حين تصبح الخلية روبوتاً... هل يقترب علاج الشلل بالمجهر؟

روبوتات حية مجهرية الأنسجة العصبية من الداخل

الروبوتات الحية جيل جديد لإصلاح الحبل الشوكي
الروبوتات الحية جيل جديد لإصلاح الحبل الشوكي
TT

حين تصبح الخلية روبوتاً... هل يقترب علاج الشلل بالمجهر؟

الروبوتات الحية جيل جديد لإصلاح الحبل الشوكي
الروبوتات الحية جيل جديد لإصلاح الحبل الشوكي

ماذا لو لم يعد علاج الشلل يبدأ بمشرط جراح أو جهاز روبوتي ضخم، بل بكيانات حية مجهرية أصغر من رأس الدبوس، تُحقن داخل الجسم لتبحث بنفسها عن موضع الإصابة وتبدأ عملية ترميم الأنسجة العصبية من الداخل؟

قد يبدو هذا المشهد أقرب إلى صفحات الخيال العلمي، لكن دراسة حديثة نُشرت في الثاني من يونيو (حزيران) 2026 في مجلة «نيتشر ماتيريالز» (Nature Materials) تشير إلى أن هذا المستقبل قد يكون أقرب مما تصورنا. ويبرز الآن جيل جديد من «الروبوتات الحية» بوصفه أحد أكثر الابتكارات إثارة للجدل والأمل في الطب الحديث.

من الآلات المعدنية إلى الروبوتات الحية

من الآلات المعدنية إلى الروبوتات الحية

عندما نسمع كلمة «روبوت» يتبادر إلى الذهن جهاز معدني مزود بمحركات وأذرع إلكترونية. لكن العلماء يتحدثون اليوم عن مفهوم مختلف تماماً: روبوتات حيوية تتكون جزئياً من خلايا حية قادرة على الإحساس بالبيئة المحيطة والتفاعل معها.

وفي الدراسة الجديدة التي قادها البروفسور سالفادور بانيه (Salvador Pané) والبروفسور برادلي نيلسون (Bradley Nelson) من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ (ETH Zurich)، نجح الباحثون في تطوير ما أطلقوا عليه اسم «إن بي سي بوتس» (NPCbots)، وهي روبوتات مجهرية تجمع بين الخلايا الجذعية العصبية وجسيمات مغناطيسية نانوية يمكن توجيهها والتحكم بها من خارج الجسم بواسطة مجالات مغناطيسية دقيقة.

ولا تقتصر وظيفة هذه الجسيمات على تحريك الروبوتات داخل الأنسجة، بل تستطيع أيضاً تحويل الإشارات المغناطيسية إلى محفزات كهربائية دقيقة تساعد الخلايا العصبية على النمو والتجدد، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة لعلاج إصابات الجهاز العصبي من الداخل.

إصابات الحبل الشوكي التحدي الأصعب

إصابات الحبل الشوكي... التحدي الأصعب

تمثل إصابات الحبل الشوكي واحدة من أكثر المشكلات استعصاءً في الطب الحديث. فعندما تتضرر الألياف العصبية داخل الحبل الشوكي تفقد قدرتها الطبيعية على التجدد، وهو ما قد يؤدي إلى درجات متفاوتة من الشلل قد تستمر مدى الحياة.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم يتعرضون سنوياً لإصابات الحبل الشوكي، في حين لا تزال الخيارات العلاجية المتاحة محدودة، وتتركز غالباً على التأهيل وتقليل المضاعفات أكثر من استعادة الوظيفة العصبية المفقودة.

لهذا السبب حظيت نتائج الدراسة باهتمام واسع في الأوساط العلمية، إذ أظهرت التجارب المخبرية والحيوانية أن الروبوتات الحية الجديدة تمكنت من تعزيز نمو الخلايا العصبية والمساعدة في إعادة بناء بعض الوصلات العصبية المتضررة، وهي خطوة طالما سعى إليها الباحثون في مجال طب الأعصاب التجديدي.

نتائج تثير التفاؤل

في تجارب أُجريت على أسماك الزرد، وهي من أكثر النماذج الحيوانية استخداماً في أبحاث الأعصاب، تمكنت الروبوتات الحية من تحقيق تحسن شبه كامل في الوظائف الحركية خلال فترة قصيرة نسبياً.

