هل يمكن للذكاء الاصطناعي صرف الوصفات الطبية؟

جدل حول برنامج يخضع لإشراف مجلس خبراء من دون أطباء

هل يمكن للذكاء الاصطناعي صرف الوصفات الطبية؟
TT

هل يمكن للذكاء الاصطناعي صرف الوصفات الطبية؟

هل يمكن للذكاء الاصطناعي صرف الوصفات الطبية؟

أثار برنامج لتجديد الوصفات الطبية، الذي أُطلق بهدوء في ولاية يوتا الأميركية في وقت سابق من هذا العام، جدلاً طبياً واسعاً: هل الذكاء الاصطناعي مستعد لتولي مهام كان لا يمكن أداؤها - حتى الآن - إلا من قبل الأطباء؟ كما كتب ماثيو بيرون (*).

تجديد الوصفات عبر الإنترنت

يتيح البرنامج لسكان يوتا تجنب زيارة عيادة الطبيب وتجديد وصفاتهم الطبية عبر الإنترنت باستخدام «روبوت محادثة» يعمل بالذكاء الاصطناعي ويُدعى «دوكترونيك» (Doctronic).

وتبدو هذه الخطوة بسيطة في ظاهرها نحو جعل الرعاية الصحية أكثر ملاءمة ويسراً للمرضى والأطباء الذين يصفون العلاج. لكنها تمثل أيضاً محطة فارقة تكسر القواعد المألوفة، مما أثار مخاوف وتحذيرات لدى الأطباء والمحامين وخبراء الصحة العامة.

الذكاء الاصطناعي من شركة «دوكترونيك» يطلب من المستخدم سرد أعراض مرضه لكي يضع له خطة العلاج

تساؤلات حول دور الذكاء الاصطناعي في الطب

وقد كشف هذا البرنامج التجريبي عن مجموعة من التساؤلات حول دور الذكاء الاصطناعي في الطب، بما في ذلك كيفية تنظيمه قانونياً، وما إذا كان ينبغي منح الأطباء صلاحية الاعتراض على قراراته، ونوع تدابير السلامة المطلوبة لحماية المرضى.

ويكمن جوهر الجدل في أن القوانين - سواء على مستوى الولاية أو المستوى الفيدرالي - تحصر صلاحية وصف الأدوية في المهنيين الطبيين المرخصين. ويرى المؤيدون أن هذه القوانين، التي شكلت ركيزة الطب الأميركي لأكثر من 100 عام، يجب تحديثها لتشمل روبوتات المحادثة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات الحديثة.

يقول الدكتور إريك بريسمان، من جامعة بنسلفانيا: «لقد تجاوزنا عتبة جديدة تتمثل في منح كيان غير بشري ترخيصاً طبياً، سواء أردنا تسمية الأمر كذلك أم لا».

الذكاء الاصطناعي لا يمكنه ممارسة الطب بموجب القوانين الحالية

يؤكد بريسمان وخبراء آخرون أنهم لا يعارضون فكرة قيام الذكاء الاصطناعي بوصف الأدوية، لكنهم يرون ضرورة استيفاء معايير صارمة تضاهي تلك المطبقة على الأطباء البشر، الذين يخضعون لسنوات من الاختبارات والتدريب قبل الحصول على ترخيص لممارسة الطب.

بيئة قانونية تجريبية

في ولاية يوتا، تمكن نظام «دوكترونيك» من الانطلاق بفضل ما يُعرف بـ«البيئة التنظيمية التجريبية» (regulatory sandbox)، التي تتيح لمسؤولي الولاية استثناء شركات الذكاء الاصطناعي - التي تقدم تقنيات واعدة - من بعض القوانين والقيود.

