوى قضائية ضد البنك المركزي الروسي، أمام محكمة مدنية بلجيكية، بهدف منع تنفيذ حكم قضائي روسي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد لاغارد لدى وصولها للمشاركة بالجلسة الصباحية لمنتدى البنك المركزي الأوروبي في سنترا (رويترز)

«الأربعاء الكبير» في سنترا يختبر الأسواق... ولاغارد تعلن العودة إلى «الأساسيات»

وضعت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد الأسواق الدولية أمام خطة عمل جديدة عبر إعلانها رسمياً من منتدى سنترا البرتغالي العودة إلى «الأساسيات».

«الشرق الأوسط» (سنترا (البرتغال))
الاقتصاد لاغارد خلال حضورها نقدياً مع أعضاء لجنة الشؤون الاقتصادية والنقدية في البرلمان الأوروبي في 22 يونيو (إ.ب.أ)

لاغارد تدافع عن رفع الفائدة: تحركنا لمواجهة ضغوط تضخمية

دافعت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، عن قرار البنك رفع أسعار الفائدة في 11 يونيو (حزيران).

«الشرق الأوسط» (سنترا (البرتغال))
شمال افريقيا محادثات بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيرته البريطانية إيفيت كوبر في القاهرة الخميس (صفحة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

توافق مصري - بريطاني على دفع العلاقات السياسية والاقتصادية

ترأس وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيرته البريطانية إيفيت كوبر، الدورة الثالثة لـ«مجلس المشاركة المصرية - البريطانية»، الخميس.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

انكماش الاقتصاد الإسرائيلي 3.8 % في الربع الأول بفعل تداعيات الحرب

مشهد لأفق مدينة تل أبيب يضم مباني سكنية ومكاتب قيد الإنشاء (رويترز)
مشهد لأفق مدينة تل أبيب يضم مباني سكنية ومكاتب قيد الإنشاء (رويترز)
TT

انكماش الاقتصاد الإسرائيلي 3.8 % في الربع الأول بفعل تداعيات الحرب

مشهد لأفق مدينة تل أبيب يضم مباني سكنية ومكاتب قيد الإنشاء (رويترز)
مشهد لأفق مدينة تل أبيب يضم مباني سكنية ومكاتب قيد الإنشاء (رويترز)

أعلن المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي، يوم الخميس، أن الاقتصاد انكمش بنسبة 3.8 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأول، وفق ثالث تقديراته، مشيراً إلى أن الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، التي انتهت بوقف إطلاق النار في أبريل (نيسان)، أثّرت سلباً في النشاط الاقتصادي.

ولم يتغير معدل الانكماش عن التقدير السابق الصادر قبل شهر.

وجاء التراجع نتيجة انخفاض الإنفاق الاستهلاكي والحكومي والصادرات، فيما حدّ ارتفاع الاستثمار في الأصول الثابتة من حدة الانكماش جزئياً، وفق «رويترز».

ومن المتوقَّع أن يشهد الاقتصاد انتعاشاً خلال الربع الثاني، مع تقديرات تشير إلى نموه بنحو 4 في المائة خلال عام 2026.


الأسهم الصينية تهبط وسط تراجع حاد في أشباه الموصلات

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)
TT

الأسهم الصينية تهبط وسط تراجع حاد في أشباه الموصلات

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)

تراجعت أسهم البر الرئيسي الصيني، الخميس، متأثرة بضعف أسهم التكنولوجيا عقب موجة بيع بين نظيراتها الإقليمية، بينما أسهم أداء «علي بابا» في دعم أسهم هونغ كونغ، في حين عزز تراجع التوقعات برفع وشيك لأسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي من أداء السوق.

وعند استراحة منتصف النهار، انخفض مؤشر «شنغهاي المركب القياسي» بنسبة 0.8 في المائة، في حين خسر مؤشر «سي إس آي300» للأسهم القيادية 0.9 في المائة. وانخفض مؤشر «ستار 50» الصيني، الذي يركز على التكنولوجيا، بنسبة 1 في المائة، وتراجع مؤشر «تشاينكست» للشركات الناشئة بنسبة 1.7 في المائة.

وكانت أسهم أشباه الموصلات من بين أكبر الخاسرين في تعاملات الصباح، حيث انخفض المؤشر الفرعي بنسبة 2.5 في المائة.

وتزامن هذا الضعف مع خسائر شركات تصنيع الرقائق في المنطقة، حيث انخفض سهم شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية بأكثر من 12 في المائة، وتراجع سهم منافستها «سامسونغ إلكترونيكس» بنحو 10 في المائة.

