ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

قالت إنها «لن ترضى إلا بمحاسبة من ارتكبوا جرائم بحق الشعب الليبي»

وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
TT

ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)

اصطدمت المساعي الأميركية الرامية إلى تحريك الجمود السياسي في ليبيا برفض علني من قوى عسكرية نافذة في مدينة مصراتة، في اعتراض عسكري منظم على المبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، والهادفة إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات المنقسمة.

ويحمل موقف مصراتة ثقلاً خاصاً، بالنظر إلى كونها أحد أبرز مراكز النفوذ العسكري والسياسي في غرب ليبيا، فضلاً عن أنها مسقط رأس رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وتمثل منذ عام 2011 أحد أهم موازين القوى في المشهد الليبي، مستندة إلى تشكيلات مسلحة مؤثرة، وسيطرتها على مرافق اقتصادية واستراتيجية، بينها الميناء والمنطقة الحرة والمطار.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

وأعلن المجلس العسكري في مصراتة رفضه القاطع للمبادرة الأميركية وللأسماء المتداولة في إطارها، كما رفض زيارة مرتقبة لبولس إلى المدينة، مؤكداً أنه «لن يرضى إلا بمحاسبة من ارتكبوا جرائم بحق الشعب الليبي»، في إشارة فيما يبدو إلى الحرب التي شنها الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، على طرابلس (2019-2020).

ويأتي هذا الموقف في وقت تثير فيه المبادرة الأميركية جدلاً واسعاً بين الأوساط السياسية الليبية؛ إذ تستهدف، وفق ما يُتداول في البلاد، تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وإنهاء الانقسام المؤسسي. وتشير التسريبات إلى مقترح يقضي بتولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي، مقابل استمرار الدبيبة على رأس حكومة موحدة، وهو ما أثار اعتراضات من أطراف ترى أن أي تسوية ينبغي أن تقود مباشرة إلى انتخابات عامة.

ورأى الناشط السياسي، سليمان البيوضي، أن التحركات السياسية والعسكرية في مصراتة تشهد تصاعداً متسارعاً، معتبراً أن رئيس الحكومة «لم يعد يملك الحلفاء القادرين على الدفاع عن أي صفقة سياسية داخل المدينة»، وأن القوى الفاعلة في غرب البلاد تعيد رسم تحالفاتها من خلال لقاءات ومصالحات غير معلنة.

وأضاف البيوضي أن فرص تطبيق مبادرة بولس تبدو محدودة في ظل موازين القوى الحالية، محذراً من أن أي زيارة إلى مصراتة من دون تفاهمات مسبقة قد تفضي إلى توترات يصعب احتواء تداعياتها، وفق منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك».

الدبيبة مع رئيس الوزراء القطري في الدوحة (حكومة الوحدة)

وفي خضم هذه التفاعلات، لم يصدر أي تعليق من الدبيبة أو حكومته بشأن الجدل الدائر، في حين واصل الدبيبة تحركاته الخارجية بإجراء زيارة إلى قطر، لتكون ثاني محطة خليجية له بعد زيارته الأخيرة إلى الإمارات، في إطار مساعٍ لتعزيز علاقات حكومته مع دول الخليج، واستقطاب مزيد من الاستثمارات.

وقال الدبيبة إنه بحث، السبت، في الدوحة مع رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتشجيع الاستثمارات القطرية في ليبيا، إلى جانب مناقشة آليات تطوير الشراكة بين البلدين في عدد من القطاعات ذات الأولوية، مبرزاً أن المحادثات تناولت أيضاً تطورات الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، والجهود المبذولة لدعم المسار السياسي، فضلاً عن التعاون في قطاع النقل الجوي، بالتزامن مع اقتراب افتتاح مطار طرابلس الدولي.

ونقلت وكالة الأنباء القطرية عن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري تجديد موقف الدوحة الثابت الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها، وتحقيق تطلعات شعبها نحو الاستقرار والتنمية، مؤكداً دعم بلاده الكامل للمسار السياسي الليبي، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وكل الحلول السلمية التي تصون سيادة ليبيا وتحافظ على وحدتها.

