سارة بالغنيم: في أفلامي... الكوميديا تُولد من عبث الواقع

المخرجة السعودية تتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن رحلتها مع السينما وفيلمها الأخير «ارتزاز»

مشهد من فيلم «ارتزاز» الذي يأتي من كتابة وإخراج سارة بالغنيم (الشرق الأوسط)
مشهد من فيلم «ارتزاز» الذي يأتي من كتابة وإخراج سارة بالغنيم (الشرق الأوسط)
TT

سارة بالغنيم: في أفلامي... الكوميديا تُولد من عبث الواقع

مشهد من فيلم «ارتزاز» الذي يأتي من كتابة وإخراج سارة بالغنيم (الشرق الأوسط)
مشهد من فيلم «ارتزاز» الذي يأتي من كتابة وإخراج سارة بالغنيم (الشرق الأوسط)

قبل سنوات، حملت صانعة الأفلام السعودية سارة بالغنيم حقائبها إلى نيويورك لدراسة صناعة الأفلام، وهناك لم تكتفِ بتعلّم أدوات الإخراج، بل اكتشفت طريقة مختلفة للنظر إلى البشر. فالحكايات، بالنسبة لها، تبدأ من الملاحظة؛ ومن التفاصيل الصغيرة التي تمر أمام الجميع، ثم تتحول على الشاشة إلى شخصيات تحمل تناقضاتها كاملة، من دون أن تبحث عن تبريرها أو إدانتها.

هذا التصوّر قادها إلى بناء تجربة لفتت انتباه عدد من المهرجانات السينمائية خلال السنوات الأخيرة، عبر أفلام قصيرة؛ أحدثها «ارتزاز» الذي تنقّل بين مهرجانات مثل شيكاغو، وسان دييغو، وأسبن، إضافة إلى مهرجان البحر الأحمر، قبل أن يُعرض الأسبوع الماضي ضمن مهرجان أفلام السعودية. ويستمد الفيلم اسمه من الفعل الدارج في اللهجة السعودية «ترزز»، ويعني استعراض النفس أو إظهارها للفت انتباه الآخرين.

سارة بالغنيم خلال عرض فيلمها في مهرجان أفلام السعودية (الشرق الأوسط)

عزاء يتحول إلى مسرح للمفارقات

وخلال ربع ساعة فقط، ينجح فيلم «ارتزاز» في تحويل مجلس عزاء إلى مسرح لكوميديا سوداء، دون أن يغادر الواقع الاجتماعي الذي يستلهمه، في قصة تدور حول الأم (ريم الحبيب) وابنتها جوجو (رند القصيبي)، داخل عزاء للنساء في فيلا سيدة هي أم العريس المثالي، حيث تتنافس الفتيات على لفت نظرها ونيل رضاها. ورغم أن الفيلم ينحو إلى المبالغة، فإنه يستند إلى طقس اجتماعي دارج، حين تتحول المناسبات أحياناً إلى مساحة للتعارف ومحاولة لفت انتباه والدة العريس، إلا أن سارة بالغنيم اختارت نقل هذه المفارقة إلى مكان أقل توقعاً؛ مجلس عزاء، لتمنح الحكاية بُعداً أكثر سخرية وعبثاً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تختصر بالغنيم رؤيتها للسينما بوصفها مساحة لفهم الإنسان قبل أي شيء آخر، حيث ترى أن الشخصيات تسبق الأفكار، وأن الحكاية تقود الرسالة، بينما يصل المشاهد إلى استنتاجاته بنفسه.

عن فيلمها «ارتزاز»، تقول سارة: «القصة بسيطة؛ شابة ووالدتها تذهبان إلى عزاء، وهناك تشعر الفتاة بضغط يدفعها إلى استعراض نفسها بغرض الزواج... جاءتني الفكرة بعد عودتي من الدراسة في الولايات المتحدة، وبعد فترة ابتعدت فيها عن المجتمع والعادات، فأصبحت أنظر إلى سنوات العشرينات التي عشتها، مثل كثير من الفتيات، وأتذكر حجم الضغط الذي كان يدفع الفتاة إلى الظهور بصورة معينة حتى تتزوج».

وتضيف: «الفكرة الأساسية بالنسبة لي كانت أن أحكي قصة عن شابة ووالدتها. هذه العلاقة المهمة نادراً ما نراها في الأفلام والمسلسلات بوصفها العلاقة الرئيسية في الحكاية، رغم قدرتها على تشكيل جزء كبير من مستقبل الفتاة. وكنت مهتمة تحديداً بسرد حكاية أم ترى أن قيمتها الاجتماعية مرتبطة بزواج ابنتها، وشابة تصل إلى قناعة بأن كثيراً من هذه الطقوس والعادات مفتعلة».