كما أظهرت التجارب على فئران مصابة بإصابات شديدة في الحبل الشوكي تحسناً ملحوظاً في القدرة على الحركة خلال أسابيع قليلة مقارنة بالمجموعات التي لم تتلقَّ العلاج.

ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الانتقال إلى التجارب السريرية على البشر، فإن هذه النتائج تشير إلى إمكانية دمج العلاج الخلوي والهندسة الروبوتية في منصة علاجية واحدة، وهو ما قد يمثل خطوة مهمة نحو جيل جديد من العلاجات التجديدية للأمراض والإصابات العصبية.

من لندن: الروبوتات الطبية تدخل عصراً جديداً

لندن تناقش مستقبل الروبوتات داخل الجسم

تأتي هذه التطورات في وقت ناقش فيه مؤتمر هامْلِن العالمي للروبوتات الطبية 2026، الذي انعقد في لندن خلال الفترة من 23 إلى 26 يونيو، مستقبل الروبوتات القادرة على العمل داخل جسم الإنسان. ويُعد المؤتمر، الذي ينظمه مركز هامْلِن للجراحة الروبوتية التابع لكلية إمبريال في لندن، واحداً من أهم التجمعات العلمية المتخصصة في الروبوتات الطبية والجراحية على مستوى العالم.

ومن بين أبرز المحاور المطروحة هذا العام الروبوتات اللينة، والروبوتات القادرة على العمل داخل الأعضاء، والأنظمة الميكروية التي تتنقل داخل الأوعية الدموية والأنسجة، إضافة إلى دمج الذكاء الاصطناعي في توجيه هذه المنصات العلاجية والتحكم بها.

ولعل الرسالة الأبرز التي تجمع بين مداولات المؤتمر ونتائج الدراسة السويسرية هي أن مستقبل الروبوتات الطبية قد لا يكمن في تصنيع آلات أكبر وأكثر تعقيداً، بل في تطوير أنظمة أصغر وأكثر ذكاءً وقدرة على العمل بتناغم مع بيولوجيا الجسم البشري نفسه. وليس من المستبعد أن تصبح هذه المنصات خلال العقد المقبل جزءاً من منظومة الطب التجديدي إذا أثبتت الدراسات السريرية سلامتها وفعاليتها.

عصر جديد من الطب الدقيق

تمثل الروبوتات المجهرية امتداداً طبيعياً لفلسفة الطب الدقيق، التي تسعى إلى إيصال العلاج إلى موضع المرض مباشرة بدلاً من تعريض الجسم بأكمله لتأثيراته.

في المستقبل قد تحمل هذه الروبوتات أدوية مضادة للأورام إلى الخلايا السرطانية بدقة متناهية، أو تساعد في إزالة الجلطات الدموية، أو ترميم الأنسجة العصبية المتضررة، أو حتى علاج أمراض معقدة داخل الدماغ من دون الحاجة إلى جراحات كبرى.

وإذا نجحت هذه التقنيات في اجتياز مراحل التطوير والدراسات السريرية، فقد نشهد تحولاً جذرياً في مفهوم العلاج نفسه، بحيث يصبح التدخل الطبي أكثر دقة وأقل إضراراً بالأنسجة السليمة، وأكثر قدرة على استهداف المرض من الداخل.

العالم العربي وسباق الطب الروبوتي

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

تشهد دول عربية عدة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، استثمارات متنامية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الطبية المتقدمة ضمن رؤى طموحة تستهدف بناء اقتصاد المعرفة وتعزيز الابتكار الصحي. وتبدو المملكة العربية السعودية في موقع مميز للاستفادة من هذه التحولات المستقبلية في ظل توسع منظومة البحث والابتكار الصحي وتبني التقنيات المتقدمة ضمن مستهدفات «رؤية 2030».