وفي موازاة السجال السياسي، برزت مؤشرات على استمرار مساعي توحيد المؤسسة العسكرية؛ إذ أكد رئيس أركان القوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، الفريق خالد حفتر، أهمية مواصلة العمل على توحيد المؤسسة العسكرية، ورفع مستوى التأهيل والتدريب لمنتسبيها، إلى جانب تسوية الأوضاع المالية للعسكريين النظاميين في المنطقة الغربية، وضمان استفادتهم من منظومة التأمين الصحي.

رئيسا أركان شرق وغرب ليبيا مع قائد «أفريكوم» الجمعة (الجيش الوطني)

وجاءت تصريحات حفتر خلال لقائه قائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، داغفين أندرسون، على هامش مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في العاصمة الأنغولية لواندا، الجمعة، بحضور رئيس أركان المنطقة الغربية، صلاح النمروش، حيث أشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، والدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وفي مؤشر على استمرار التنسيق العسكري بين الشرق والغرب رغم الخلافات السياسية، أفادت وسائل إعلام محلية بأن رئيسَي أركان القوات في المنطقتين الشرقية والغربية يعتزمان عقد اجتماع في مدينة سرت الأسبوع المقبل، لبحث الخطوات التنفيذية الخاصة بتوحيد المؤسسة العسكرية، وتشكيل غرفة أمنية وعسكرية مشتركة، في وقت تبدو فيه المبادرة الأميركية أمام اختبار صعب مع اتساع دائرة التحفظات داخل أحد أبرز معاقل النفوذ العسكري في غرب البلاد.

وتعيش البلاد في ظل انقسام حكومي وعسكري بين حكومتين؛ إحداهما «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة الدبيبة، وأخرى مكلفة من البرلمان وتسيطر على شرق وأجزاء واسعة من جنوب البلاد برئاسة أسامة حماد، وهي مدعومة من «الجيش الوطني».


مقالات ذات صلة

المنفي يبحث مع رئيس الاستخبارات الليبية سبل حماية الأمن الوطني

شمال افريقيا المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي مستقبلاً مليقطة رئيس جهاز الاستخبارات يوم الاثنين (مكتب المنفي)

المنفي يبحث مع رئيس الاستخبارات الليبية سبل حماية الأمن الوطني

بحث رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، مع رئيس جهاز الاستخبارات عبد المجيد مليقطة، تطورات الأوضاع الأمنية وسبل تعزيز التعاون الاستخباراتي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة للمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية الأسبوع الماضي (المجلس الأعلى)

ليبيا: تصعيد سياسي يستبق إحاطة تيتيه أمام «مجلس الأمن»

تجدد الخلاف السياسي في ليبيا مع رفض المجلس الأعلى للدولة مخرجات «4+4» وقوانين انتخابية أقرها مجلس النواب، قبيل إحاطة أممية مرتقبة قد تحدد ملامح الخطوات المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً القائم بالأعمال في سفارة السعودية لدى ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي 2 سبتمبر الماضي (مكتب الدبيبة)

إدانة ليبية للهجمات على السعودية

أدانت وزارة الخارجية بحكومة «الوحدة» الليبية الهجمات التي استهدفت السعودية، مؤكدةً تضامن ليبيا الكامل مع المملكة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

تواجه الرئاسة الجديدة لمجلس النواب الليبي تحدياً مزدوجاً بين الدفع نحو تسوية سياسية تنهي الانقسام المستمر، والاستجابة للأزمات المعيشية المتفاقمة.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من ظاهرة حراك معلمي ومعلمات جنزور غرب ليبيا يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)

«حراك المعلمين» في ليبيا يهدد بمواصلة تعطيل الدراسة

استمر إضراب المعلمين في مناطق ليبية عديدة، مهدداً بمزيد من تعطيل الدراسة، وسط تعثر جهود الحكومة والنقابة لاحتواء الأزمة، وتمسك الحراك بمطالبه المالية والوظيفية.

