الجزائر تكرّس أكبر ميزانية عسكرية في أفريقيا وسط تصاعد التحديات الأمنية

حدود سياسية ملتهبة تمولها عائدات الغاز

جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)
جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)
TT

الجزائر تكرّس أكبر ميزانية عسكرية في أفريقيا وسط تصاعد التحديات الأمنية

جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)
جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)

خصصت الجزائر 25.4 مليار دولار لميزانيتها العسكرية في عام 2025، بزيادة بلغت 11 في المائة مقارنة بعام 2024، لتظل البلاد، وبفارق شاسع جداً، المستثمر العسكري الأول في أفريقيا من دون أن تكون في حالة حرب، مستحوذة على ما يقارب 44 في المائة من إجمالي الإنفاق العسكري الأفريقي، وفق تقرير حديث نشره «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام».

ويمثل الإنفاق العسكري الجزائري 25 في المائة من إجمالي الإنفاق الحكومي، حسب التقرير نفسه. وهو ثاني أعلى معدل في العالم بعد أوكرانيا. ويأتي هذا في وقت واصلت الاعتمادات المالية العسكرية الإجمالية في أفريقيا، منحاها التصاعدي خلال عام 2025 لتصل إلى 58.2 مليار دولار بزيادة 8.5 في المائة مقارنة بالعام السابق و45 في المائة منذ عام 2016، في طفرة يرى «معهد ستوكهولم»، أن منطقة شمال أفريقيا تتصدرها بنفقات دفاعية بلغت 35 مليار دولار، وبنمو سنوي قدره 9.3 في المائة.

رئيس أركان الجيش الجزائري (وزارة الدفاع)

وبعيداً عن التقرير المعد من طرف المرجع الأكثر موثوقية لبيانات التسلح والإنفاق العسكري وصناعة السلاح في العالم، حافظت ميزانية الدفاع في الجزائر على ارتفاعها في قانون المالية لسنة 2026، وذلك بنسبة تناهز 20 في المائة، أي ما يعادل نحو 25 مليار دولار، من إجمالي ميزانية وطنية عامة تُقدر بنحو 135 مليار دولار. وتُعد هذه الميزانية العسكرية الأضخم في تاريخ الجزائر، التي تحقق عائدات غير مسبوقة منذ أزمة أوكرانيا، بفضل مبيعات غازها في السوق الأوروبية. واعتماد هذا الحجم من الإنفاق يؤكد «المنحى الدفاعي» للبلاد في سياق يتسم بتوترات حادة مع دول الساحل.

وشهدت الميزانية الدفاعية تطوراً لافتاً ونمواً متسارعاً في النفقات العسكرية منذ عام 2020. ففي سنة 2023 بلغت نحو 22 مليار دولار، حيث أعلنت الجزائر آنذاك عن رغبتها في تحديث قواتها المسلحة وتطوير قطاع الدفاع لمواجهة التحديات الأمنية المحدقة بها.

عتاد عسكري حديث (وزارة الدفاع)

وتشكل حدود الجزائر مع دول جنوب الصحراء تهديداً كبيراً لأمنها منذ عقود، ويرجع ذلك، حسب الخبراء، إلى غياب الاستقرار في بعض هذه الدول، وتغلغل الجماعات المتطرفة، وتجارة السلاح والمخدرات، فضلاً عن النشاط البارز لشبكات الهجرة غير الشرعية. وتم إطلاق جرس الإنذار منذ الهجوم على المنشأة الغازية بمنطقة تيقنتورين بالقرب من الحدود الليبية، سنة 2013، حيث تسلل متطرفون مسلحون يتحدرون من عدة جنسيات، واحتجزوا عشرات الفنيين الأجانب في مصنع الطاقة. وانتهت العملية بمقتل المعتدين والعديد من العمال الأجانب.

وتعيش العلاقات بين الجزائر وبامكو توتراً شديداً منذ حادثة الطائرة المسيرة المالية التي أسقطها الجيش الجزائري مطلع أبريل (نيسان) 2025، وسط دعم وتضامن معلن من النيجر وبوركينا فاسو مع مالي. ويضاف إلى هذا المشهد، على الحدود الشرقية للجزائر، الخطر الناجم عن غياب الاستقرار في ليبيا التي تعيش وضعاً أمنياً فوضوياً منذ عام 2011.

