موجة الحر تُجبر مُغني اليودل بمهرجان سويسري على الغناء في النوافير

يستعد مُغنو اليودل للبث التلفزيوني على المسرح الرئيسي للمهرجان في ساحة بيترسبلاتز ببازل بسويسرا (أ.ب)
يستعد مُغنو اليودل للبث التلفزيوني على المسرح الرئيسي للمهرجان في ساحة بيترسبلاتز ببازل بسويسرا (أ.ب)
TT

موجة الحر تُجبر مُغني اليودل بمهرجان سويسري على الغناء في النوافير

يستعد مُغنو اليودل للبث التلفزيوني على المسرح الرئيسي للمهرجان في ساحة بيترسبلاتز ببازل بسويسرا (أ.ب)
يستعد مُغنو اليودل للبث التلفزيوني على المسرح الرئيسي للمهرجان في ساحة بيترسبلاتز ببازل بسويسرا (أ.ب)

تحولت نوافير مدينة بازل السويسرية إلى ساحات تدريب مرتجلة، خلال عطلة نهاية الأسبوع، حيث استغل مُغني اليودل بالمدينة الفرصة لإجراء تدريبات سريعة للمشاركة فى مهرجان موسيقي في اللحظات الأخيرة، محاولين التخفيف من حرارة موجة الحر التي اجتاحت أوروبا في يونيو (حزيران) الحالي.

عند إحدى النوافير، غمس أعضاء فرقة موسيقية شعبية أصابع أقدامهم في الماء، بينما كان رواد المهرجان يصفقون أو يبردون أيديهم تحت الماء المتدفق.

من الجمعة إلى الأحد، امتلأت الشوارع بالمُغنين وعازفي آلات الألبورن، وترددت أصداء اليودل العفوية في أرجاء المطاعم، حيث أبدى روادها، في البداية، دهشتهم قبل أن ينضموا إليهم، وفقاً لما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.

مجموعة من عازفي آلة الهورن الألبية يقفون في ساحة بيترز ببازل بسويسرا (أ.ب)

في ساحة بيترسبلاتز، وسط مدينة بازل، كانت الخياطات على أهبة الاستعداد، طوال فترة المهرجان، لإصلاح الأزياء الشعبية الألبية التقليدية التي يرتديها المشاركون في حالات الطوارئ.

الحرارة والمهرجان

في هذا العام، أصبحت بروفات النافورة هي الصورة الأبرز للمهرجان، في ظلّ معاناة المدينة من درجات حرارة قياسية بلغت نحو 39 درجة مئوية (102 فهرنهايت).

وتوجّه نحو 12 ألف مؤدٍّ ونحو 200 ألف زائر إلى بازل لحضور مهرجان اليودل الوطني السويسري (Eidgenössisches Jodlerfest).

وكانت هذه هي المرة الأولى التي تستضيف فيها المدينة الواقعة شمال غربي سويسرا هذا الحدث منذ عام 1924. وأُضيف اليودل السويسري إلى القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، التابعة لليونسكو، في ديسمبر (كانون الأول) 2025، ما جعله أول مهرجان وطني منذ أن حظي هذا التقليد باعتراف دولي، وهو تمييز يفخر به كثير من السويسريين.

وعلى عكس الأسلوب الأكثر بهجة ولحناً، الذي غالباً ما يرتبط بالنمسا ومنطقة تيرول، يتميز اليودل السويسري بإيقاعه البطيء وطابعه الحزين، فهو تقليد غنيّ بالمشاعر ومتجذّر في لهجات إقليمية مميزة.

مجموعة من مؤدّي اليودل يحتمون في الظل خارج كنيسة مارتينز ببازل بسويسرا (أ.ب)

وقال فريدي كونكر، عضو نادي يودلر إيكو بازل، أحد النوادي المُضيفة للمهرجان: «لطالما عشقتُ الموسيقى، وغادرتُ هذه البلاد وأنا طفل. عندما عدتُ إلى نيوزيلندا، أردتُ البقاء على صلة بالثقافة السويسرية، فانضممتُ إلى نادٍ لليودل النيوزيلندي السويسري».