خالد محمود (القاهرة)

بحارة مصريون يعانون الاستغلال وسط حروب مشتعلة

البحارة المصريون في أوكرانيا عقب إعلان الخارجية المصرية تأمين خروجهم إلى مولدوفا الثلاثاء (الخارجية المصرية)
البحارة المصريون في أوكرانيا عقب إعلان الخارجية المصرية تأمين خروجهم إلى مولدوفا الثلاثاء (الخارجية المصرية)
TT

بحارة مصريون يعانون الاستغلال وسط حروب مشتعلة

البحارة المصريون في أوكرانيا عقب إعلان الخارجية المصرية تأمين خروجهم إلى مولدوفا الثلاثاء (الخارجية المصرية)
البحارة المصريون في أوكرانيا عقب إعلان الخارجية المصرية تأمين خروجهم إلى مولدوفا الثلاثاء (الخارجية المصرية)

سلّطت حوادث مقتل بحارة مصريين واختطاف آخرين في مناطق توتر بحري، الضوء على المخاطر المتزايدة التي تواجه العاملين على السفن التجارية، في ظل شكاوى نقابية من استغلال بعض الشركات حاجتهم إلى العمل ودفعهم إلى الإبحار في مناطق تشهد نزاعات مسلحة وتهديدات أمنية، من البحر الأسود إلى مضيق هرمز.

وأعلنت وزارة الخارجية المصرية، الثلاثاء، نجاحها في تأمين خروج 15 بحاراً مصرياً عالقين في أوكرانيا إلى مولدوفا المجاورة، تمهيداً لإعادتهم إلى مصر على متن أقرب رحلة طيران، وذلك بعد أيام من عودة 8 بحارة مصريين إلى القاهرة، عقب تحريرهم من قبضة قراصنة صوماليين احتجزوهم لأشهر.

وتعكس الحالتان جوانب مختلفة من المخاطر التي يتعرض لها البحارة المصريون في مناطق الاضطرابات.

وتوقع القبطان السيد الشاذلي النجار، رئيس «نقابة الضباط البحريين المصريين» ورئيس «المنظومة البحرية المصرية»، استمرار الأزمات التي تواجه البحارة العاملين في مناطق النزاعات المسلحة، مشيراً إلى «استغلال بعض الشركات لهم ودفعهم إلى العمل في مناطق بحرية غير آمنة، بما يجعلهم عُرضة لأن يتحولوا إلى رهائن للحروب».

وأضاف الشاذلي، وهو أيضاً مسؤول الاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF) في مصر، أن أجور البحارة العاملين في مناطق النزاعات تضاعفت نتيجة إحجام كثيرين عن العمل فيها، بسبب المخاطر الأمنية والعمليات العسكرية، وعزوفهم عن قبول عقود تهدد سلامتهم وحياتهم.

واستطرد قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «اتساع نطاق الصراع في البحر الأسود والتوترات العسكرية المحيطة به يفرضان مزيداً من الحذر في التعامل مع خطوط الملاحة البحرية، خصوصاً في المناطق التي باتت عرضة للاستهداف».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

وسبق أن دعت «الهيئة المصرية لسلامة الملاحة البحرية»، في يوليو (تموز) الماضي، كلاً من البحارة المصريين وشركات الملاحة إلى توخي الحذر في مناطق النزاعات والمناطق البحرية عالية الخطورة، والالتزام بإجراءات الأمن والسلامة وتقييم المخاطر، حفاظاً على الأرواح والسفن.

وتأتي الدعوة في ظل حوادث استهدفت سفناً تجارية تحمل بحارة مصريين، إذ أعلنت «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية»، قبل أيام، استهداف وغرق السفينة «ألفا وطن»، إثر هجوم تعرضت له في المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا بالبحر الأسود في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أعقبه فقدان الاتصال بطاقمها الذي يضم تسعة بحارة سوريين ومصرياً واحداً.