وتوجد فرص نمو في الصين القارية «في قطاعي الأدوية وتخزين الطاقة، وقيمة مضافة في قطاعات التطوير العقاري والبنوك والإنترنت. ومن منظور الأرباح، نعتقد أن أداء عام 2026 سيتجاوز أداء العام الماضي»، كما صرّح هيرالد فان دير ليندي، رئيس استراتيجية الأسهم لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك «إتش إس بي سي».

وفي هونغ كونغ، ارتفع مؤشر «هانغ سينغ القياسي» بنسبة 1.9 في المائة، في حين قفزت أسهم شركات التكنولوجيا في المدينة بنسبة 3.1 في المائة.

وقادت شركة «علي بابا» المكاسب، حيث قفز سهمها بنسبة 4.8 في المائة، بعد أن أعلنت الشركة في بيان لوكالة «رويترز» عن دمج نموذج «كوين» الخاص بها في نظام «أبل إنتليجنس» عبر أنظمة تشغيل أجهزة «آيفون» و«آيباد» و«ماك» و«فيجن برو» في الصين.

ومن المتوقع أن يعرض الرئيس الصيني شي جينبينغ رؤية طموحة لدور الصين في الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي خلال منتدى يُعقد يوم الجمعة، في حين تستعرض شركة «هواوي» أحدث مجموعة حوسبة ذكاء اصطناعي لديها حتى الآن، في إشارة إلى سعي بكين لبناء بديل محلي للتكنولوجيا الأميركية.

وفي سياق منفصل، يتجه المستثمرون إلى اجتماع المكتب السياسي المقبل، حيث من المتوقع أن يحدد صناع السياسات أجندة السياسة الاقتصادية للنصف الثاني من العام. ومع ذلك، ترى الأسواق عموماً أن البيانات الاقتصادية الأخيرة للربع الثاني، التي جاءت أضعف من المتوقع، غير كافية لتحفيز تيسير واسع النطاق للسياسة النقدية.

وقال ليشنغ وانغ، الخبير الاقتصادي في «غولدمان ساكس»: «نُبقي على توقعاتنا الأساسية بعدم خفض سعر الفائدة أو نسبة الاحتياطي الإلزامي حتى نهاية عام 2026، على الرغم من أن الاحتمالية قد ترتفع إذا تباطأ النمو أكثر».

• تراجع اليوان

ومن جانبه، تراجع اليوان الصيني مقابل الدولار، الخميس، عن أعلى مستوى له في شهر، متأثراً بتجدد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، على الرغم من أن ضعف الدولار بشكل عام وتراجع التوقعات بشأن التيسير النقدي المحلي أسهما في دعمه. وأبقى تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران أسعار النفط قرب أعلى مستوياتها في شهر، في حين تذبذب الدولار قرب أدنى مستوى له في شهر بعد انخفاض بيانات أسعار المنتجين الأميركيين. وانخفض اليوان في السوق المحلية إلى 6.7703 مقابل الدولار بحلول الساعة 02:50 بتوقيت غرينتش، مقارنة بأعلى مستوى له في شهر عند 6.7635 الذي سجله في اليوم السابق. أما سعر صرفه في السوق الخارجية، فبلغ 6.7714 مقابل الدولار. وقبل افتتاح السوق، حدد «بنك الشعب الصيني» سعر الصرف المتوسط عند 6.7909 يوان للدولار، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من ثلاث سنوات، وأعلى بمقدار نقطة واحدة من التحديد السابق. ويُسمح لليوان الفوري بالتداول بحد أقصى 2 في المائة أعلى أو أسفل سعر الصرف المتوسط المحدد يومياً. وقد دأب البنك المركزي على تحديد سعر صرف متوسط أقل من المتوقع منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وهي خطوة فسرها المستثمرون على أنها محاولة للحفاظ على استقرار السوق ومنع ارتفاع قيمة اليوان بشكل مفرط. ومع ذلك، اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي وتوقعات السوق، الخميس، حيث بلغ متوسط السعر 332 نقطة أقل من تقديرات «رويترز» البالغة 6.7577، مسجلاً بذلك أكبر انحراف نحو الانخفاض منذ 23 يونيو (حزيران). وقالت يوجينيا فيكتورينو، رئيسة استراتيجية آسيا في بنك «إس إي بي»: «يواصل (بنك الشعب الصيني) توجيه سعر صرف الدولار الأميركي مقابل اليوان الصيني نحو الانخفاض اليومي، لكن وتيرة الارتفاع تباطأت منذ أوائل يونيو. وفي هذه المرحلة، يعكس الانخفاض البطيء في السعر اليومي عودة إلى وضع مريح أكثر من كونه محاولة لتعزيز قيمة العملة. وما دام مؤشر اليوان الصيني لم يرتفع بشكل كبير، من هنا، فمن المرجح أن يتسامح (بنك الشعب الصيني) مع قوة اليوان».