ويخضع برنامج تجديد الوصفات حالياً لإشراف مجلس مكون من خمسة أعضاء من المتخصصين في الذكاء الاصطناعي - ولا يوجد بينهم أي أطباء - الذين يؤكدون أنهم طبقوا العديد من تدابير السلامة. وعلى سبيل المثال، خلال المرحلة الأولية للبرنامج، يقوم أطباء بشريون بمراجعة جميع طلبات التجديد التي يعالجها نظام «دوكترونيك»، في حين تتوقع الشركة المشرفة عليه الانتقال قريباً إلى نظام التجديد الآلي بالكامل.

رئيس مجلس ترخيص المهن الطبية لم يعلم بإجازة البرنامج

صرح رئيس مجلس ترخيص المهن الطبية في الولاية بأنه وزملاءه علموا بالبرنامج عندما نُشر خبر إطلاقه في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي. وفي رسالة وجهها 11 عضواً من أعضاء المجلس إلى سلطات الولاية في شهر مارس (آذار)، طالبوا بوقف البرنامج، مشيرين إلى المخاطر المرتبطة بالتجديد التلقائي للأدوية التي قد تكون لها آثار جانبية أو تسبب تفاعلات دوائية.

الأطباء... لا رأي لهم

وقال الدكتور آلان سميث، وهو طبيب أسرة يرأس المجلس (مؤكداً أنه يتحدث بصفته الشخصية): «لقد قيل لنا باختصار: نعم، هذا الأمر يحدث، ولا، ليس لكم رأي فيه».

وما يزيد المشهد تعقيداً حقيقة أن التكنولوجيا الطبية تخضع تقليدياً للوائح على المستوى الفيدرالي، في حين تخضع المهن الطبية لرقابة الولايات.

ويرى مسؤولو شركة «دوكترونيك» أن تقنية الذكاء الاصطناعي التي يستخدمونها تعد جزءاً من ممارسة الطب الخاضعة لرقابة الولاية. غير أن إدارة الغذاء والدواء الفيدرالية (FDA) هي الجهة المنوط بها الإشراف على تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تؤثر بشكل مباشر على الرعاية الطبية أو اتخاذ القرارات الطبية، وهو خط فاصل يعتقد بعض الخبراء أن «دوكترونيك» قد تجاوزته.

بعض الولايات تمهد الطريق لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية

وفي مقابلة أجريت مع مسؤولي «دوكترونيك» للإفصاح عما إذا كانوا قد سعوا للحصول على تصريح من إدارة الغذاء والدواء. قال الدكتور آدم أوسكويتز، الذي شارك في تأسيس الشركة مع رائد أعمال في مجال التكنولوجيا: «هدفنا هنا هو ببساطة الوصول إلى المرضى حيثما يحتاجون إلى الرعاية الصحية. ونحن نحاول ألا نغرق في التفاصيل المعقدة المتعلقة بالجوانب التنظيمية».

وفي ولاية يوتا، يمكن للسكان زيارة موقع إلكتروني خصصته «دوكترونيك» لبرنامج تجديد الوصفات الطبية. وبعد التحقق من الهوية، يطرح «الروبوت المحادث» الذي يعمل بالذكاء الاصطناعي- أسئلة على المستخدمين حول وصفاتهم الطبية وتاريخهم المرضي، ويتأكد من وجود وصفة طبية سارية المفعول من خلال الربط بقاعدة بيانات وطنية للصيدليات. وإذا لم تكن هناك أي عوائق، يمكن للذكاء الاصطناعي تجديد الوصفة وإرسالها إلى صيدلية محلية. أما إذا تطلب الأمر مزيداً من الاهتمام، فيقوم الروبوت المحادث بتحويل المريض إلى طبيب يعمل ضمن خدمة الرعاية الصحية عن بُعد التابعة لشركة «دوكترونيك».

ويتصور أوسكويتز مستقبلاً يمكن فيه إسناد العديد من المهام الطبية الروتينية - بما في ذلك طلب الفحوصات وتحليل النتائج - إلى «دوكترونيك»، مما يتيح للأطباء إدارة شؤون عدد أكبر بكثير من المرضى مقارنة بما يمكنهم القيام به حالياً.

