أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من عملنا اليومي، بدءاً من كتابة رسائل البريد الإلكتروني وصولاً إلى تحليل الأبحاث واتخاذ القرارات، كما كتبت د. تاليا فارلي(*). وبصفتي طبيبة ومستشارة أعمال، فإني أتحدث مع العديد من قادة الشركات الذين يركزون على تأثير ذلك على الإنتاجية. ولكن البعض منهم بدأ يطرح حديثاً سؤالاً أكثر جوهرية: ما تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على الصحة الإدراكية للعاملين في مؤسستي؟
الذكاء الاصطناعي «يغيّر» التفكير
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن هذا ليس مجرد قلق نظري. فالذكاء الاصطناعي لا يُسرّع التفكير فحسب، بل غالباً ما يُغيّره. فعند استخدامه بشكل سلبي، يُمكن أن يُضعف الذكاء الاصطناعي الذاكرة، والحكم، والتعلم، والثقة بالنفس، بل ويُقلل من القدرة على حل المشكلات بشكل مستقل.
... ويصقل البصيرة
أما عند استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية، فيُمكنه صقل البصيرة وتحرير القدرات الإدراكية للقيام بأعمال أكثر تعقيداً. وهذا الفرق جوهري لأداء الشركات وصحة العاملين.
ومع تزايد المطالب بإشراك الذكاء الاصطناعي في العمليات التنظيمية وصنع القرار، تواجه الشركات خطر بناء قوة عاملة تبدو منتجة ظاهرياً، لكنها أقل قدرة على التكيف والتعلم والقيادة على المدى الطويل.
6 خطوات لحماية وتعزيز الصحة الإدراكية في بيئة العمل
وفيما يلي ست خطوات يمكن للقادة اتخاذها لحماية وتعزيز الصحة الإدراكية في بيئة عمل تعتمد على الذكاء الاصطناعي:
* التعامل مع الصحة الإدراكية كقضية صحية في مكان العمل، لا كفجوة في المهارات. الإدراك ليس مجرد قدرة فردية، بل هو نظام بيولوجي ونفسي يتشكل بفعل متطلبات العمل اليومية والتقنيات التي نستخدمها، بدءاً من الكتابة وصولاً إلى الآلات الحاسبة، والآن الذكاء الاصطناعي. لكن الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر انتشاراً. وعلى عكس التقنيات السابقة، فهو يتدخل مباشرة في التفكير والتحليل والحكم، وليس فقط في التنفيذ.
عندما يُوكل الموظفون التفكير بشكل روتيني إلى الذكاء الاصطناعي، قد يبدون منتجين ظاهرياً، بينما يفقدون في الواقع قدرتهم العقلية والإدراكية. يحتاج القادة إلى التعامل مع الصحة الإدراكية بنفس الطريقة التي يتعاملون بها مع الإرهاق الوظيفي أو بيئة العمل المريحة: كمسألة أساسية في الصحة والسلامة المهنية، وليس مجرد شأن شخصي. هذا يضمن أن تُدرك الشركات أهمية الصحة الإدراكية وتُدمجها في سياسات مكان العمل وعملياته وتدريباته وتصميمه، بدلاً من مجرد توقع أن يتأقلم الموظفون بشكل أفضل.
* صمّم إطار العمل بحيث يدعم الذكاء الاصطناعي التفكير بدلاً من استبداله. عندما يستخدم الأفراد الذكاء الاصطناعي بشكل سلبي كطريقة مختصرة للوصول إلى الإجابات النهائية، تتأثر عمليات التعلم، والاحتفاظ بالمعلومات والتفكير النقدي سلباً. أما عند استخدامه بشكل فعال كنقطة انطلاق - على سبيل المثال - لنقد أفكارهم أو تحسينها أو اختبارها، فإن الأداء المعرفي يُحفظ أو يتحسن بشكل أفضل.
كما أن توقيت الوصول إلى الذكاء الاصطناعي في بداية العملية أو نهايتها أو خلالها قد يكون له تأثيرات فريدة على الصحة المعرفية. فإذا كان الذكاء الاصطناعي يقدم المنتج النهائي دائماً، يفقد الموظفون الجهد اللازم لبناء الخبرة. أما إذا كان الذكاء الاصطناعي يوفر مسودات وبدائل وتوجيهات، فيمكن للعمال الحفاظ على تفاعلهم المعرفي بشكل أفضل. الخلاصة؟ يجب تصميم الوظائف وعمليات العمل بحيث يعزز الذكاء الاصطناعي التفكير البشري بدلاً من إلغائه، ويحمي عمليات التعلم.
* قد يعزز المعارف من جهة ويُقلل القدرة على حل المشكلات بشكل مستقل من جهة أخرى*
«حماية التفكير العميق»... ومشكلة «تآكل الثقة»
* حماية التفكير العميق من تشبّع الذكاء الاصطناعي. يتفوق الذكاء الاصطناعي في السرعة والشمولية. بينما يتفوق الإدراك البشري في العمق والحكم والتكامل مع مرور الوقت. لكن الاستخدام المستمر للذكاء الاصطناعي في الملخصات والإجابات الفورية والرؤى المولدة تلقائياً وما شابه ذلك قد يطغى على العمليات الأبطأ اللازمة للتفكير الاستراتيجي والحكم والتفسير.