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قُتل ربان سفينة مصري إثر قصف أوكراني استهدف سفينة بضائع في أثناء رسوها بميناء روسي. وكانت السفينة «نوران» تحمل 13 بحاراً، هم تسعة مصريين واثنان من الهند واثنان من سوريا، وتعرضت، وفقاً للمعلومات التي أوردتها النقابة، لهجوم بست مسيّرات أوكرانية.

وفي إطار التحرك لإجلاء البحارة المصريين العالقين في أوكرانيا، قال السفير نادر زكي المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، الثلاثاء، إن الوزير بدر عبد العاطي أصدر توجيهات إلى القطاع القنصلي بالوزارة، والسفارتين المصريتين في أوكرانيا ورومانيا، والمعتمدة غير المقيمة لدى مولدوفا، بسرعة إنهاء الإجراءات الخاصة بالبحارة الذين تعرضت سفنهم لعمليات عسكرية في البحر الأسود، وتيسير عودتهم إلى البلاد في أقرب وقت ممكن.

وأضاف المتحدث أن السفارتين عملتا على تأمين تأشيرات عبور البحارة إلى مولدوفا بعد استخراج المستندات الثبوتية اللازمة والتواصل مع الشركات التي يعملون لديها لتوفير تذاكر السفر إلى مصر. وأكد أن البحارة عبروا بالفعل إلى الأراضي المولدوفية، تمهيداً لعودتهم على متن أقرب رحلة طيران.

وأشار زكي إلى أن السلطات المصرية سبق أن أصدرت تحذيرات بشأن العمل في مناطق النزاعات والتوترات، مؤكداً أهمية التزام الشركات المشغلة والبحارة بهذه التحذيرات، وعدم تعريض أطقم السفن لمخاطر يمكن تجنبها.

من جانبه أشاد الشاذلي بجهود وزارة الخارجية في تأمين خروج البحارة الخمسة عشر من أوكرانيا ونقلهم إلى مولدوفا، لافتاً إلى أنها تُبرز أهمية التحرك القنصلي في حماية المصريين العاملين بالخارج، لا سيما في مناطق النزاعات التي قد تتعذر فيها حركة السفن أو يصعب فيها إجلاء الأطقم براً وجواً.

القاهرة تُنهي أزمة اختطاف البحارة المصريين قرب الصومال قبل أسبوع تقريباً (الخارجية المصرية)

كانت مصر قد أعلنت، في الثالث من أكتوبر الحالي، مغادرة البحارة المصريين الثمانية الذين كانوا مختطفين على متن السفينة «إم تي يوريكا» قبالة سواحل إقليم بونتلاند في الصومال، منذ الثاني من مايو (أيار) الماضي، إلى القاهرة عقب تحريرهم.

واستقبل السفير المصري لدى الصومال، محمد صلاح، البحارة لدى وصولهم إلى مطار مقديشو، السبت، قبل نقلهم إلى مقر السفارة وسط حراسة مشددة، وتوفير الإقامة لهم، تمهيداً لسفرهم برفقة السفير إلى القاهرة.

وكانت الناقلة «إم تي يوريكا»، وطاقمها المكون من ثمانية مصريين وأربعة هنود، قد وقعت في قبضة قراصنة صوماليين عقب اعتراضها في الثاني من مايو الماضي قرب سواحل محافظة شبوة اليمنية، قبل أن تتجه إلى خليج عدن ثم إلى المياه المقابلة للسواحل الصومالية.

وشدد رئيس «نقابة الضباط البحريين المصريين» في حديثه لـ«الشرق الأوسط» على أن ملف العاملين في مناطق النزاعات «لا ينبغي التعامل معه بوصفه مجموعة من الحالات الفردية المنفصلة، بل يتطلب متابعة مستمرة لأوضاعهم، والتنسيق مع الشركات المشغلة، وتعزيز الالتزام بإجراءات السلامة والتحذيرات الرسمية، بما يحد من تعرض أطقم السفن لمخاطر العمليات العسكرية والقرصنة في الممرات البحرية الدولية».