تخفيف قواعد استخدام الذكاء الاصطناعي

تقوم ولايات أخرى أيضاً بتخفيف القواعد التنظيمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تكساس ووايومنغ.

وفي الوقت نفسه، طرح مشرعون في ولايات مثل آيوا وأيداهو وغيرها تشريعات لمنح تراخيص رسمية للخدمات الطبية القائمة على الذكاء الاصطناعي. وتستند العديد من مشروعات القوانين هذه إلى نموذج أعده «معهد سيسيرو» (Cicero Institute) - وهو مؤسسة فكرية غير ربحية تدعم الذكاء الاصطناعي - أسسه جو لونسديل، الشريك المؤسس لشركة برمجيات الذكاء الاصطناعي «بالانتير» (Palantir). ويقول مدير السياسات الصحية في المعهد إن المعارضة الموجهة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي تنبع بشكل أساسي من مخاوف اقتصادية لدى الأطباء وغيرهم من العاملين في قطاع الرعاية الصحية.

وقال آدم ماير، المسؤول في معهد سيسيرو: «الجهة التي تبادر بالخطوة الأولى ستواجه الانتقادات والهجوم؛ نظراً لوجود مصالح اقتصادية ومخاوف تتعلق بالقوى العاملة وتأثير ذلك على الوظائف».

الأطباء يرون مخاطر محتملة في عمليات تجديد الوصفات الطبية عبر الذكاء الاصطناعي

يقول سميث، رئيس المجلس الطبي، إن المخاطر التي تهدد المرضى حقيقية؛ إذ يشير إلى أن قائمة الأدوية القابلة للتجديد عبر نظام «دوكترونيك» التي تضم 190 دواءً- تشمل مميعات الدم، التي قد تشكل خطراً إذا أصيب المرضى بقرحة في المعدة أو حالات صحية أخرى تسبب نزيفاً داخلياً. وأضاف سميث: «في كثير من الأحيان، عندما أرى المرضى بعد مرور ستة أشهر، أجد أن تاريخهم الطبي أو حالتهم الصحية قد تغيرت. فمجرد أن دواءً ما قد وُصف سابقاً، لا يعني بالضرورة أنه مناسب للحالة الراهنة».

وقد أعربت الجمعية الطبية الأميركية عن مخاوف مماثلة، محذرة من أن «عمليات تجديد الوصفات الطبية ليست مجرد إجراء روتيني بسيط».

من جانبه، قال زاك بويد، رئيس مكتب الذكاء الاصطناعي في ولاية يوتا، إن شركة «دوكترونيك» كانت شديدة الحذر حتى الآن، وغالباً ما كانت تحيل القرارات التي لا تثير جدلاً إلى الأطباء. واستجابةً لمخاوف تتعلق بالسلامة، أُزيلت عدة أدوية من القائمة المؤهلة للتجديد التلقائي، بما في ذلك دواء لعلاج عدم انتظام ضربات القلب.

وقد نشرت ولاية يوتا بعض البيانات الأولية حول البرنامج، وتخطط «دوكترونيك» لنشر دراسات خضعت لمراجعة الأقران في وقت لاحق من هذا العام. وحالياً، فإن المنشور الوحيد المتاح حول تقنيتها هو ورقة بحثية أعدها علماء الشركة ولم تخضع لمراجعة مستقلة.

وقد بحثت الدراسة فيما إذا كان بإمكان «دوكترونيك» تشخيص الحالات الطبية بشكل صحيح استناداً إلى سجلات 500 استشارة طبية عن بُعد. وأظهرت النتائج أن تشخيصات النظام تطابقت مع تشخيصات الأطباء البشريين في 80 في المائة من الحالات.

