لم يكن معرض «الصورة تحكي» في أم درمان مجرد فعالية فنية عابرة، بل بدا لزواره بمثابة رحلة بصرية تختصر ما مرّت به الخرطوم خلال سنوات الحرب، وتروي كيف بدأت الحياة تعود تدريجياً إلى العاصمة.
جمع المعرض نحو 200 صورة ولوحة تشكيلية، من أعمال 13 مصوراً وفناناً تشكيلياً سودانياً من داخل البلاد وخارجها، أبرزهم مبارك حتة، محمد يوسف الفتايابي، أسامة عوض، عبد الله الشيخ.

وجاءت الصور المعروضة بخصوصية مختلفة حيث إن كثيراً تم التقاطه بينما كانت المعارك لا تزال مشتعلة. وتوزعت الأعمال على 4 محاور، استعاد الأول ملامح السودان قبل الحرب، من معالم سياحية وعادات وتقاليد وتراث وطبيعة، أما المحور الثاني فوثّق الدمار الذي لحق بالخرطوم، والانتهاكات التي تعرض لها مواطنون أثناء الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، أثناء سيطرة الأخيرة على أجزاء واسعة من العاصمة.
وجاء المحور الثالث موثقاً للحظة استعادة القوات المسلحة للخرطوم، وخروج المواطنين وهم يلتفون حول أفراد الجيش، قبل أن يختتم العرض بمحور حمل عنوان «سودان ما بعد الحرب... إرادة البناء والعودة»، الذي أظهر استئناف الأنشطة الزراعية، وعودة نازحين ولاجئين إلى العاصمة بعد غياب استمر 3 سنوات، إلى جانب مشاهد تعكس استمرار معاناة السكان في الحصول على خدمات المياه.
حكاية آية
واستوقفت الزوار صورة الطفلة آية، ابنة المصور محمد يوسف الفتايابي، التي ارتبطت بحكاية شخصية تعكس المعاناة التي مرت بها العائلات أثناء الحرب. تعكس الصور قصة آية من اللحظة التي داهم فيها المخاض والدتها في الثانية صباحاً، وكانت العائلة تقيم في ضاحية «الكلاكلة» جنوب الخرطوم المحاصرة وقتها ما شكّل أزمة بسبب صعوبة الوصول إلى المستشفى التركي الذي لا يبعد سوى 3 كيلومترات.

قال الفتايابي لـ«الشرق الأوسط» إنه اضطر لمساعدة زوجته على الولادة داخل المنزل، ثم وثّق بعدسته الصرخة الأولى لابنته، واستمر في تصويرها خلال سنواتها الأولى حتى بلغت الرابعة من عمرها، لتصبح قصتها إحدى أكثر محطات المعرض تأثيراً.
لوحات توثق العودة
ولم يقتصر العرض على الصورة الفوتوغرافية، فقد شارك الفنان التشكيلي عثمان عوض الله بلوحات مرسومة بالريشة والألوان تناولت العودة الطوعية للمواطنين إلى ولاية الخرطوم، والاستقرار مجدداً، ورسمت مشاهد من الحياة داخل الأسرة السودانية.
يقول عوض الله لـ«الشرق الأوسط»، وهو تشكيلي يمارس الرسم منذ 50 عاماً ونال جوائز محلية وإقليمية، إن تجربته استلهمت أعمال رواد الفن السوداني، مثل «أبو الحسن مدني، ومحمد عثمان (عيون كديس)، وإبراهيم الصلحي»، يضيف: «الفن السوداني يمتلك رسالة متفردة، والرسم، مثل الصورة، قادر على أن يروي الحكايات».

ويرى رئيس نادي الإعلام السوداني، الصحافي عبد الله بشير، أن المعرض وثّق حياة المواطنين خلال فترة الحرب، ثم مرحلة إعادة الإعمار، ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الرسالة الأساسية التي حملتها الأعمال المعروضة هي أن الخرطوم ما تزال جميلة رغم الدمار الذي أصابها.
وقالت الزائرة رجاء صلاح لـ«الشرق الأوسط»، إن الصور المعروضة عبّرت عما عجزت الكلمات عن وصفه، وأكدت أن المعرض يوثق مرحلة مهمة في تاريخ السودان، وأضافت: «التقطت صوراً لبعض الأعمال المعروضة، وسأشاركها عبر صفحتي على (فيسبوك)، لتعريف الآخرين بما وثقته عدسات المشاركين».
وبدوره، أعلن وزير الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، في ختام أعمال المعرض، عزمه العمل على تطوير التجربة وتعميمها في سفارات السودان بالخارج، معتبراً أنها تمثل ذاكرة لمرحلة مفصلية توثق معاناة السودانيين والانتهاكات التي شهدتها الخرطوم خلال الحرب، وتؤكد في الوقت نفسه أن العاصمة بدأت تشق طريقها نحو الحياة من جديد، رغم ركام الحرب.








