تباطؤ الاقتصاد الصيني لأدنى مستوى في 3 سنوات ونصف

مع تفاقم الاختلالات الهيكلية وغياب المحفزات الكبرى

شاحنات صينية الصنع في طريقها إلى التصدير بميناء يانتاي شرق الصين (أ.ف.ب)
شاحنات صينية الصنع في طريقها إلى التصدير بميناء يانتاي شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

تباطؤ الاقتصاد الصيني لأدنى مستوى في 3 سنوات ونصف

شاحنات صينية الصنع في طريقها إلى التصدير بميناء يانتاي شرق الصين (أ.ف.ب)
شاحنات صينية الصنع في طريقها إلى التصدير بميناء يانتاي شرق الصين (أ.ف.ب)

نما الاقتصاد الصيني بأبطأ وتيرة له منذ أكثر من 3 سنوات في الربع الثاني، حيث طغى ضعف استهلاك الأسر على قوة قطاعَي التصنيع والصادرات؛ مما زاد من المخاوف بشأن استدامة نموذج النمو غير المتوازن على المدى الطويل.

وبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 4.3 في المائة خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران) الماضيين، متراجعاً من 5.0 في المائة خلال الربع الأول، ليهبط دون الحد الأدنى لهدف الصين السنوي البالغ ما بين 4.5 و5.0 في المائة، ومخالفاً التوقعات.

وتتجه الأنظار الآن إلى اجتماع «المكتب السياسي» لـ«الحزب الشيوعي»، الذي يحظى بمتابعة دقيقة، والمقرر عقده في وقت لاحق من هذا الشهر، حيث عادةً ما يقيّم كبار القادة الأوضاع الاقتصادية وتعديل السياسات للحفاظ على مسار النمو... ومع ذلك، فإن كثيراً من الاقتصاديين يرون أن التحدي الأكبر لا يكمن في وتيرة النمو، بل في تركيبته.

وأظهرت بيانات يوم الأربعاء ارتفاع مبيعات التجزئة بنسبة 1.0 في المائة خلال يونيو الماضي، وتوسع الإنتاج الصناعي بنسبة 5.3 في المائة؛ مما يشير إلى اعتماد كبير على الطلب العالمي على السلع المصنعة، في وقت يشكو فيه الشركاء التجاريون من اختلالات الصين، وتلقي فيه الحرب الإيرانية بظلالها على الاقتصاد العالمي.

وتقول جين هو، التي تدير شركة لاستيراد البضائع الأوروبية في شرق الصين، إن دخلها انخفض إلى نحو النصف منذ بداية العام، نتيجة انخفاض مبيعات شركتها، وإن شقة تؤجرها ظلت خالية من المستأجرين أكثر من أشهر؛ مما يعكس فائض المعروض الهائل من المساكن في الصين وأزمة العقارات الممتدة. وتضيف هو: «باستثناء النفقات الضرورية على الطعام، أدخر قدر المستطاع. لم أشترِ قطعة ملابس واحدة منذ 6 أشهر». ومع ذلك، فقد نما الاقتصاد بنسبة 4.7 في المائة خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى يونيو الماضيين، وهو ضمن النطاق المستهدف؛ مما قلل من الحاجة المُلحة إلى حزمة تحفيزية كبيرة.

ويشك تشيوي تشانغ، كبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول، في أن يُشير اجتماع «المكتب السياسي» إلى عجز مالي أوسع؛ نظراً إلى قوة الصادرات في الوقت الراهن. ويقول تشانغ: «يبدو أن الحكومة مترددة في إنفاق الموارد المالية وفي تراكم الديون. وهناك إجماع عام بين صانعي السياسات والباحثين على أن الصين بحاجة إلى تعزيز الطلب المحلي. لكن لا يوجد إجماع على كيفية تحقيق ذلك».

