ترمب يحذّر من «هجوم» على الهوية الأميركية في عيد استقلالها الـ250

انقسامات حادة حول التاريخ وتعريف الوطنية والزعامة

الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)
TT

ترمب يحذّر من «هجوم» على الهوية الأميركية في عيد استقلالها الـ250

الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)

دخلت الولايات المتحدة، السبت، عامها الـ250، في ذكرى تاريخية تتزامن مع مرحلة من الانقسام الوطني العميق. وتأتي ذكرى الاستقلال أيضاً في خضم موجة حر شديدة، وضعت نحو 160 مليون أميركي تحت تحذيرات من درجات حرارة مرتفعة أو قصوى؛ ما أربك خطط المسيرات والحفلات الشعبية في عدة مدن وبلدات حول البلاد، كما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن درجات الحرارة الحارقة لم تُثنِ الرئيس دونالد ترمب، من تصدّر برنامج الاحتفالات. ويعتزم ترمب تنظيم تجمع سياسي ضخم، مساء السبت، على غرار حملاته الانتخابية في «ناشونال مول» بالعاصمة واشنطن، ترافقه عروض جوية عسكرية، وما وصفه بأنه «أكبر عرض للألعاب النارية» في العالم. وقال مستبقاً الاحتفالية: «ستبلغ الحرارة نحو 107 درجات فهرنهايت، أي 41 درجة مئوية، وسأذهب وسألقي خطاباً طويلاً جداً، فقط لأثبت أنني أستطيع فعل أي شيء».

الرئيس الأميركي يستعد لإلقاء خطاب في ماونت راشمور يوم 3 يوليو (رويترز)

وفي وقت متأخر من الجمعة، زار الرئيس النصب الوطني في ماونت راشمور، حيث ألقى خطاباً تحت أنظار الرؤوس الغرانيتية العملاقة لأربعة من أسلافه البارزين.

وبينما أشاد ترمب بـ«الاستثنائية الأميركية»، وأثنى على قادة البلاد السابقين، حذّر من أن الهوية الأميركية «تتعرّض لهجوم متجدد». واستهدف في كلمته «الراديكاليين والمتطرفين» في الداخل، قائلاً إن هناك «عودة للخطر الشيوعي في بلادنا».

وهذا موضوع كرّره ترمب مراراً في الأسابيع الأخيرة، مع تحقيق الجناح اليساري المناهض للمؤسسة داخل الحزب الديمقراطي سلسلة انتصارات في الانتخابات التمهيدية الأميركية. وصوّر الرئيس صعود اليسار قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) على أنه اندفاع لـ«الشيوعيين»، و«تهديد» كبير للبلاد. وقال ترمب، الجمعة، إن السنوات الأخيرة شهدت محاولة لـ«انتزاع الروح الأميركية منا، وإبعادنا عن تاريخنا».

وبالنسبة إلى الأميركيين، تمثل احتفالات الذكرى الـ250 لحظة للتأمل بقدر ما هي مناسبة للاحتفال. فبعد قرنين ونصف القرن من الانتصارات والمآسي، والعبودية والحرية، والحرب الأهلية والحروب العالمية، تشير استطلاعات عدة إلى أمة منقسمة حول واقعها والاتجاه الذي تسير فيه. وأظهر استطلاع لجامعة «كوينيبياك» أن 61 في المائة من الأميركيين يرون أن الولايات المتحدة لا ترقى إلى مستوى القيم الواردة في إعلان الاستقلال، رغم أن الآراء حول ذلك منقسمة أيضاً؛ إذ يرى معظم الجمهوريين أنها ترقى إليها، بينما يرى معظم الديمقراطيين أنها لا تفعل.

خلاف حول السردية

بعد قرنين ونصف القرن على إعلان الاستقلال، لا تبدو الولايات المتحدة في الرابع من يوليو (تموز) 2026 منشغلة فقط بالاحتفال بتاريخها، بل بتحديد مَن يملك حق روايته؛ فالذكرى التي كان يفترض أن تشكل محطة جامعة تحولت إلى مرآة لانقسامات البلاد: بين وطنية تقوم على القوة والرموز العسكرية والولاء للقيادة، وأخرى تربط حب الوطن بالدستور والمساواة والنقد؛ وبين من يرى أميركا أمة ذات جذور مسيحية، ومن يتمسك بهوية مدنية متعددة الأديان والأعراق.

وقد وضعت إدارة دونالد ترمب الرئيس في قلب المشهد، عبر عروض عسكرية وموسيقى وطنية وألعاب نارية واحتفال وصفه بأنه «أكبر تجمع لترمب»؛ ما دفع الديمقراطيين إلى البحث عن صيغة تعارضه من دون أن تبدو معارضة للبلاد نفسها.

أنصار الرئيس الأميركي يشاركون في احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا يوم 3 يوليو (رويترز)

وبحسب صحيفة «واشنطن بوست»، ليست المنافسة على العَلم والنشيد والجيش جديدة في السياسة الأميركية؛ فمنذ ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان، نجح الجمهوريون بدرجات متفاوتة في ربط هويتهم الحزبية بصور القوة الوطنية، بينما عانى الديمقراطيون من اتهامات مزمنة بأنهم أقل حماسة للرموز الأميركية. الجديد في الذكرى الـ250 هو أن هذا الخلاف لم يعد يدور حول مقدار الاعتزاز بالبلاد، بل حول تعريف الاعتزاز نفسه.