لماذا تتراجع أسهم الرقائق رغم طفرة الذكاء الاصطناعي؟

شريحة «غروك 3» من «إنفيديا» معروضة في مؤتمر للشركة في سان خوسيه-كاليفورنيا (رويترز)
شريحة «غروك 3» من «إنفيديا» معروضة في مؤتمر للشركة في سان خوسيه-كاليفورنيا (رويترز)
TT

لماذا تتراجع أسهم الرقائق رغم طفرة الذكاء الاصطناعي؟

شريحة «غروك 3» من «إنفيديا» معروضة في مؤتمر للشركة في سان خوسيه-كاليفورنيا (رويترز)
شريحة «غروك 3» من «إنفيديا» معروضة في مؤتمر للشركة في سان خوسيه-كاليفورنيا (رويترز)

بعد أكثر من عام من المكاسب القياسية التي قادتها ثورة الذكاء الاصطناعي، دخل قطاع أشباه الموصلات مرحلة جديدة من التقلبات الحادة، رغم استمرار الشركات الكبرى في تسجيل نتائج مالية قوية. ففي وقت أعلنت شركة «إي إس إم إل» الهولندية -أكبر مورِّد عالمي لمعدات تصنيع أشباه الموصلات- توقعاتها للمبيعات، تعرضت أسهم شركات الرقائق في آسيا والولايات المتحدة لموجة بيع واسعة أثارت تساؤلات المستثمرين حول ما إذا كانت الطفرة الحالية بلغت ذروتها، أم إنها مجرد مرحلة تصحيح طبيعية بعد صعود استثنائي.

ولا يرى محللون أن ما يحدث يعكس تراجعاً في الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل يعد تحولاً في نظرة المستثمرين من التركيز على الأرباح الحالية إلى تقييم قدرة الشركات على الحفاظ على معدلات النمو نفسها خلال السنوات المقبلة، في ظل ارتفاع التقييمات السوقية، وتغير معادلة العرض والطلب في بعض القطاعات، خصوصاً رقائق الذاكرة.

شعار «تي إس إم سي» خلال مؤتمرها الإعلاني عن أرباح الربع الثاني (أ.ف.ب)

من أزمة نقص المعروض إلى مخاوف زيادة الإنتاج

على مدار العامين الماضيين استفادت شركات تصنيع رقائق الذاكرة من نقص شديد في المعروض، بالتزامن مع قفزة كبيرة في الطلب على مراكز البيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الرقائق لمستويات غير مسبوقة، وهو ما انعكس مباشرة على أرباح شركات مثل «ميكرون» و«إس كيه هاينكس» و«سامسونغ».

لكن هذه المعادلة بدأت تتغير بعد إعلان شركة «إي إس إم إل» أن معداتها الجديدة لتقنية الطباعة بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) أصبحت ترفع كفاءة خطوط الإنتاج الحالية، بما يسمح للمصانع بإنتاج عدد أكبر من الرقائق دون الحاجة إلى إنشاء مصانع جديدة.

ورغم أن هذا التطور يعد إيجابياً للصناعة على المدى الطويل، فإنه أثار مخاوف المستثمرين من أن تؤدي زيادة الإنتاج إلى إنهاء فترة نقص المعروض التي دعمت الأسعار والأرباح خلال العامين الماضيين، وهو ما دفع أسهم شركات الذاكرة إلى التراجع فور صدور هذه المؤشرات.

شعار شركة «إي إس إم إل» معروض في جناح الشركة بمعرض الصين الدولي الثامن للاستيراد في شنغهاي (رويترز)

لماذا أصبحت الأخبار الجيدة سبباً في هبوط الأسهم؟

قد يبدو الأمر متناقضاً، لكن الأسواق المالية لا تتفاعل مع نتائج اليوم بقدر ما تسعر توقعات الغد. فحين أعلنت «تي إس إم سي» التايوانية أرباحاً قياسية بزيادة بلغت 77 في المائة، كانت الأسواق قد استوعبت بالفعل هذه النتائج، إذ إن أسعار الأسهم كانت تعكس توقعات متفائلة منذ أشهر. أما عندما أشارت «إي إس إم إل» إلى تحسن كفاءة الإنتاج، بدأ المستثمرون يعيدون حساباتهم بشأن مستقبل أسعار الرقائق، وهوامش الربحية، باعتبار أن أي زيادة في المعروض قد تضغط على الأسعار مستقبلاً.

