مُسيّرات أوكرانيا تُعزز الضغط على الداخل الروسي

موسكو تُسائل واشنطن بشأن موقفها... والقرم تتحوّل عبئاً استراتيجياً

سحابة من الدخان فوق ميناء سانت بطرسبرغ في روسيا بتاريخ 3 يونيو 2026 بعد هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية (أ.ب)
سحابة من الدخان فوق ميناء سانت بطرسبرغ في روسيا بتاريخ 3 يونيو 2026 بعد هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية (أ.ب)
TT

مُسيّرات أوكرانيا تُعزز الضغط على الداخل الروسي

سحابة من الدخان فوق ميناء سانت بطرسبرغ في روسيا بتاريخ 3 يونيو 2026 بعد هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية (أ.ب)
سحابة من الدخان فوق ميناء سانت بطرسبرغ في روسيا بتاريخ 3 يونيو 2026 بعد هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية (أ.ب)

لم تَعُد الحرب الروسية - الأوكرانية تُقاس بعدد القوات على جبهة دونباس، بل بقدرة كل طرف على نقل التكلفة السياسية والاقتصادية إلى عمق خصمه. وفي الأسابيع الأخيرة، نجحت كييف في إحداث تحول واضح في هذا الجانب، بعدما وسّعت حملة الضربات بعيدة المدى لتشمل مصافي النفط والمصانع العسكرية ومراكز الاتصالات والطاقة؛ من موسكو وبطرسبرغ، إلى مناطق تقع على مسافات كبيرة من الحدود.

هذه التطورات لا تعني أن أوكرانيا باتت على وشك حسم الحرب. فموسكو ما زالت تملك تفوقاً كبيراً في الصواريخ الباليستية والقدرة على قصف المدن الأوكرانية، كما أن قواتها لا تزال تسيطر على نحو خُمس الأراضي الأوكرانية. الجديد هو أن كييف باتت تمتلك أداة ضغط لم تكن متاحة لها بهذا الحجم من قبل: جَعلُ الحرب محسوسة داخل روسيا، وإضعاف صورة الكرملين بوصفه قادراً على حماية الداخل، بالتوازي مع رفع التكلفة الاقتصادية لاستمرار القتال.

استهداف العمق الروسي

تُظهر الضربات الأخيرة أن برنامج المسيّرات الأوكراني تجاوز مرحلة العمليات الرمزية. فقد استهدفت الهجمات منشآت نفطية، ومصانع لإنتاج مكونات الصواريخ والذخائر، ومراكز اتصالات قريبة من موسكو، فيما قالت تقارير غربية إن إنتاج البنزين الروسي انخفض بنسبة 25 في المائة خلال أسبوع واحد من يونيو (حزيران) الحالي؛ مما دفع بعشرات المناطق إلى فرض قيود على التوزيع، وفق صحيفة «واشنطن بوست».

هذه الأرقام مهمة؛ لأنها تعكس انتقال الضربات من التأثير العسكري المحدود، إلى الضغط على الاقتصاد والمجتمع. فاستهداف المصافي لا يقلص فقط إيرادات الدولة وقدرتها على تمويل الحرب، بل يربك أيضاً حركة النقل والإمداد والقطاع الزراعي والأسعار المحلية. وقد أقرت موسكو عملياً بحجم المشكلة عندما بحثت حظر صادرات الديزل، بينما وصف رئيس شركة «روسنفت» الأضرار التي لحقت بالمصافي بأنها «غير مسبوقة». وتزامن ذلك مع اتساع عجز الموازنة الروسية إلى 6 تريليونات روبل حتى نهاية مايو (أيار) الماضي، أي أكبر من ضعف مستواه قبل عام، وفق المعلومات التي أوردتها «واشنطن بوست».

مع ذلك، فإن الهدف الأوكراني يبقى أبعد من إتلاف منشآت بعينها. فكييف تسعى إلى ضرب العقدة النفسية التي قامت عليها استراتيجية بوتين منذ 2022: إبقاء معظم الروس بعيدين عن آثار الحرب اليومية. وأصبح تعليق الرحلات في مطارات موسكو، وتصاعد الدخان فوق المصافي، ونقص الوقود، عناصر تربط المواطن الروسي مباشرة بحرب كان الكرملين يقدمها بوصفها عملية تجري خارج الحدود ولا تهدد سير الحياة الطبيعية.

القرم تتحول عبئاً استراتيجياً

تبدو شبه جزيرة القرم المثال الأوضح على هذا التحول... فالمنطقة التي قدمها بوتين منذ ضمها عام 2014 بوصفها أحد أهم إنجازاته التاريخية، تحولت نقطةَ ضعف عسكرية ولوجستية. وقد دفعت الضربات الأوكرانية السلطات الموالية لروسيا إلى إعلان حالة طوارئ، بعد انقطاع الكهرباء، وتعليق بيع الوقود للمدنيين، واضطراب النقل، وإلغاء مخيمات صيفية، وإجلاء أطفال.

