الصين... بين السيارات ذاتية القيادة و«ماركسية الذكاء الاصطناعي»

تتمتع بخبرة تفوق معظم الدول في مجال أتمتة الوظائف

نظم الذكاء الاصطناعي تزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني
نظم الذكاء الاصطناعي تزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني
TT

الصين... بين السيارات ذاتية القيادة و«ماركسية الذكاء الاصطناعي»

نظم الذكاء الاصطناعي تزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني
نظم الذكاء الاصطناعي تزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني

إذا كان هناك شيء واحد يخشاه الحزب «الشيوعي» الصيني، فهو طبقة عاملة «بروليتاريا» متململة ومستاءة.

الذكاء الاصطناعي وتململ العاملين

في مدينة ووهان، التي تُعد أكبر مختبر مفتوح في العالم للسيارات ذاتية القيادة، بدأ سائقو سيارات الأجرة، قبل عامين، التذمر من الأسطول المتنامي لسيارات الأجرة الآلية (الروبوتية). فتوالت العرائض، وانتشرت المنشورات والوسوم (الهاشتاغات) على وسائل التواصل الاجتماعي، وتعالت أصوات الاحتجاجات المحلية.

وقد لفت ذلك انتباه قيادة الحزب، التي سارعت إلى فرض رقابة على الاحتجاجات عبر الإنترنت. لكن ذلك أطلق في الوقت نفسه عملية مراجعة أوسع لقضية تؤرق كثيرين في الغرب أيضاً: كيف يمكن تجنب الإحلال الواسع للذكاء الاصطناعي محل البشر في سوق العمل، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات سياسية؟

نظام حوسبة من شركة «هواوي» صمم لتدريب وتشغيل نماذج ذكاء اصطناعي واسعة النطاق في معرض بمدينة شنغهاي

الصين: أكبر خبرة في أتمتة الوظائف

وتتمتع الصين بخبرة تفوق معظم الدول في مجال أتمتة الوظائف؛ إذ يعمل أكثر من مليوني روبوت في مصانعها، وتجوب شاحنات التوصيل ذاتية القيادة شوارع العديد من مدنها، وتخدم الروبوتات الضيوف في الفنادق والمطاعم، وتقوم روبوتات مواقف السيارات باستبدال بطاريات السيارات الكهربائية المستنفدة، كما تُستخدم الطائرات المسيرة لتوصيل وجبات الطعام.

العنصر البشري في صلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي

حتى الآن، اقتصرت التداعيات في الغالب على العمال اليدويين، لكن الذكاء الاصطناعي يُهدد في المقام الأول خريجي الجامعات. وبالنسبة لنظام يخشى عدم الاستقرار السياسي تُعد هذه الفئة تحديداً مجموعة لطالما سببت المتاعب تاريخياً.

ولهذا السبب، أصبح هدف الصين المتمثل في أن تصبح القوة العظمى العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي مقترناً رسمياً بهدف آخر: إبقاء البشر في صلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي. وقد بدأت الحكومة، خلال العام الماضي اتخاذ خطوات أكثر حزماً لتحقيق ذلك.

الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدرات البشر

عندما يريد الحزب «الشيوعي» الصيني إظهار جديته بشأن أمر ما فإنه يدرجه ضمن خطته الخمسية. وفي الصفحة الـ72 من خطتها الخمسية الحالية تتعهد الصين بـ«معالجة شاملة» لتأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف.

وتحدثتُ إلى كايل تشان، الباحث في معهد «بروكينغز» والمتخصص في دراسة سياسة الصين المتعلقة بالذكاء الاصطناعي؛ فأخبرني أن الصين تريد للذكاء الاصطناعي أن يُعزز قدرات البشر -أي جعلهم أكثر إنتاجية في كل من الصناعات القديمة والجديدة- لا أن يحل محلهم. كما تؤكد الصين أنها تسعى، خلال عملية الانتقال لاقتصاد الذكاء الاصطناعي هذا، إلى تخفيف حدة التأثيرات لتجنب أي تداعيات اجتماعية سلبية.