وعلى مدى سنوات، شكّلت القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي تهديداً رئيسياً للملاحة الدولية، وبلغت ذروتها عام 2008 مع ازدياد الهجمات على السفن التجارية، مما دفع إلى تحرك دولي لتعزيز الأمن البحري في المنطقة.

ورغم انحسار هذه العمليات خلال السنوات التالية، بفعل الدوريات البحرية الدولية وتدابير حماية السفن، عادت حوادث القرصنة إلى الواجهة منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع اضطرابات أمنية متزايدة في البحر الأحمر وخليج عدن.


ملك إسبانيا يزور سبتة وسط توتر دبلوماسي مع المغرب إثر أزمة المهاجرين

 الملك وزوجته يحييان الجماهير التي جاءت للترحيب بهما (أ.ف.ب)
الملك وزوجته يحييان الجماهير التي جاءت للترحيب بهما (أ.ف.ب)
TT

ملك إسبانيا يزور سبتة وسط توتر دبلوماسي مع المغرب إثر أزمة المهاجرين

 الملك وزوجته يحييان الجماهير التي جاءت للترحيب بهما (أ.ف.ب)
الملك وزوجته يحييان الجماهير التي جاءت للترحيب بهما (أ.ف.ب)

بدأ ملك إسبانيا فيليبي السادس، الثلاثاء، زيارة نادرة وحساسة دبلوماسياً إلى مدينة سبتة، بعد أكثر من شهرين على التدفق الهائل للمهاجرين إلى الجيب الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، والذي تطالب الرباط بالسيادة عليه. وتعد هذه الزيارة الأولى لعاهل إسباني منذ زيارة خوان كارلوس، والد فيليبي السادس عام 2007، التي أثارت حينها أزمة دبلوماسية مع الرباط.

الملكة ليتيزيا تحيي الجماهير التي جاءت للترحيب بها في سبتة (أ.ب)

وتجمّعت حشود لوحّت بالأعلام الإسبانية في استقبال الملك فيليبي السادس وزوجته ليتيزيا في سبتة. ومن المقرر أن يتوجها غداً الأربعاء إلى مليلية، الجيب الآخر الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب.

«سبتة ليست للبيع»

وتوقف الملك وزوجته لتحية الحاضرين ومصافحة الكثير منهم أثناء توجههما إلى مبنى البلدية للقاء السلطات المحلية. وارتدى بعض الحاضرين القمصان التي كتب عليها «سبتة ليست للبيع... ينبغي الدفاع عن سبتة». تأتي هذه الزيارة قبل أقل من سبعة أسابيع من الانتخابات المبكرة، المقررة في 29 من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فيما يُتوقع أن تكون قضية الهجرة إحدى القضايا الرئيسية في الحملة الانتخابية. وبعد نحو عقدين من الزيارة الملكية الأخيرة، تحاول مدينة سبتة التي يناهز عدد سكانها 80 ألف نسمة، استعادة شيء من الحياة الطبيعية، عقب الصدمة التي أحدثها وصول أكثر من 70 ألف مهاجر من المغرب في أواخر يوليو (تموز) الماضي.

الملك وزوجته توقفا لتحية الحاضرين ومصافحة الكثير منهم أثناء توجههما إلى مبنى البلدية (إ.ب.أ)

ورغم أن غالبيتهم غادروا في الساعات التي تلت وصولهم، فإن بضعة آلاف بقوا في هذه المنطقة الصغيرة الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، حيث شعر جزء من السكان بأن الدولة الإسبانية قد تخلت عنهم. وأثارت هذه الأزمة غضب السكان، وأضعفت موقف رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز قبل الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر المقبل، التي ستكون الهجرة إحدى قضاياها الرئيسية. وعُلّقت أعلام إسبانيا وسبتة على شرفات المباني على طول الشوارع المؤدية إلى مقرّ البلدية، حيث استهل فيليبي وليتيزيا زيارتهما بلقاء السلطات المحلية.