تشابه مع المعايير الطبية العشوائية السائدة في أوائل القرن العشرين

يرى بريسمان أن ولاية يوتا كان ينبغي عليها المطالبة ببيانات حول تجديد الوصفات الطبية منذ البداية، وليس بعد أن بدأت «دوكترونيك» في العمل بالفعل. وقال: «في الغالب، هم يتقبلون تأكيدات الشركة بحسن نية بأنها قادرة على إنجاز المهمة». ويشير بريسمان إلى أن النهج المتبع حالياً تجاه الذكاء الاصطناعي يحاكي المعايير الطبية العشوائية التي سادت في أوائل القرن العشرين، أي قبل أن تتفق كليات الطب والمجالس الطبية وغيرها من الهيئات على معايير وطنية موحدة للتدريب ومنح التراخيص.

إدارة الغذاء والدواء تتبنى نهجاً غير تدخلي

عادةً ما تصدر المبادئ التوجيهية الوطنية المتعلقة بالتكنولوجيا الطبية عن إدارة الغذاء والدواء الأميركية، غير أن الوكالة أشارت إلى أنها تعتزم تبني نهج لا يتدخل بشكل مباشر في التفاصيل التشغيلية، على الأقل في ظل الإدارة الحالية. وصرح متحدث باسم إدارة الغذاء والدواء بأن الوكالة لم تمنح ترخيصاً لأي برمجيات دردشة آلية (تشات بوت) تعتمد على الذكاء الاصطناعي، لكنها «ملتزمة بتشجيع الابتكار الطبي والمساعدة في إيصال تقنيات جديدة واعدة إلى المرضى، مع وضع السلامة في صميم كل قرار تتخذه».

وفي الوقت الراهن، من المرجح أن تتوسع شركة «دوكترونيك» وغيرها من الشركات في ولايات تتبنى مناهج تنظيمية متفاوتة. ويقول دانيال آرون، من كلية الحقوق بجامعة يوتا: «قد تحقق الشركات مكاسب على المدى القصير من خلال توسيع نماذج أعمالها ودفع التكنولوجيا لتتجاوز حدود الأدلة العلمية المتاحة؛ لكنني أعتقد أنها تخاطر، على المدى الطويل، بتقويض ثقة الجمهور وإثارة ردود فعل سلبية ومعارضة شديدة».

* مجلة «فاست كومباني».


مقالات ذات صلة

ترمب يعتزم تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي»

تكنولوجيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ترمب يعتزم تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي»

كتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، يوم السبت، أنه بصدد تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي» للإشراف على تنظيم هذا المجال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك سيدة مصابة بمرض ألزهايمر تستخدم هاتفاً للتحدث مع برنامج الدردشة «ليفانا» (أ.ف.ب)

أصوات مألوفة وحيوانات أليفة... الذكاء الاصطناعي في خدمة مرضى ألزهايمر

يُساعد الذكاء الاصطناعي على تهدئة المسنّين خلال نوبات الانفعال الشديد من دون الحاجة إلى أدوية، كما يشكل وسيلة لإبقاء المريض منشغلاً ريثما يتوفر أحد المتخصصين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان بجانب رؤساء شركات تكنولوجيا أميركية خلال مأدبة عشاء في البيت الأبيض 5 سبتمبر 2025 (البيت الأبيض)

عمالقة التكنولوجيا يلتقون الرئيس الصيني بالبيت الأبيض وسط سباق الذكاء الاصطناعي

يشارك رئيس «إنفيديا» والرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» إلى جانب عدد من أبرز قادة قطاع التكنولوجيا في مأدبة عشاء يقيمها البيت الأبيض على شرف الرئيس الصيني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس كارل فينسون» (رويترز)

تقرير استخباراتي أعده الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حرباً بين أميركا والصين

حادثة لم يسبق الإبلاغ عنها كادت تشعل مواجهة مسلحة بين الولايات المتحدة والصين في الشرق الأوسط خلال هذا العام.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ سفينة حربية صينية (أرشيفية - رويترز)

خطأ الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حرباً بين أميركا والصين

كان الجيش الأميركي على وشك الصعود إلى سفينة صينية في الشرق الأوسط في وقت سابق من هذا العام، بناءً على تقرير استخباراتي خاطئ أُعد بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«ناسا» توسع تعاقدها مع «سبيس إكس» لنقل مزيد من الرواد لمحطة الفضاء