مشهد من فيلم «ارتزاز» الذي يحوّل اجتماع عزاء إلى مسرح ساخر (الشرق الأوسط)

الفكاهة تولد من تفاصيل الحياة

ربما يخرج المشاهد من «ارتزاز» وهو يبتسم من مشاهد عدة، لكن تلك الابتسامة لا تأتي نتيجة نكتة مكتوبة بعناية، بقدر ما تولد من المفارقات التي تصنعها الشخصيات نفسها. وهذا ما تراه بالغنيم جوهر الكوميديا؛ فهي لا تُضاف إلى المشهد، بل تنشأ داخله عندما يُقدَّم الواقع كما هو. وتوضح أن هذا السؤال يتكرر عليها باستمرار، حتى أصبح من أكثر الأسئلة حضوراً في ورش كتابة الأفلام القصيرة التي تقدمها. وتضيف: «الفكاهة عادةً تنبع من الملاحظة أو من المأساة، أكثر من كونها محاولة لإضحاك الجمهور... كثير من هذه المواقف عبثية بطبيعتها إذا قُدمت كما هي، لذلك أترك الفكاهة والمشاعر تتجاوران في المساحة نفسها، لأن هذا ما يحدث في الحياة».

تؤمن سارة بأن الإنسان يحمل مشاعر متناقضة في اللحظة الواحدة، وهو ما تحرص على نقله إلى الشاشة. قائلة: «قد يعيش الناس حالة حزن، وفي الوقت نفسه يتنافسون، أو يشعرون بعدم الأمان، أو يحاولون الظهور بصورة معينة... وأحياناً يحدث كل ذلك في اللحظة نفسها». ومن هنا، ترى أن قوة المشهد لا تأتي من المبالغة في الكوميديا، ولا من إثقاله بالمشاعر، وإنما من الإيمان بالشخصيات نفسها، وتتابع: «الجانب العاطفي يأتي من التعامل مع الشخصيات بجدية، حتى عندما يبدو سلوكها مضحكاً أو سخيفاً. أحاول أن أفهمهم أكثر مما أحاول السخرية منهم. فإذا ركزت كثيراً على النكتة أصبح العمل مسطحاً، وإذا اختفت الفكاهة فقد المشهد جزءاً من صدقه».

وتختصر فلسفتها في بناء المشهد بالقول: «الأمر لا يتعلق بالموازنة بين الكوميديا والدراما، بقدر ما يتعلق بترك المشهد صادقاً، والثقة بأن الفكاهة ستظهر من تلقاء نفسها... وغالباً بطريقة تترك شيئاً من عدم الارتياح». ثم تضيف بحماسة: «عندما ينجح هذا الأسلوب، يكون جزء من نجاحه محض صدفة... وعندما لا ينجح، أتظاهر بأنه كان سخرية مقصودة».

سارة مع فريق الفيلم خلف الكواليس (الشرق الأوسط)

الشخصيات أولاً.. والتصنيفات لاحقاً

يحضر العنصر النسائي بقوة في أفلام بالغنيم، وبسؤالها عن ذلك كشفت أنها لا تنظر إلى الأمر بوصفه مشروعاً لتقديم ما يُعرف بـ«سينما المرأة»، بقدر ما تراه نتيجة طبيعية للحكايات التي تود سردها. وعن ذلك تقول: «لا أفكر بهذه التصنيفات عندما أكتب أو أخرج، لكن يبدو أن المهرجانات والجمهور يضعني ضمن هذه الفئة، خصوصاً في منطقتنا».

وترى أن هذه التصنيفات لم تعد تعبر عن المرحلة التي وصلت إليها السينما، مضيفة: «أعتقد أننا بحاجة إلى التخلص من هذه التصنيفات، لأنها تذكر الناس باستمرار بأن المرأة أقلية، بينما أرى أننا بحاجة إلى تجاوز هذه الفكرة». كما تبدو بالغنيم أكثر اهتماماً ببناء شخصيات قادرة على حمل الفكرة بنفسها، وهو ما يفسر تركيزها على العلاقات الإنسانية قبل أي قضية أخرى. كما تؤكد أن أكثر ما يشغلها أثناء الكتابة هو فهم دوافع الشخصيات، لأن الشخصية الصادقة قادرة على حمل أكثر القضايا تعقيداً دون خطابة أو شعارات.

لغة تتشكل... ولا تتوقف

ورغم وضوح ملامح أسلوبها في أفلامها الأخيرة، فإن بالغنيم تنظر إلى اللغة السينمائية بوصفها مشروعاً مفتوحاً على التطور، وترى أن التجريب يرافق المخرج طوال رحلته. بالسؤال عن ذلك، تقول: «صنّاع الأفلام يواصلون الاستكشاف والتجريب دائماً، حتى بعد أن يعثروا على لغتهم السينمائية أو أسلوبهم الخاص... بالنسبة لي، أرغب في خوض تجارب مختلفة، بل أطمح أيضاً إلى العمل في وسائط أخرى، مثل أفلام التحريك وغيرها، لذلك أعتقد أنني سأبقى دائماً في حالة تجريب».