بالنسبة إلى ترمب وحلفائه، تظهر الوطنية في الاستعراض: الطائرات العسكرية، والحشود، والأعلام، والألعاب النارية، واستعادة سردية أميركا القوية التي لا تعتذر عن تاريخها. أما الديمقراطيون، فيحاولون تقديم مفهوم مضاد يربط الوطنية بحماية المؤسسات، وخدمة المجتمع، والمساواة أمام القانون، والاعتراف بأخطاء الماضي بدل محوها.

ألقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب كلمة خلال احتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة في ماونت راشمور بمدينة كيستون (رويترز)

ويعكس ذلك مأزقهم السياسي؛ فمقاطعة الاحتفالات التي يهيمن عليها ترمب قد تسمح للجمهوريين باتهامهم بازدراء المناسبة، بينما قد تجعلهم المشاركة مجرد ضيوف في عرض صُمم لتعظيم خصمهم.

لهذا اختار حكام وقادة ديمقراطيون التركيز على احتفالات الولايات، ومراسم التجنيس، والمتاحف، والعمل التطوعي. ففي فيرجينيا، على سبيل المثال، رُبطت فعاليات الرابع من يوليو باحتفال في مونتيسيللو يتضمن مراسم تجنيس لمواطنين جدد، ودعوة المواطنين إلى تجديد التزامهم بقيم المواطنة ومسؤولياتها. ويشير استطلاع أوردته «واشنطن بوست» إلى أن 18 في المائة فقط من الأميركيين يرون الحزب الديمقراطي «وطنياً جداً»، مقابل 31 في المائة يقولون ذلك عن الجمهوريين. وهذه فجوة تفسر لماذا أصبحت الذكرى اختباراً انتخابياً بقدر ما هي مناسبة تاريخية.

الجمهورية والزعيم

كان التخطيط الأصلي للذكرى يقوم على برنامج مدني واسع تشرف عليه «أميركا 250»، وهي هيئة غير حزبية أنشأها الكونغرس، تتمحور رؤيتها حول التاريخ والخدمة والمجتمعات المحلية، لكن الهيئة لم تحصل، بحسب «بوليتيكو»، إلا على 25 مليون دولار من أصل 150 مليوناً أقرها الكونغرس. ونتيجة ذلك، تقلص حجم برامجها، بينما تقدمت «فريدوم 250» المتحالفة مع البيت الأبيض لتشغل الفراغ، وتستحوذ على أبرز المنصات واللقطات.

أميركيون يشاركون في احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا يوم 3 يوليو (أ.ف.ب)

هذا التحول يتجاوز الخلاف الإداري والمالي؛ فهو ينقل مركز الاحتفال من المجلس التشريعي إلى الرئاسة، ومن سردية وطنية موزعة بين الولايات والمؤسسات إلى مشهد شديد التمركز حول شخص الرئيس. وكان الرئيس قد أنشأ في يناير (كانون الثاني) 2025 فريقاً خاصاً لتنظيم الاحتفال. وأعاد من خلاله إحياء مشروع «الحديقة الوطنية للأبطال الأميركيين». أما الصفحة الرسمية لـ«فريدوم 250»، فتقدم الذكرى بوصفها عاماً من الاحتفالات الهادفة إلى تجديد الحب للتاريخ الأميركي، والصلاة من أجل البلاد، وإعادة تكريسها «أمة واحدة تحت الله».

في المقابل، واصلت «أميركا 250» نشاطات أقل صخباً وأكثر انتشاراً، بينها حفلات محلية، وكبسولة زمنية، وبرامج طلابية، ومبادرة «أميركا تمنح»، التي أعلنت تجاوز 10 ملايين ساعة من الخدمة التطوعية.

وهنا تظهر روايتان متوازيتان: وطنية تُرى من منصة ضخمة في واشنطن، ووطنية تُمارس في الأحياء والمدارس والجمعيات. الأولى تعتمد الصورة والقوة والحشد، والثانية تراهن على المشاركة المدنية بوصفها التعبير العملي عن الانتماء.

إيمان وهوية

المعركة الثالثة تتعلق بالسؤال الأقدم: هل الولايات المتحدة أمة مسيحية أم جمهورية مدنية تضمن حرية الأديان؟

بحسب موقع «أكسيوس»، دفعت فعاليات مرتبطة بالبيت الأبيض نحو الصلاة وطلب «الهداية الإلهية»، وبرزت فيها أصوات مسيحية محافظة. وفي المقابل، انتقد قادة دينيون ومؤرخون غياب تمثيل واضح للمسلمين وبعض الطوائف اليهودية والبروتستانتية والكنائس السوداء. وفي مواجهة ذلك، أطلقت مبادرة «إيمان 250» تجمعات محلية تضم كنائس ومساجد ومعابد، لدراسة نصوص أميركية مختلفة، والاحتفال بالحرية الدينية، لا بهوية عقائدية واحدة.

تمثيل تاريخي خارج قصر فيرساي في باريس يوم 4 يوليو (أ.ف.ب)

هذا الصراع ليس هامشياً؛ لأن الدين بات جزءاً من الاستقطاب الحزبي. ويظهر مسح لمعهد أبحاث الدين، شمل أكثر من 22 ألف بالغ خلال 2025، أن 56 في المائة من الجمهوريين يصنّفون ضمن مؤيدي القومية المسيحية. وبذلك، يصبح استحضار عبارة «أمة واحدة تحت الله» رسالة سياسية موجهة إلى قاعدة انتخابية محددة، وليس مجرد تذكير بروحانية عامة.