فريدي بايرز من بريطانيا وفريدي كونكر من نيوزيلندا يمثلان نادي يودلر إيكو بازل أثناء التقاط الصور في الخارج أمام كنيسة مارتينز ببازل (أ.ب)

ويتنافس المشاركون في ثلاث مسابقات: اليودل، والعزف على الألبورن، ورمي العلم.

والألبورن آلة موسيقية خشبية طويلة كان يستخدمها رعاة جبال الألب تقليدياً. وقد يصل طولها إلى أكثر من ثلاثة أمتار (عشرة أقدام)، وينتشر صوتها عبر الوديان، أو، خلال المهرجان، في شوارع بازل. تُصدر جميع نغماتها باستخدام التوافقيات الطبيعية فقط، دون صمامات أو مفاتيح.

نساء يغنّين اليودل يرتدين ملابس تقليدية أثناء التقاط الصور في بازل بسويسرا (أ.ب)

وقال بيير أندريه كارلين، الذي كان يتدرب على عشب المدرسة: «الأمر كله يعتمد على قطعة الفم، وسماع النوتة في ذهنك، ثم استخدام شفتيك لتشكيل درجة الصوت. كلما ارتفعت النوتة، زادت قوة النفخ».

وصباح أمس، تجمّع المشاركون خارج مبنى البلدية، ينتظرون بفارغ الصبر نتائج المسابقة.

كان أعضاء نادي يودلركلوب بالفرين، من مدينة فيسب في كانتون فاليه، يفحصون القوائم بتوتر، ثم احتفلوا بصوت عالٍ بعد حصولهم على العلامة الكاملة (واحد)، كواحد من عدة فرق حققت هذا الإنجاز.

وبينما كانت الأعلام تُحمل في أرجاء المدينة القديمة، خلال موكب ختام المهرجان، مرّ أعضاء نادي يودلركلوب موتينز على متن جرار، وسط هتافات الجمهور. وتبعهم عازفو الألبورن - كانت آلاتهم وأزياؤهم بلا شك عبئاً في الحر الشديد، لكن الابتسامات لم تفارق وجوه الجميع.


مقالات ذات صلة

لماذا يرفض بعض الأوروبيين مكيفات الهواء رغم موجات الحرّ القاتلة؟

يوميات الشرق أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز) p-circle

لماذا يرفض بعض الأوروبيين مكيفات الهواء رغم موجات الحرّ القاتلة؟

في وقت أصبحت فيه موجات الحر أكثر شدة وتكراراً بفعل التغير المناخي، قد يبدو اللجوء إلى مكيفات الهواء الخيار الأكثر منطقية لحماية الأرواح.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا سيدة في صربيا تعبر بجوار مروحة ترش المياه لتلطيف الجو وسط موجة حارة تضرب دولا أوروبية (رويترز)

130 مليون نسمة في أوروبا يستعدون لحرارة تزيد عن 35 درجة

يستمر الحر في أوروبا حيث يواجه 130 مليون شخص على الأقل ولا سيما في وسط القارة وشرقها، حرارة ستتخطى 35 درجة مئوية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا مواطن يأكل المثلجات أمام برج إيفل في باريس (رويترز)

ما سبب ارتفاع عدد الوفيات بسبب موجة الحر في أوروبا؟

لماذا تعاني القارة الأوروبية من شدة ارتفاع درجات الحرارة؟ المناخ ليس السبب الوحيد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا سياح يحملون مظلات يسيرون في باريس خلال موجة حر (أ.ب) p-circle

فرنسا تحصي نحو ألف وفاة منذ الأربعاء بسبب القيظ

سُجِّل في فرنسا، منذ الأربعاء، عدد وفيات يزيد بنحو ألف عن المستوى المعتاد، بحسب ما أعلنت، الأحد، «الوكالة الوطنية للصحة العامة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)

حلول بسيطة ومنخفضة التكلفة لتبريد المدن في ظل الحرّ الشديد

يؤكد خبراء أن ثمة حلولاً بسيطة وسريعة ومنخفضة التكلفة لمكافحة موجات الحر في المدن.