بسؤال سارة عن المخرجين أو التجارب السينمائية التي تركت أثراً واضحاً في رؤيتها، تجيب: «هناك كثير من صناع الأفلام الذين أثروا فيّ. عندما بدأت أهتم بالحكاية، شاهدت الفيلم الإيراني (برسيبوليس)، وأحببته كثيراً. لكن مع مرور السنوات تطورت ذائقتي كثيراً، وما زالت تتطور حتى الآن. وفي هذه المرحلة أشاهد كثيراً من الأفلام العبثية لأنها تلهمني».

سارة بالغنيم (الشرق الأوسط)

نيويورك... حين اتسعت العدسة

لم تكن دراسة صناعة الأفلام في جامعة نيويورك بالنسبة إلى سارة محطة أكاديمية فحسب، بل تجربة غيّرت الطريقة التي تنظر فيها إلى السينما وإلى العالم معاً. فالحياة اليومية داخل مدينة تعج بالفنون، والاحتكاك المستمر بمخرجين وكتاب وفنانين من ثقافات متعددة، شكّلت جزءاً من تكوينها وبقدر ما فعلته قاعات الدراسة.

وبالسؤال عن تأثير ذلك على نظرتها السينمائية، تقول: «وجودي في جامعة نيويورك، وفي مدينة نيويورك نفسها، وإحاطتي بمجموعة من المخرجين الشباب الموهوبين وأعضاء هيئة التدريس، وسّع بلا شك رؤيتي للسينما وللعالم. وأنا ممتنة جداً لهذه التجربة». وتضيف: «أعتقد أن دوري اليوم هو نقل ما تعلمته، سواء من خلال أعمالي الإبداعية أو عبر رد الجميل للمجتمع من خلال ورش العمل التي أقدمها».

وتستعيد جانباً من الحياة اليومية في نيويورك، بالقول: «نيويورك تجمع مبدعين من تخصصات دقيقة ومتنوعة. كنت أجلس في مقهى وأتحدث مع شخص سيغادر بعد قليل ليقدم عرضاً على مسرح برودواي. هذا التبادل المستمر للأفكار والخبرات أثر كثيراً في ممارستي الإبداعية». وتضيف: «وجودي في مدينة تقدم معارض فنية، وتصويراً فوتوغرافياً، وموسيقى، وسينما بهذا الزخم، جعلني أرى أهمية العمل للوصول إلى بيئة مشابهة هنا في السعودية، كما جعلني أدرك حجم الإمكانات التي نمتلكها».

السينما.. صناعة تتسع للجميع

ومع التسارع الذي تشهده السينما السعودية خلال السنوات الأخيرة، تنظر بالغنيم إلى المنافسة بوصفها مؤشراً صحياً على نمو الصناعة، لا سبباً للقلق. وتقول: «المنافسة أمر صحي. نحن بحاجة إلى مزيد من صناع الأفلام والمبدعين. إذا غابت المنافسة، بقيت الصناعة في مكانها، وتوقف تطورها الإبداعي».

وترى أن اتساع دائرة المنتجين والمخرجين الشباب أصبح ينعكس مباشرة على مستوى الأعمال، مستشهدةً بتجربة «ارتزاز»، الذي جمع عدداً من المنتجين المحليين ومن خارج المملكة، بينهم خالد السديري، وجمانة زاهد، ومريم سندي، وباسل ذوق، مضيفة: «هذا وحده يوضح أن الصناعة تنمو بسرعة».

ومن فيلمها «أنا وعيدروس» إلى «ارتزاز»، مروراً بتجاربها الأكاديمية والعملية، تواصل بالغنيم بناء مشروعها السينمائي بخطوات متدرجة. وبسؤالها عمّا تتمنى أن يبقى من أفلامها بعد 10 أعوام، تجيب: «أتمنى عندما أنظر إلى أعمالي بعد سنوات أن أجد أنني امتلكت الشجاعة لخوض مغامرات إبداعية، حتى لو قدّمت فيلماً تشوبه بعض العيوب».


