الاقتصاد العالمي يواجه صدمة عرض جديدة مع تصاعد أزمة هرمز

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: التصعيد الأميركي - الإيراني يهدد التجارة والطاقة ويغذي الضغوط التضخمية

سفينة تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العُمانية 12 أبريل الماضي (رويترز)
سفينة تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العُمانية 12 أبريل الماضي (رويترز)
TT

الاقتصاد العالمي يواجه صدمة عرض جديدة مع تصاعد أزمة هرمز

سفينة تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العُمانية 12 أبريل الماضي (رويترز)
سفينة تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العُمانية 12 أبريل الماضي (رويترز)

أعادت جولة التصعيد الجديدة في التوترات الأميركية الإيرانية فرض حالة من عدم اليقين الخانق على حركة التجارة الدولية والأسواق المالية العالمية، مهددة بفرملة معدلات النمو الاقتصادي ورفع تكلفة الشحن والتأمين البحري إلى مستويات قياسية.

ومع تلويح الصراع بظلاله على الممرات البحرية الحيوية، يواجه العالم إرهاقاً هيكلياً تراكمياً يتجسد في انخفاض المخزونات النفطية الاستراتيجية وتردد المستثمرين في الالتزام بخطط بعيدة المدى، مما يضع الاقتصاد العالمي في مواجهة صدمة عرض هي الأعنف منذ مطلع العام الحالي.

في قراءة للمشهد الإقليمي، يرى عضو مجلس الشورى السعودي، فضل بن سعد البوعينين، أن عودة التوترات تشبه «كرة ثلج» تتعاظم مخاطرها تدريجياً، متوقعاً أن يلقي مؤشر عدم اليقين المتصاعد بظلال قاتمة على اقتصادات المنطقة بشكل خاص، مما يعوق تدفقات الاستثمارات الأجنبية ويؤثر سلباً على برامج الإنفاق الحكومي الموجهة للمشروعات التنموية.

وأوضح البوعينين أن التداعيات المباشرة لأي مواجهة ستعصف بقطاعات حيوية تشمل إمدادات الطاقة المباشرة نتيجة لسيناريوهات إغلاق مضيق هرمز أو استهداف المنشآت النفطية، مما سيقود حتماً إلى قفزات حادة في الأسعار؛ وشلل سلاسل الإمداد بفعل انقطاع خطوط الملاحة البحرية الرئيسية؛ والضغط على الميزانيات الحكومية لا سيما للدول التي تفتقر إلى ممرات ومنافذ بديلة لتصدير خامها، مما يهدد بوقف إيراداتها المالية وتوجيه صدمة حادة لوارداتها.

وحذَّر من خطورة إطالة أمد هذا الانسداد السياسي، داعياً إلى تفعيل القنوات الدبلوماسية الجادة لئلا تتحول المفاوضات والاتفاقات المطروحة إلى مجرد أدوات لكسب الوقت والتحضير لمواجهة عسكرية أوسع.

كما شدَّد على ضرورة تحرك المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن لإصدار قرار واضح يضمن حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وتشكيل قوة دولية قادرة على حماية ناقلات النفط وسفن الشحن من التهديدات الإيرانية المستمرة للأعيان المدنية والمنشآت الاقتصادية.

صورة جوية للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز 10 ديسمبر 2023 (رويترز)

الاقتصاد في «كماشة هرمز»

من جانبه، أشار رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية بجازان، الدكتور عبد الرحمن باعشن، إلى أن التصريحات الأميركية الأخيرة بشأن انتهاء مفاعيل مذكرات التفاهم مع طهران، بالتزامن مع تجدد الضربات على موانئ ومدن إيرانية، ضاعفت الضغوط على أسواق عالمية منهكة أساساً منذ أشهر. وقد انعكس هذا التوتر فورياً على الأرض بارتفاع أسعار النفط بأكثر من أربعة دولارات للبرميل.

وحذَّر من أن استمرار عسكرة مضيق هرمز وإغلاقه سيوجِّه صدمات متلاحقة وخانقة للاقتصاد العالمي، لافتاً إلى أن قطاعات الطاقة، والغذاء، والزراعة، والمبيدات، والأسمدة ستكون في مقدمة الضحايا. وخلص إلى أن عودة الاستقرار الاقتصادي واليقين للأسواق تظل رهناً بعودة الأطراف المعنية إلى طاولة المفاوضات الجادة ووقف الهجمات المتبادلة لضمان إعادة فتح الممر المائي الاستراتيجي وتأمين الناقلات.