* تراجع الاستثمار وضعف الاستهلاك محلياً

لم تواكب الأجور نمو الاقتصاد العام، بل انخفضت في بعض القطاعات. وأدى فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية، والتعريفات الجمركية الأميركية، وحروب الأسعار بين المنتجين، إلى تسريح العمال في المصانع، بينما أدى ضعف الطلب، وتسارع تبني الذكاء الاصطناعي، إلى تباطؤ خلق وظائف جديدة في القطاع الإداري. وأدى تراجع سوق العقارات إلى تآكل ثروات الأسر وتقليص فرص العمل في قطاع البناء منذ عام 2021. وأظهرت البيانات انكماش الاستثمار العقاري بنسبة 18 في المائة على أساس سنوي في الأشهر الـ6 الأولى، في حين انخفضت أسعار المنازل أيضاً. وانتقل عشرات الملايين من الأشخاص من وظائفهم الرسمية إلى اقتصاد العمل الحر، حيث يعملون الآن في منصات خدمات النقل والتوصيل لساعات طويلة؛ بأجور زهيدة، وبمزايا ضمان اجتماعي غير كافية.

كما يشهد الاستثمار تباطؤاً، حيث تتعرض الحكومات المحلية، التي لطالما كانت محركاً رئيسياً للاستثمار في قطاعَي التصنيع والبنية التحتية، والتي غالباً ما تُلام على خلق فائض في الطاقة الإنتاجية وعلى سوء تخصيص الموارد، لضغوط متصاعدة لخفض التكاليف.

وتقول إيما تشينغ، وهي ممرضة تبلغ من العمر 28 عاماً في غويلين (وهي مدينة رئيسية بمقاطعة غوانغشي؛ إحدى المقاطعات الأقل ثراءً في الصين)، إن دخلها «انخفض بشكل حاد» نتيجة نقص التمويل في القطاع الطبي المحلي. وأضافت تشينغ: «في السابق، كنت أشترك في نوادٍ رياضية، وبطاقات صالونات تجميل، وفي خدمة (تنسنت فيديو)، وأستبدل هاتفي أو جهاز (آيباد) الخاص بي. أما الآن، فلا أجرؤ على إنفاق المال على مثل هذه الأشياء».

وانكمش الاستثمار في الأصول الثابتة بالصين بنسبة 5.7 في المائة على أساس سنوي خلال الفترة من يناير إلى يونيو الماضيين، حتى إن استثمارات القطاع الحكومي انخفضت بنسبة 2.3 في المائة. وقال آندي جي، المحلل في شركة «آي تي سي ماركتس»: «السبب الرئيسي وراء انخفاض معدل النمو الإجمالي هو تفاقم التراجع في نشاط الاستثمار المحلي. وبشكل عام، يُبرز محرك صناعي مدفوع بالتكنولوجيا المتقدمة، بالتزامن مع تراجع حاد في الاستهلاك والاستثمار المحليين، تفاوتاً كبيراً في زخم النمو الاقتصادي».

* صادرات قوية

ويزداد الاعتماد على الصادرات لدفع عجلة النمو؛ إذ أظهرت بيانات التجارة الصادرة يوم الثلاثاء أن الطلب الخارجي يُعوّض حتى الآن ضعف الاستهلاك الصيني الداخلي، حيث تجاوزت الصادرات التوقعات بارتفاع قدره 27 في المائة، مدفوعةً بالنمو العالمي للذكاء الاصطناعي. ويعكس هذا جزئياً تخزين تجار التجزئة الأميركيين كميات كبيرة من البضائع استعداداً لمبيعات «الجمعة السوداء» وعطلات أعياد الميلاد، قبل الزيادات المتوقعة في الرسوم الجمركية خلال وقت لاحق من هذا العام، وفقاً لما ذكره مسؤولون تنفيذيون في قطاع الشحن.

وحافظت زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى الصين في مايو (أيار) الماضي على الانفراجة بين أكبر قوتين في العالم، لكن علاقتهما التجارية لا تزال هشة.

وفرضت الولايات المتحدة تعريفة جمركية شاملة بنسبة 10 في المائة، بينما ينتهي العمل بالرسوم الجمركية التي فرضتها واشنطن في فبراير (شباط) المقبل، بعد أن أعلنت المحكمة العليا عدم قانونية بعض الرسوم السابقة، في 24 يوليو (تموز) الماضي، ولكن من المتوقع على نطاق واسع استبدال رسوم أعلى بها. وقد اقترح الممثل التجاري الأميركي فرض رسوم جمركية بنسبة 12.5 في المائة على الواردات من الصين وغيرها من الدول، في أعقاب تحقيق في «العمل القسري»، وهو ما تنفيه بكين. ومن المتوقع صدور القرار النهائي في الأشهر المقبلة.