مقالات ذات صلة

اليمن لمجلس الأمن: انتهاكات الحوثيين تخدم مصالح إيران في المنطقة

المشرق العربي مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة السفير عبدالله السعدي (سبأنت)

اليمن لمجلس الأمن: انتهاكات الحوثيين تخدم مصالح إيران في المنطقة

قال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة السفير عبدالله السعدي، إن الميليشيات الحوثية وسّعت اعتداءاتها على السعودية مستهدفةً المطارات والمنشآت والأعيان المدنية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج الدكتور عبد العزيز الواصل خلال جلسة مجلس الأمن بحضور المبعوث الأممي هانس غروندبرغ (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة)

السعودية لمجلس الأمن: لن نسمح بتحويل اليمن إلى منصة لتهديد أمننا

أكدت السعودية، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، أنها لن تسمح بتحويل اليمن إلى منصة لتهديد أمنها أو حرية الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)

بمقترح سعودي... 4 مارس يوماً للمرأة الخليجية

أقرَّت دول مجلس التعاون، اعتماد 4 مارس من كل عام يوماً للمرأة الخليجية، بما يعكس الاهتمام المشترك بتعزيز حضورها، وإبراز إسهاماتها في الأسرة والمجتمع والتنمية.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
يوميات الشرق جانب من منطقة الصقور ضمن «معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026» (تصوير: تركي العقيلي) p-circle

«معرض الصقور والصيد»... من شباك الصيد إلى ميادين الرماية والسيارات

يستقطب معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026 المهتمين بالصقارة والصيد والمغامرات من داخل السعودية وخارجها مقدماً مزيجاً من الموروث التقليدي والأنشطة الميدانية.

فاطمة القحطاني (الرياض)
الخليج لحظة تدمير منصة إطلاق صواريخ للميليشيا الحوثية (التحالف) p-circle 00:34

«التحالف»: تدمير منصات إطلاق صواريخ حوثية

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن تدمير 3 منصات إطلاق للصواريخ تستخدمها الميليشيا الحوثية لتهديد الأمن الإقليمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

من وصمة عار إلى «ترند»... العلاج النفسي يتحوّل إلى موضة اسمُها «ثيرابي»

شهدت السنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى موضة الصحة النفسية (بيكساباي)
شهدت السنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى موضة الصحة النفسية (بيكساباي)
TT

من وصمة عار إلى «ترند»... العلاج النفسي يتحوّل إلى موضة اسمُها «ثيرابي»

شهدت السنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى موضة الصحة النفسية (بيكساباي)
شهدت السنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى موضة الصحة النفسية (بيكساباي)

عام 2009، نشرت الـ«غارديان» تحقيقاً بعنوان «الصحة النفسية، أقوى المحرّمات». استندت الصحيفة البريطانية آنذاك إلى استطلاعٍ شمل 2000 شخص، أَقرَّ 30 في المائة منهم بأنهم يجدون صعوبةً في الإفصاح عن إصابتهم بخللٍ نفسيّ.

حدث ذلك في لندن قبل 17 سنة من الآن، أي في الماضي القريب، وفي بقعةٍ من العالم تُعَدُّ طليعيّةً في مجال الصحة النفسية وحرّيّة الفَرد واحترامه. لكن أين ذلك العنوان ممّا يشهده حالياً الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والمجتمع عموماً، من طفرةٍ في المحتوى المرتبط بالصحة النفسيّة ومن بَوحٍ جماعيّ بكدمات النفس ونُدوبِها. وكأنّ الموضوع الذي وُضع في خانة المحرّمات لعقود، تحوّل خلال السنوات الماضية إلى موضة أو «ترند»، يُحاضر فيها ذَوو الاختصاص وحتى مَن لا يمتّون للاختصاص بصِلة!

من خانة المحرّمات إلى خانة «الترند»... الصحة النفسية موضة وسائل التواصل الاجتماعي (بكسلز)

بسرعةٍ قياسية، سقطت وصمة العار عن المشكلات النفسية، وصارت زيارة المعالج أو الـ«ثيرابي» أشبَه بساعة الـ«بيلاتيس» أو بموعد العناية بالبشرة. لعبت عوامل كثيرة دوراً في هذا التحوّل الجذري، أوّلها الانفتاح الذي يُسجَّل على وسائل التواصل الاجتماعي في التعامل مع موضوع الصحة النفسية، يليها تَهافُتُ المشاهير على البَوح علناً بآلامهم الدفينة وصدماتِ طفولتهم وخضوعهم لعلاج نفسي، وليس آخرها الآثار التي خلّفتها جائحة «كورونا» على الصحة النفسية والعلاقات البَشّريّة.

البطلة الأولمبية سيمون بايلز في طليعة المشاهير الذين جاهروا بمشكلاتهم النفسية (رويترز)

العلاج النفسي عبر التاريخ.. طرد أرواح وصدمات كهربائية

في القرون الوسطى، غالباً ما كان يُعزى المرض النفسي إلى مَسٍّ شيطاني أو خلل أخلاقي، وكانت العلاجات تشمل طقوس طرد الأرواح الشريرة أو العزل الاجتماعي، كما كانت تذهب أحياناً إلى حدّ الإعدام.