خريطة توضيحية لمضيق هرمز في رسم توضيحي 22 يونيو 2025 (رويترز)

عودة صدمات العرض وتحديات التعافي

وفي سياق متصل، حذَّر رئيس المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، الدكتور خالد رمضان، من أن تجدد النزاع العسكري حول مضيق هرمز يهدد بإحياء كابوس صدمة العرض التي عانى منها العالم مطلع عام 2026م. وتوقع رمضان أن يدفع التصعيد بأسعار الخام لتقترب من حاجز الـ100 دولار للبرميل في الأمد القريب، فضلاً عن إحداث اضطرابات حادة في إمدادات المنتجات البتروكيماوية والغذائية وعودة التضخم الطاقي بقوة.

ونبَّه رمضان إلى أن الاقتصاد العالمي الذي التقط أنفاسه نسبياً بعد أزمة الربيع يدخل الآن نفقاً جديداً من عدم الاستقرار، خاصة مع الاستنزاف الجزئي للاحتياطيات البترولية الاستراتيجية لدى القوى الاقتصادية الكبرى، محدداً الفئات الأكثر تضرراً على النحو التالي:

1. الشحن والنقل البحري: تحت وطأة الارتفاع القياسي لأسعار وقود السفن وتكاليف التأمين ضد مخاطر الحروب.

2. القطاع الزراعي وصناعة الأسمدة: نتيجة للارتفاع المتوقع في أسعار الغاز الطبيعي، مما ينذر بأزمة غذاء عالمية تضرب الدول النامية تحديداً.

3. الصناعات الثقيلة وكثيفة الاستهلاك للطاقة: مثل الألمنيوم، والحديد، والأسمنت، والمواد الكيميائية.

4. الطيران والسياحة: جراء القفزة المرتقبة في أسعار وقود الطائرات وتكلفة التذاكر.

خيارات المواجهة

يرى رمضان أن معالجة الاختلالات العميقة التي يسببها توتر مضيق هرمز تتطلب استراتيجية مزدوجة المسارات للتعامل مع هذا الإرهاق التراكمي. فهناك مسار الحلول العاجلة والذي يتضمن التفعيل الفوري لخطوط الأنابيب البديلة، مثل خط أنابيب (شرق - غرب) في السعودية وخطوط أنابيب الإمارات، مع السعي لزيادة معدلات الإنتاج من مراكز الإنتاج المستقلة كالولايات المتحدة، والبرازيل، وكندا، فضلاً عن إعادة توجيه مسارات التجارة عبر شبكات لوجستية بديلة. أما الاستراتيجية الثانية المرتبطة بمسار الحلول الهيكلية فتتطلب الإسراع في وتيرة تنويع مصادر الطاقة، وبناء احتياطيات استراتيجية ضخمة قادرة على امتصاص الصدمات الطويلة، وتدشين تحالفات طاقة إقليمية متينة تجمع بين المنتجين في الخليج والمستهلكين في الأسواق الآسيوية الواعدة.


مقالات ذات صلة

واشنطن تدرس فرض رسوم جديدة على أشباه الموصلات تشمل أجهزة الكمبيوتر والخوادم

الاقتصاد رقائق إلكترونية تظهر على لوحة دوائر (رويترز)

واشنطن تدرس فرض رسوم جديدة على أشباه الموصلات تشمل أجهزة الكمبيوتر والخوادم

تدرس إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض جولة جديدة من الرسوم الجمركية الواسعة على أشباه الموصلات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ سفينة ترسو بالقرب من جزيرة في غونا يالا على ساحل بنما الكاريبي (أ.ب)

4 قتلى في ضربة أميركية على زورق يُشتبه بضلوعه في تهريب المخدرات بالكاريبي

قُتل أربعة أشخاص في ضربة عسكرية أميركية استهدفت اليوم الثلاثاء زورقاً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في البحر الكاريبي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي مناصرة لـ«حزب الله» تحمل صورة أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال حراك في وسط بيروت ضد المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية (إ.ب.أ)

نافذة أميركية للتواصل مع «حزب الله» مشروطة بتسليم سلاحه

فتح السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى نافذة مشروطة للتواصل مع «حزب الله»، تتمثل في مطالبته بتقديم شيء «في حال كان مستعداً للتفاوض»، في إشارة إلى تسليم سلاحه.