وعلاوة على ذلك، يعمل «الاتحاد الأوروبي»، الذي بلغ متوسط عجزه التجاري مع الصين مليار دولار يومياً العام الماضي، على تعزيز حماية مجمعاته الصناعية من المنافسة الصينية. ويزيد تجدد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران من حالة عدم اليقين بشأن النمو العالمي.

وقال لاري هو، كبير الاقتصاديين الصينيين في مجموعة «ماكواري»، إن بكين ليس لديها حافز كبير للتخلي عن الطلب الخارجي في الوقت الراهن. وأضاف: «ما سيؤدي إلى تغيير الوضع الحالي هو فشل الصادرات. فعندما تتباطأ الصادرات؛ ولتحقيق هدف النمو، فستبذل الحكومة مزيداً من الجهود لدعم الطلب المحلي».


مقالات ذات صلة

ارتفاع أقل من المتوقع لقروض البنوك الصينية الجديدة في يونيو

الاقتصاد مشاة في الضاحية المالية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

ارتفاع أقل من المتوقع لقروض البنوك الصينية الجديدة في يونيو

قدمت البنوك الصينية قروضاً جديدة بقيمة 1.61 تريليون يوان خلال يونيو، أيْ أكثر من ثلاثة أضعاف المبلغ في مايو

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد لافتة دعائية للعملات المشفرة في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

اليابان تعترف بالعملات المشفرة بوصفها «أصولاً مالية»

أفادت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية، يوم الأربعاء، بأن البرلمان الياباني أقر تعديلاً قانونياً يصنّف أصول العملات المشفرة بوصفها «أصولاً مالية».

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد سفينة راسية في «ميناء جدة الإسلامي» (موانئ)

«ميناء جدة الإسلامي» يفتح مساراً جديداً لتجارة المركبات باستقبال أول سفينة دحرجة

الهيئة العامة للموانئ (موانئ) تعلن عن استقبال أول سفينة دحرجة تابعة للخط الملاحي «CMA CGM» في ميناء جدة الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أشخاص يسيرون في الحي المالي لمدينة لندن (رويترز)

منظمة التعاون الاقتصادي تدعو بريطانيا للانضباط المالي ومواجهة أسعار الطاقة لتعزيز النمو

قالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يوم الأربعاء، إن على بريطانيا الحفاظ على انضباطها المالي، ومعالجة ارتفاع الإنفاق على المعاشات التقاعدية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد لوحة تعرض حركة الأسهم بأحد الميادين الرئيسية في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

«نيكي» يغلق على ارتفاع مدعوماً بمكاسب «وول ستريت»

ارتفع مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم يوم الأربعاء، مدفوعاً بارتفاع أسهم شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

ارتفاع أقل من المتوقع لقروض البنوك الصينية الجديدة في يونيو

مشاة في الضاحية المالية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
مشاة في الضاحية المالية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

ارتفاع أقل من المتوقع لقروض البنوك الصينية الجديدة في يونيو

مشاة في الضاحية المالية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
مشاة في الضاحية المالية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

قدمت البنوك الصينية قروضاً جديدة بقيمة 1.61 تريليون يوان (237.89 مليار دولار) في يونيو (حزيران) الماضي؛ أيْ أكثر من ثلاثة أضعاف المبلغ في مايو (أيار)، لكنها جاءت أقل من توقعات المحللين، وفقاً لحسابات «رويترز» باستخدام بيانات البنك المركزي الصادرة يوم الأربعاء.

كان المحللون، الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، قد توقّعوا أن تصل قروض اليوان الجديدة في يونيو إلى 2 تريليون يوان، مقارنةً بـ520 مليار يوان في مايو، و2.24 تريليون يوان في العام السابق.