ومع التسارع الكبير في تطور الروبوتات الطبية والطب التجديدي، تبرز أهمية بناء برامج بحثية عربية قادرة على المساهمة في هذا التحول العالمي، لا الاكتفاء باستيراد تقنياته ونتائجه. فالجيل القادم من الطب لن يعتمد على الأدوية والأجهزة التقليدية وحدها، بل على التفاعل بين الذكاء الاصطناعي والهندسة الحيوية والخلايا الحية والروبوتات المجهرية. وهي مجالات تمتلك فيها المنطقة العربية فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة المستقبل إذا ما ترافقت الاستثمارات التقنية مع دعم البحث العلمي والتعليم المتخصص وبناء الكفاءات الوطنية.

بين الخلية والآلة

قبل سنوات قليلة كان السؤال المطروح هو: هل يمكن للروبوت أن يحل محل الجراح؟

أما اليوم فقد أصبح السؤال أكثر إثارة: هل يمكن للخلية الحية نفسها أن تتحول إلى روبوت علاجي قادر على البحث عن موضع الإصابة والمساهمة في إصلاحها؟

قد لا تكون الروبوتات الحية قادرة على إعادة الحركة إلى جميع المصابين بالشلل في المستقبل القريب، لكن ما نشهده اليوم قد يمثل بداية فصل جديد في تاريخ الطب؛ فصل تتراجع فيه الحدود التقليدية بين البيولوجيا والهندسة، وبين الخلية والآلة، وبين ما كان يُعد ضرباً من الخيال العلمي وما أصبح اليوم موضوعاً للبحث والتجريب داخل مختبرات القرن الحادي والعشرين.


مقالات ذات صلة

انطلاق أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية»

علوم الأمير عبد الله بن بندر وزير الحرس الوطني السعودي افتتح أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية» الاثنين (واس)

انطلاق أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية»

تناقش القمة موضوعات مرتبطة بمستقبل التقنية الحيوية الطبية، من أبرزها الاستراتيجيات الوطنية والأطر التنظيمية، والبنية التحتية للبحث والتطوير والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص من المتوقع أن يحصل أكثر من 60 متخصصاً سعودياً على تدريب دولي متقدم ضمن شراكة «لايفيرا» مع «نوفو نورديسك» لنقل المعرفة وبناء القدرات المحلية (أدوبي)

خاص هل يتوسَّع التوطين الدوائي في السعودية من الإنتاج المحلي إلى الجينوم والطب الدقيق؟

تتناول مجموعة «لايفيرا» توسيع التوطين الدوائي في السعودية من الأدوية الأساسية إلى التصنيع الحيوي والجينوم والطب الدقيق والذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
علوم هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟

جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

يشعل جدلاً جديداً حول معنى الذكاء

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
الاقتصاد الابتكار والتقنيات الحديثة يعززان فرص الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية بالسعودية (واس)

من المختبر إلى السوق... الأبحاث الصحية ترسم مساراً استثمارياً جديداً في السعودية

تتجه الأبحاث الصحية في السعودية إلى التحول من نشاط علمي يهدف إلى تطوير الرعاية والعلاجات إلى قطاع استثماري واعد.

بندر مسلم (الرياض)
علوم فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

لرصد الأطفال الأكثر عرضة لبعض السرطانات المبكرة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية
TT

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

لعقود طويلة كان استخدام أجهزة التنقل للأطفال محدوداً بسبب ارتفاع التكاليف، وعوائق التأمين، والحاجة إلى تصنيع متخصص. أما الآن، فمؤسسة «مَيْكْ غود» MakeGood غير الربحية في نيو أورليانز -الحائزة على جائزة الابتكار في التصميم لعام 2026 في مجال التصميم المُيسّر- تستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد (التجسيمية) لتوسيع نطاق الوصول إلى هذه الأجهزة للأطفال الذين يعانون من حالات تجعل الحركة المستقلة صعبة، كما كتبت مارغريت أندرسن(*).

كرسي متحرك بلاستيكي ملون

بدلاً من إنتاج كرسي متحرك يدوي تقليدي، ابتكرت المؤسسة كرسياً متحركاً بلاستيكياً ملوناً سمته «الجهاز التدريبي wheelchair-like mobility trainer» يُشبه الكرسي المتحرك، ومُصمماً للأطفال من عمر سنة إلى ثماني سنوات، الذين يعانون من حالات مثل الشلل الدماغي أو تشقق العمود الفقري (السِّنْسِنَة المشقوقة)، أو الذين قضوا فترات طويلة في العناية المركزة لحديثي الولادة.