لكن الآباء المؤسسين أنفسهم لا يقدمون إجابة مريحة لأي من الطرفين؛ فقد تأثروا بأفكار التنوير، مع حضور متفاوت للدين في تصوراتهم، وصاغوا نظاماً يمنع قيام كنيسة رسمية، ويحمي حرية المعتقد؛ لذلك، لا يدور الخلاف الحالي حول الماضي وحده، بل حول من يدخل اليوم في تعريف «الأميركي الحقيقي».

وطنية تبحث عن جامع

بحسب «مؤسسة سميثسونيان»، تكشف المقارنة مع الذكرى المئوية الثانية عام 1976 مقدار التغير. آنذاك، كانت البلاد خارجة من حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت واستقالة رئيس، أي إنها لم تكن أقل انقساماً أو قلقاً. ومع ذلك، نجحت الاحتفالات نسبياً في صنع فسحة مشتركة، عبر مهرجان للفنون الشعبية استمر 12 أسبوعاً، وشارك فيه ممثلون من جميع مناطق البلاد وقبائل أميركية أصلية ومنظمات عمالية ودول أجنبية.

جانب من فعاليات نظمتها البحرية الأميركية لإحياء الذكرى الـ250 للاستقلال في نيويورك يوم 4 يوليو (أ.ب)

أما في 2026، فتجري الذكرى داخل بيئة إعلامية مجزأة، وثقة منخفضة بالمؤسسات، وحملات انتخابية دائمة، تجعل كل رمز قابلاً للتحويل إلى سلاح حزبي. وحتى مشاعر الفخر الوطني لم تعد تستند إلى معنى واحد؛ فقد وجد مركز «بيو» أن الأميركيين يذكرون الحريات المدنية والتاريخ والإنجازات ومؤسسات البلاد بطرق مختلفة، بينما لا يرى سوى 6 في المائة أن زعيماً أو حزباً سياسياً يمثل مصدر فخرهم الوطني.

لذلك، يبقى تعلق الأميركيين بالرابع من يوليو أعمق من الولاء لحكومة أو رئيس. إنه تعلق بوعد غير مكتمل: الحرية، وإمكان الصعود، والقدرة على تصحيح الأخطاء، وفكرة أن البلاد مشروع يستطيع كل جيل إعادة تعريفه.

لكن الذكرى الـ250 تكشف أن الخلاف الأميركي لم يعد يدور حول الاحتفال بالبلاد فقط، بل حول معنى الوطنية نفسها. وبهذا أصبحت اختباراً لقدرة الأميركيين على الحفاظ على مناسبة وطنية مشتركة، رغم اختلافهم الحاد حول التاريخ والهوية ومستقبل البلاد.


مقالات ذات صلة

ترمب يتوعّد إيران بـ«ضربة قوية جداً» إذا ثبت ضلوعها في حادثة «فلاي دبي»

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين بعد لقاء مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا يوم 29 سبتمبر (د.ب.أ)

ترمب يتوعّد إيران بـ«ضربة قوية جداً» إذا ثبت ضلوعها في حادثة «فلاي دبي»

توعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخميس إيران بـ«ضربة قوية جداً» إذا تأكد ضلوعها في الاعتداء الذي تعرّض له قائد طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي».

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً خلال تجمع انتخابي في تكساس يوم 30 سبتمبر (أ.ف.ب)

الديمقراطيون يطرقون أبواب معاقل جمهورية قبل انتخابات نوفمبر

انخرط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حملات للجمهوريين مع انتعاش آمال الديمقراطيين في الفوز بالانتخابات النصفية للكونغرس، حتى في فيرجينيا، وميسيسيبي، وتكساس.

علي بردى (واشنطن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلقي كلمة خلال الجلسة العامة للاجتماع السنوي الـ23 لمنتدى «فالداي» للحوار بموسكو 1 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

بوتين يرفض وقفا متبادلا للضربات بعيدة المدى مع أوكرانيا

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه لا يمكن ضمان عدم استخدام أسلحة الدمار الشامل، ودعا إلى إبقاء هذا الاحتمال في الحسبان والعمل على منعه.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا لافروف مع بوتين والمستشار الرئاسي يوري أوشاكوف (إ.ب.أ) p-circle

موجة جديدة من العقوبات البريطانية ضد صندوق الحرب الروسي

أعلنت المملكة المتحدة موجة جديدة من العقوبات تستهدف خزانة الحرب الروسية و«مروجي الدعاية» وأشخاصاً متهمين بالتورط في تعذيب المواطنين الأوكرانيين.

«الشرق الأوسط» (لندن - بروكسل)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين بعد لقاء مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا يوم 29 سبتمبر (د.ب.أ)

ترمب أمام اختبار «الصوت اللاتيني» في انتخابات التجديد النصفي

يقوم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بجولة انتخابية مكثفة تمتد 32 يوماً قبل انتخابات الثالث من نوفمبر.