ولا ينشر بنك الشعب الصيني تفاصيل شهرية. وقد حسبت «رويترز» رقم يونيو باستخدام بيانات البنك المركزي للفترة من يناير (كانون الثاني) إلى يونيو، مقارنةً برقم الفترة من يناير إلى مايو.

وأظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن إجمالي قروض اليوان الجديدة بلغ 10.72 تريليون يوان، في النصف الأول من هذا العام، بانخفاض عن 12.92 تريليون يوان في الفترة نفسها من عام 2025، حيث استمر تراجع سوق العقارات لفترة طويلة وضعف إقبال الشركات على الاستثمار، في التأثير سلباً على نمو الائتمان.

ووفقاً لحسابات «رويترز»، نمَت قروض الأُسر، بما في ذلك قروض الرهن العقاري، بمقدار 264.6 مليار يوان، الشهر الماضي، بعد انخفاضها بمقدار 141.2 مليار يوان في مايو، بينما ارتفعت قروض الشركات إلى 1.5 تريليون يوان، من 640 مليار يوان.

ونمَت قروض اليوان القائمة بنسبة 5.2 في المائة خلال يونيو، مقارنة بالعام السابق، وهو معدل أبطأ من معدل مايو البالغ 5.5 في المائة، وأقل من توقعات المحللين البالغة 5.4 في المائة.

وتشهد الصين تحولاً من الإقراض المصرفي إلى التمويل المباشر عبر السندات والأسهم، مع ازدياد تحول الائتمان من قطاع العقارات إلى قطاع التصنيع عالي التقنية.

ووصف محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغشنغ، الشهر الماضي، تباطؤ نمو الائتمان بأنه جزء من تحول هيكلي في الاقتصاد، إلا أن استمرار ضعف التوسع في الإقراض دفع البنك إلى إصدار توجيهات للبنوك لحثّها على زيادة الإقراض في الأشهر الأخيرة.

وقد امتنع البنك المركزي، حتى الآن، عن خفض أسعار الفائدة أو نسب الاحتياطي الإلزامي للبنوك منذ مايو 2025، وتعهّد المحافظ، في اجتماع عُقد هذا الشهر، بالحفاظ على سياسة نقدية توسعية مناسبة، وتوفير سيولة كافية.

وأظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن المعروض النقدي الواسع (M2) نما بنسبة 8 في المائة خلال يونيو، مقارنةً بالعام السابق، مخالفاً بذلك توقعات المحللين البالغة 8.5 في المائة، ومنخفضاً عن 8.6 في المائة خلال مايو.

وارتفع مؤشر (M1) الأضيق نطاقاً بنسبة 4 في المائة على أساس سنوي، بانخفاض عن 5.5 في المائة خلال مايو، وارتفاع إجمالي التمويل الاجتماعي القائم (TSF) - وهو مؤشر واسع للائتمان والسيولة - بنسبة 7.4 في المائة خلال يونيو، مقارنةً بالعام السابق، بانخفاض عن نمو بنسبة 7.7 في المائة خلال مايو. وقد يُسهم أي تسارع بإصدار السندات الحكومية في تعزيز هذا التمويل. ونما الاقتصاد الصيني بأبطأ وتيرة له منذ أكثر من ثلاث سنوات خلال الربع الثاني بنسبة 4.3 في المائة، حيث طغى ضعف الاستهلاك الأُسري على قوة قطاعَي التصنيع والصادرات، مما زاد المخاوف بشأن استدامة نموذج النمو غير المتوازن على المدى الطويل.


الاقتصاد العالمي يواجه صدمة عرض جديدة مع تصاعد أزمة هرمز

سفينة تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العُمانية 12 أبريل الماضي (رويترز)
سفينة تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العُمانية 12 أبريل الماضي (رويترز)
TT

الاقتصاد العالمي يواجه صدمة عرض جديدة مع تصاعد أزمة هرمز

سفينة تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العُمانية 12 أبريل الماضي (رويترز)
سفينة تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العُمانية 12 أبريل الماضي (رويترز)

أعادت جولة التصعيد الجديدة في التوترات الأميركية الإيرانية فرض حالة من عدم اليقين الخانق على حركة التجارة الدولية والأسواق المالية العالمية، مهددة بفرملة معدلات النمو الاقتصادي ورفع تكلفة الشحن والتأمين البحري إلى مستويات قياسية.