لم يتطوّر التعامل مع المرضى النفسيين ما بين القرنَين الـ17 والـ19، وذلك بالتزامن مع بدء إنشاء المصحّات العقليّة. كان يُعزل أي شخصٍ مصاب بصدمةٍ أو بعلّةٍ نفسية في تلك الأماكن المرعبة والشبيهة بالسجون. وبدلاً من محاولة فهم حالته، كان يواجَه بأساليب علاجيّة قاسية مثل تقنية إراقة الدم، أو جراحة فصّ الدماغ، أو جلسات الصدمات الكهربائيّة.

الصدمات الكهربائية من دين العلاجات القديمة للمرض النفسي (موقع جامعة كامبريدج)

فرويد.. «أبو الثيرابي»

بحلول القرن الـ20، وبفَضل «أبي التحليل النفسي» ومؤسِّس الـ«ثيرابي» بنُسختها المعاصرة سيغموند فرويد، شهدَ عالم الصحة النفسية تحوّلاً جذرياً. غيّر طبيب الأعصاب النمساوي مسار النقاش في مسبّبات الاختلال النفسي، فحوّلَها من الخرافات الخارقة للطبيعة باتّجاه الأفكار والمشاعر الكامنة في العقل الباطن. ارتكز فرويد إلى الحوار بين المعالج والمريض بدل التدخّلات الطبية العنيفة، واستقى الحلول من الغوص في تحليل الطفولة وتفسير الأحلام.

أبو التحليل النفسي طبيب الأعصاب النمساوي سيغموند فرويد (ويكيبيديا)

في القرن الـ20 كذلك، وتحديداً في الخمسينات، بدأ تطوير الأدوية النفسية مثل مضادات الاكتئاب والقلق. لَحِقَها في الثمانينات العلاج المعرفي السلوكي CBT، مقدّماً أساليب منهجيّة وعمَليّة للتعامل مع حالات الصحة النفسية.

شهدت أواخر القرن الـ20 بدايةً خجولة لسقوط وصمة العار عن المرض النفسي وعلاجه. اتّخذت الرعاية الصحية طابعاً أكثر إنسانيةً وتعاطفاً، غير أنّ الأحكام الاجتماعية ظلّت قاسية. حتى هوليوود لم تُبدِ تفهُّماً للمرض النفسي، فتكرّرت في السينما والمسلسلات الصور النمطيّة عن العلاج النفسي، من خلال شخصيات المعالجين المتّسمة بالبرود العاطفي والتي تستخدم أساليب غامضة ومثيرة للسخرية أحياناً. أما شخصية المصاب بمشكلة نفسية فغالباً ما جرى تصويرها على أنها تفتقر للاستقرار وتشكّل مصدر خطر وإجرام.

شهد القرن الـ20 مقاربة أكثر إنسانيةً وتفهّماً للمرض النفسي (بكسلز)

اليوم العالمي للصحة النفسية

خلال العقد الأخير، اجتمعت عوامل عدّة لتُسقط وصمة العار بشكلٍ شبه نهائي عن المرض النفسي، والأهمّ عن علاجه الذي باتَ يُحكى عنه في الإعلام والمجالس الخاصة على حدٍ سواء، من دون مواربة.

من بين أولى العوامل التي حفّزت هذا التغيير في النظرة، حملات التوعية العالمية إلى أهمية الصحة النفسية وعلى رأسها استحداث اليوم العالمي للصحة النفسية في الـ10 من أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام.

سرعان ما التقط الإعلام الإشارة فتبنّى التوعية بدَوره من خلال البرامج التلفزيونية والتحقيقات الصحافية، التي ساهمت في إسقاط وصمة العار عن المرض النفسي، بمجرّد أن تُدخل المُصطلح إلى البيوت وتشرحَه وتبسّطَه لساكنيها الذين كانوا يتفادون ذكره ويخجلون منه.

شعار هذه السنة لليوم العالمي للصحة النفسية (الاتحاد العالمي للصحة النفسية)

«ثورة الصحة النفسية» على يد «السوشيال ميديا»

إلّا أنّ ما يمكن تسميتُه «ثورة الصحة النفسية»، انطلق فعلياً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ بفِعل فيديوهات المؤثّرين والمقولات المُلهمة ونصائح علماء النفس، المحفّزة كلّها على الاعتناء بالصحة النفسية، وحب الذات، وعدم الخجل من المعاناة النفسيّة.

تَزامنَت تلك الفَورة في المُجاهَرة بمكنونات النفس، مع جائحة «كورونا» التي نتجت عنها آلامٌ نفسية كثيرة. تَضاعفَ الوعي الجماعي إلى أنّ الصحة النفسية والعقليّة هي حقيقة تمسّ الجميع، وليست خيالاً أو مجرّد «كلام إعلام». وبالتالي، لن يكون ما بعد 2020 إطلاقاً كما كان قبله بالنسبة إلى موضوع الصحة النفسية، وأولى الدلائل على ذلك أنّ عمليات البحث عن عبارة «الصحة النفسية» ارتفعت أكثر من الضعف ما بين 2020 و2024 وفقاً لـ«غوغل ترندز».