محطة الفضاء الدولية (رويترز)
محطة الفضاء الدولية (رويترز)
TT

«ناسا» توسع تعاقدها مع «سبيس إكس» لنقل مزيد من الرواد لمحطة الفضاء

محطة الفضاء الدولية (رويترز)
محطة الفضاء الدولية (رويترز)

أعلنت إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، الجمعة، أنها منحت شركة «سبيس إكس» عقداً بقيمة 946 مليون دولار لإرسال ثلاث بعثات إضافية من رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية، مما يمدد رحلات الشركة المأهولة إلى المحطة حتى عام 2030.

وترفع الصفقة عدد رحلات رواد الفضاء التي تقوم بها شركة «سبيس إكس» لصالح «ناسا» بموجب العقد إلى 17 رحلة، كما تزيد القيمة الإجمالية للعقد إلى 5.92 مليار دولار. وتعتمد «ناسا» بشكل كبير على «سبيس إكس» في نقل رواد الفضاء من وإلى المحطة، في وقت تعمل فيه على الحفاظ على خيار أميركي ثان من خلال شركة «بوينغ»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

يغطي العقد إعداد رواد الفضاء والمركبات الفضائية على الأرض، وإطلاقها، وتشغيل المهمة في الفضاء، وإعادة الطواقم إلى الأرض، واستعادة الكبسولة. كما يتضمن نقل الإمدادات وإبقاء المركبة الفضائية في المحطة كمركبة هروب في حالات الطوارئ.

واختارت «ناسا» شركتي «سبيس إكس» و«بوينغ» في 2014 لتطوير مركبات فضائية قادرة على نقل رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية. وكان الهدف هو تزويد الولايات المتحدة بقدرة إطلاق محلية منتظمة بعد أن أوقفت «ناسا» برنامج مكوك الفضاء، منهية بذلك سنوات من الاعتماد على مركبة «سويوز» الروسية.

وتعرضت مركبة «ستارلاينر» التابعة لشركة «بوينغ» لمشكلات خلال رحلتها التجريبية المأهولة عام 2024، ما دفع «ناسا» إلى إعادة الكبسولة إلى الأرض دون طاقم، بينما عاد رائدا الفضاء بوتش ويلمور وسوني ويليامز على متن مركبة «دراغون» التابعة لشركة «سبيس إكس»، بعد أن امتدت مهمتهما، التي كان مقرراً أن تستمر 10 أيام، إلى أكثر من تسعة أشهر في محطة الفضاء الدولية.

ووافقت «ناسا» على نظام «سبيس إكس» لرحلات رواد الفضاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. ومنذ ذلك الحين، أصبحت «سبيس إكس» المزود الرئيسي للوكالة لعمليات تبديل الأطقم في المحطة.

وترغب «ناسا» في أن تقوم كل من شركتي «سبيس إكس» و«بوينغ» بتشغيل رحلات نقل الأطقم، حتى لا يؤدي وقوع حادث أو مشكلة فنية تؤثر على إحدى الشركتين إلى توقف وصول رواد الفضاء الأميركيين إلى المحطة.


رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية: «علينا الاستعداد لمعارك حول القمر»

حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر
حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر
TT

رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية: «علينا الاستعداد لمعارك حول القمر»

حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر
حروب المستقبل تمتد من قاع الأرض إلى القمر

صرّح القائد العسكري الأعلى في الجيش الأميركي بأن القوات الأميركية يجب أن تكون على أهبة الاستعداد لخوض حرب بالقرب من القمر، أو ربما حتى عليه. ويأتي هذا التصريح في وقتٍ لا يزال فيه قادة الجيش يدرسون الأطر القانونية المحيطة بالأسلحة المدارية التي كُشِف عنها حديثاً، كما كتب توماس نوفيلّي(*).