«الشرق الأوسط» (باريس)

اكتشاف أول دليل على وجود الزواحف الطائرة في مصر

إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)
إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)
TT

اكتشاف أول دليل على وجود الزواحف الطائرة في مصر

إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)
إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)

نجح فريق مصري من مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية «سلام لاب»، بالتعاون مع وزارة البيئة المصرية، ومتحف دنفر للطبيعة والعلوم، ومتحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي بالولايات المتحدة، في توثيق أول دليل حفري مؤكد على وجود التيروصورات (الزواحف الطائرة) في مصر، وهي الكائنات التي سيطرت على السماء قبل ظهور الطيور بعشرات الملايين من السنين، وذلك من خلال حفرية جناح عُثر عليها في صخور تكوين البحرية بمنخفض الواحات البحرية في الصحراء الغربية.

ويقدّر الباحثون أن باع جناحي الكائن المنقرض، الذي حلّق في سماء مصر قبل أكثر من 95 مليون سنة خلال العصر الطباشيري المتأخر، بلغ نحو 4 أمتار، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، بدورية «Acta Palaeontologica Polonica».

ويضيف هذا الاكتشاف بُعداً جديداً لفهم النظام البيئي القديم الذي شهدته الواحات البحرية، وهو الموقع الذي اشتهر سابقاً بحفريات الديناصورات العملاقة والتماسيح والأسماك القديمة، لكنه لم يكشف من قبل عن الكائنات التي سيطرت على سمائه، وفقاً للفريق البحثي.

فريق مركز جامعة المنصورة للحفريات في موقع الاكتشاف بالواحات البحرية (هشام سلام)

وتحتل الواحات البحرية مكانة استثنائية في تاريخ علم الحفريات؛ إذ كشفت منذ أوائل القرن العشرين عن بعض أشهر الديناصورات الأفريقية، مثل «سبينوصور»، و«تمريرابتور»، و«بحرياصور»، إلى جانب الديناصورات العاشبة العملاقة مثل «باراليتيتان» و«إيجيبتوصور»، فضلاً عن الأسماك الضخمة والتماسيح والسلاحف القديمة.

وتُعد التيروصورات أول الفقاريات التي طورت القدرة على الطيران في تاريخ الحياة على الأرض؛ إذ سبقت ظهور الطيور بعشرات الملايين من السنين. ورغم أنها عاشت جنباً إلى جنب مع الديناصورات، فإنها لم تكن ديناصورات طائرة ولا أسلافاً للطيور، بل تمثل مجموعة مستقلة من الزواحف الطائرة ترتبط بالديناصورات بعلاقة قرابة تطورية.

وتميزت بأجنحة غشائية تمتد بين الجسم والإصبع الرابع بالغ الاستطالة؛ ما منحها قدرة استثنائية على التحليق لمسافات طويلة مستغلة التيارات الهوائية، كما تنوعت أنظمتها الغذائية بين صيد الأسماك والفقاريات الصغيرة والتغذي على اللافقاريات والجيف، واستمرت في السيطرة على سماء الأرض لأكثر من 150 مليون سنة قبل أن تنقرض مع نهاية العصر الطباشيري قبل نحو 66 مليون سنة.

وتقدم الحفرية أول دليل قاطع على وجود هذه الزواحف الطائرة في مصر. والعينة المكتشفة عبارة عن العقلة الأولى من الإصبع الرابع في جناح التيروصورات، الذي يتميز باحتوائه على أربعة أصابع.

واستناداً إلى حجم العظمة، يقدّر الباحثون أن الحيوان بلغ باع جناحيه نحو 4 أمتار؛ ما يجعله تيروصوراً متوسط الحجم كان يحلق فوق الأنهار والسهول الفيضية والبيئات الساحلية التي غطت شمال مصر آنذاك.

وتأتي أهمية الاكتشاف أيضاً من ندرة حفريات التيروصورات حول العالم، إذ كانت عظامها رقيقة الجدران، وخفيفة، ومجوفة لتناسب الطيران، وهي صفات منحتها كفاءة عالية في التحليق، لكنها جعلتها أقل قدرة على التحجر مقارنة بعظام الديناصورات أو التماسيح القديمة؛ ولهذا السبب، لا يزال السجل الأحفوري للتيروصورات في أفريقيا وشبه الجزيرة العربية محدوداً ومتقطعاً.