وقالت توني خيمينيز، وهي مساعدة تمريض تبلغ 56 عاماً انتظرت أمام مقر البلدية منذ التاسعة صباحاً مرتدية قميصاً يحمل صورة الملك والملكة، إنها تأمل أن توجّه الزيارة رسالة واضحة إلى المغرب المجاور بأن سبتة ومليلية إسبانيتان.

وأضافت: «ننتظر هذه الزيارة منذ وقت طويل»، مشيرة إلى أن تدفّق المهاجرين في يوليو الماضي أثار مخاوف السكان على مستقبل المدينة الإسبانية.

بدورها، قالت سوزانا رومان، وهي قانونية تبلغ 57 عاماً ومؤسسة مبادرة «لننقذ سبتة»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كان ينبغي للملك أن يأتي في اليوم الأول أو الثاني، وكان عليه أن يرتدي زي القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو المنصب الذي يشغله بالفعل. وبالنسبة لسكان سبتة، كان ذلك سيشكل دليلاً قاطعاً على حضور الدولة».

الملك يتسلم هدية من طفلة جاءت للسلام عليه (أ.ف.ب)

توازنات دقيقة

مع ذلك، تدرك رومان، شأنها في ذلك شأن كثير من سكان المدينة التي تزدان بالأعلام الإسبانية، التوازنات الدبلوماسية الدقيقة التي يتعين على العاهل الإسباني مراعاتها، إذ يجب تنسيق تحركاته مع الحكومة المركزية. وقالت بهذا الخصوص: «لقد تأخرا في المجيء، لكن زيارتهما تتسم بطابع خاص للغاية إذ سيمضيان الليلة في سبتة»، وذلك تعليقاً على قرار العاهل الإسباني وزوجته، وهما أوّل فردَين من العائلة المالكة يبيتان في هذا الجيب منذ استعادة الديمقراطية قبل 50 عاماً عقب وفاة الديكتاتور فرنكو.

ورغم التدفق الكبير للمهاجرين، تؤكد الحكومة الإسبانية ضرورة احترام القانون الدولي من خلال تقييم أحقية المهاجرين في الحصول على اللجوء، فيما لا يمكن ترحيل مئات الأطفال غير المصحوبين بذويهم بإجراءات موجزة. وقد أعدت السلطات مراكز لاستقبال أكثر من 7000 شخص و2800 قاصر، ما أتاح إخلاء المخيمات الكبيرة للمهاجرين، التي كانت مقامة على بعض شواطئ المدينة، غير أن البعض لا يزال يعيش في شوارع المدينة، أو في التلال المحيطة بها، وتحديداً في الضواحي.

وقالت آنا ماريا دياث، وهي متقاعدة تبلغ 69 عاماً، إنه كان ينبغي للملك أن يأتي في وقت أبكر ليرى مخيمات المهاجرين العشوائية، وإن عليه زيارة المناطق الطرفية في سبتة، حيث يتجمّع المهاجرون. وأضافت دياث، التي كانت تحمل علماً إسبانياً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أنتم لا ترون ذلك هنا، لكن إذا ذهبتم إلى الأحياء الطرفية... فالوضع مروّع».من جانبها، قالت آنا مونيوز، وهي موظفة تبلغ 33 عاماً وأكدت أنها فقدت جزئياً الثقة في الملك: «لو جاء في اليوم الثاني للاجتياح، لأدرك حقيقة الوضع هنا. أما الآن، فسوف يرى أن كل شيء نظيف، لأنهم جميعاً يقيمون في خيام (...)، ولأننا ببساطة نقلناهم من مكان إلى آخر».

وأخلت قوات الأمن الأحد مخيم غوانو، وهو آخر مخيم كان لا يزال قائماً على شواطئ المنطقة. وبعد دقائق قليلة، هدمت جرافات المآوي المؤقتة التي كان يعيش فيها نحو 400 شخص وحولتها إلى أنقاض.