شكّلت جائحة «كورونا» نقطة تحوّل في التعامل مع الصحة النفسية والإقرار بأهميتها (أ.ف.ب)

وبما أنّ الجيل زد (مواليد 1997 إلى 2012) هو في طليعة ضحايا موجة القلق والاكتئاب التي تجتاح العالم منذ 5 سنوات، وبما أنّ أبناء هذا الجيل هم توائم «السوشال ميديا»، لا يواجهون صعوبةً ولا خجلاً في التعبير عن مشكلاتهم النفسية علناً وعبر حساباتهم على وسائل التواصل. تُلهِمُهم في ذلك طبعاً شخصياتٌ شابّة محبوبة تحدّثت عن صدمات الطفولة وعن الخضوع لعلاج نفسي؛ من بين هؤلاء الأمير هاري، والفنانون سيلينا غوميز وبيلي آيليش وجاستن بيبر، والبطلة الأولمبية سيمون بايلز، وغيرهم الكثير.

تحدّث الأمير هاري مراراً عن معاناته النفسية الناتجة عن صدمات الطفولة (رويترز)

الصحة النفسية ضحيّة التسليع؟

لكلّ ثورةٍ تَبِعاتها السلبيّة، لا سيّما إذا كانت مُحرّكاتُها الرئيسة تدور على صفحات التواصل الاجتماعي، حيث هوَس «الترند» والمشاهَدات والمبيعات.

لا تكفي عبارات مثل «فكّر بإيجابيّة» و«أحبب نفسك أوّلاً» لعلاج الاكتئاب الحادّ أو القلق المُزمن. فهذه الإيجابيّة السامّة تؤذي أكثر ممّا تفيد المتألّمين نفسياً، لا سيّما منهم مَن ليس بوسعهم تكبُّد تكاليف العلاج.

وكما أنّ الصحة النفسية والعلاج لا يجب أن يكونا من المواضيع المحرّمة، ليس من المستحبّ كذلك أن يتحوّلا إلى مجرّد «ترند» بما تحمل من تسليعٍ واستسهال وتسخيف، والأخطر بما قد ينتج عنها من تشخيصٍ خاطئ، ومعلوماتٍ غير دقيقة، واستخدامٍ عبثيّ للمصطلحات النفسيّة.


بمقترح سعودي... 4 مارس يوماً للمرأة الخليجية

من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
TT

بمقترح سعودي... 4 مارس يوماً للمرأة الخليجية

من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)

أقرَّ وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول مجلس التعاون، اعتماد 4 مارس (آذار) من كل عام يوماً للمرأة الخليجية، بما يعكس الاهتمام المشترك بتعزيز حضورها، وإبراز إسهاماتها في الأسرة والمجتمع والتنمية.

وجاء الاعتماد، خلال اجتماع للوزراء في المنامة، الخميس؛ بناءً على مقترح تقدَّمت به السعودية ممثلةً بمجلس شؤون الأسرة، انطلاقاً من مبادرة كويتية لتخصيص يوم للمرأة الخليجية، وحظي بتوافق أعضاء اللجنة الدائمة لشؤون المرأة بدول الخليج.

ويستند اختيار 4 مارس إلى الدلالة التي تحملها المادة الرابعة من النظام الأساسي لمجلس التعاون، وما تجسده من أهداف المجلس في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء، بما يعكس دور المرأة بصفتها شريكاً فاعلاً في مسيرة العمل الخليجي المشترك.

ويكتسب التاريخ بُعداً إعلامياً لوقوعه في مستهل الشهر الذي يشهد اهتماماً عالمياً بقضايا المرأة، بما يتيح مساحة خليجية للاحتفاء بها وإبراز إسهاماتها، قبيل يومها الدولي في 8 مارس.

ناقش المجتمعون استراتيجية العمل الخليجي المشترك في مجال العمل والقوى العاملة (مجلس التعاون)

ويُمثِّل اعتماد يوم المرأة الخليجية مناسبة سنوية لإبراز إسهاماتها وحضورها في مختلف المجالات، وتقديم تجربة تعكس خصوصية دول مجلس التعاون وهويتها المشتركة.

كما تُعزِّز هذه المناسبة السنوية حضور المرأة في مسارات العمل الخليجي المشترك، بما يجسد روح التكامل والتعاون بين دول المجلس.

وناقش الاجتماع عدداً من الموضوعات المتعلقة بتطوير التعاون، بينها استراتيجية العمل الخليجي المشترك في مجال العمل والقوى العاملة، التي تتناول محاور عدة، من أبرزها، مهارات سوق العمل، ومكافحة العمل الجبري والاتجار بالأشخاص، وتعزيز التوازن وتكافؤ الفرص في السوق.