ومع تلويح الصراع بظلاله على الممرات البحرية الحيوية، يواجه العالم إرهاقاً هيكلياً تراكمياً يتجسد في انخفاض المخزونات النفطية الاستراتيجية وتردد المستثمرين في الالتزام بخطط بعيدة المدى، مما يضع الاقتصاد العالمي في مواجهة صدمة عرض هي الأعنف منذ مطلع العام الحالي.

في قراءة للمشهد الإقليمي، يرى عضو مجلس الشورى السعودي، فضل بن سعد البوعينين، أن عودة التوترات تشبه «كرة ثلج» تتعاظم مخاطرها تدريجياً، متوقعاً أن يلقي مؤشر عدم اليقين المتصاعد بظلال قاتمة على اقتصادات المنطقة بشكل خاص، مما يعوق تدفقات الاستثمارات الأجنبية ويؤثر سلباً على برامج الإنفاق الحكومي الموجهة للمشروعات التنموية.

وأوضح البوعينين أن التداعيات المباشرة لأي مواجهة ستعصف بقطاعات حيوية تشمل إمدادات الطاقة المباشرة نتيجة لسيناريوهات إغلاق مضيق هرمز أو استهداف المنشآت النفطية، مما سيقود حتماً إلى قفزات حادة في الأسعار؛ وشلل سلاسل الإمداد بفعل انقطاع خطوط الملاحة البحرية الرئيسية؛ والضغط على الميزانيات الحكومية لا سيما للدول التي تفتقر إلى ممرات ومنافذ بديلة لتصدير خامها، مما يهدد بوقف إيراداتها المالية وتوجيه صدمة حادة لوارداتها.

وحذَّر من خطورة إطالة أمد هذا الانسداد السياسي، داعياً إلى تفعيل القنوات الدبلوماسية الجادة لئلا تتحول المفاوضات والاتفاقات المطروحة إلى مجرد أدوات لكسب الوقت والتحضير لمواجهة عسكرية أوسع.

كما شدَّد على ضرورة تحرك المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن لإصدار قرار واضح يضمن حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وتشكيل قوة دولية قادرة على حماية ناقلات النفط وسفن الشحن من التهديدات الإيرانية المستمرة للأعيان المدنية والمنشآت الاقتصادية.

صورة جوية للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز 10 ديسمبر 2023 (رويترز)

الاقتصاد في «كماشة هرمز»

من جانبه، أشار رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية بجازان، الدكتور عبد الرحمن باعشن، إلى أن التصريحات الأميركية الأخيرة بشأن انتهاء مفاعيل مذكرات التفاهم مع طهران، بالتزامن مع تجدد الضربات على موانئ ومدن إيرانية، ضاعفت الضغوط على أسواق عالمية منهكة أساساً منذ أشهر. وقد انعكس هذا التوتر فورياً على الأرض بارتفاع أسعار النفط بأكثر من أربعة دولارات للبرميل.

وحذَّر من أن استمرار عسكرة مضيق هرمز وإغلاقه سيوجِّه صدمات متلاحقة وخانقة للاقتصاد العالمي، لافتاً إلى أن قطاعات الطاقة، والغذاء، والزراعة، والمبيدات، والأسمدة ستكون في مقدمة الضحايا. وخلص إلى أن عودة الاستقرار الاقتصادي واليقين للأسواق تظل رهناً بعودة الأطراف المعنية إلى طاولة المفاوضات الجادة ووقف الهجمات المتبادلة لضمان إعادة فتح الممر المائي الاستراتيجي وتأمين الناقلات.

خريطة توضيحية لمضيق هرمز في رسم توضيحي 22 يونيو 2025 (رويترز)

عودة صدمات العرض وتحديات التعافي

وفي سياق متصل، حذَّر رئيس المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، الدكتور خالد رمضان، من أن تجدد النزاع العسكري حول مضيق هرمز يهدد بإحياء كابوس صدمة العرض التي عانى منها العالم مطلع عام 2026م. وتوقع رمضان أن يدفع التصعيد بأسعار الخام لتقترب من حاجز الـ100 دولار للبرميل في الأمد القريب، فضلاً عن إحداث اضطرابات حادة في إمدادات المنتجات البتروكيماوية والغذائية وعودة التضخم الطاقي بقوة.