عينة التيروصور كما ظهرت في موقع الاكتشاف بالواحات البحرية قبل جمعها ودراستها (هشام سلام)

وتشير الدراسة إلى أن أهمية الحفرية المصرية لا تقتصر على كونها أول دليل مؤكد على وجود التيروصورات في مصر، بل تسهم أيضاً في سد فجوة جغرافية مهمة في سجل انتشار هذه الزواحف الطائرة على امتداد الساحل الجنوبي لبحر تيثس القديم، كما تقدم أول جزء محفوظ ثلاثي الأبعاد من جناح تيروصور من تكوين البحرية، وهو ما يوفر للباحثين معلومات تشريحية نادرة عن جهاز الطيران لدى هذه الحيوانات.

أول سجل للتيروصورات

ووفقاً للدراسة، يمثل الاكتشاف الجديد أول سجل حفري مؤكد للتيروصورات في مصر، ويؤكد أنها كانت تحلق في سماء البلاد خلال العصر الطباشيري المتأخر قبل أكثر من 95 مليون سنة، ليكتمل للمرة الأولى تصور النظام البيئي الذي شهدته الواحات البحرية؛ فبعد أن كشفت حفرياتها عن الديناصورات العملاقة التي جابت اليابسة، والزواحف والأسماك التي عاشت في أنهارها، يأتي هذا الاكتشاف ليكشف عن الكائنات التي كانت تسيطر على سمائها.

ويقول بلال سالم، طالب الدكتوراه بجامعة أوهايو، وعضو فريق «سلام لاب» بجامعة المنصورة، ومدرس مساعد بكلية العلوم بجامعة بنها، والمؤلف الرئيسي للدراسة: «تمثل هذه الحفرية بالنسبة لي قيمة علمية وشخصية كبيرة؛ فقد عُثر عليها خلال أول بعثة ميدانية أشارك فيها إلى منخفض الواحات البحرية مع مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية عام 2018، ثم أصبحت لاحقاً جزءاً من أبحاثي بصفتي مسؤول حفريات الزواحف والطيور بالمركز».

وأضاف سالم لـ«الشرق الأوسط»: «يرجع تاريخ دراسة حفريات العصر الطباشيري في مصر إلى نحو 125 عاماً، ولم يُعثر من قبل على دليل يثبت وجود التيروصورات، خصوصاً في المواقع التي يرجع عمرها إلى نحو 100 مليون سنة، مثل الواحات البحرية».

وأشار إلى أن التيروصورات كانت معروفة من مناطق مختلفة في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، مثل المغرب وتونس ولبنان والأردن، لكن لم يكن هناك سجل موثق لها في مصر، ومن ثم فإن العينة المكتشفة تسد فجوة جغرافية مهمة للغاية في فهم انتشار الزواحف الطائرة خلال العصر الطباشيري، وتحديداً خلال العصر السينوماني في الواحات البحرية.

وتابع: «تُعد الواحات البحرية موقعاً استثنائياً في علم الحفريات؛ إذ يعرفها جميع الباحثين في ديناصورات أفريقيا بوصفها واحدة من أهم وأشهر المواقع الحفرية في القارة؛ لذلك، فإن اكتشاف أول حفرية مؤكدة لتيروصور في مصر بهذا المكان كان لحظة استثنائية لن أنساها».

بلال سالم مع عينة التيروصور في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (هشام سلام)

ووفق سالم، فإن «هذا الاكتشاف يوضح أن التراث الحفري المصري لا يزال يحمل الكثير من القصص غير المروية؛ فما زالت صخور الصحراء الغربية تكشف، مع كل بعثة جديدة، صفحات جديدة من تاريخ أفريقيا السحيق، وتؤكد الدور المتنامي للباحثين المصريين في توثيق هذا التراث ودراسته وحمايته».