وبحث الوزراء مواصلة إعداد الإطار الاسترشادي الخليجي للوظائف الخضراء، وآخر لتنظيم وتوحيد جهود استقدام عمال الخدمة المنزلية في دول المجلس، ومشروع لتنظيم بيئة العمل في اقتصاد المنصات، وتعزيز السلامة والصحة المهنية، وجاهزية أسواق العمل.


بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
TT

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

في عام 2006، أثار فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة الأميركية صوفيا كوبولا - بأسلوبه الخيالي وألوانه الزاهية التي تشبه الحلوى - انقساماً في الآراء بين الجمهور، وذلك بسبب تفاصيل حديثة مثل أحذية للمصمم مانولو بلانيك، والموسيقى التصويرية المعاصرة. ومع ذلك، تحوَّل الفيلم بمرور الوقت إلى عمل كلاسيكي، ويحتفي «قصر فرساي» بالذكرى الـ20 لصدوره من خلال معرض يُقام في «بيتيت تريانون (Petit Trianon)»؛ وهو القصر الصغير الواقع ضمن المجمع الملكي والذي خُصِّص للملكة لاستخدامها الخاص في سبعينات القرن الـ18، حيث صُوِّرت أجزاء من فيلم «ماري أنطوانيت».

يُقام المعرض تحت إشراف هيلين ديلاليكس ولوران سالومي ويستمر حتى 24 يناير (كانون الثاني)، حيث يعرض من جديد الأزياء التي صمَّمتها ميلينا كانونيرو (والتي نالت عنها جائزة الأوسكار) إلى جانب مجموعة من الدعائم السينمائية والرسومات التخطيطية والصور الفوتوغرافية. وفي الغرف الخاصة بماري أنطوانيت، تُستخدَم تماثيل عرض الملابس (ألمانيكان) لإعادة تجسيد بعض المشاهد واللقطات من الفيلم.

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

كما تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور، التي صوَّرت نحو 100 ساعة من اللقطات خلف الكواليس بهدف إنجاز فيلم وثائقي. ورغم رحيل إليانور كوبولا في عام 2024 دون إتمام المشروع، فإن ابنتها أكملته نيابة عنها. ومن المقرر طرح الفيلم الوثائقي «صناعة ماري أنطوانيت (Making Marie Antoinette)» - الذي يُعدُّ بمثابة كبسولة زمنية توثِّق الفيلم الأصلي ومسيرة مخرجة شابة كانت تشق طريقها في عالم السينما - في دور العرض الأميركية بتاريخ 23 أكتوبر (تشرين الأول).

في مقابلة حديثة، تحدثت كوبولا (55 عاماً) عن عودتها إلى قصر فرساي، ونضالها من أجل إبراز المنظور النسائي في الفيلم، ومشاهدتها لمقاطع فيديو معدلة بأسلوب «الهيب هوب» لفيلم «ماري أنطوانيت» على منصة «تيك توك».

فيما يلي مقتطفات محرَّرة من تلك المحادثة.

* هل شعرتِ بالمفاجأة عندما تواصل معكِ مسؤولو «قصر فرساي» بخصوص هذا المعرض؟

- نعم، لقد فوجئت حقاً؛ كان شعوراً سريالياً أن أُوجد هناك مجدداً، في المقر الحقيقي لماري أنطوانيت، ومعي الأزياء التي استُخدِمت في نسختنا من الفيلم. لقد أعجبني اهتمام القائمين على المعرض بمواد التحضير والأبحاث، لذا تحمَّست لفتح الصناديق التي كنت أحتفظ بها في مخزن بمنزل عائلتي في «نابا فالي». كما احتفظت آن سيبيل، مديرة العمل الفني، بكثير من الأشياء، وقامت مُصمِّمة الأزياء الرائعة لدينا، ميلينا كانونيرو، بتتبع قطع مختلفة وتجميع الإكسسوارات لإعادة تشكيل المشهد بالكامل، حتى إننا أعدنا تهيئة بعض أنظمة الإضاءة التي استُخدمت في الفيلم.

* ما الذي تتذكرينه عن مشاعركِ في العمل على الفيلم؟

- كان الأمر مرهقاً ومربكاً للغاية، لأنني لم يسبق لي أن توليت مشروعاً بهذا الحجم من قبل. تطلب إنجاز العمل وجود عدد هائل من الأشخاص، بمَن في ذلك الممثلون الثانويون (الكومبارس) وطاقم العمل. أعتقد أنني كنت أتمتع بنوع من السذاجة التي تميِّز مرحلة الشباب؛ فلا أظن أنني سأقدم على خطوة مثل هذه الآن.