وكتبت زميلتي كاتي إدموندسون أخيراً عن ملامح هذا المشهد؛ إذ تعد وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي بتقديم «دعم وظيفي موجه للصناعات الرئيسية». وفي الوقت نفسه، يدعو أحد أعضاء المجلس الوطني لنواب الشعب إلى إنشاء «برنامج تأمين ضد البطالة مرتبط بالذكاء الاصطناعي»، ليكون بمثابة شبكة أمان للعمال الذين قد يفقدون وظائفهم.

كما دفع مسؤولو الحزب باتجاه تعزيز التدريب المهني لمساعدة العمال على التكيف مع سوق عمل تتمحور حول الذكاء الاصطناعي.

«الماركسية القائمة على الذكاء الاصطناعي»

هناك باحثون صينيون يعكفون على تطوير مجال يطلقون عليه اسم «الماركسية القائمة على الذكاء الاصطناعي»، محاولين تطبيق المنظور الماركسي على تساؤلات مثل: «من أو ما الذي يخلق القيمة بعد ثورة الذكاء الاصطناعي؟ هل هي الآلة؟ أم الإنسان الذي اخترعها؟ أم الإنسان الذي يشغّلها؟».

ضغط حكومي على الشركات للاحتفاظ بالعاملين

ولعل الأمر الأكثر لفتاً للانتباه هو الضغط الحكومي المكثف على الشركات لتجنب تسريح الموظفين؛ إذ قد يجد أولئك الذين لا يمتثلون لهذه التوجهات أنفسهم في مواجهة إجراءات قضائية. وقد صدرت بالفعل عدة أحكام قضائية بارزة لصالح عمال جرى تسريحهم؛ ففي شهر أبريل (نيسان) الماضي، قضت محكمة بأن إحدى شركات التكنولوجيا قد سرّحت عاملاً بشكل غير قانوني بعد أن استبدلت به برمجيات الذكاء الاصطناعي، وقد حمل هذا الحكم تحذيراً ضمنياً لأصحاب العمل الآخرين.

حماية الحقوق والمصالح المشروعة للعمال

وجاء في حكم محكمة هانغتشو الشعبية المتوسطة: «ينبغي توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحرير القوى العاملة، وتعزيز فرص العمل، وتحسين سبل عيش الناس». وأضافت المحكمة: «يجيز قانون العمل لأصحاب العمل إدخال التغييرات التكنولوجية، وتحديث عملياتهم، شريطة أن يراعوا في الوقت نفسه حماية الحقوق والمصالح المشروعة للعمال».

ويبقى أن نرى كيف سيُطبّق ذلك عملياً، وإلى أي مدى ستذهب الحكومة فعلياً في التعامل مع الشركات غير الممتثلة. غير أن هذه الأحكام تؤكد مدى اهتمام الصين بهذه القضية وتفكيرها العميق فيها.

أميركا والصين... رؤيتان مختلفتان للذكاء الاصطناعي

وتترك الولايات المتحدة لشركات التكنولوجيا زمام المبادرة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ حيث ينصب تركيز «وادي السيليكون» في المقام الأول على هدف واحد: ابتكار آلات فائقة الذكاء قادرة على الحلول محل البشر. ويبدو أن إدارة الرئيس ترمب تؤيد هذا النهج إلى حد كبير، أو على الأقل ليست لديها رغبة في عرقلته.

أما النهج الصيني فيختلف عن ذلك؛ إذ تعمل الصين على تصور الشكل الذي تريده لاقتصادها ومجتمعها، وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسهم في تحقيق ذلك -حسبما يوضح تشان- فهي تسعى لبناء اقتصاد يعتمد على الذات، ولذا فهي تدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في كل القطاعات الصناعية -بدءاً من المجالات الجديدة والمبهرة مثل الروبوتات، وصولاً إلى الصناعات التقليدية الأقل بريقاً مثل صناعات الصلب والأسمنت- بهدف تعزيز الإنتاجية بشكل هائل، ضماناً لعدم تعرضها مجدداً لأي نقاط ضعف استراتيجية.

كما تسعى الصين لتحقيق الاستقرار؛ ولذلك فهي تفكر -بالتزامن مع هذه الخطوات- في سبل الحفاظ على فرص العمل للبشر.