أما غرباً، فيبرز الخلاف مع المغرب الذي قُطعت العلاقات الدبلوماسية معه منذ صيف 2021، ويشهد هو الآخر سباقاً نحو التسلح، حيث يتواجه البلدان حول قضية الصحراء الغربية.

من العرض العسكري بمناسبة الاستقلال (رئاسة الجمهورية)

طفرة الغاز

ويأتي التمويل المتزايد للميزانية العسكرية الجزائرية، حسب الخبراء، مدفوعاً بشكل خاص بارتفاع أسعار المحروقات جراء الحرب في أوكرانيا، فضلاً عن صعوبات الإمداد التي تواجهها الدول الأوروبية، مما أدى إلى زيادة صادرات الغاز نحو أوروبا وإنعاش خزينة الدولة. فبعد فترة من تراجع احتياطاتها المالية، أعادت الجزائر ملء خزائنها مستفيدة من أزمة الطاقة وانتعاش أسعار النفط.

وقد تضاعفت الميزانية العسكرية لتتجاوز بكثير الميزانيات التي عرفتها البلاد في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019)، وهي الفترة التي كان يباع فيها برميل النفط بـ150 دولاراً. وسعى الجيش الجزائري، بفضل الانتعاشة المالية التي عرفتها البلاد، إلى التحديث ورفع قدراته في مجال الاستخبارات العسكرية.

وفي الوقت الذي تسلط فيه التقارير الدولية الضوء على التطور التاريخي للميزانية الدفاعية للجزائر، تبرز الحصيلة العملياتية للجيش الجزائري خلال السداسي الأول من سنة 2026 بوصفها مبرراً ميدانياً وموضوعياً لحجم هذا الإنفاق لحماية أمن واستقرار البلاد.

جانب من تدريبات الجيش الجزائري (وزارة الدفاع)

ففي بيان نشرته السبت، أكدت وزارة الدفاع أن القوات المسلحة «واصلت في سياق تنفيذ مهامها الدستورية مضاعفة جهودها اللوجستية والعملياتية لاجتثاث فلول الإرهاب والتصدي بكل حزم للجريمة المنظمة عابرة الحدود». مشيرة إلى أن هذه الجهود «أثمرت منذ بداية العام قتل 23 إرهابياً وتوقيف 147 شخصاً بشبهة دعم الإرهاب، مع استرجاع 49 قطعة سلاح ناري وكميات كبيرة من الذخيرة».

وأوضحت وزارة الدفاع أن هذه الحصيلة «تؤكد صوابية المقاربة المتبناة من طرف القيادة العليا لتحديث الجيش، ورفع جاهزيته الدائمة، لتأمين شريط حدودي ملتهب يمتد لآلاف الكيلومترات».


مقالات ذات صلة

تبون وشنقريحة يهاجمان «أعداء الجزائر» ويستعرضان مكاسب التنمية والردع

شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع كبار المسؤولين خلال ذكرى الاستقلال (الرئاسة)

تبون وشنقريحة يهاجمان «أعداء الجزائر» ويستعرضان مكاسب التنمية والردع

هاجم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة «أعداء وخصوم» الجزائر الذين ينكرون ما تحقق من مشاريع خدمية مهمة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الفريق أول سعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)

قائد الجيش الجزائري: النصر في المعركة الحديثة يرتبط بمنظومة سلاسل الإسناد

أفرزت الحروب الحديثة والثورات الجديدة في الشؤون العسكرية سياقات عمل معقدة ومتغيرة تتطلب بناء استراتيجية مبتكرة بمجال الإسناد اللوجيستي

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قائد الجيش مع الوحدة العسكرية التي نفذت الكمين ضد المتشددين (وزارة الدفاع)

الجزائر: مقتل عسكريين على يد «بقايا الإرهاب» ينعش ذاكرة «العشرية السوداء»

العملية تذكّر بأن التهديد لم يختفِ تماماً، حسب مراقبين. فهو لا يزال موجوداً في شكل خلايا متفرقة تحاول البقاء في بعض المناطق الحدودية أو الجبلية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا استعدادات في الجزائر للتصدي لغزو الجراد (الإذاعة الحكومية الجزائرية)

استعانت بالجيش... الجزائر تستعد لـ «غزو الجراد»

أطلقت الحكومة الجزائرية خطة عاجلة لمواجهة غزو محتمل للجراد في مناطقها الجنوبية على أثر التحركات المقلقة لأسراب الجراد جنوب المغرب وموريتانيا.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