لكنني كنت أمتلك رؤيةً واضحةً للغاية في مخيلتي، وكنت أسعى حقاً لتقديم نوع مختلف من الأفلام التاريخية. فالأفلام التي نشأتُ عليها كانت تعتمد على مشاهد بصرية ضخمة تشبه اللوحات الفنية؛ إذ كان ينتابني دائماً شعور بأنك تنظر إلى التاريخ من بعيد، بينما أردتُ لهذا الفيلم أن يمنح المشاهد شعوراً بالانتقال الفعلي عبر الزمن والعيش جنباً إلى جنب مع الشخصيات، وعندما زرتُ الغرف الخاصة الحقيقية لماري أنطوانيت، أدهشني أن الأقمشة كانت تتميَّز بلون فيروزي زاهٍ؛ وهو أمر لم يكن مألوفاً في الأفلام التاريخية آنذاك، حيث كانت الألوان السائدة دائماً هي درجات الألوان الترابية الهادئة والباهتة.

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

* هل فاجأكِ الجدل الذي أُثير حول المفارقات الزمنية (استخدام عناصر حديثة في سياق تاريخي) في الفيلم عند صدوره؟

- كان أمراً محبطاً أن يشعر البعض بالإساءة الشديدة بسبب ذلك. بالنسبة لي، يصعب عليّ استيعاب فكرة أن الموسيقى الحديثة قد تكون مسيئة للناس إلى هذا الحد، خصوصاً أن هذا الأسلوب أصبح شائعاً جداً الآن. كنت أدرك أن قيام مخرجة أميركية بتقديم هذه القصة قد يُنظَر إليه بوصفه أمراً مستفزاً أو متمرداً بعض الشيء، لكنك لا تستطيع أبداً التنبؤ مسبقاً بكيفية تلقي الجمهور للأعمال الفنية.

* يبدو أن سمعة الفيلم قد تغيرت بشكل ملحوظ منذ طرحه. هل تشعرين بذلك؟

- بالتأكيد. أشعر بأن الفيلم اكتسب جمهوراً جديداً تماماً من الشباب؛ فابنتاي تريانني مقاطع فيديو معدلة للفيلم على أنغام موسيقى الهيب هوب عبر تطبيق «تيك توك»، وهو أمر أحبه كثيراً. لقد كانت مفاجأة سارة وممتعة، لأن الأفلام عادةً لا تحظى بالحديث عنها أو الاهتمام بها بعد فترة من عرضها.

* سيصدر الفيلم الوثائقي الذي قمتِ بمونتاجه استناداً إلى اللقطات التي صوّرتها والدتك، «صناعة ماري أنطوانيت (Making Marie Antoinette)»، في الولايات المتحدة خلال شهر أكتوبر. لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت للعودة إلى تلك المادة؟

- لم يُستخدَم سوى جزء صغير جداً منها كمادة إضافية لإصدار الـ«DVD» في ذلك الوقت، ثم مضينا قدماً في حياتنا؛ فقد كنت منشغلة بإنجاب وتربية أطفالي ونسيت الأمر تماماً. ولكن خلال الجائحة، اجتمعت العائلة بأكملها في منزلنا في «نابا». أخرجت أمي اللقطات لمشاهدتها، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أراها فيها. لقد كان أمراً مذهلاً بالنسبة لي أن أرى كل التفاصيل التي التقطتها عدستها، وكل جوانب الحرفية والإتقان: الأزياء، والشعر المستعار، والزهور. كانت لديها رغبة حقيقية في تقديم عمل فني باستخدام تلك اللقطات. لقد رحلت عن عالمنا قبل عامين، لكن في أواخر حياتها، كان إنجاز هذا الفيلم أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لها، وقد وعدتها بأنني سأفعل ذلك. لقد عملت كثيراً خلال العام الماضي مع مونتير وصديق لوالدتي، محاولةً استشراف الطريقة التي كانت تود أن يُصاغ بها الفيلم، رغم صعوبة تكوين رؤية موضوعية للأمر؛ نظراً لأنني أظهر فيه، ولأن رؤية نفسي في تلك المرحلة العمرية المبكرة تسبب لي نوعاً من الحرج.

جيسون شوارتزمان وكيرستن دانست في مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

* لماذا؟

- لأنني لم أكن أتمتع حينها بتلك الثقة في فرض رأيي أو إثبات ذاتي؛ كنت لا أزال أشق طريقي بوصفي مخرجةً شابةً. وفكرتُ أن هذا قد يكون مثيراً لاهتمام الشباب الآخرين الشغوفين بالسينما، ليروا كيف تتطور رحلة الإنسان بوصفه شخصاً مبدعاً. كما أن الأمر يتيح لي الرؤية من خلال عيني والدتي، وهي تراقب ابنتها في أثناء العمل. لقد كان العمل على هذا الفيلم تجربة عاطفية للغاية، وشعرتُ بأنه بمثابة هدية تركتها لي.