المصلحة العامة أم مصلحة الشركات؟

وتتميز الرؤية الصينية للذكاء الاصطناعي بأنها مدفوعة من قِبَل الدولة، وتهدف إلى تحقيق غايات حكومية، في حين أن الرؤية الأميركية تقودها الشركات؛ إذ تسعى شركات مثل «أوبن إيه آي» لتطوير ذكاء فائق؛ لأنه يخدم مصالحها الخاصة، وليس استجابةً لاستراتيجية أميركية شاملة في الوقت الراهن.

ويشير تشان إلى أن الدرس المستفاد من التجربة الصينية لا يكمن في ضرورة أن تحذو الدول الأخرى حذو الصين في نهجها المحدد تجاه الذكاء الاصطناعي والوظائف؛ فالسيطرة على قطاع التكنولوجيا على الطريقة الصينية، على سبيل المثال، ليست أمراً قابلاً للتطبيق في معظم الدول الغربية.

صنّاع السياسات يمتلكون القدرة على توجيه مسار التكنولوجيا

غير أن النموذج الصيني يبرهن على أن صناع السياسات يمتلكون القدرة على توجيه مسار هذه التكنولوجيا؛ إذ يستطيعون التأثير في وجهتها بدلاً من الاكتفاء بتركها تتطور وفق مساراتها الخاصة. ولا تزال الخيارات البشرية تؤدي دوراً حاسماً؛ وهذا ما يفسر، إلى حد كبير، تبلور رؤيتين متباينتين للغاية لمستقبل الذكاء الاصطناعي على أرض الواقع.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

«أمازون» تطلق نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر لاتخاذ القرارات

تكنولوجيا لافتة لشركة «أمازون ويب سيرفيسز»  خلال «أسبوع لندن للتكنولوجيا» في مركز «أوليمبيا» بلندن (رويترز)

«أمازون» تطلق نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر لاتخاذ القرارات

أطلقت «أمازون ويب سيرفيسز» نموذج ذكاء اصطناعي لاتخاذ القرار مفتوح المصدر.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس )
الاقتصاد جاي كلايتون يدلي بشهادته أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ في يوليو الماضي (أ.ف.ب)

ترمب يعيّن رئيس الاستخبارات «قيصراً» للذكاء الاصطناعي

عيَّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون، مسؤولاً عن ملف الذكاء الاصطناعي في الإدارة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)

موظف سابق في «أوبن إيه آي»: «انتهى عصر التجربة والخطأ»

انتقد موظف ‌سابق في قسم السلامة لدى (أوبن إيه.آي)، قدم استقالته في الآونة الأخيرة، نهج الشركة تجاه سلامة الذكاء الاصطناعي، قائلا إن الثقافة ​المتسارعة التي ترك

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)

في 6 ساعات... الذكاء الاصطناعي يفك شفرة رسالة لنابليون عمرها 217 عاماً

استخدم مهندسٌ الذكاء الاصطناعي لفك شفرة عسكرية تعود إلى الحقبة النابليونية، ظلت عصيةً على الحل لأكثر من قرنين من الزمان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تحليل إخباري ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في مجال التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

تحليل إخباري تريليونات الذكاء الاصطناعي أمام اختبار العوائد والإنتاجية

يضخ العالم أموالاً غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي، مع توقعات بأن تتجاوز استثمارات مراكز البيانات وحدها 30 تريليون دولار بحلول 2050.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أمازون» تطلق نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر لاتخاذ القرارات

لافتة لشركة «أمازون ويب سيرفيسز»  خلال «أسبوع لندن للتكنولوجيا» في مركز «أوليمبيا» بلندن (رويترز)
لافتة لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» خلال «أسبوع لندن للتكنولوجيا» في مركز «أوليمبيا» بلندن (رويترز)
TT

«أمازون» تطلق نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر لاتخاذ القرارات

لافتة لشركة «أمازون ويب سيرفيسز»  خلال «أسبوع لندن للتكنولوجيا» في مركز «أوليمبيا» بلندن (رويترز)
لافتة لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» خلال «أسبوع لندن للتكنولوجيا» في مركز «أوليمبيا» بلندن (رويترز)

أطلقت «أمازون ويب سيرفيسز (إيه دبليو إس)» لخدمات الحوسبة السحابية التابعة لمجموعة التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا الأميركية العملاقة «أمازون دوت كوم» نموذج ذكاء اصطناعي لاتخاذ القرار مفتوح المصدر مستوحى من النموذج «جيف» التابع لشركة «تايب سيف»، في ظلِّ ازدياد سعي مطوري الذكاء الاصطناعي للحصول على أنظمة ذكية تتناسب مع الأتمتة الحاسوبية بصورة أكبر من نماذج اللغة الكبيرة المتطورة للغاية.