نذير رضا (بيروت)
الولايات المتحدة​ مظاهرة لحركة «فلسطين أكشن» أمام المحكمة العليا في لندن (إ.ب.أ)

واشنطن تفرض عقوبات على «فلسطين أكشن»... وتصنفها «‌تنظيماً ⁠إرهابياً عالمياً»

جاء في ​إشعار نُشر على موقع وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء، أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على ‌حركة «فلسطين ‌أكشن».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ وكالة الخدمة السرية تخضع لتدقيق مكثف خصوصاً في ظل تعرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب لعدة محاولات اغتيال (رويترز)

أميركا: توقيف 3 مسؤولين في «الخدمة السرية» وسط تحقيق حول سوء سلوك محتمل

في وقت تواجه فيه وكالة الخدمة السرية الأميركية تدقيقاً متزايداً بشأن أدائها وإجراءات الحماية التي تتبعها، أوقف الجهاز ثلاثة مسؤولين عن العمل إدارياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

السعودية تضيّق منافذ تحايل رسوم الأراضي البيضاء: التطوير أو السداد

أعمال البناء في مشروع «شمس الديار» التابع لبرنامج الإسكان في مدينة الرياض (واس)
أعمال البناء في مشروع «شمس الديار» التابع لبرنامج الإسكان في مدينة الرياض (واس)
TT

السعودية تضيّق منافذ تحايل رسوم الأراضي البيضاء: التطوير أو السداد

أعمال البناء في مشروع «شمس الديار» التابع لبرنامج الإسكان في مدينة الرياض (واس)
أعمال البناء في مشروع «شمس الديار» التابع لبرنامج الإسكان في مدينة الرياض (واس)

تتجه السعودية إلى جعل رسوم الأراضي البيضاء أكثر ارتباطاً بسلوك المالك الفعلي، مع إغلاق أحد المسارات التي كان يمكن من خلالها نقل ملكية الأرض قبل تسوية الرسوم المستحقة عليها. ويضع القرار الجديد ملاك الأراضي الخاضعة للرسوم أمام خيارات أكثر وضوحاً: السداد، أو التطوير، أو البيع بعد تسوية الالتزامات، بما يعزِّز فاعلية المنظومة في زيادة المعروض ودفع الأراضي غير المطورة إلى السوق.

وكان مجلس الوزراء السعودي قد وافق، هذا الأسبوع، على عدم توثيق أي تصرف عقاري ناقل لملكية أرض خاضعة لأحكام نظام رسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة، إلا بعد التحقق من سداد الرسوم المستحقة عليها.

وقال وزير البلديات والإسكان، ماجد الحقيل، إن موافقة مجلس الوزراء على تنظيم توثيق التصرفات العقارية للأراضي الخاضعة للرسوم، بحيث يُتحقق من سداد المستحقات قبل توثيق أي تصرف ناقل للملكية، تهدف إلى حفظ حقوق الدولة، وتحفيز ملاك الأراضي على تطويرها وزيادة المعروض العقاري، بما يعزز كفاءة السوق، ويدعم توازنها.

تطور الرسوم

ومرَّت رسوم الأراضي البيضاء في السعودية بمراحل عدة من أجل تحقيق مستهدفات البلاد في تطويرها، وضخ مزيد من المعروض في السوق المحلية. ففي عام 2015 أُقرت هذه الرسوم بنسبة ثابتة 2.5 في المائة، وصولاً إلى الفوترة الحديثة في العام الحالي بتطبيق رسوم سنوية تصل كحد أعلى 10 في المائة من قيمة الأرض، وذلك إنفاذاً لتوجيهات ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان.

ويضع القرار ملاك الأراضي أمام معادلة أكثر وضوحاً: التطوير، أو دفع الرسوم، أو البيع بعد تسوية الالتزامات، بما يغلق أحد مسارات التخلص من الرسوم عبر تغيير الملكية.

وتتجاوز أهمية الخطوة الجانب الإجرائي لتحصيل المستحقات، إذ تستهدف التأثير في سلوك ملاك الأراضي نفسها، ورفع تكلفة الاحتفاظ بالأراضي غير المطورة، ودفع مزيد منها نحو التطوير أو البيع.