هبة القدسي (واشنطن)

واشنطن تخشى سرقة الصين نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية

الرؤساء التنفيذيون لشركات «إنفيديا» و«تيسلا» و«أنثروبيك» و«أتريدس مانجمنت» خلال حفل إطلاق موقع حكومي أميركي جديد مدعوم بالذكاء الاصطناعي في واشنطن يوم 29 سبتمبر (رويترز)
الرؤساء التنفيذيون لشركات «إنفيديا» و«تيسلا» و«أنثروبيك» و«أتريدس مانجمنت» خلال حفل إطلاق موقع حكومي أميركي جديد مدعوم بالذكاء الاصطناعي في واشنطن يوم 29 سبتمبر (رويترز)
TT

واشنطن تخشى سرقة الصين نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية

الرؤساء التنفيذيون لشركات «إنفيديا» و«تيسلا» و«أنثروبيك» و«أتريدس مانجمنت» خلال حفل إطلاق موقع حكومي أميركي جديد مدعوم بالذكاء الاصطناعي في واشنطن يوم 29 سبتمبر (رويترز)
الرؤساء التنفيذيون لشركات «إنفيديا» و«تيسلا» و«أنثروبيك» و«أتريدس مانجمنت» خلال حفل إطلاق موقع حكومي أميركي جديد مدعوم بالذكاء الاصطناعي في واشنطن يوم 29 سبتمبر (رويترز)

حذّر مُشرّع أميركي من أن تسرق الصين نماذج الذكاء الاصطناعي المتفوق في الولايات المتحدة، بما فيها «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، ما قد يُشكّل تهديداً للأمن القومي، في وقت تزايدت فيه العمليات غير المأذون بها ضد أنظمة كمبيوترية تابعة لشركات وحكومات، ومنها أخيراً برامج حاولت اختراق موقع حكومي كندي.

وطلب رو كانا، العضو البارز في لجنة الصين بمجلس النواب، من كبرى شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية تقديم بيانات حول كل الجهود المعروفة التي تبذلها الصين أو جهات معادية أخرى للوصول غير القانوني إلى بيانات نماذجها القيمة. كما طلب معلومات حول تدابير الأمن السيبراني المطبقة في شركات الذكاء الاصطناعي لمكافحة مثل هذه السرقة.

وكتب كانا رسائل إلى الرؤساء التنفيذيين لشركات «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«غوغل» و«ميتا» و«سبايس إكس إيه آي»، أن «سرقة نموذج متطور من جهة معادية غير حكومية قد تُعرض البشرية جمعاء للخطر، وسرقة نموذج مماثل من الصين قد تقوض ريادة أميركا في مجال الذكاء الاصطناعي بكبسة زرّ». وأضاف أنه «لم يسبق أن كان الأمن القومي والآفاق الاقتصادية لأي دولة مُعتمداً بهذا القدر على الأمن السيبراني لعدد قليل من الشركات».

وتُظهر هذه الرسائل تزايد القلق في شأن مخاطر الذكاء الاصطناعي على الأمن القومي للولايات المتحدة، وتُضيف إلى الضغوط المتزايدة على عمالقة الذكاء الاصطناعي الأميركيين، وإدارة ترمب، لكبح هذه التكنولوجيا.

وفي سياق الاختراقات المتزايدة، أفادت «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«ميتا» و«غوغل» بأنها رصدت برامج ذكاء اصطناعي تابعة لها حاولت اختراق أنظمة أمنية خارجية. وأثارت هذه الاختراقات قلق الحكومات والشركات.

في غضون ذلك، أعلنت منظمة «ترانسلوس» غير الربحية، التي تعنى بأبحاث الذكاء الاصطناعي، أن برامج قادرة على تنفيذ إجراءات على أجهزة الكمبيوتر والإنترنت حاولت الوصول من دون نجاح إلى مكتبة وأرشيف كندا، وهي النسخة الكندية من مكتبة الكونغرس في الولايات المتحدة.

ولم يتمكن الباحثون من تأكيد أن هذه البرامج طوّرتها «أوبن إيه آي»، لكنهم أشاروا إلى أن سلوكها يُشبه برامج أخرى تابعة للشركة. وأفادوا بأنهم أبلغوا الحكومة الكندية بهذه المحاولة الأربعاء.

نشاط مشبوه

وأعلنت الوكالة الفيدرالية الكندية للأمن السيبراني أنها على علم بتقارير عن نشاط مشبوه للذكاء الاصطناعي، لكن لا يوجد ما يُشير إلى اختراق الأنظمة الحكومية.

وقال ناطق باسم «أوبن إيه آي»: «نحن على علم بتقارير عن محاولات نماذج (أوبن إيه آي) الوصول إلى معلومات متاحة للجمهور من مواقع حكومية كندية»، مضيفاً أن هناك مراجعة لهذه النتائج.

ويأتي هذا الكشف الجديد بعد أيام من إعلان «أوبن إيه آي» أن برامجها الذكية اخترقت موقعاً إلكترونياً حكومياً أسترالياً للرعاية الصحية. كما حاولت اختراق مواقع إلكترونية تابعة لمكتب الإحصاء الأميركي وهيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، لكنها لم تتمكن من ذلك.

وأكدت الشركة هذه الحوادث بعدما رصدتها «ترانسلوس»، التي تُجري عمليات بحث مكثفة على الإنترنت بحثاً عن أدلة على سلوكيات غير طبيعية لبرامج الذكاء الاصطناعي.

وأعلنت «أوبن إيه آي» أنها تُحقق في اكتشاف آخر لشركة «ترانسلوس»، يُشير إلى أن برامجها الذكية حاولت اختراق وزارة التعليم الأميركية.