معارك من قاع البحر إلى الفضاء القريب من القمر

وقال الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، خلال كلمته الرئيسية أمام الطيارين والحراس وقادة الصناعات الجوية والفضائية في مؤتمر الفضاء والجو والفضاء الإلكتروني: «مهمتنا، يا أصدقائي هي التكيف الآن، حتى تكون القوات المشتركة مستعدة للقتال والصمود والانتصار في بيئات التنازع العالمية، من قاع البحر إلى الفضاء القريب من القمر».

وكرر كين لاحقاً الفكرة نفسها - «ساحة المعركة الحديثة اليوم تمتد من قاع البحر إلى الفضاء القريب من القمر» - لكنه لم يوضح ما إذا كان يقصد سطح القمر. ويتسم القانون الأميركي بالغموض، إذ يُعرّف الفضاء القريب من القمر بأنه «المنطقة الفضائية الممتدة من الأرض إلى المنطقة المحيطة بسطح القمر، بما في ذلك تلك المنطقة».

وقد فسّرت إحدى مقالات مجلة هارفارد للقانون هذا البند على أنه يشمل سطح القمر نفسه، كما نصّت خطة العمل الوطنية للعلوم والتكنولوجيا القريبة من القمر الصادرة عن البيت الأبيض في أواخر عام 2024 صراحةً على أنها تشمل سطح القمر. إلا أن «دليل الفضاء القريب من القمر» الصادر عن مختبر أبحاث القوات الجوية عام 2021 يبدو أنه يتعامل مع الفضاء وسطح القمر كمجالين منفصلين.

أسلحة في مدارات فضائية

وأشار كين إلى تصريحات أدلى بها أخيراً وزير القوات الجوية ورئيس عمليات الفضاء في القوات الفضائية حول الأسلحة المدارية. وقد تردد كبار مسؤولي القوات الفضائية في تقديم مزيد من التفاصيل حول كيفية عملهم في هذا المجال وكيفية استخدامهم للأسلحة الفضائية بشكل مسؤول في النزاعات المستقبلية.

أجهزة استشعار قرب القمر

وبينما لم يُقدّم كبار مسؤولي القوات الفضائية سوى القليل من التفاصيل حول كيفية خوض القوات الأميركية للقتال بين الأرض والقمر، فقد أبدوا رغبتهم في إضافة أجهزة استشعار وقدرات لمراقبة تحركات العدو هناك. قال آرون برينيلدسون، أستاذ قانون الفضاء في جامعة ميسيسيبي، إنه من المفهوم رغبة الجيش في تعزيز الوعي في تلك المنطقة.

وأضاف برينيلدسون: «هناك مخاوف من أن تتجاوز الأنشطة الصينية الأخيرة على سطح القمر وفي الفضاء القريب منه أنشطة الولايات المتحدة».

خرق المعاهدات الدولية

وتحظر معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، التي وقّعتها الولايات المتحدة، بعض الممارسات العسكرية على سطح القمر، وتنص على استخدامه «حصرياً للأغراض السلمية». ونصت على أن «يُحظر إنشاء قواعد ومنشآت وتحصينات عسكرية، واختبار أي نوع من الأسلحة، وإجراء مناورات عسكرية على الأجرام السماوية. ولا يُحظر استخدام الأفراد العسكريين في البحوث العلمية أو لأي أغراض سلمية أخرى».

وصرح الفريق غريغوري غانيون، قائد قيادة القوات القتالية في القوات الفضائية، للصحافيين خلال اجتماع مائدة مستديرة، بأن السربين الثامن عشر والتاسع عشر للدفاع الفضائي يتشاركان الآن مهمة العمليات في الفضاء القريب من القمر. وأضاف: «خصومنا، خصومنا المحتملون مثل جمهورية الصين الشعبية، يسعون بنشاط إلى القيام بأنشطة في المناطق القريبة من القمر. وهذا بمثابة توسيع، إن صح التعبير، لمنطقة النهاية في لعبة كرة القدم».