وتتسع منظومة الرسوم الحديثة لتشمل الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة، ما يعني تضييق الخناق على المنتجات الشاغرة في المملكة وتطويرها وعرضها للتأجير أو البيع ما يزيد من حركة السوق وتحقيق التوازن العقاري المستهدف لدى الدولة.

زيادة تكلفة الأراضي

وأوضح الرئيس التنفيذي لشركة «منصات» العقارية، خالد المبيض لـ«الشرق الأوسط»، أن موافقة مجلس الوزراء تمنع نقل الأرض إلى مالك جديد مع بقاء الرسوم المستحقة معلقة، أو محاولة التخلص من الالتزام عبر تغيير الملكية، وبالتالي تصبح الرسوم مرتبطة فعلياً بالأرض والتصرف فيها، ما يمنع عمليات التحايل في هذا الإطار.

وأبان المبيض أن الخطوة تعزز تحصيل مستحقات الدولة من خلال ربط التوثيق بالسداد بما يجعل عملية التحصيل أكثر فاعلية، لأن البيع ونقل الملكية من أهم نقاط الضغط التي يصعب تجاوزها.

وأضاف الرئيس التنفيذي لشركة «منصات» العقارية، أن أهمية موافقة مجلس الوزراء كونها تضع المالك أمام خيارين، إما تطوير الأرض أو سداد الرسوم إذا أراد الاحتفاظ بها أو بيعها، وهذا يزيد تكلفة إبقاء الأرض غير مُطوَّرة، ويعزِّز الحافز لإدخالها إلى السوق.

متابعة حالة العقار

من جهته، أكد المختص والمطور العقاري، أحمد عمر باسودان لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطوة الجديدة تقضي على عمليات التحايل والتهرب من التطوير أو دفع الرسوم، وترفع المعروض وتكسر سلوك المضاربة والاحتفاظ بالأراضي.

وواصل أن الاحتفاظ بالأرض البيضاء أصبح مكلفاً، ما يجبر بعض الملاك على البيع أو التطوير بدلاً من انتظار ارتفاع الأسعار، وبالتالي يمكن أن تتوسع قاعدة الأراضي المتاحة للتطوير، وهو ما تستهدفه منظومة الرسوم أساساً.

وأكمل باسودان، أن زيادة المعروض من الأراضي المُطوَّرة تساعد على تخفيف الاختناقات في سوق الأراضي، خصوصاً في المدن ذات الطلب المرتفع، وقد تنعكس تدريجياً على أسعار الأراضي وتكلفة التطوير والسكن.

وأضاف أن القرار يأتي في سياق توسع المنظومة لتشمل الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة، مع وجود لائحة تنفيذية تتيح احتساب الرسوم ومتابعة حالة العقار، وتؤكد إجراءات التحصيل ومنع التهرب.


الرسوم تعود إلى واجهة الصراع التجاري بين أميركا والصين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خارج «قاعة الشعب الكبرى» يوم 14 مايو 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خارج «قاعة الشعب الكبرى» يوم 14 مايو 2026 (أ.ب)
TT

الرسوم تعود إلى واجهة الصراع التجاري بين أميركا والصين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خارج «قاعة الشعب الكبرى» يوم 14 مايو 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خارج «قاعة الشعب الكبرى» يوم 14 مايو 2026 (أ.ب)

تعود الرسوم الجمركية لتتصدر مشهد العلاقات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، في وقت تحاول فيه القوتان الأكبر بالعالم الحفاظ على هدنة تجارية هشة وتهيئة الأجواء لقمة مرتقبة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ. وبين رسائل سياسية تدعو إلى إزالة العقبات وتحركات اقتصادية تلوح بقيود جديدة، تبدو العلاقة وكأنها تسير على مسارين متوازيين: الحوار من جهة، والضغط التجاري من جهة أخرى.

وأعلنت وزارة التجارة الصينية، الخميس، أنها تراقب وتقيّم التحركات الأميركية، رداً على سؤال بشأن دراسة واشنطن فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 7.5 في المائة على السلع الصينية، على خلفية اتهامات تتعلق بفائض الطاقة الإنتاجية.