وكشفت «ترانسلوس» أيضاً أن خدمة أرشيف الإنترنت الوطنية البرتغالية رصدت 899 طلباً على خدمة «البحث في المجموعات» التابعة لمكتبة وأرشيف كندا، بما فيها سلسلة من محاولات الاختراق البدائية التي بدت فاشلة.

ويبحث المسؤولون في «ترانسلوس» ومنظمات أخرى عن أدلة جديدة على وجود خلل في أنظمة الذكاء الاصطناعي منذ أن كشفت «أوبن إيه آي» في يوليو (تموز) الماضي عن تمكن بعض برامجها الذكية من اختراق نظام كمبيوتري داخلي، والوصول إلى الإنترنت، واختراق شركة أخرى متخصصة في الذكاء الاصطناعي.

ولم تلاحظ «أوبن إيه آي» هذا النشاط في البداية، واستغرقت أسابيع للسيطرة عليه.

رسائل غامضة

في حوادث أخرى، استخدم عملاء «أوبن إيه آي» لوحات رسائل غامضة عبر الإنترنت للتواصل بعضهم مع بعض، واختطفوا خدمات الإنترنت حتى يتمكنوا من تمرير رمز الكمبيوتر بعضهم لبعض.

وفي ظل المخاوف الأمنية أيضاً، أعلنت «غوغل» أنها ستحجب في الوقت الراهن برنامجها «جيميناي 4 أرغون» عن العامّة، وستتيحه حصراً لمجموعة منتقاة من خبراء الأمن السيبراني، في خطوة تهدف إلى تجنب إساءة استخدامه من قراصنة الإنترنت.

وكتب كبير مهندسي الذكاء الاصطناعي في «غوغل»، كوراي كافوك أوغلو، أن «إتاحة قدرات رائدة بهذا المستوى بشكل آمن تتطلب اعتماد نهج تدريجي».

وينسجم هذا الإطلاق الحذر مع نهج «أنثروبيك» المنافسة، التي أبقت نموذجها الأكثر تقدماً «كلود ميثوس بريفيو» مُتاحاً لعدد محدود من المنظمات الموثوقة.

ويأتي هذا الإعلان بعد يوم من استضافة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لكبار المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا في البيت الأبيض، حيث وقّعوا اتفاقاً طوعياً يتعهدون فيه مراقبة مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بشركاتهم.


الديمقراطيون يطرقون أبواب معاقل جمهورية قبل انتخابات نوفمبر

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً خلال تجمع انتخابي في تكساس يوم 30 سبتمبر (أ.ف.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً خلال تجمع انتخابي في تكساس يوم 30 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

الديمقراطيون يطرقون أبواب معاقل جمهورية قبل انتخابات نوفمبر

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً خلال تجمع انتخابي في تكساس يوم 30 سبتمبر (أ.ف.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً خلال تجمع انتخابي في تكساس يوم 30 سبتمبر (أ.ف.ب)

أنعشت أحدث الاستطلاعات آمال الديمقراطيين في الفرصة السانحة أمامهم للحصول على أفضلية خلال الانتخابات النصفية للكونغرس في مطلع الشهر المقبل، بما في ذلك ضمن دوائر لطالما كانت محسوبة على الجمهوريين، في ولايات مثل فيرجينيا، وميسيسيبي، وتكساس، وغيرها.

ودفعت هذه المؤشرات كلاً من الرئيس دونالد ترمب ونائب الرئيس جاي دي فانس إلى الانخراط في جولات انتخابية الخميس، في محاولة لتعزيز الحماس المتراجع في حزبهما قبل الانتخابات.

ويمكن أن يتحول عدد من المقاعد النيابية في فيرجينيا نحو اللون الأزرق في الانتخابات التي ستجرى في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وفقاً لاستطلاع جديد أجرته صحيفة «واشنطن بوست» بالتعاون مع كلية شار، وذلك من خلال تقدم المدعية العامة الديمقراطية لمقاطعة هنريكو شانون تايلور على النائب الجمهوري روب ويتمان في الدائرة الأولى، التي تُعد مؤشراً وطنياً للسيطرة على مجلس النواب، بنسبة 50 في المائة مقابل 46 في المائة.

ورغم أن هذا الفارق يقع ضمن هامش الخطأ البالغ 4.5 نقطة مئوية، فإنه يمثل تحولاً لافتاً مقارنة بفوز ويتمان بفارق 13 نقطة عام 2024 في دائرة فاز فيها الرئيس دونالد ترمب بفارق 4.9 نقطة فقط.

زعيم الأكثرية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز متحدثاً إلى الصحافيين عند الكابيتول يوم 30 سبتمبر (أ.ب)

وظهر تحول مشابه في الدائرة الخامسة المعروفة بكونها محافظة، حيث يتقدم النائب الحالي جون ماكغواير على منافسه الديمقراطي توم بيريلو بنسبة 51 في المائة مقابل 45 في المائة، رغم فوز ترمب في هذه الدائرة بفارق 12 نقطة، وفوز ماكغواير بولايته الأولى بفارق 15 نقطة عام 2024. ويستفيد بيريلو من قوته في المدن الجامعية، إذ يتقدم بنسبة 68 في المائة مقابل 29 في المائة في مقاطعة ألبيمارل، ومدينة شارلوتسفيل، التي تشكل نحو خمس الدائرة.