وأشار موقع «تك كرانش» المتخصص في موضوعات التكنولوجيا إلى أن نموذج الذكاء الاصطناعي لاتخاذ القرار «ستراندس ديسايدر 2 بي»، الذي أطلقته «أمازون» تزامن من منتج مماثل كشفت عنه شركة تطبيقات الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي».

ويعد هذا النموذج وسيلةً سريعةً ومنخفضة التكلفة للمفاضلة بين خيارات محددة مسبقاً، مع تقديم مؤشر يحدِّد مدى الثقة في القرار المقترح. كما يتميَّز النموذج «ستراندس ديسايدر 2 بي» بأنه مفتوح المصدر بالكامل ومتاح حالياً، بما يتيح استخدامه مع تطبيقات من إنتاج شركات أخرى غير «أمازون». في الوقت نفسه فهو صغير الحجم بحيث يمكن للمستخدمين تشغيله على أجهزتهم مباشرة دون الحاجة إلى خوادم خارجية.

وقال موقع «تك كرانش» إن مارك بروكر المهندس في «أمازون» ابتكر هذا النموذج بعد اطلاعه على نموذج «جيف» ومحاولته بناء نسخته الخاصة من هذا النوع من النماذج. وقد حقق المشروع - الذي بدأ بوصفه مبادرةً شخصيةً - نجاحاً لافتاً، إذ تصدر لفترة وجيزة تصنيف «Jevbench» جيف إنش للنماذج المماثلة له في الحجم مما دفع مهندسي «أمازون» إلى تحسينه وإطلاقه بوصفه منتجاً ضمن وحدة «ستراندس لابس»، وهي وحدة تابعة للشركة تقوم بتطوير أدوات وبروتوكولات جديدة لنشر وكلاء الذكاء الاصطناعي ويشير بروكر إلى أن الحاجة إلى أداة مثل هذه برزت خلال النقاشات مع عملاء «أمازون ويب سيرفيسز»، الذين لا تحتاج أعمالهم دائماً إلى استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي التي تحتاج القدرات العالية أو التكلفة المرتفعة المرتبطة بنماذج اللغة الكبير، بكل قدراتها.


موظف سابق في «أوبن إيه آي»: «انتهى عصر التجربة والخطأ»

شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)
TT

موظف سابق في «أوبن إيه آي»: «انتهى عصر التجربة والخطأ»

شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)

انتقد موظف سابق في قسم السلامة لدى (أوبن إيه آي)، قدم استقالته في الآونة الأخيرة، نهج الشركة تجاه سلامة الذكاء الاصطناعي، قائلا إن الثقافة المتسارعة التي تركز على التطوير السريع تزيد من مخاطر الإخفاقات.

وفي مقال نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» اليوم السبت بعنوان «استقلت من أوبن إيه آي لأن ثقافتها معيبة»، قال ديفيد روبنسون إن شركات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أوبن إيه آي، لا تتحلى بالحذر الكافي وينبغي لها أن تولي اهتماماً أكبر للخبرة والبحوث في مجال السلامة قبل تطوير أنظمة بقدرات أكبر.

وقال روبنسون: «انتهى عصر التجربة والخطأ»، وأكد أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة تتطلب إجراءات وقائية أقرب إلى تلك المستخدمة في قطاعات مثل الطاقة النووية والطيران.

وأضاف روبنسون أن أوبن إيه آي تعتمد إلى حد كبير على ما تسميه «النشر التكراري»، إذ تطلق الأنظمة وتعزز إجراءات الحماية عند ظهور المشكلات.

و تأتي هذه التعليقات لتزيد من الجدل الدائر داخل قطاع الذكاء الاصطناعي حول ما إذا كانت الشركات تتحرك بسرعة مفرطة لتطوير أنظمة ذات قدرات متزايدة. وواجهت أوبن إيه آي والشركة المنافسة لها (أنثروبيك) تدقيقاً شديداً عقب وقائع لم تفلح فيها ضوابط السلامة، أو تصرفت فيها الأنظمة التجريبية بنحو غير متوقع.