كما تراجعت الحجوزات السياحية، واصطفت آلاف السيارات لمغادرة شبه الجزيرة عبر جسر كيرتش. الرمزية العسكرية للقرم لا تقل عن رمزيتها السياسية. فمنها انطلقت عمليات روسية واسعة في جنوب أوكرانيا، وفيها قواعد وموانئ ومنظومات دفاع جوي، كما تُشكّل حلقة إمداد أساسية للقوات الروسية في خيرسون وزابوريجيا. لذلك، تُركّز كييف على عزلها تدريجياً عبر ضرب الجسور والسكك الحديدية والعبارات ومستودعات الوقود ومحطات الكهرباء، بدلاً من محاولة اقتحامها برياً في عملية باهظة ومعقدة.

هذا الضغط جعل القرم، مجدداً، ساحة متنازعاً عليها تحتاج إلى كميات متصاعدة من الدفاعات والوقود والموارد. ويزداد العبء؛ لأن روسيا مضطرة إلى توزيع منظوماتها الجوية بين موسكو ومقار القيادة وجسر كيرتش ومنشآت النفط والمدن البعيدة. وكلما ركزت الحماية في موقع، ظهرت ثغرات في مواقع أخرى. وبهذا المعنى، لا تحتاج أوكرانيا إلى تدمير كل هدف؛ يكفي أن تجبر موسكو على الدفاع عن مساحة شاسعة لا يمكن تغطيتها بالكامل.

سباق المسيّرات يُبدّل الردع

يعتمد نجاح كييف على الجمع بين كثافة الهجمات وتنوعها. فالموجات تضم مسيّرات هجومية وأخرى خداعية، وأحياناً صواريخ مجنحة، بما يربك الرادارات ويستنزف الذخائر الدفاعية.

وتشير تقديرات نقلتها «وول ستريت جورنال» إلى أن الضربات منذ مارس (آذار) الماضي عطّلت نحو 20 في المائة من قدرة التكرير الروسية، فيما ارتفع عدد المسيّرات التي قالت وزارة الدفاع الروسية إنها اعترضتها من 2504 في مايو 2025 إلى 8849 خلال مايو 2026.

وتمنح هذه الحرب أوكرانيا ميزة اقتصادية أيضاً؛ لأن تكلفة المسيّرة الهجومية قد تكون أقل بكثير من تكلفة الصاروخ المستخدم لاعتراضها، أو الضرر الذي تسببه في منشأة نفطية أو عسكرية. كما أن اتساع روسيا، الذي كان تاريخياً عنصراً دفاعياً، بات عبئاً؛ لأن المصافي والمصانع والمطارات موزعة على آلاف الكيلومترات. ولهذا رأى عسكريون ومحللون أن التكلفة غير المتكافئة للعمليات بدأت تنقلب ضد الطرف المدافع، الذي لا يستطيع حماية كل منشآته في الوقت نفسه.

غير أن تصوير هذه النجاحات على أنها نقطة حسم سيكون مبالَغاً فيه... فروسيا ما زالت تتفوق في الصواريخ الباليستية ذات القدرة التدميرية الأكبر مما لدى أوكرانيا، وقد واصلت قصف المدن وشبكة الطاقة الأوكرانية وإيقاع ضحايا مدنيين. كما يمكن لبوتين أن يرد بتصعيد الضربات بدلاً من تقديم تنازلات، وهو الاحتمال الذي رجحه محللون ومسؤولون روس تحدثت إليهم «واشنطن بوست». وتبقى قدرة كييف على المحافظة على وتيرة الإنتاج والهجمات، وحماية مدنها من الرد الروسي، شرطاً لتحويل التفوق التقني مكسباً سياسياً دائماً.

هل تعود واشنطن إلى الوساطة؟

في هذا السياق، عاد الخلاف بشأن ما جرى في «قمة أنكوريج» - عاصمة ألاسكا - بين ترمب وبوتين في أغسطس (آب) 2025.

فقد قال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إن ما طُرح في ألاسكا كان مقترحات وليس اتفاقاً، بينما ردّ سيرغي لافروف بأن موافقة روسيا على المقترحات الأميركية تعني وجود تفاهم، وطالب واشنطن بتوضيح موقفها.