وتؤكد هذه الأرقام إجماعاً حديثاً في توقعات نتائج الانتخابات، إذ غيّر تقرير «كوك» السياسي غير الحزبي تصنيف الدائرة الخامسة من «جمهورية مضمونة» إلى «تميل إلى الجمهوريين».

ومع ذلك تظهر الأرقام أيضاً حدوداً لأي موجة ديمقراطية. فبينما يتقدم الديمقراطيون بنحو ثماني نقاط على المستوى الوطني، يقتصر تقدمهم في الدائرة الأولى على تسع نقاط، وفي الخامسة على ست نقاط فقط، وهو هامش أضيق مما قد يوحي به المناخ العام.

وبالإضافة إلى تراجع شعبية ترمب في دوائر مثل هذه، يُعد غلاء المعيشة الهاجس الأكبر لدى الناخبين في الدائرة الخامسة بنسبة 49 في المائة، في وقت يرى فيه نحو 39 في المائة من الناخبين أن وضعهم تراجع منذ عودة ترمب إلى منصبه، مقابل 25 في المائة فقط يرون تحسناً.

حسابات ميسيسيبي

وفي ميسيسيبي التي لم يفز فيها ديمقراطي بمقعد في مجلس الشيوخ منذ عام 1982، يُبدي كبار المسؤولين الديمقراطيين تفاؤلاً متزايداً بإمكان فوز المدعي العام سكوت كولوم على السيناتورة الجمهورية سيندي هايد - سميث. فرغم فوز ترمب بالولاية بفارق 23 نقطة عام 2024، يرى كولوم أن المناخ السياسي سيئ للجمهوريين هذا العام، بسبب غضب الناخبين من الحرب مع إيران، وارتفاع الأسعار.

ومع ذلك يتخوف الديمقراطيون من التحديات المالية لحملة كولوم، إذ لم يجمع سوى 2.3 مليون دولار مقابل إنفاق هايد - سميث 1.3 مليون دولار على الإعلانات وحدها.

وأبدى زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر اهتماماً شخصياً بالحملة، ووجه كبار المانحين للتبرع. وبناء عليه، ستشارك السيناتورة الديمقراطية كوري بوكر في حملة انتخابية مع كولوم في المناطق الساحلية، على أن ينضم إليها السيناتور الديمقراطي رافاييل وارنوك.

أما على الجانب الجمهوري، فلا يبدي النشطاء قلقاً كبيراً، إذ أشار أوستن باربور إلى أن النائب السابق مايك إيسبي جمع أكثر من 12 مليون دولار عام 2020، وخسر رغم ذلك أمام هايد - سميث بفارق عشر نقاط.

ضغط لاتيني

في غضون ذلك تتصاعد الانتقادات من مسؤولين لاتينيين بارزين في تكساس، بسبب ما يرونه تقاعساً من رابطة حكام الولايات الديمقراطيين عن دعم جينا هينوجوسا، المرشحة لتصير أول حاكمة من أصول لاتينية للولاية، في مواجهتها مع الحاكم الجمهوري غريغ أبوت الساعي لولاية رابعة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع جمهور من اللاتينيين في البيت الأبيض يوم 30 سبتمبر (إ.ب.أ)

ووجه أكثر من 70 مسؤولاً لاتينياً رسالة إلى رئيس الرابطة حاكم كنتاكي آندي بشير، طالبوا فيها بدعم «سباق انتخابي تنافسي يضم أكبر قاعدة انتخابية لاتينية في البلاد»، مطالبين بتخصيص عشرة ملايين دولار لحملتها، في وقت أنفقت فيه حملة أبوت 68 مليون دولار على الإعلانات مقابل 8.7 مليون دولار فقط لحملتها.

وتلوح في أفق هذه المطالبات تهديدات مبطنة بامتناع بعض القادة اللاتينيين عن دعم بشير إذا ترشح للرئاسة عام 2028. وقال السيناتور روبن غاليغو: «سيكون أداء جميع الديمقراطيين أفضل إذا ساعدنا جينا هينوجوسا على الفوز في تكساس».

وردّ بشير بأنه لن يسمح لطموحاته الرئاسية بالتأثير على قرارات الرابطة، مؤكداً أن هدفه هو «الفوز بأكبر عدد ممكن من الانتخابات» عام 2026. ويرى المساعد السابق لنائبة الرئيس، كامالا هاريس، سيرجيو غونزاليس أن تجاهل تكساس «يضر بسياسة بشير الآن، وسيضر بالتأكيد بأي طموحات مستقبلية له».


ترمب أمام اختبار «الصوت اللاتيني» في انتخابات التجديد النصفي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين بعد لقاء مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا يوم 29 سبتمبر (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين بعد لقاء مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا يوم 29 سبتمبر (د.ب.أ)
TT

ترمب أمام اختبار «الصوت اللاتيني» في انتخابات التجديد النصفي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين بعد لقاء مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا يوم 29 سبتمبر (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين بعد لقاء مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا يوم 29 سبتمبر (د.ب.أ)

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، في احتفال بشهر التراث اللاتيني في القاعة الشرقية للبيت الأبيض، في مناسبة تكتسب هذا العام أهمية انتخابية خاصة، إذ تأتي قبل خمسة أسابيع فقط من انتخابات التجديد النصفي، وفي وقت تظهر فيه استطلاعات الرأي تراجعاً في التأييد الجمهوري بين الناخبين اللاتينيين الذين أدّوا دوراً مهماً في عودة ترمب إلى البيت الأبيض عام 2024.