وقالت المتحدثة باسم الوزارة هوانغ لينغ إن الصين «تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة»، في رسالة تشير إلى أن بكين لا تريد استباق القرار الأميركي بالتصعيد، لكنها في الوقت نفسه تضع احتمال الرد على الطاولة. وتعيد الخطوة المحتملة قضية «فائض الطاقة الإنتاجية» إلى قلب الخلاف الاقتصادي بين البلدين. فترى الولايات المتحدة ودول غربية أخرى أن الدعم الحكومي الصيني، والاستثمارات الصناعية الضخمة أديا إلى إنتاج يفوق قدرة السوق المحلية على الاستيعاب، ما يدفع الشركات الصينية إلى تصدير كميات أكبر بأسعار تضغط على المنتجين في الأسواق الخارجية.

وتبرز هذه المخاوف بصورة خاصة في القطاعات التي تعدها بكين استراتيجية لمستقبل اقتصادها، مثل السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة النظيفة والرقائق والروبوتات والتكنولوجيا المتقدمة. أما الصين فترفض في الأساس تصوير قدراتها الصناعية بوصفها مشكلة «فائض إنتاج»، وتدافع عن تنافسية شركاتها بوصفها نتيجة للاستثمار طويل الأجل، وتطور سلاسل الإمداد، وارتفاع الكفاءة الصناعية.

ومن هذا المنظور، تنظر بكين إلى القيود الغربية بوصفها محاولة لحماية الصناعات المحلية، واحتواء صعود الشركات الصينية. اقتصادياً، قد تبدو رسوم إضافية بنسبة 7.5 في المائة محدودة مقارنة بمستويات الرسوم التي شهدتها جولات سابقة من الحرب التجارية، إلا أن أهميتها تكمن في الإشارة التي ترسلها إلى الأسواق. فإضافة طبقة جديدة من الرسوم تعني أن الهدنة الحالية لا تزال قابلة للاهتزاز، وأن الشركات التي بنت استراتيجياتها الاستثمارية على استقرار العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم قد تضطر إلى الاحتفاظ بهوامش أوسع لمواجهة المخاطر. كما أن التأثير لن يتوقف بالضرورة عند المصدرين الصينيين. فإذا نقلت الشركات جانباً من التكلفة الجديدة إلى المشترين الأميركيين، فقد ترتفع أسعار بعض السلع أو المدخلات الصناعية، بما يعيد ملف التضخم إلى حسابات السياسة التجارية الأميركية. أما إذا تحمل المصدرون التكلفة للحفاظ على حصصهم السوقية، فإن الضغط سينتقل إلى هوامش أرباح الشركات الصينية. وفي المقابل، تمتلك بكين مجموعة واسعة من أدوات الرد، تبدأ من الرسوم والإجراءات التنظيمية، ولا تنتهي بالقيود على الشركات الأميركية العاملة في الصين. وقد واصل البلدان بالفعل اتخاذ إجراءات اقتصادية مستهدفة ضد بعضهما بعضاً، بما في ذلك قيود أميركية على منتجات صينية وإجراءات صينية ضد كيانات أميركية. لكن المفارقة أن هذا التصعيد المحتمل يأتي بينما تعمل القنوات الدبلوماسية على تهيئة المناخ لاتصالات رفيعة المستوى. فقد دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال اجتماعه مع السفير الأميركي لدى الصين ديفيد بيرديو، البلدين إلى «إزالة التدخلات وتجاوز العقبات» أمام التبادلات رفيعة المستوى، مع الإقرار بأن العلاقات لا تزال تواجه مخاطر وتحديات متعددة.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية مع توقع عقد قمة جديدة بين ترمب وشي الشهر المقبل، بعد لقائهما في بكين في مايو (أيار)، حين تعهدا بالحفاظ على استقرار العلاقات والهدنة التجارية الهشة. وكان ترمب قد دعا شي إلى اجتماع في الولايات المتحدة في 24 سبتمبر (أيلول)، وإن كان الموعد النهائي للزيارة لم يتأكد بعد. وهنا تتحول الرسوم المحتملة إلى جزء من عملية تفاوض أوسع. فقد تستخدم واشنطن التهديد بفرضها لانتزاع تنازلات تتعلق بالسياسة الصناعية أو الوصول إلى الأسواق، بينما يمكن لبكين استخدام احتمال الرد لرفع تكلفة أي تصعيد قبل القمة.