طوى القضاء الجزائري ملف قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، بإصدار أحكام قضت بالحبس النافذ لفترات غطت مدة توقيفهم احتياطياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

فاطمة الزهراء المنصوري تعلن تحالفاً رباعياً لقيادة الحكومة في المغرب

فاطمة الزهراء المنصوري (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري (أ.ف.ب)
TT

فاطمة الزهراء المنصوري تعلن تحالفاً رباعياً لقيادة الحكومة في المغرب

فاطمة الزهراء المنصوري (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري (أ.ف.ب)

أعلن حزب الأصالة والمعاصرة، الفائز في الانتخابات التشريعية في المغرب، الاثنين، ائتلافاً من أربعة أحزاب لتشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، بينها شريكه في الحكومة المنتهية ولايتها حزب الاستقلال، وحزبان من وسط اليسار.

وقال الحزب في بيان، بعد مشاورات استغرقت أياماً، «تم التوافق على أغلبية سياسية تتكون من أحزاب: الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية»، فيما بقي حزب التجمع الوطني للأحرار الذي قاد الحكومة المنتهية ولايتها في المعارضة، وحل ثانياً في انتخابات 23 سبتمبر (أيلول) التي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة.

وفي 29 سبتمبر (أيلول)، عيّن الملك محمد السادس منسقة القيادة الجماعية لهذا الأخير فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة مكلفة تشكيل فريق وزاري لخمسة أعوام، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب.

وأضاف البيان الذي نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» أن الأحزاب الأربعة سوف تقترح «أسماء وزيراتٍ ووزراء يتمتعون بالكفاءة وبالحس السياسي والنزاهة والاستقامة، ضمن حكومة منسجمة وقوية، قادرة على تفعيل مضامين البرنامج الحكومي الذي سيتم إعداده في أسرع الآجال».

وسيتم تعيين أعضاء الحكومة، الذين تقترحهم المنصوري، من طرف الملك محمد السادس. فيما جرت العادة أن يعين وزراء قطاعات استراتيجية مثل الداخلية والخارجية من خارج الأحزاب السياسية.

وتمثل الأغلبية المعلن عنها 207 مقاعد من أصل 395 مقعداً في مجلس النواب، وتشهد عودة حزبي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية (وسط يسار) إلى الحكومة بعدم خمسة أعوام في المعارضة البرلمانية.

وتنتظر الحكومة المقبلة تحديات سياسية واجتماعية عدة، في مقدمها استعادة الثقة بالمؤسسات السياسية، ومعالجة بطالة الشباب والتفاوتات الاجتماعية وبين الجهات.


المنفي يبحث مع رئيس الاستخبارات الليبية سبل حماية الأمن الوطني

المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي مستقبلاً مليقطة رئيس جهاز الاستخبارات يوم الاثنين (مكتب المنفي)
المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي مستقبلاً مليقطة رئيس جهاز الاستخبارات يوم الاثنين (مكتب المنفي)
TT

المنفي يبحث مع رئيس الاستخبارات الليبية سبل حماية الأمن الوطني

المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي مستقبلاً مليقطة رئيس جهاز الاستخبارات يوم الاثنين (مكتب المنفي)
المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي مستقبلاً مليقطة رئيس جهاز الاستخبارات يوم الاثنين (مكتب المنفي)

بحث رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، مع رئيس جهاز الاستخبارات عبد المجيد مليقطة، سبل حماية الأمن الوطني في ظل تجاذبات وتوترات وانقسامات سياسية تعاني منها البلاد.

وقال مكتب المنفي، الاثنين، إنه التقى مليقطة، وأكد خلال اللقاء «أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى صون الأمن الوطني، وتعزيز كفاءة العمل الاستخباراتي»، مشدداً على ضرورة تفعيل الدور الليبي في منظومة التعاون الأمني الأفريقي والدولي بما يخدم المصالح العليا للدولة ويدعم الأمن والاستقرار.

لقاء سابق يجمع المنفي ونائبيه موسى الكوني وعبد الله اللافي ورئيس «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة (مكتب المنفي)

وكان خلاف قد دبّ داخل المجلس الرئاسي في 24 يونيو (حزيران) الماضي، إثر إقدام المنفي على تعيين مليقطة خلفاً لحسين العايب، رئيس الجهاز السابق. وتمثل هذا الخلاف في قول عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني إن «اختصاصات الرئاسي جماعية وليست فردية»، مؤكداً أن «جميع القضايا التي تتعلق بشغل مناصب سيادية وقيادية لا تكتسب صفة القرار الرسمي إلا بعد مناقشتها وإقرارها خلال اجتماع رسمي للمجلس، وإثباتها بمحضر معتمد».