ويقول عالم الحفريات المصري هشام سلام، مؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، وأستاذ الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة، ورئيس الفريق البحثي: «يُبرز هذا الاكتشاف أهمية مواصلة استكشاف المواقع الحفرية المصرية، فكل بعثة جديدة تحمل معها فرصة للإجابة عن أسئلة ظلت مطروحة لعقود. وعلى الرغم من أن الواحات البحرية تُعد من أكثر المناطق دراسة في أفريقيا، فإنها لا تزال تكشف عن اكتشافات غير متوقعة تعيد تشكيل فهمنا للنظم البيئية القديمة».

وأضاف: «أظهرت الدراسة أن الحفرية المكتشفة تمثل أحد أهم عناصر جهاز الطيران لدى التيروصورات، وهي العقلة الأولى للإصبع الرابع، وهو الإصبع الطويل الذي يحمل الغشاء الجناحي. وتمتاز هذه العظمة بصفات تشريحية مميزة، لا سيما في منطقة اتصالها بعظام الرسغ، ما يؤكد انتماءها إلى مجموعة (Ornithocheiriformes)، وهي مجموعة من التيروصورات طويلة الأجنحة التي ازدهرت خلال العصر الطباشيري».


كيف يربي الآباء أطفالاً واثقين بأنفسهم؟ معادلة من خطوتين

الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق (بيكسلز)
الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق (بيكسلز)
TT

كيف يربي الآباء أطفالاً واثقين بأنفسهم؟ معادلة من خطوتين

الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق (بيكسلز)
الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق (بيكسلز)

يسعى معظم الآباء إلى حماية أطفالهم من مشاعر الخوف والقلق، اعتقاداً منهم أن إبعادهم عن المواقف المزعجة هو السبيل الأمثل لبناء شخصيات قوية وواثقة. لكن خبراء الصحة النفسية يرون أن هذا النهج قد يحرم الأطفال من فرصة ثمينة لتطوير قدرتهم على مواجهة التحديات. فالثقة بالنفس، بحسب المختصين، لا تنشأ من غياب القلق، بل من تعلم التعامل معه وتجاوزه خطوة بعد أخرى.

تؤكد كاثرين هيشت، اختصاصية علم النفس السريري للأطفال، أن كثيراً من الآباء ينظرون إلى قلق أطفالهم على أنه عدو يجب التخلص منه، بينما قد يكون في الواقع مفتاحاً لبناء الثقة التي يحتاجها الأطفال ليصبحوا بالغين يتمتعون بالمرونة والسعادة والقدرة على النجاح، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

وتشير هيشت إلى أن أحد أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً التي تواجهها في عملها هو اعتقاد البعض أن دورها يتمثل في «التخلص» من قلق الطفل. لكنها توضح أن القلق شعور إنساني أساسي يختبره الجميع عند مواجهة أمر جديد أو غير مؤكد. وتؤكد الاختصاصية، المتخصصة في علاج القلق والوسواس القهري باستخدام العلاج بالتعرض في ولاية مينيسوتا الأميركية، أن أفضل طريقة لمساعدة الأطفال على إدارة قلقهم هي تهيئة بيئة آمنة تسمح لهم بمواجهة مخاوفهم تدريجياً.

ولهذا تعتمد هيشت في عملها على معادلة بسيطة من خطوتين، تقول إنها تساعد الأطفال على توظيف قلقهم بصورة إيجابية، وهي: «القلق + الشجاعة = الثقة». وتوضح أن الطفل، عندما يكتشف بنفسه أنه قادر على التعامل مع المواقف التي كانت تثير خوفه سابقاً، ومن دون تدخل والديه، يكتسب قدراً كبيراً من الثقة في نفسه.

اسمح لطفلك بأن يشعر بالقلق

توضح هيشت أن الآباء مبرمجون غريزياً على الاستجابة لأطفالهم عندما يمرون بأوقات صعبة أو يشعرون بالضيق. إلا أن الإسراع إلى إنقاذ الطفل في كل موقف يثير قلقه قد يحرمه، من دون قصد، من فرصة اكتشاف أن الموقف آمن، وأنه قادر على التعامل معه بنفسه.