وتواجه الصين في الوقت نفسه تحدياً داخلياً يجعل الملف أكثر تعقيداً. فمع تباطؤ بعض محركات الطلب المحلي، أصبحت الصادرات والصناعات المتقدمة أكثر أهمية للنمو، وهو ما يجعل القيود التجارية الخارجية أكثر حساسية بالنسبة إلى بكين. وفي المقابل، ترى واشنطن أن السماح بتدفق إنتاج صيني إضافي إلى السوق العالمية قد يزيد الضغوط على قطاعات صناعية تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة بنائها محلياً. لذلك فإن الخلاف حول «فائض الإنتاج» ليس مجرد نزاع على حجم الصادرات، بل هو صراع حول شكل النظام الصناعي العالمي المقبل: أين ستتركز المصانع؟ ومن سيسيطر على التقنيات الجديدة؟ وما مقدار الدعم الحكومي المقبول في المنافسة الدولية؟ والسيناريو الأكثر إيجابية يتمثل في استخدام الأسابيع السابقة للقمة للتوصل إلى تفاهمات تمنع الرسوم الجديدة أو تحد من نطاقها.

أما السيناريو الآخر فهو دخول الطرفين في دورة جديدة من الإجراء والرد المضاد، بما قد يبدد جانباً من التحسن الذي تحقق في العلاقات. وبين الخيارين، ستراقب الأسواق ما إذا كانت عبارة بكين عن الاحتفاظ «بحق اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة» ستبقى رسالة تفاوضية، أم ستكون مقدمة لجولة جديدة من الحرب التجارية. فالاختبار الحقيقي للقمة المقبلة لن يكون في لغة البيانات السياسية بقدر ما سيكون في قدرة واشنطن وبكين على منع خلافاتهما الصناعية من التحول مجدداً إلى رسوم وقيود تعيد تشكيل تدفقات التجارة والاستثمار العالمية.


«جاكسون هول» يضع وارش أمام اختبار الأسواق والتضخم

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بمؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في يوليو (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بمؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في يوليو (رويترز)
TT

«جاكسون هول» يضع وارش أمام اختبار الأسواق والتضخم

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بمؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في يوليو (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بمؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في يوليو (رويترز)

تتجه أنظار الأسواق العالمية ابتداءً من الخميس إلى منتدى «جاكسون هول» الاقتصادي في وايومنغ، الذي يجمع مسؤولي البنوك المركزية والاقتصاديين لمناقشة آفاق الاقتصاد والسياسة النقدية، في حين تتجه الأنظار بصورة خاصة إلى كلمة رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش، الجمعة، في أول ظهور رئيسي له في المنتدى منذ توليه قيادة البنك المركزي.

وتأتي كلمة وارش في توقيت حساس، بعدما أبقى «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة من دون تغيير في اجتماعه الأخير، في حين لا يزال التضخم أعلى بكثير من مستهدفه البالغ 2 في المائة، في وقت بدأت فيه الأسواق تعيد تسعير احتمالات رفع الفائدة قبل نهاية العام.

وأظهرت أحدث البيانات أن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) ارتفع 3.7 في المائة على أساس سنوي في يوليو (تموز)، في حين استقر المؤشر الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، عند 3.3 في المائة. وتبقي هذه المستويات ضغوط الأسعار حاضرة بقوة في حسابات «الاحتياطي الفيدرالي»، رغم استمرار حالة عدم اليقين بشأن النمو وسوق العمل.

لكن اختبار وارش في «جاكسون هول» لا يتعلق بمسار الفائدة وحده، بل بقدرته على استعادة ثقة الأسواق في أسلوب التواصل مع المستثمرين. فمنذ توليه رئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» في مايو (أيار)، تبنى وارش نهجاً أكثر تحفظاً في تقديم توجيهات مسبقة بشأن قرارات السياسة النقدية المقبلة، وسعى إلى تقليص الإشارات المباشرة إلى المسار المحتمل للفائدة. إلا أن مؤتمره الصحافي عقب اجتماع يوليو (تموز) أثار انتقادات من اقتصاديين ومستثمرين رأوا أنه لم يقدم وضوحاً كافياً بشأن رؤيته للاقتصاد والسياسة النقدية.