وعند سؤاله عما إذا كانت معاهدة الفضاء الخارجي تحد من طموحات الجيش في الفضاء القريب من القمر، قال غانيون إنها لا تحدّ من العمليات المدارية. وأكد قائلاً: «ستواصل القوات الفضائية الأميركية تنفيذ عمليات فضائية آمنة ومسؤولة في جميع مناطق الفضاء وفي جميع المدارات».

التفاف قانوني

وقال برينيلدسون إنه بينما تحظر المعاهدة إنشاء قواعد عسكرية على سطح القمر، «تحتاج الولايات المتحدة إلى قدرات أفضل في الفضاء القريب من القمر لضمان امتثال الصين لهذا الالتزام وعدم عسكرة القمر. هناك فجوة حقيقية في التغطية من جانب الولايات المتحدة يجب سدّها».

أثار الكشف الذي أدلى به هذا الأسبوع وزير القوات الجوية تروي مينك ورئيس عمليات الفضاء الجنرال دوغلاس شييس عن امتلاك الولايات المتحدة أسلحة للتحكم في الفضاء في المدار تساؤلات قانونية حول استخدامها المسؤول. وقد تكهن الخبراء بأن هذه الأسلحة على الأرجح غير حركية، مثل أجهزة التشويش وقدرات الحرب الإلكترونية.

وعندما سُئل غانيون عما إذا كانت السياسة الأميركية تحدّ من استخدام سلاح فضائي حركي، أي ذي قدرة تدميرية من شأنها أن تُحدث حطاماً، أحال الأمر إلى مكاتب السياسات. وقال: «لدينا قدرات عسكرية لأننا نستعد للدفاع عن الوطن. والسبب في امتلاكنا لهذه القدرات هو المساعدة في خلق الردع. عندما تخوض حرباً، فإنك تُلحق أضراراً بالأشياء».

وأضاف برينيلدسون: «ليس من الواضح ما هي القيود القانونية المفروضة على استخدام الأسلحة الحركية أو غير الحركية في الفضاء. ولا تقدم معاهدة الفضاء الخارجي إجابات شافية حول العوامل التي يجب مراعاتها في أي عمل عسكري». وقال: «في نهاية المطاف، أعتقد أن أول صراع فضائي قد يكون الوقت الذي تُصاغ فيه معظم هذه القواعد».

* «مجلة «وان ديفينس»، خدمات «تريبيون ميديا».


«ناسا» تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على القمر

عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على القمر

عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)

اكتشف باحث في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر، في حدث نادر يقول العلماء إنه قد لا يتكرّر سوى مرة كل قرن أو أكثر.

وأوضحت ناسا أن عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» (McGetchin)، يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب، فيما قدّر الباحثون أن الجسم الذي تسبب بها كان بحجم مبنى يتألف من ثلاث إلى سِت طبقات. وقالت ناسا «يقدّر العلماء أن اصطداما بهذا الحجم يحدث على القمر مرة كل قرن» أو أكثر.

ورغم أن الفوهة موجودة منذ سنوات، فإنها لم تُكتشف إلا عندما لاحظها الباحث روبرت فاغنر خلال تحليل صور جديدة التقطها مسبار «مستكشف القمر المداري» (LRO)، الذي يدرس القمر منذ العام 2009. وظهرت الفوهة في الصور على شكل «بقعة ساطعة كبيرة تحيط بها هالة داكنة».

وأشارت دراسة نُشرت الأربعاء في مجلة «ساينس أدفانسيز» إلى أن هذه الفوهة تمثّل أكبر فوهة حديثة التكوين جرى اكتشافها في النظام الشمسي حتى الآن. ويقول العلماء إن دراسة تشكُّل الفوهات الحديثة تساعد على فهم جيولوجيا القمر بصورة أفضل، ما قد يساهم في التحضير للبعثات المأهولة المستقبلية التي تخطّط لها كل من الولايات المتحدة والصين.