تصنيع منزلي

ويمكن تصنيع الكرسي «التدريبي» محلياً ببضع مئات من الدولارات باستخدام طابعات ثلاثية الأبعاد منزلية. وهو مُجمّع من عشرات المكونات الصغيرة باستخدام تقنيات النجارة المستوحاة من النجارة اليابانية، والهياكل الهندسية المتشابكة لإنشاء إطار متين من مطبوعات بحجم سطح المكتب.

وتدير المؤسسة منصة إلكترونية تُسمى 3D-mobility.org تربط أكثر من 1000 متطوع من صانعي الأجهزة حول العالم بالعائلات التي تطلبها. وتقوم المدارس، ومساحات العمل الإبداعية، والمستشفيات، وحتى الأجداد الذين اشتروا طابعات ثلاثية الأبعاد حديثاً، بتجميع هذه الأجهزة التدريبية بالقرب من أماكن سكن الأطفال.

تلبية الاحتياجات الفردية

يقول نعوم بلات، مؤسس «مَيْكْ غود»: «التصميم الجيد المقترن بالطباعة ثلاثية الأبعاد يمنحنا القدرة على تلبية احتياجاتنا دون الحاجة إلى القلق بشأن شركات التأمين. إذا احتجنا إلى جهاز مساعد على الحركة، يُمكننا ببساطة صنعه بأنفسنا».

وتُوسّع المنظمة حالياً مراكز الإنتاج المحلية عالمياً، لا سيما في مناطق أميركا اللاتينية، حيث يرتفع الطلب، بينما يبقى الوصول إلى الطابعات ثلاثية الأبعاد والمواد محدوداً.

* مجلة «فاست كومباني»


جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال
TT

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

كشفت دراسة دولية جديدة عن سبب وراثي لم يكن معروفاً من قبل وراء مجموعة نادرة من الاضطرابات النمائية، بعد أن توصل الباحثون إلى أن الطفرات التي تصيب جيناً يُعرف باسم NPTN تعطل الوظيفة الطبيعية للخلايا العصبية؛ ما قد يؤدي إلى تأخر النمو واضطراب طيف التوحد وفي بعض الحالات الإصابة بالصرع.

اضطرابات عصبية بلا تشخيص محدد

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Genome Medicine في 1 يوليو (تموز) الماضي. وتشير النتائج إلى أن هذا الاكتشاف قد يفتح الباب أمام تشخيص حالات مشابهة ظلت لسنوات من دون تفسير واضح. وبالنسبة إلى كثير من العائلات قد يعني ذلك نهاية رحلة طويلة من البحث عن سبب تأخر نمو الطفل أو معاناته من اضطرابات عصبية من دون الوصول إلى تشخيص محدد.

ورغم ندرة هذه الحالة؛ يرى الباحثون أن تحديد العلاقة بين جين NPTN وهذه الاضطرابات قد يساعد الأطباء على التعرف إلى مرضى آخرين يحملون طفرات مشابهة، ويوفر أساساً لفهم أفضل لكيفية تأثير هذه التغيرات الجينية في نمو الدماغ ووظائف الخلايا العصبية.

8 أطفال... وجين واحد

بدأت القصة مع ثمانية أطفال من دول مختلفة كانوا جميعاً يعانون اضطرابات نمائية لم يتمكن الأطباء من تفسيرها رغم خضوعهم لفحوص وراثية وطبية مكثفة.

وعند تحليل الحمض النووي (دي إن إيه) لهؤلاء الأطفال وجد الباحثون أن جميعهم يحملون تغيرات ضارة في جين NPTN، والأهم من ذلك أن هذه الطفرات لم تُورَّث من الوالدين، بل ظهرت تلقائياً خلال المراحل المبكرة من النمو الجنيني.

وعانى جميع الأطفال تأخراً في النمو أو إعاقات ذهنية، في حين شُخّص سبعة منهم باضطراب طيف التوحد. كما أصيب بعضهم بالصرع أو فقدوا مهارات لغوية سبق أن اكتسبوها، إضافة إلى اضطرابات في الحركة والنوم.