ونبَّه رمضان إلى أن الاقتصاد العالمي الذي التقط أنفاسه نسبياً بعد أزمة الربيع يدخل الآن نفقاً جديداً من عدم الاستقرار، خاصة مع الاستنزاف الجزئي للاحتياطيات البترولية الاستراتيجية لدى القوى الاقتصادية الكبرى، محدداً الفئات الأكثر تضرراً على النحو التالي:

1. الشحن والنقل البحري: تحت وطأة الارتفاع القياسي لأسعار وقود السفن وتكاليف التأمين ضد مخاطر الحروب.

2. القطاع الزراعي وصناعة الأسمدة: نتيجة للارتفاع المتوقع في أسعار الغاز الطبيعي، مما ينذر بأزمة غذاء عالمية تضرب الدول النامية تحديداً.

3. الصناعات الثقيلة وكثيفة الاستهلاك للطاقة: مثل الألمنيوم، والحديد، والأسمنت، والمواد الكيميائية.

4. الطيران والسياحة: جراء القفزة المرتقبة في أسعار وقود الطائرات وتكلفة التذاكر.

خيارات المواجهة

يرى رمضان أن معالجة الاختلالات العميقة التي يسببها توتر مضيق هرمز تتطلب استراتيجية مزدوجة المسارات للتعامل مع هذا الإرهاق التراكمي. فهناك مسار الحلول العاجلة والذي يتضمن التفعيل الفوري لخطوط الأنابيب البديلة، مثل خط أنابيب (شرق - غرب) في السعودية وخطوط أنابيب الإمارات، مع السعي لزيادة معدلات الإنتاج من مراكز الإنتاج المستقلة كالولايات المتحدة، والبرازيل، وكندا، فضلاً عن إعادة توجيه مسارات التجارة عبر شبكات لوجستية بديلة. أما الاستراتيجية الثانية المرتبطة بمسار الحلول الهيكلية فتتطلب الإسراع في وتيرة تنويع مصادر الطاقة، وبناء احتياطيات استراتيجية ضخمة قادرة على امتصاص الصدمات الطويلة، وتدشين تحالفات طاقة إقليمية متينة تجمع بين المنتجين في الخليج والمستهلكين في الأسواق الآسيوية الواعدة.


حيازة السعودية من السندات الأميركية ترتفع إلى 140.3 مليار دولار في مايو

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

حيازة السعودية من السندات الأميركية ترتفع إلى 140.3 مليار دولار في مايو

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

زادت السعودية حيازتها من سندات الخزانة الأميركية لتصل إلى 140.3 مليار دولار خلال شهر مايو (أيار) من عام 2026، مسجلة ارتفاعاً طفيفاً على أساس شهري مقارنة بـ140.1 مليار دولار في شهر أبريل (نيسان) السابق له.

وعلى الصعيد السنوي، حققت الاستثمارات السعودية في السندات السيادية الأميركية نمواً قوياً بلغت نسبته 9.87 في المائة مقارنة بالشهر المماثل من العام الماضي (مايو 2025) الذي بلغت فيه الحيازة 127.7 مليار دولار؛ ما يعكس ثقة المملكة في هذه الأصول كأداة رئيسية لإدارة السيولة والاحتياطيات الأجنبية.

بهذه الأرقام المحدثة، تحافظ السعودية على مركزها الريادي كأكبر مستثمر عربي في سندات الخزانة الأميركية، وضمن قائمة كبار الحائزين الدوليين لهذه السندات عالمياً.

على المستوى العالمي، تواصل اليابان ريادتها كأكبر حائز دولي لسندات الخزانة الأميركية على الإطلاق، على الرغم من تقلبات محفظتها الاستثمارية بالتوازي مع مستويات أسعار الفائدة وتدخلات «بنك اليابان» لدعم الين. وبلغت حيازة اليابان خلال مايو 1143.1 مليار دولار، مقارنة بـ1209.9 مليار دولار في أبريل.