وأدى ذلك إلى زيادة الضغوط على رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» لتقديم قدر أكبر من الشفافية، من دون التخلي عن توجهه للابتعاد عن توجيه الأسواق مسبقاً بشأن قرارات الفائدة.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن العاصمة (رويترز)

بين الشفافية وتجنب التوجيه المسبق

ويمثل ذلك معادلة دقيقة أمام وارش، الجمعة: فهو مطالَب بتوضيح كيفية قراءته للتضخم والنمو وسوق العمل، لكنه لا يريد أن يقيد نفسه بإشارة صريحة إلى قرار الفائدة المقبل.

ويرى مؤيدو نهجه أن رد فعل الأسواق على مؤتمره الصحافي في يوليو كان مبالَغاً فيه، وأن تغيير أسلوب التواصل يحتاج إلى وقت حتى تعتاد الأسواق على نهج أقل اعتماداً على التوجيه المستقبلي.

وقال راندال كروسزنر، أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو وعضو سابق في مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي»، في تصريحات لـ«بلومبرغ»، إن البنك المركزي لا يزال في بداية عملية إعادة صياغة لأسلوب التواصل، مشيراً إلى أن الأسواق قد تخطئ أحياناً في تفسير رسائل البنك المركزي.

في المقابل، ترى أوساط في «وول ستريت» أن تقليص التوجيه المسبق لا يعني بالضرورة تقليص الشفافية، وأن المستثمرين يريدون على الأقل معرفة كيف ينظر وارش إلى البيانات الاقتصادية الحالية وما الذي يدفعه إلى موقفه بشأن الفائدة.

التضخم يعقّد مهمة وارش

وتزداد صعوبة المهمة مع بقاء التضخم أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي». فقد استقر التضخم الأساسي عند 3.3 في المائة في يوليو، في حين بقي التضخم العام عند 3.7 في المائة؛ ما يجعل أي إشارة إلى خفض الفائدة أكثر حساسية.

وفي المقابل، أبقى «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة الأساسي في اجتماعه الأخير عند نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة، بعدما صوّت ثلاثة مسؤولين لصالح رفعه ربع نقطة مئوية، في إشارة إلى انقسام متزايد داخل البنك بشأن مدى الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم.

وتُظهر تسعيرات الأسواق حالياً احتمالاً يبلغ نحو 45 في المائة لرفع الفائدة بحلول اجتماع ديسمبر (كانون الأول)؛ ما يعكس عودة سيناريو التشديد النقدي إلى دائرة الاهتمام بعد أن كانت توقعات خفض الفائدة هي المحرك الرئيسي للأسواق في مراحل سابقة.

سوق السندات تضيف ضغطاً آخر

ولا يأتي وارش إلى «جاكسون هول» في فراغ مالي؛ إذ تتعرض سوق السندات الأميركية لضغوط متزايدة مع ارتفاع احتياجات الاقتراض الحكومي، في وقت أعلنت فيه وزارة الخزانة الأميركية توسيع عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل في محاولة لدعم السيولة وخفض العوائد طويلة الأجل.

وأثارت هذه الخطوة تساؤلات إضافية حول العلاقة بين السياسة المالية والنقدية، خصوصاً مع وصول الدَّين الحكومي الأميركي إلى مستويات قياسية وارتفاع عوائد السندات إلى مستويات مرتفعة.

ومن هنا، ستراقب الأسواق ما إذا كان وارش سيقدم في كلمته تصوراً أوضح بشأن العلاقة بين التضخم والفائدة وعوائد السندات، أو سيواصل نهجه القائم على ترك القرارات مفتوحة أمام البيانات المقبلة.

الجمعة... كلمة تحت المجهر

وبذلك، لا تبدو كلمة وارش، الجمعة، مجرد خطاب تقليدي لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في أحد أهم التجمعات الاقتصادية السنوية، بل ستكون اختباراً مبكراً لأسلوب قيادته للبنك المركزي.

فالأسواق تريد إجابات عن اتجاه الفائدة، والتضخم لا يزال أعلى من المستهدف، وعوائد السندات تضغط على الأوضاع المالية، في حين يسعى وارش إلى إثبات أن تقليص التوجيه المسبق لا يعني غياب الرؤية أو ضعف التواصل.

ولهذا؛ قد تكون الرسالة الأهم التي يبحث عنها المستثمرون، الجمعة، ليست قراراً محدداً بشأن سبتمبر (أيلول)، وإنما الطريقة التي سيشرح بها وارش كيف يفكر «الاحتياطي الفيدرالي» في المرحلة المقبلة.