وبالتالي فإن الأخبار التي تبدو إيجابية من منظور الصناعة قد تتحول إلى عامل ضغط على الأسهم إذا اعتقد المستثمرون أنها ستقلص الأرباح في المستقبل.

جني أرباح بعد موجة صعود تاريخية

يرى كثير من المحللين أن جانباً كبيراً من التراجعات الأخيرة يعود أيضاً إلى عمليات جني الأرباح بعد الارتفاعات الاستثنائية التي سجلها القطاع منذ بداية العام. فمؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات كان قد حقق مكاسب تجاوزت 80 في المائة قبل بدء التصحيح الأخير، بينما شهدت الصناديق المتخصصة في أسهم الرقائق أكبر موجة خروج للأموال منذ سنوات، بعد فترة قصيرة من تسجيل تدفقات قياسية إليها.

وتشير هذه التحركات إلى أن المستثمرين لا يغادرون القطاع بالكامل، وإنما يعيدون توزيع محافظهم الاستثمارية بعد المكاسب الكبيرة التي تحققت خلال الأشهر الماضية.

شعار «إس كيه هاينكس» خلال طرح أسهمها في بورصة ناسداك (رويترز)

هل بدأت الشكوك تحيط بطفرة الذكاء الاصطناعي؟

رغم موجة البيع لا يزال معظم بيوت الخبرة تتوقع استمرار الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة. وتشير تقديرات إلى أن الإنفاق العالمي على مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يقترب من 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2027، مدعوماً باستثمارات شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل «إنفيديا»، و«مايكروسوفت»، و«أمازون»، و«ألفابت»، و«ميتا».

إلا أن المستثمرين باتوا يطرحون سؤالاً مختلفاً؛ فبدلاً من التساؤل عما إذا كان الإنفاق سيستمر، أصبح التركيز ينصب على ما إذا كانت أسعار أسهم شركات الرقائق تعكس بالفعل جميع هذه التوقعات المتفائلة، وما إذا كان النمو المستقبلي سيكون كافياً لتبرير التقييمات الحالية؟

التوترات الجيوسياسية تفاقم الضغوط

وفي الوقت نفسه زادت التطورات الجيوسياسية من حذر المستثمرين، بعدما أدى تصاعد الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط مجدداً، الأمر الذي أعاد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، وتأخير خفض أسعار الفائدة العالمية.

وبالنسبة لأسهم التكنولوجيا التي تعتمد تقييماتها بدرجة كبيرة على توقعات الأرباح المستقبلية، فإن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة يمثل عاملاً سلبياً إضافياً، إلى جانب المخاوف المتعلقة بسلاسل الإمداد، وتكاليف الإنتاج.

كوريا الجنوبية تتدخل لاحتواء التقلبات

وساهمت التحركات الحادة في دفع السلطات الكورية الجنوبية إلى تشديد الرقابة على صناديق المؤشرات المتداولة ذات الرافعة المالية المرتبطة بأسهم شركات الرقائق، بعدما رأت أن هذه الأدوات أصبحت تضخم حركة الأسعار صعوداً، وهبوطاً.

ورفعت السلطات الحد الأدنى للاستثمار في هذه الصناديق، وشددت متطلبات توعية المستثمرين بالمخاطر، كما أوصت شركات الوساطة بعدم إطلاق منتجات جديدة من هذا النوع في الوقت الحالي، في محاولة للحد من التقلبات التي أصبحت تؤثر في السوق الكورية بأكملها.

أعلام الصين والولايات المتحدة تظهر على لوحة دوائر مطبوعة مزودة برقائق أشباه موصلات (رويترز)

تصحيح أم بداية مرحلة جديدة؟

حتى الآن لا تشير المؤشرات الأساسية إلى انتهاء طفرة الذكاء الاصطناعي، أو تراجع الطلب على الرقائق المتقدمة، لكن المرحلة المقبلة تبدو مختلفة عن السنوات الماضية.

فبعد أن كانت الأسواق تكافئ جميع شركات القطاع تقريباً، أصبح المستثمرون أكثر انتقائية، مع تركيز أكبر على قدرة كل شركة على الحفاظ على هوامش الربحية، وإدارة التوازن بين العرض والطلب، وتحويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى أرباح مستدامة.

وبذلك يبدو أن قطاع أشباه الموصلات ينتقل من مرحلة الصعود الجماعي المدفوع بالحماس إلى مرحلة أكثر نضجاً، وسيكون فيها الأداء التشغيلي والكفاءة الإنتاجية العاملين الحاسمين في تحديد الفائزين، والخاسرين.