وكان جين NPTN صُنّف سابقاً على أنه «جين مرشح» قد تكون له علاقة باضطرابات النمو، إلا أن هذه الدراسة تقدم أول دليل قوي على أن الطفرات فيه يمكن أن تكون سبباً مباشراً لاضطرابات النمو العصبي والتوحد.

ويقول الدكتور ديرك مونتاغ، من معهد لايبنتس لعلم الأعصاب في ألمانيا وأحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة، تُظهر نتائجنا أن بروتين نيوروبلاستين Neuroplastin يؤدي دوراً أساسياً في عمل الدماغ. فإذا تغير هذا البروتين أو انخفضت كميته تصبح الخلايا العصبية أقل قدرة على معالجة الإشارات بصورة طبيعية.

بروتين يحافظ على تواصل الخلايا العصبية

يحمل جين NPTN التعليمات اللازمة لإنتاج بروتين يُعرف باسم نيوروبلاستين، وهو بروتين يساعد الخلايا العصبية على تنظيم مستويات الكالسيوم داخلها. ويُعد الكالسيوم عنصراً أساسياً لانتقال الإشارات بين الخلايا العصبية، لكن نجاح هذه العملية يعتمد على الحفاظ على مستوياته ضمن حدود دقيقة.

وكشفت الدراسة عن أن الطفرات في بروتين نيوروبلاستين تُضعف عمل مضخات متخصصة تُعرف باسم PMCA، وهي المسؤولة عن التخلص من الكميات الزائدة من الكالسيوم داخل الخلايا. وعندما تصبح هذه المضخات أقل كفاءة يبقى الكالسيوم داخل الخلية لفترة أطول من اللازم؛ ما يؤدي إلى اضطراب نقل الإشارات العصبية وإعاقة تكوين الشبكات العصبية الطبيعية أثناء نمو الدماغ.

ويقدم هذا الاكتشاف تفسيراً بيولوجياً لكيفية تسبب طفرة جينية واحدة في التأثير على التعلم والسلوك والتطور العصبي.

التجارب تؤكد النتائج

وللتأكد من تأثير هذه الطفرات؛ جمع الباحثون بين التحليلات الوراثية وتجارب أُجريت على خلايا عصبية بشرية وفئران وذباب الفاكهة. وأظهرت التجارب اضطراباً واضحاً في إشارات الكالسيوم داخل الخلايا العصبية. كما أدى خفض مستوى بروتين نيوروبلاستين إلى النصف في الفئران إلى انخفاض يقارب 50 في المائة في مستويات مضخات PMCA داخل الدماغ.

ولاحظ الباحثون أيضاً أن الفئران أصبحت أقل ميلاً للتفاعل الاجتماعي، وهو سلوك يشبه بعض السمات المرتبطة باضطراب طيف التوحد. كما أكدت تجارب ذباب الفاكهة أن الطفرات في جين NPTN تؤدي إلى إضعاف وظيفة بروتين نيوروبلاستين؛ ما عزز صحة النتائج.

وقال مونتاغ، تكمن قوة هذه الدراسة في أنها تربط بصورة مباشرة بين الأعراض السريرية لدى الأطفال والآليات الجزيئية التي تحدث داخل الخلايا العصبية.

خطوة نحو تشخيص أدق

ورغم أن الباحثين لم يوثّقوا حتى الآن سوى ثمانية أطفال مصابين بهذه الطفرات، فإنهم يرجحون وجود حالات أخرى حول العالم لم تُشخَّص بعد.

وبالنسبة للعائلات، فإن معرفة السبب الوراثي تمثل خطوة بالغة الأهمية نحو الحصول على تشخيص نهائي وتقديم استشارات وراثية أكثر دقة وفهم أفضل لكيفية تطور الحالة مستقبلاً. كما يضيف الاكتشاف جين NPTN إلى قائمة الجينات المرتبطة باضطرابات النمو العصبي والتوحد؛ ما يعزز أهمية الفحوص الجينية الشاملة للأطفال الذين يعانون تأخر النمو أو اضطرابات عصبية مجهولة السبب.

