تكثّفت الأمم المتحدة ضغوطها باتجاه إصلاح قطاع النفط وتعزيز الشفافية والحوكمة الاقتصادية، في تحرك متصاعد يعكس تنامي القناعة الدولية بأن إدارة الثروة النفطية أصبحت أحد المفاتيح الرئيسية لأي تسوية سياسية مستدامة في ليبيا.
وجاء أحدث هذه التحركات عبر لقاء نائبتي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، الاثنين، مع رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك؛ لبحث إصلاحات الحوكمة، والمساءلة المؤسسية، مع تركيز خاص على قطاع النفط، بحسب بيان للبعثة الأممية، الثلاثاء.
وركّز الاجتماع على نتائج تقارير رقابية حديثة، تُعنى بالنفط والأدوية، مع التشديد على أن «حماية الموارد العامة وصون مصالح المواطنين يستلزمان تعزيز الشفافية والمساءلة والرقابة الفاعلة». كما شددت البعثة الأممية على أن «مرحلة تشخيص الاختلالات يجب أن تعقبها إصلاحات عملية، وإجراءات تنفيذية ملموسة».

ويأتي هذا التحرك الأممي بعد أقل من أسبوعين على إحاطة المبعوثة هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن، التي ربطت أزمة نقص الوقود التي شهدتها طرابلس ومدن الجنوب خلال شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار) الماضيين باستمرار «شبكات تهريب الوقود المدعوم»، معتبرة أن الأزمة كشفت مجدداً عن «هشاشة منظومة الدعم، واستمرار أوجه القصور في إدارتها».
وتتزامن هذه الرسائل مع تنامي التقارير الرقابية المحلية والدولية، في مؤشر على انتقال ملف النفط من كونه مجرد قضية إنتاج وإيرادات إلى أحد أبرز ملفات الإصلاح السياسي والمؤسسي، بالنظر إلى ارتباط إدارة عائداته باستقرار الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها.
وفي هذا السياق، ترى رئيسة قسم العقود السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، أن «الاهتمام الدولي المتزايد بإصلاح قطاع النفط يعكس إدراكاً بأن أي تسوية سياسية مستدامة لن تكون ممكنة من دون معالجة الاختلالات التي يعانيها هذا القطاع، بوصفه المصدر الرئيسي لثروة الليبيين، وأحد أبرز أسباب الصراع منذ عام 2011».

وقالت البشتي في حديثها لـ«الشرق الأوسط» إن قطاع النفط «يواجه اختلالات متراكمة في الحوكمة والشفافية تحدّ من قدرة ليبيا على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، في وقت تتردد فيه الشركات العالمية في ضخ استثمارات جديدة مع استمرار شبهات الفساد، وضعف البيئة المؤسسية، وهشاشة الأوضاع السياسية والأمنية».
وأضافت البشتي موضحة أن هذه المخاوف «تتزايد» في أعقاب مذكرات التفاهم الأخيرة الموقعة مع شركات أميركية، خصوصاً وأن تجارب سابقة أظهرت حساسية المستثمرين الدوليين تجاه ملفات الشفافية»، مستشهدة بـ«انسحاب شركات أميركية من عروض للتنقيب خلال عهد الرئيس الراحل معمر القذافي بسبب شبهات فساد، رغم تمتع البلاد آنذاك بدرجة أعلى من الاستقرار مقارنةً بالوضع الراهن».
وتعزز التقارير الرقابية هذه المخاوف؛ إذ كشف تقرير مشترك لديوان المحاسبة و«الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد» عن اختلالات مالية وتشغيلية واسعة في ملف المحروقات، وخسائر سنوية بمئات الملايين من الدولارات، إلى جانب الأعباء الناجمة عن استمرار توقف مصفاة رأس لانوف منذ عام 2013.
كما أظهرت البيانات الرقابية تراجع عدد الشركات العالمية الموردة للوقود إلى ليبيا، من 17 شركة في عام 2022 إلى ست شركات فقط خلال عامي 2023 و2024، بما يثير تساؤلات بشأن مستوى المنافسة، وشفافية التعاقدات في أحد أكبر أبواب الإنفاق العام.
وتنسجم هذه المؤشرات مع ما خلص إليه أحدث تقرير لفريق الخبراء الأممي في أبريل، الذي وثّق بلوغ تهريب النفط والوقود مستويات «غير مسبوقة» خلال العامين الماضيين. وسبق ذلك تقرير صادر عن منظمة «ذا سينتري»، قدّر اقتصاد تهريب الوقود في ليبيا بأكثر من 20 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، وذلك بمتوسط سنوي يقارب 6.7 مليار دولار، مع تحول هذه التجارة إلى نشاط منظم تشارك فيه مجموعات مسلحة، وشبكات جريمة عابرة للحدود.
وفي ظل هذه المؤشرات، صعّدت السلطات القضائية الليبية تحركاتها بإصدار أوامر بحبس مسؤول المبيعات في شركة «البريقة» لتسويق النفط، ومديري خمس شركات لتوزيع الوقود احتياطياً، على خلفية شبهات تتعلق بتسهيل تهريب المحروقات وتحويل مسارات الإمداد. فيما أكدت الشركة تعاونها مع التحقيقات وتمسكها باحترام المسار القضائي.

ويربط الباحث المتخصص في الشأن الليبي، جلال حرشاوي، بين تصاعد الاهتمام الدولي بقطاع النفط وتعثر المسار السياسي، انطلاقاً من أن الفصل بين الأزمتين الاقتصادية والسياسية لم يعد ممكناً.
وقال حرشاوي، في حديثه أيضاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «أي تقدم في العملية السياسية يظل رهناً بتحقيق قدر أكبر من الشفافية في إدارة الموارد المالية والاقتصادية، بينما سيؤدي استمرار الاختلالات داخل المؤسسة الوطنية للنفط، وملفات الوقود والطاقة إلى إبقاء الجمود السياسي على حاله، وهو ما بات يحظى بإدراك واسع لدى الدبلوماسيين المعنيين بالملف الليبي».