وكتب روبنسون، الذي قال إنه أمضى ثلاث سنوات ونصف سنة في أوبن إيه آي وساعد في صياغة إطار عمل التأهب الخاص بالشركة وأشرف على تقارير السلامة في 12 عملية إطلاق لنماذج رائدة «مع اندفاع الشركة من عملية إطلاق إلى أخرى، فإنها تفشل في تحقيق مستوى العناية الذي «أعتقد أنه ضروري».

و قال متحدث باسم أوبن إيه آي في بيان: «نحرص على ألا تصبح نماذجنا قدراتها أكبر مما يمكننا إدارته بأمان أو تأمينه، ونوقف التدريب مؤقتاً أو نؤجل إطلاق النماذج عندما نحتاج إلى إبطاء وتيرة العمل».

وحذر روبنسون من أن قدرات الذكاء الاصطناعي تتقدم بوتيرة أسرع من فهم الباحثين لمفهوم «المواءمة»، وهو مجال يركز على ضمان أن تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي وفقاً لأهداف البشر وقيمهم.


«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
TT

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)

يبدو أن وكيل «دوتس» الجديد من «أوبن إيه آي» لا يحتاج إلى انتظار سؤال جديد كي يبدأ العمل، فالفكرة الأساسية تقوم على وكيل دائم يمكن تكليفه بهدف، وربطه بالتطبيقات التي يحتاج إليها، وتركه يواصل تنفيذ المهامّ في الخلفية، حتى بعد انتهاء المحادثة مع المستخدم.

فقد أعلنت الشركة عن «Dots»، خلال مؤتمرها للمطورين في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، وقدّمتها بوصفها نقلة من نموذج الذكاء الاصطناعي الذي يجيب عن الطلبات إلى نظام يستطيع متابعة مشروعات مفتوحة، والعمل عليها على مدار الساعة.

وتعتمد الخدمة على نموذج «GPT-6 Astra»، ويملك كل «دوتس» جهاز كمبيوتر سحابياً خاصاً به ومتصفحاً مستقلاً، مع إمكان الاتصال بأكثر من 4 آلاف تطبيق عبر منظومة الإضافات التابعة للشركة.

كما يمكن للمستخدم تكليف «دوتس» بمشروع ثم العودة إليه لاحقاً، بينما يواصل الوكيل العمل على مهامّ أخرى، في الوقت نفسه. كما يستطيع المستخدم التواصل معه عبر «شات جي بي تي» و«سلاك» و«تيمز»، مع احتفاظ الوكيل بالسياق بين هذه القنوات. وتقول «أوبن إيه آي» إن الرسائل النصية ستُضاف لاحقاً.

كيف ستستخدم التقنية؟

في تطوير البرمجيات، يمكن للوكيل متابعة ملاحظات العملاء، وتحديد الأخطاء المتكررة، وبناء الإصلاحات واختبارها قبل تقديمها للمراجعة. وفي العمل البحثي، يستطيع إعادة تشغيل التحليلات عند وصول بيانات جديدة وتحديث الرسوم والنتائج. أما في صناعة المحتوى، فيمكنه تحليل نص مقابلة واستخراج مقاطع مناسبة وتجهيز ملاحظات وصياغة منشورات للسوشيال ميديا قبل إرسالها للموافقة.

وتشير الشركة إلى حالة، خلال الاختبارات المبكرة، لاحظ فيها أحد الوكلاء أن مستخدماً نسي إصدار فاتورة لإحدى الجهات، فجهّزها ثم أرسلها بعد حصوله على الموافقة.

تطرح «أوبن إيه آي» وكلاء «دوتس» بوصفها أنظمة دائمة يمكنها مواصلة العمل على المهام حتى بعد انتهاء المحادثة مع المستخدم (الشركة)

جهاز سحابي خاص بالوكيل

أحد الاختلافات التقنية في «Dots» هو أن الوكيل لا يعمل فحسب داخل نافذة دردشة، بل يحصل على بيئة حوسبة سحابية خاصة يستطيع استخدامها لتصفح المواقع وتشغيل الأدوات المرتبطة به.