آفاق مستقبلية

ويعمل الباحثون حالياً على دراسة ما إذا كان بالإمكان استهداف اضطراب إشارات الكالسيوم علاجياً ومعرفة المرحلة التي قد يكون فيها التدخل أكثر فاعلية.

ورغم أن تطوير علاجات جديدة لا يزال يحتاج إلى مزيد من الدراسات، فإن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو فهم الأسباب الجزيئية للاضطرابات النمائية النادرة. فبدلاً من مجرد إضافة جين جديد إلى قائمة الجينات المرتبطة بالأمراض، تكشف الدراسة عن مسار بيولوجي جديد يربط بين اضطراب تنظيم الكالسيوم داخل الخلايا العصبية ونمو الدماغ؛ وهو ما قد يمهد مستقبلاً لتطوير علاجات تستهدف السبب الأساسي للمرض وليس أعراضه فقط.


زيّ مُبتكَر يجعل رحلة الحج إلى مكة أكثر برودة وراحة

زيّ مُبتكَر يجعل رحلة الحج إلى مكة أكثر برودة وراحة
TT

زيّ مُبتكَر يجعل رحلة الحج إلى مكة أكثر برودة وراحة

زيّ مُبتكَر يجعل رحلة الحج إلى مكة أكثر برودة وراحة

فاز تصميم سعودي لملابس إحرام ذكية بأفضل تصميم من 3 تصاميم منتقاة من أوروبا، وأفريقيا، والشرق الأوسط، في تقييم من مجلة «فاست كومباني».

رحلة الحج

تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى جعل رحلة الحج السنوية إلى مكة أكثر حرارة من أي وقت مضى، حيث قد يقطع الحجاج مسافة تصل إلى 30 ميلاً (نحو 48 كيلومتراً) في درجات حرارة قد تبلغ 123 درجة فهرنهايت (نحو 50.5 درجة مئوية)، كما كتب هانتر شوارتز(*).

حلول ذكية لملابس الإحرام

وقد صممت «الخطوط الجوية السعودية» (السعودية) -التي تنقل عدداً من الحجاج يفوق ما تنقله أي شركة طيران أخرى- حلاً ذكياً يتمثل في دمج تقنية التبريد داخل ملابس الإحرام التي يرتديها الحجاج أثناء أداء المناسك.

«أبرد إحرام»

يُمكن لهذا الزي المبتكر -الذي أُطلق عليه اسم «Coolest Ihram» (أبرد إحرام)- أن يخفض درجة حرارة الجلد بأكثر من 3 درجات فهرنهايت (1.67 درجة مئوية). وقد صُمم هذا الزي كجزء من تحول الشركة من مجرد ناقل جوي لنقل الركاب بين نقطتين جغرافيتين إلى سفيرة للضيافة والثقافة قبل الرحلة، وأثناءها، وبعدها. وفاز هذا الابتكار بجائزة «الابتكار من خلال التصميم» (Innovation by Design) في فئة «الأثر المستدام».

زيّ بنسيج مبتكر

تمثّل التحدي في تعديل زيٍ ظل ثابتاً دون تغيير لقرون، وجعله أكثر برودة، مع الالتزام التام بالضوابط الدينية الصارمة؛ إذ كان على «السعودية» مراعاة سماكة القماش، وضمان خلو الزي تماماً من أي خياطة، أو معادن ثمينة.

ويقول عصام أخون باي، نائب الرئيس للتسويق وإدارة المنتجات في «الخطوط السعودية»: «لم يكن بإمكاننا الاكتفاء بأخذ نسيج موجود مسبقاً واستخدامه؛ بل كان علينا ابتكار نسيج جديد كلياً».

تعاون تقني

وبالتعاون مع شركة استشارات العلامات التجارية «لاندور» (Landor) والشركة المصنعة لأقمشة التبريد عالية الأداء «Brrr°»، طورت «الخطوط السعودية» هذا الزي، ووزعته على أكثر من 8000 حاج في عام 2025. وقد اعتمدت 12 شركة من كبرى الشركات المنظمة لرحلات الحج هذا الزي، كما طلبت وزارة الحج السعودية استخدامه ضمن «باقات الحج» التي توفرها.

* مجلة «فاست كومباني»