ويأتي الاحتفال في بداية جولة انتخابية مكثفة يقوم بها الرئيس ترمب، تمتد 32 يوماً قبل انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) لدعم المرشحين الجمهوريين، ومحاولة الحفاظ على سيطرة حزبه على مجلسي النواب والشيوخ. ويستهل ترمب رحلاته الخميس إلى ولايتَي تكساس وأوكلاهوما ثم يذهب يوم الجمعة إلى ألاباما، وهما ولايتان حصل فيهما على نحو ثلثي الأصوات في انتخابات 2024 وتعد ولايات جمهورية وليستا ساحتين متأرجحتين. ويشير اختيار هذه المحطات إلى التركيز على تحفيز القاعدة ورفع نسبة المشاركة، بالتوازي مع دعم المرشحين الجمهوريين في سباقات الكونغرس.

وعلى الجانب الآخر، يُكثّف الديمقراطيون محاولاتهم لاستعادة الناخبين اللاتينيين الذين فقدوا جزءاً كبيراً منهم في 2024، خصوصاً في تكساس. وخصصت لجنة حملة الديمقراطيين في مجلس النواب ميزانية كبيرة للإعلانات باللغة الإسبانية وتنظيم الناخبين في جنوب الولاية، مع التركيز على تكلفة المعيشة والقضايا المحلية.

لمن يصوت الناخب اللاتيني؟

تكشف العودة إلى نتائج الانتخابات السابقة حجم التحول الذي طرأ على تصويت اللاتينيين. فعلى المستوى الوطني، ظلّت ميول تصويت الناخب اللاتيني لعقود أقرب إلى التصويت لصالح الحزب الديمقراطي، وإن احتفظ الجمهوريون بقواعد قوية بين الأميركيين من أصول كوبية في فلوريدا، وبين قطاعات من المحافظين اجتماعياً والإنجيليين وأصحاب الأعمال.

وفي انتخابات التجديد النصفي عام 2018، صوّت 69 في المائة من الناخبين اللاتينيين للديمقراطيين مقابل 29 في المائة للجمهوريين، أي بفارق أربعين نقطة. لكن هذا الفارق تقلص بصورة كبيرة في انتخابات التجديد النصفي التالية عام 2022. وأظهر تحليل مركز بيو حصول الديمقراطيين على 60 في المائة من أصوات اللاتينيين مقابل 39 في المائة للجمهوريين.

ثم جاءت الانتخابات الرئاسية في 2024 لتسجل أكبر اختراق جمهوري حديث بين هذه الكتلة. ووفق تحليل مركز بيو، حصلت كامالا هاريس على 37 في المائة من أصوات الكتلة اللاتينية مقابل 60 في المائة لترمب، بعدما كان جو بايدن قد حصل في 2020 على 61 في المائة مقابل 36 في المائة لترمب. وهكذا رفع ترمب حصته من أصوات الناخبين اللاتينيين بصورة كبيرة خلال أربع سنوات، واقترب الجمهوريون للمرة الأولى من المناصفة على المستوى الرئاسي داخل كتلة كانت تمنح الديمقراطيين تفوقاً واسعاً. وهو ما يجعل قدرة الجمهوريين على إعادة هؤلاء الناخبين إلى الصناديق في انتخابات نصفية عاملاً مهماً في نوفمبر.

استطلاعات 2026 تعكس الاتجاه

سيدة من الجالية اللاتينية تشارك في احتفال بشهر التراث اللاتيني في أرلينغتون بولاية تكساس يوم 20 سبتمبر (أ.ب)

ورغم هذه المكاسب التي حققها ترمب في أوساط الناخبين اللاتينيين، فقد أظهرت استطلاعات كل من BSP Research و Shaw & Company تراجع جزء من تلك المكاسب الجمهورية في سبع ولايات متنافسة. وأشار الاستطلاع الذي أُجري مع 1353 ناخباً لاتينياً مسجلاً، تقدّم وضع الديمقراطيين عند 56 في المائة مقابل 29 في المائة للجمهوريين في التصويت لانتخابات مجلس النواب.

وتشير نتائج الاستطلاع إلى أن الديمقراطيين يمكن أن يستعيدوا ما بين ست وعشر نقاط من أصوات اللاتينيين مقارنة بما حصلت عليه هاريس في 2024، بينما يفقد الجمهوريون نحو خمس نقاط من المكاسب التي حققها ترمب.

وفي ولاية بنسلفانيا، بلغ تأييد الديمقراطيين بين اللاتينيين 60 في المائة، بزيادة عشر نقاط عن نتيجة 2024، بينما تراجع الجمهوريون من 37 إلى 26 في المائة. ومع ذلك، يقول الخبراء إن هذه الأرقام لا تعكس عودة كاملة إلى الديمقراطيين. فنحو 39 في المائة ممن شملهم الاستطلاع يحملون نظرة سلبية تجاه الديمقراطيين في الكونغرس، مقابل 63 في المائة تجاه الجمهوريين، بما يشير إلى أن شريحة مهمة من هذه الكتلة اللاتينية لا تزال قابلة للتحرك بين الحزبين.