ويكشف السجال عن أن موسكو تخشى ابتعاد الإدارة الأميركية عن الصيغة التي اعتقدت أنها تمنحها شروطاً مناسبة للتسوية. إلا إن النبرة الأميركية بدت أقل ميلاً إلى تبني الرواية الروسية. فترمب قال إن أوكرانيا «تؤدي بشكل جيد»، والتقى زيلينسكي خلال «قمة مجموعة السبع».

ووفق «واشنطن بوست»، فقد جاءت هذه الإشارات مع تلويح أميركي بإمكان تشديد العقوبات على موسكو؛ مما أثار قلقاً داخل النخبة الروسية.

مع ذلك، فإن الوساطة الأميركية لا تزال أمام عقبتين؛ الأولى أن بوتين قد يرى التصعيد وسيلة لاستعادة الردع، لا سبباً للتراجع. والثانية أن زيلينسكي، وقد اكتسب ورقة جديدة، فسيحاول تحسين شروط التفاوض بدلاً من قبول تسوية تعكس مكاسب روسيا السابقة. لذلك؛ فإن توازن القوى الجديد لا يضمن اتفاقاً قريباً، لكنه يغير طبيعة النقاش: لم تعد موسكو وحدها قادرة على استخدام الوقت والقوة لفرض شروطها، ولم تعد كييف تدخل أي مفاوضات من موقع الدفاع الكامل.

لذلك؛ يرى المُحلّلون أن حملة المسيّرات الأوكرانية لا تنهي الحرب، لكنها تعيد توزيع الخوف والتكلفة. فقد نقلت جزءاً من المعركة إلى العمق الروسي، وحولت القرم من رمز للانتصار إلى عبء، وأعادت لأوكرانيا مكانة أكبر قوة داخل المعادلة الأوروبية والأميركية. وإذا استمرت أزمة الوقود، والضغط المالي، وتآكل الشعور بالأمان، فقد تصبح الوساطة الأميركية أكبر جدية.


مقالات ذات صلة

من هو ميخايلو دراباتي القائد الجديد للجيش الأوكراني؟

أوروبا اللواء ميخايلو دراباتي يحضر اجتماعاً مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف... 20 يوليو 2026 (رويترز)

من هو ميخايلو دراباتي القائد الجديد للجيش الأوكراني؟

تولّى ميخايلو دراباتي قيادة الجيش الأوكراني وسط أزمة سياسية، مدعوماً بسمعة إصلاحية وشعبية واسعة، فيما يواجه تحديات عسكرية وتنظيمية وتوقعات مرتفعة في الحرب.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الدخان يتصاعد من مخزن تابع لشركة «وايلدبيريز» الروسية العملاقة بعد هجوم أوكراني يوم الأربعاء في لقطة مأخوذة من فيديو متداول (رويترز)

للمرة الثانية خلال أسبوع... أوكرانيا تضرب أكبر شركة روسية للتجارة الإلكترونية

للمرة الثانية خلال أسبوع، استهدفت مسيّرات أوكرانية، الأربعاء، شركة ضخمة للتجارة الإلكترونية في روسيا، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة 15 آخرين.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الجنرال مايكل كلايسون رئيس أركان الجيش السويدي خلال مؤتمر صحافي عام 2024 (أ.ف.ب)

رئيس أركان الجيش السويدي يحذّر من هجوم روسي لاختبار تماسك الناتو

يحذّر رئيس أركان الجيش السويدي من احتمال سعي روسيا إلى اختبار تماسك الناتو، فيما تعزّز السويد وحلفاؤها دفاعات الجبهة الشمالية لأوروبا.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا من اليمين القائد الأعلى المعيّن حديثاً للقوات المسلحة الأوكرانية اللواء ميخايلو دراباتي والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والقائد الأعلى للقوات المسلحة المُقال حديثاً الجنرال أولكسندر سيرسكي ووزير الدفاع بالوكالة يفغيني خامارا يقفون لالتقاط صورة بعد اجتماع وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف 22 يوليو 2026 (رويترز)

زيلينسكي يبدّل قيادة الجيش الأوكراني... ورهان على التحديث في مواجهة روسيا

أقال زيلينسكي قائد الجيش الأوكراني وعيّن قيادة جديدة في خطوة تهدف إلى احتواء أزمة داخلية ودفع تحديث المؤسسة العسكرية مع استمرار الحرب مع روسيا.

شادي عبد الساتر (بيروت)
أوروبا أرشيفية لمُسيرة أوكرانية اعتُرضت في بيلغورود الروسية (أ.ف.ب)

أوكرانيا تضرب مجدداً أكبر شركة روسية للتجارة الإلكترونية

استهدفت مسيّرات أوكرانية، الأربعاء، وللمرة الثانية خلال أسبوع، شركة ضخمة للتجارة الإلكترونية في روسيا

«الشرق الأوسط» (موسكو)