وتضيف أن هذا السلوك قد يرسل رسالة غير مباشرة إلى الطفل مفادها أن والديه لا يثقان بقدرته على حل مشكلاته أو مواجهة تحدياته. لذلك تنصح الآباء بتذكر أن القلق «شعور آمن، ويمكن احتماله، وهو مؤقت». وتشدد على أن خوض هذه التجربة يمثل خطوة ضرورية لتجاوزها واكتساب القوة النفسية.

وفي الوقت نفسه، تحذر من المبالغة في الاتجاه المعاكس، مؤكدة أنه لا ينبغي إجبار الطفل على التحلي بالشجاعة أو دفعه إلى مواجهة مخاوفه قسراً، لأن شعوره بالإنجاز والثقة سيكون أكبر عندما تأتي المبادرة منه، ويختار بنفسه خوض التجربة.

كن قدوة في الشجاعة وشجّع المرح

تؤكد هيشت أن بإمكان الآباء تهيئة الظروف المناسبة لأطفالهم عبر خلق ما تسميه «فرصاً للشجاعة».

فإذا كان الطفل يعاني من القلق الاجتماعي، يمكن مساعدته على اتخاذ خطوات بسيطة وتدريجية. فعلى سبيل المثال، في المرة المقبلة التي تذهب فيها الأسرة إلى أحد المطاعم، يمكن سؤال الطفل عما إذا كان يرغب في طلب الحلوى نيابة عن العائلة.

كما يمكن للوالدين أن يكونا قدوة عملية في الشجاعة أمام أطفالهما. فإذا كان أحدهما يخاف من النحل، على سبيل المثال، يمكنه أن يتعامل مع الموقف بهدوء، ويطرد نحلة من النافذة أمام الطفل، ليبرهن له أن مواجهة المخاوف ممكنة.

وتضيف هيشت أن من المهم أيضاً الاحتفاء بكل خطوة يخطوها الطفل في مواجهة مخاوفه، ومكافأته عليها مهما بدت صغيرة. وتقول: «أي خطوة نحو الشجاعة تستحق اهتمامنا وتشجيعنا. فالهدف هو تشجيع الأطفال على مواصلة التقدم في الاتجاه الذي نطمح إليه، لأن الشجاعة غالباً ما تُبنى تدريجياً وتتراكم مع مرور الوقت».

كما تشجع الآباء على إضفاء أجواء من المرح والمغامرة على عملية مواجهة المخاوف، قائلة: «حوّلوا مواجهة المخاوف إلى لعبة، واتركوا لأطفالكم زمام المبادرة من خلال البناء على اهتماماتهم الشخصية».

وتضرب مثالاً على ذلك بطفل يحب الرياضيات ويخشى النحل؛ إذ يمكن تشجيعه على عدّ عدد النحل الذي يراه، ومحاولة العثور على عدد أكبر مما رآه إخوته، مع إطلاق أسماء طريفة على كل نحلة. أما إذا كان الطفل يشعر بالقلق من تكوين صداقات جديدة، فيمكن تحويل الأمر إلى نشاط ممتع، كأن يجري استطلاعاً بسيطاً لمعرفة عدد زملائه في الصف الذين يحبون برنامجه التلفزيوني المفضل.


لماذا يرفض بعض الأوروبيين مكيفات الهواء رغم موجات الحرّ القاتلة؟

أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)
أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)
TT

لماذا يرفض بعض الأوروبيين مكيفات الهواء رغم موجات الحرّ القاتلة؟

أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)
أشخاص يستخدمون المظلات لحماية أنفسهم من الشمس وسط موجة حر بساحة القلعة في وارسو (رويترز)

في وقت أصبحت فيه موجات الحر أكثر شدة وتكراراً بفعل التغير المناخي، قد يبدو اللجوء إلى مكيفات الهواء الخيار الأكثر منطقية لحماية الأرواح. إلا أن هذا التصور لا يحظى بالإجماع في أوروبا، حيث لا يزال كثير من السكان والمسؤولين يترددون في الاعتماد الواسع على أجهزة التكييف، رغم ارتفاع أعداد الوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة. ويستند هذا الموقف إلى اعتبارات بيئية واقتصادية، إضافة إلى توجهات تركز على حلول طويلة الأمد بدلاً من المعالجات المؤقتة.