ولاية تكساس ساحة اختبار

تظهر التحولات بصورة أوضح في ولاية تكساس، حيث حقّق ترمب مكاسب كبيرة بين الناخبين اللاتينيين في 2024. وأظهر استطلاع Cook Political Report وTelevisaUnivision، الذي شمل ألف ناخب لاتيني، انخفاض نسبة الرضا عن أداء ترمب إلى 33 في المائة. ومن بين اللاتينيين الذين صوّتوا له في عام 2024، قال 18 في المائة إنهم أصبحوا غير راضين عن أدائه، خصوصاً مع تصاعد القلق من تكاليف المعيشة وسياسة الهجرة والترحيل التي تتبعها إدارة ترمب.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية لأن الجمهوريين أعادوا رسم دوائر في تكساس استناداً جزئياً إلى افتراض استمرار المكاسب التي حققها ترمب في 2024. لكن بعض هذه الدوائر أصبحت الآن أكثر تنافسية مما كان متوقعاً.

ورغم الجدل الواسع حول حملات الترحيل، تظهر استطلاعات تكساس أن الاقتصاد لا يزال القضية الأولى لدى الناخبين اللاتينيين. وتتزامن هذه المخاوف مع تراجع أوسع في المزاج الاقتصادي الأميركي. وانخفاض مؤشر ثقة المستهلك إلى 81.9 نقطة، وهو أدنى مستوى منذ نحو 12 عاماً، مع استمرار القلق من تكلفة المعيشة وأسعار الطاقة وسوق العمل. وهي نقطة مهمة يعتمد عليها المحللون في تفسير التحول الحالي، فقد كان الاقتصاد أحد أسباب انجذاب ناخبين لاتينيين إلى ترمب في 2024، وبالتالي فإن عدم رضاهم عن تكاليف المعيشة يمكن أن يؤثر في التصويت للكونغرس حتى من دون تغيير دائم في انتمائهم الحزبي.

الترحيل يغير المعادلة

أما القضية الثانية فهي الهجرة، لكن استطلاعات 2026 تكشف فارقاً بين تأييد تأمين الحدود وتأييد نطاق عمليات الترحيل.

متظاهر يقف بوجه عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس» خارج قاعة تُستخدم مركز احتجاز في نيوارك بنيوجيرسي يوم 6 يونيو (أ.ف.ب)

ففي استطلاع BSP/Shaw، قال 63 في المائة من الناخبين اللاتينيين في 7 ولايات إن معاملة المهاجرين أصبحت من أهم شواغلهم، وأيد 59 في المائة إيجاد مسار إلى وضع قانوني للمهاجرين غير الموثقين الذين لديهم أفراد في أسرهم يحملون الجنسية الأميركية. واللافت أن الموقف يتجاوز الديمقراطيين؛ إذ قال 64 في المائة من الجمهوريين اللاتينيين، و68 في المائة من المستقلين، إنهم سيميلون إلى مرشحين يعطون الأولوية للوضع القانوني وتصاريح العمل بدلاً من الترحيل الجماعي.

وتقدم صحيفة «نيويورك تايمز» بعداً ميدانياً لهذه الأرقام. ففي أكثر من عشرين مقابلة في وادي ريو غراندي بولاية تكساس، رصدت الصحيفة غضباً من الاقتصاد ومن تطبيق قوانين الهجرة بين عدد من الناخبين الذين كانوا قد دعموا ترمب في 2024. كما رصدت تأثير حملات الهجرة على الاقتصاد المحلي، خصوصاً قطاع البناء، حيث تحدث أصحاب شركات عن نقص العمالة وتأخر المشاريع وارتفاع التكاليف.

فلوريدا اختبار آخر

ولا تقتصر المؤشرات على تكساس. ففي جنوب فلوريدا، حيث حقق الجمهوريون مكاسب استثنائية بين الأميركيين من أصول كوبية وفنزويلية، أصبحت بعض الدوائر أكثر تنافسية. وكان التحول هناك لافتاً، فقد فازت هيلاري كلينتون بمقاطعة ميامي بفارق 29 نقطة في عام 2016، ثم تقلص الفارق لمصلحة بايدن إلى سبع نقاط في انتخابات عام 2020، قبل أن يصبح ترمب في 2024 أول جمهوري يفوز بالمقاطعة منذ عام 1988.

أسعار البنزين والديزل المرتفعة معروضة في محطة وقود بلوس أنجليس يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

لكن بعض السباقات الحالية تشير إلى أن التفوق الجمهوري ليس مضموناً بالدرجة نفسها، خصوصاً في الدوائر ذات الكثافة اللاتينية. وفي الوقت نفسه، تظهر استطلاعات في ولاية فلوريدا أن بعض المرشحين الجمهوريين ما زالوا يحتفظون بتقدم بين الناخبين اللاتينيين، وهو ما يمنع قراءة التحول الحالي باعتباره انتقالاً موحداً إلى الديمقراطيين.

ولهذا تركز استراتيجية الديمقراطيين على استعادة الناخبين الذين فقدهم الحزب، وليس افتراض عودتهم تلقائياً، ويرصدون إنفاقاً كبيراً للإعلانات باللغة الإسبانية مع تركيز الرسائل على تكلفة المعيشة. وتقول صحيفة «نيويورك تايمز» إن هذه المعركة قد تكون أكثر أهمية من محاولة تغيير ولاء حزبي دائم؛ لأن انتخابات التجديد النصفي في 2026 يمكن أن تتأثر أيضاً بمن سيشارك ومن سيعزف عن التصويت. حيث قال ناخبو ترمب السابقين الذين قابلتهم الصحيفة، إنهم قد يصوتون للديمقراطيين، لكن آخرين يفكرون ببساطة في عدم التصويت.