ينبغي للقادة تخصيص فترات عمل خالية من الذكاء الاصطناعي أو تعتمد عليه بشكل محدود للأنشطة التي تتطلب تفكيراً عميقاً. يشمل ذلك وقتاً لحل المشكلات المعقدة، واتخاذ القرارات متعددة المستويات، وإصدار الأحكام الحاسمة، ووضع الاستراتيجيات ذات المخاطر العالية. كما يحتاج القادة إلى فهم كيفية تأثير قيود الوقت بشكل جوهري على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يعزز التفكير النقدي أم يقوضه. إذ إن الصحة الإدراكية تتدهور عندما يصبح كل شيء مُحسَّناً للسرعة فقط.
* معالجة تآكل الثقة الذي غالباً ما يصاحب استخدام الذكاء الاصطناعي. مع ازدياد قدرات الذكاء الاصطناعي، يشكك العديد من الموظفين في أحكامهم، حتى عندما يكونون على صواب.
يكشف بحث أجرته إيمي إدموندسون ونُشر في مجلة «هارفارد بزنس ريفيو» إلى أن التبني غير المقيد للذكاء الاصطناعي يمكن أن يُضعف الثقة في الزملاء وفي الذات بشكل تدريجي. من منظور الصحة الإدراكية، يُعد الشك الذاتي المزمن أمراً بالغ الأهمية. عندما يُسلِّم الناس لأنفسهم بسرعة كبيرة للتكنولوجيا، تتأثر قدرتهم على الحكم، وثقتهم بأنفسهم، وكفاءتهم. يجب على القادة تشجيع الاختلاف مع الذكاء الاصطناعي وجعله أمراً طبيعياً، وتقديم نموذج للتقييم النقدي، والتأكيد بشكل واضح على قيمة الحكم البشري.
المعايير المعرفية لاعتماد الذكاء الاصطناعي
* اجعل «كيف نفكر باستخدام الذكاء الاصطناعي» مسؤولية قيادية. غالباً ما تركز عمليات نشر الذكاء الاصطناعي على الوصول والكفاءة والتكنولوجيا نفسها. يتناول عدد أقل بكثير المعايير المعرفية: متى يُعتمد على الذكاء الاصطناعي، ومتى لا يُعتمد عليه، وكيفية التعامل النقدي مع مخرجاته. تُظهر أبحاث بيئة العمل أن الأمان النفسي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنجاح تبني الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك وضوح حدود الذكاء الاصطناعي وإمكانية إجراء تجارب «آمنة حتى مع الفشل». هذا الأمان نفسه ضروري لوظائف معرفية سليمة. يجب أن يشعر الموظفون بأنه من حقهم التمهل، والتساؤل عن المخرجات، والتفكير باستقلالية دون خوف من أن يُنظر إليهم على أنهم صعبون أو غير متعاونين أو غير أكفاء.
راقب الإجهاد المعرفي، وليس فقط مقاييس المخرجات. انتبه للإجهاد المعرفي، وليس فقط لمؤشرات الأداء. قد يقلل الذكاء الاصطناعي الجهد الظاهر، بينما يزيد في الوقت نفسه من الإجهاد المعرفي الخفي. على سبيل المثال، عندما يضطر الموظفون إلى مراقبة مخرجات الذكاء الاصطناعي والتحقق منها ووضعها في سياقها باستمرار، قد يُصابون بالإرهاق الذهني.
بمرور الوقت، قد يؤدي هذا التشتت في الانتباه إلى استنزاف الوظائف التنفيذية. ينبغي على القادة النظر إلى ما هو أبعد من لوحات معلومات الإنتاجية، والانتباه إلى مؤشرات مثل إرهاق اتخاذ القرارات، والاعتماد المفرط على الإجابات المُولّدة تلقائياً، وتراجع النقاش، أو انخفاض التعلم من الأخطاء. هذه ليست مجرد إخفاقات في التحسين، بل هي علامات إنذار مبكرة على الاستنزاف المعرفي.
الخلاصة-الحفاظ على التفكير الأصيل
الذكاء الاصطناعي ليس مجرد استراتيجية تكنولوجية، بل هو محرك أساسي لصحة بيئة العمل، يُشكّل طريقة تفكير الناس وتعلمهم وتقييمهم للأمور يومياً. قد يحقق القادة الذين يتجاهلون تأثيره على الصحة المعرفية كفاءة قصيرة الأجل على حساب قدرات الموظفين والمؤسسات على المدى الطويل.
يجب على المؤسسات التي ترغب في الحفاظ على الصحة المعرفية لقوتها العاملة في عصر الذكاء الاصطناعي أن تُقدّر وتُحافظ على التفكير الأصيل والحكم البشري، وأن تُشجع موظفيها على مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي واختبارها بانتظام.
لن تزدهر الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بكثرة فحسب، بل تلك التي تحمي قدرة موظفيها على التفكير من دونه.
* مجلة «فاست كومباني».