ارتبطت موجة الحر القياسية التي شهدتها فرنسا الأسبوع الماضي بنحو ألف حالة وفاة، معظمها بين كبار السن. ويُعد خطر موجات الحر تحدياً يواجه أوروبا بأكملها، إذ تضم القارة أكبر نسبة من كبار السن مقارنةً بسائر قارات العالم، كما أنها الأسرع احتراراً على مستوى العالم، وفقاً لشبكة «سي بي إس نيوز».

وتسجل أوروبا أيضاً أعلى معدل للوفيات المرتبطة بالحرارة للفرد مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم، رغم أن عدد أيام الحر الشديد فيها أقل من كثير من المناطق الأخرى. ووفقاً للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، تجاوز عدد الوفيات الزائدة المرتبطة بالحرارة في أوروبا 1300 حالة منذ 21 يونيو (حزيران).

ورغم هذه الأرقام المقلقة، فإن المسؤولين الأوروبيين يدعون إلى تبني استراتيجيات مختلفة لمواجهة الحرارة، وليس إلى الحل الذي قد يبدو الأكثر بداهة، وهو التوسع في استخدام مكيفات الهواء.

فقد أظهرت دراسة أُجريت عام 2007 أن استخدام مكيفات الهواء يقلل الوفيات المرتبطة بالحرارة بنسبة تصل إلى 75 في المائة. ومع ذلك، لا يمتلك سوى 20 في المائة من الأوروبيين مكيفات هواء في منازلهم، بينما تصل هذه النسبة في الولايات المتحدة إلى نحو 90 في المائة.

وتقول إيني فانديكاستيل، خبيرة التكيف الحضري في وكالة البيئة الأوروبية، لشبكة «سي بي إس نيوز»: «بصراحة، لا أعتقد أن هذا هو الحل الأمثل في أي مكان. إنه حل مؤقت يمكن أن يدعم الفئات الأكثر ضعفاً في المستشفيات، أو يساعد على المدى القصير. لكن على المدى البعيد، يؤدي تركيب المزيد من أجهزة التكييف إلى زيادة انبعاث الحرارة في بيئتنا، مما يسرّع من وتيرة الاحتباس الحراري».

ولا تقتصر التحفظات على الجانب البيئي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى الجانب الاقتصادي، إذ تُعد أسعار الطاقة في أوروبا أعلى بكثير منها في الولايات المتحدة، ما يجعل تشغيل أجهزة التكييف أكثر تكلفة. ولهذا السبب، موّلت حكومات أوروبية بدائل أخرى لتبريد المدن التاريخية ذات الكثافة السكانية المرتفعة، من بينها إنشاء محطات تبريد عامة تتيح للسكان الاحتماء من موجات الحر.

وفي العاصمة الإيطالية روما، تُوزَّع أجهزة وتقنيات قابلة للارتداء لمراقبة الحالة الصحية لكبار السن، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة لمضاعفات ارتفاع درجات الحرارة. ومع ذلك، تُعد إيطاليا من أكثر الدول الأوروبية اعتماداً على أجهزة التكييف مقارنة بجيرانها.

أشخاص يتجولون عبر نافورة رذاذ الماء للتخفيف من حرارة الجو خلال موجة الحر بوارسو في بولندا (رويترز)

وبحسب المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء، كانت نحو 56 في المائة من المنازل في إيطاليا مزودة بمكيفات هواء حتى عام 2024. كما تستهلك البلاد نحو ثلث إجمالي الكهرباء المستخدمة لتشغيل أجهزة التكييف في دول الاتحاد الأوروبي، وفقاً لبيانات الاتحاد.

وفي المقابل، تكشف استطلاعات الرأي عن حضور قوي للوعي البيئي لدى الأوروبيين. فقد أظهر استطلاع حديث في فرنسا أن شخصاً واحداً من كل ستة أشخاص مستعد للتضحية ببعض جوانب الراحة الشخصية من أجل حماية البيئة، وهو ما لا تراه فانديكاستيل أمراً مستغرباً.

وقالت في حديثها لشبكة «سي بي إس نيوز»: «نحن لا نفعل ذلك من أجل أنفسنا، بل من أجل الأجيال القادمة».