تكريم ضحايا الهجرة

تشمل زيارة الملك وزوجته للمدينة زيارة مقبرة سيدي مبارك، حيث سيؤديان مراسم تكريم لأكثر من مائة شخص لقوا حتفهم خلال تدفق المهاجرين بأعداد كبيرة، وفق بيانات صادرة عن مدريد والرباط.

المئات من سكان سبتة خرجوا حاملين الأعلام الإسبانية لاستقبال الملك وزوجته (إ.ب.أ)

كما سيلقي الملك فيليبي السادس، الذي سبق أن وصف أحداث سبتة بأنها «غير مقبولة»، كلمة خلال لقاء مع ممثلين عن المجتمع المدني في المدينة. وحسب مراقبين، ستضع هذه الزيارة العلاقات مع المغرب على المحك، إذ كان العاهل المغربي الملك محمد السادس قد دافع الجمعة عن «الشراكة» مع إسبانيا، مع رفضه القاطع لأي محاولة «للضغط» أو «الابتزاز». وأكد أمام البرلمان أن الشراكة مع مدريد عرفت «تطورات مهمة»، بما في ذلك بمجال مكافحة الهجرة غير النظامية، لكنها تواجه اليوم «تحديات كبيرة».


ملك وملكة إسبانيا يبدآن زيارتهما إلى سبتة

ملك إسبانيا فيليبي والملكة ليتيزيا يحيِّيان المواطنين لدى وصولهما لزيارة مبنى بلدية سبتة (رويترز)
ملك إسبانيا فيليبي والملكة ليتيزيا يحيِّيان المواطنين لدى وصولهما لزيارة مبنى بلدية سبتة (رويترز)
TT

ملك وملكة إسبانيا يبدآن زيارتهما إلى سبتة

ملك إسبانيا فيليبي والملكة ليتيزيا يحيِّيان المواطنين لدى وصولهما لزيارة مبنى بلدية سبتة (رويترز)
ملك إسبانيا فيليبي والملكة ليتيزيا يحيِّيان المواطنين لدى وصولهما لزيارة مبنى بلدية سبتة (رويترز)

بدأ الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا زيارة نادرة وحساسة دبلوماسياً، اليوم (الثلاثاء)، إلى سبتة، لإظهار التضامن مع سكان المدينة الواقعة في شمال أفريقيا، في الوقت الذي تعاني فيه من أزمة هجرة أثّرت سلباً على العلاقات مع المغرب.

تعد الزيارة الأولى من نوعها للعائلة الملكية منذ عام 2007، عندما اندلعت أزمة دبلوماسية مع المغرب المجاور الذي يطالب بالسيادة على سبتة ومليلية، وهما جيبان يقعان في شمال أفريقيا.

العاهل الإسباني الملك فيليبي يحيِّي المواطنين لدى وصوله لزيارة مبنى البلدية ومقر الحكومة في مدينة سبتة (رويترز)

وبعد ذلك، سيتوجه الزوجان الملكيان إلى مليلية، الجيب الآخر في شمال أفريقيا، غداً (الأربعاء). وستعد هذه أول زيارة يقوم بها أفراد من الأسرة الملكية للمدينتين منذ أن قام خوان كارلوس الأول، والد فيليب» بجولة في المدينتين عام 2007.

تأتي هذه الزيارة بعدما عبر نحو 80 ألف مهاجر حدود سبتة في يوليو (تموز) الماضي، ولقي أكثر من 140 شخصاً حتفهم.

ووفقاً للأجندة الملكية الرسمية، سوف يُظهر الملك والملكة «دعم التاج الملكي لمؤسسات سبتة والمجتمع».

وسيلتقى الزوجان الملكيان المسؤولين المحليين، كما سيزوران ميداناً بوسط المدينة ومدرسة تقع في «موقع متعدد الثقافات يحترم الديانات المختلفة».

كما سوف يزور الزوجان الملكيان مقبرة لتكريم ذكرى الذين لقوا حتفهم في أثناء محاولات العبور يومَي 30 و31 يوليو الماضي. وقد دُفن عشرات المهاجرين الذين لم يتم التعرف عليهم خلال العبور في هذه المقبرة.