وأوضح مكتب المنفي، الاثنين، أن مليقطة قدم إحاطة لرئيس المجلس الرئاسي بشأن مستجدات الأوضاع الأمنية على الصعيد المحلي وسير عمل الجهاز وجهوده في متابعة الملفات ذات الصلة بالأمن الوطني، إلى جانب نتائج مشاركاته واجتماعاته على المستويين الإقليمي والدولي.

كما قام بإطلاع المنفي على نتائج اجتماع اللجنة التنفيذية للجنة أجهزة الأمن والاستخبارات الأفريقية (السيسا)، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي برئاسة رئيس جهاز الاستخبارات الليبية، بصفته رئيساً لـ«السيسا»، وما تناوله من ملفات تتعلق بتعزيز التنسيق والتعاون الاستخباراتي الأفريقي، ومواجهة التحديات والتهديدات الأمنية المشتركة.

وأضاف مكتب المنفي أن إحاطة مليقطة «تناولت نتائج مشاركة رئيس الجهاز في مؤتمر باكو للأمن في أذربيجان، ولقاءاته مع نظرائه التي بحثت تعزيز التعاون الاستخباراتي، وأمن الحدود، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتداعيات الأوضاع الإقليمية على الأمن والاستقرار».

ويعاني المجلس الرئاسي من تكرار الخلافات بين رئيسه المنفي ونائبيه الكوني وعبد الله اللافي، وعادة ما يصدرون بيانات منفردة تتعلق بالقضايا السياسية ومواقفهم منها، من بينها قرار تعيين مليقطة.

وكان مليقطة قد تعرض لمحاولة اغتيال في 14 يونيو 2024، عبر استهدافه بعبوة ناسفة زُرعت في سيارة وُضعت في مسار مروره في طرابلس، ما أسفر عن إصابته بجروح، قبل أن يفر المتهمون إلى تونس. وقضت محكمة الجنايات في العاصمة طرابلس، في 10 أبريل (نيسان)، بسجن سبعة مدانين بأحكام متفاوتة في محاولة اغتياله.

اجتماع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ونائبه عبد الله اللافي (إلى اليسار) والفريق محمد بن يوسف أمين سر المجلس يوم الاثنين (مكتب المنفي)

وفي شأن مختلف، قال مكتب المنفي إنه عقد، بصفته القائد الأعلى للجيش الليبي، اجتماعاً في طرابلس، الاثنين، مع أمين سر المجلس ومدير مكتب القائد الأعلى للجيش الفريق محمد بن يوسف، خُصص لبحث جملة من القرارات المتعلقة بشؤون الجيش والأجهزة التابعة للمجلس.

وتناول الاجتماع مناقشة عدد من القرارات ذات الصلة بتنظيم شؤون الجيش الليبي، إلى جانب بحث آليات إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ليبيا: تصعيد سياسي يستبق إحاطة تيتيه أمام «مجلس الأمن»

جلسة للمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية الأسبوع الماضي (المجلس الأعلى)
جلسة للمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية الأسبوع الماضي (المجلس الأعلى)
TT

ليبيا: تصعيد سياسي يستبق إحاطة تيتيه أمام «مجلس الأمن»

جلسة للمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية الأسبوع الماضي (المجلس الأعلى)
جلسة للمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية الأسبوع الماضي (المجلس الأعلى)

انفتح المشهد العام في ليبيا على تصعيد سياسي، تبلور في تمسّك المجلس الأعلى للدولة في طرابلس بموقفه الرافض لمخرجات اتفاق «4+4»، فضلاً عن رفضه بعض القوانين الانتخابية الصادرة عن مجلس النواب.

ويأتي موقف المجلس الأعلى قبيل إحاطة تعتزم المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، تقديمها إلى مجلس الأمن الدولي يوم الأربعاء.

ويحدّد اتفاق «4+4» مهلة أقصاها 24 شهراً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وأقر تعديلات في شروط الترشح تنص على السماح للعسكريين بالمشاركة، وإلزام مزدوجي الجنسية بالتخلي عن الجنسية الأجنبية حال الفوز.