ويمكن للمستخدم فتح جهاز الوكيل السحابي في أي وقت، لمشاهدة ما يقوم به، كما تسمح الخدمة، عند منح الإذن، بربط الوكيل بحاسوب المستخدم نفسه، بينما يظل الجهاز الشخصي منفصلاً افتراضياً عن بيئة الوكيل، ما لم يقرر المستخدم خلاف ذلك.

ويضع ذلك «دوتس» ضِمن سباق أوسع بين شركات الذكاء الاصطناعي لتطوير وكلاء دائمين، بدلاً من المساعدات التي تبدأ عملها وتُنهيه داخل جلسة واحدة. ووصفت «رويترز» الإطلاق بأنه جزء من توسع «أوبن إيه آي» في سوق الوكلاء المستقلين، في مواجهة منتجات منافِسة؛ من بينها «ميوز» من «ميتا».

العمل في الخلفية... ضمن حدود

تمنح فكرة الوكيل الدائم النظام وصولاً أوسع إلى التطبيقات والبيانات، ولذلك خصصت «أوبن إيه آي» جانباً من الإعلان للضوابط والصلاحيات. فعندما يعمل «دوتس» بصورة استباقية في الخلفية، تقول الشركة إنه يستخدم التطبيقات المرتبطة به في وضع للقراءة فقط، ما يمنعه في هذه الحالة من إرسال الرسائل أو تغيير المحتوى داخل التطبيقات أو التحكم في المتصفح والحاسوب. ويمكن للمستخدم أيضاً تحديد إجراءات مسموح بها مسبقاً، أو اشتراط الموافقة قبل تنفيذها، أو منعها تماماً.

وتخضع بعض الإجراءات لمراجعة تلقائية، لتحديد ما إذا كان يمكن تنفيذها مباشرة أم تحتاج إلى موافقة المستخدم. وتبقى مهامّ حساسة معينة، مثل تغيير كلمات المرور، بيد المستخدم نفسه. كما تؤكد الشركة أن «Dots» قد ترتكب أخطاء، وتوصي بمراجعة الأعمال ذات العواقب المهمة.

تأتي هذه الضوابط مع تصاعد النقاش حول مخاطر الأنظمة القادرة على اتخاذ إجراءات بصورة مستقلة. وذكرت «أكسيوس» أن الإطلاق يضع وعود السلامة لدى الشركة أمام اختبار جديد؛ لأن التحدي لم يعد متعلقاً فحسب بما قد يقوله النموذج، بل بما قد يفعله عندما يحصل على أدوات وصلاحيات للعمل.

تعتمد الخدمة على صلاحيات وضوابط تحدد ما يستطيع الوكيل فعله مع الحاجة لموافقة المستخدم قبل بعض الإجراءات الحساسة (الشركة)

وكلاء متخصصون داخل الشركات

لا تقتصر خطة «أوبن إيه آي» على وكيل شخصي واحد، فالشركة تختبر أيضاً «دوتس» متخصصة للمؤسسات، يكون لكل منها هوية وصلاحيات خاصة وربط مباشر بأنظمة الشركة.

وتشمل الاستخدامات التي جُرّبت داخل «أوبن إيه آي» المشتريات، ومعالجة الفواتير، والتسويق عبر البريد الإلكتروني، ودعم العملاء والعقود التجارية، كما تعمل الشركة مع «مايكروسوفت» لدمج هذه الوكلاء مع أدوات الحوكمة والأمن في «Agent 365».

ويجري طرح «Dots» تدريجياً لمشتركي «برو» و«بيزنس بريميوم» في الأسواق المؤهلة، مع نسخة تجريبية للمؤسسات عند تفعيلها من مسؤولي بيئة العمل.

ويبدأ المستخدم حالياً بوكيل رئيسي واحد، بينما تتحدث «أوبن إيه آي» عن مرحلة لاحقة يمكن فيها لفِرق كاملة من الوكلاء العمل معاً نيابة عن المستخدم.

وبهذا تنتقل المنافسة في الذكاء الاصطناعي إلى سؤال مختلف عن جودة الإجابة وحدها: إلى أي مدى يمكن للنظام أن يتذكر السياق، ويواصل العمل، ويتصرف عبر تطبيقات متعددة، دون أن يحتاج المستخدم إلى توجيه كل خطوة؟ وهذه هي المساحة التي تحاول «Dots» دخولها.