ورغم هذا المسار الذي ترعاه البعثة، تعترض تطبيقه عقبات سياسية في ظل رفض المجلس الأعلى للدولة.

تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا مستقبلاً المبعوثة الأممية 12 أغسطس الماضي (المجلس)

وانتهت مهلة الشهر التي حدّدتها البعثة لمجلسي النواب و«الأعلى للدولة» لاعتماد مخرجات «4+4» قبل اللجوء إلى «خيارات بديلة حال فشل التنفيذ». ومع موافقة مجلس النواب ورفض «الأعلى للدولة»، بات المشهد السياسي منفتحاً على سيناريوهات جديدة، ربما تتكشف بعد إحاطة تيتيه.

وقال المجلس الأعلى للدولة، مساء الأحد، إنه خلص إلى «رفض ما تضمنته مراسلة البعثة الأممية بشأن مسار (4+4)، من توجهات أو ترتيبات من شأنها تجاوز الأطر الدستورية والقانونية والتوافقية للعملية السياسية، أو الانتقاص من الاختصاصات المقررة للمؤسسات المنبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي».

ولم تُصدر البعثة الأممية تعليقاً على رفض المجلس الأعلى للدولة مخرجات الاتفاق، فيما قال مصدر مقرب من المبعوثة تيتيه لـ«الشرق الأوسط» إنها كثفت جهود التقريب بين الأطراف الليبية منذ التوقيع على اتفاق «4+4» في أواخر أغسطس (آب)، تمهيداً لإحاطتها المرتقبة أمام مجلس الأمن الدولي، مشيراً إلى أنها «ستعرض رؤيتها للحل في ظل هذه التعقيدات».

ويرى المجلس أن «أي ترتيبات تتصل بالمسار السياسي أو الانتخابي أو بإدارة المرحلة الانتقالية، لا تكون مشروعة أو منتجة لآثارها إلا في إطار الإعلان الدستوري وتعديلاته، والاتفاق السياسي الليبي، ووفق الاختصاصات المقررة للمؤسسات القائمة، وبما يراعي مبدأ التوافق فيما أوجبته الأطر الدستورية والسياسية من توافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة».

ويؤكد المجلس أن «بعثة الأمم المتحدة تضطلع بدور الميسّر والداعم للعملية السياسية، في إطار ولايتها، ولا تملك إنشاء مسارات أو ترتيبات تحل محل المؤسسات الليبية أو تتجاوز اختصاصاتها أو تنال من ملكية الليبيين مسارهم السياسي».

وقال المجلس إنه «تمسكاً بمبدأ التوافق المؤسسي، واحتراماً للاختصاصات والإجراءات التي قررتها الأطر الدستورية والسياسية النافذة، وحرصاً على سلامة المسار التشريعي للانتخابات، وصوناً لمشروعية الاستحقاق الانتخابي؛ يرفض قوانين أصدرها مجلس النواب وتتعلق بانتخاب مجلس الأمة ورئيس الدولة، وإنشاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديلاتها».

وأرجع المجلس الأعلى هذا الرفض إلى أن هذه القوانين «صدرت منفردة، ودون استيفاء الإجراءات التوافقية المقررة بين مجلسي النواب و(الأعلى للدولة)، بالمخالفة للأطر الدستورية والسياسية الحاكمة للعملية السياسية».

تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا مستقبلاً عدداً من النواب نهاية الأسبوع الماضي (المجلس)

ورغم ذلك، أبدى المجلس الأعلى للدولة «تمسّكه بإحياء خريطة الطريق» التي أعلنتها البعثة في 21 أغسطس (آب) 2025، والتي سبق للمجلس أن وافق عليها، والعمل على استئناف مسارها وتنفيذ ما تضمنته من خطوات.

ويأتي تصعيد المجلس الأعلى للدولة غداة توتر شهدته العاصمة طرابلس، الاثنين، على أثر إغلاق قوة أمنية مقر مجلس النواب في طرابلس لمنع اجتماع كان مقرراً انعقاده بين النواب المقاطعين لانتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً للمجلس.

وكان طارق الأشتر، النائب الأول لرئيس مجلس النواب، قد ذهب إلى العاصمة لعقد جلسة مع النواب المقاطعين، لكنه لم يتمكن من ذلك بعد إغلاق مقر المجلس.