عام 2015.. موسم الهجرة «القاتلة» إلى أوروبا

البحر المتوسط تحول إلى مقبرة للاجئين... وتخبط في التعامل مع قضيتهم

شرطيان مجريان يحاولان منع عائلة مهاجرة من اجتياز الحدود
شرطيان مجريان يحاولان منع عائلة مهاجرة من اجتياز الحدود
TT

عام 2015.. موسم الهجرة «القاتلة» إلى أوروبا

شرطيان مجريان يحاولان منع عائلة مهاجرة من اجتياز الحدود
شرطيان مجريان يحاولان منع عائلة مهاجرة من اجتياز الحدود

شكلت أزمة اللاجئين بكل تداعياتها السياسية والاقتصادية والإنسانية الحدث الذي فرض نفسه في عام 2015 ولا يزال، حتى إن الدول الأوروبية التي اعتقدت أنها بمنأى عن هذا المد البشري، وجدت نفسها في قلب العاصفة. فقد تحول البحر المتوسط إلى مقبرة لآلاف المهاجرين من السواحل التركية والليبية بعد انتشار الهجرة غير الشرعية، وأصبحت الحدود اليونانية والإيطالية بوابة العبور لهؤلاء إلى أوروبا بحثا عن مكان آمن وحياة كريمة.
وفي وقت حركت فيه صورة جثة الطفل الكردي السوري إيلان على أحد الشواطئ التركية، الرأي العام العالمي، بعدما جرفته أمواج البحر من على زورق للهجرة غير الشرعية، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، ظهر انقسام واضح في التعامل مع هذه القضية بين دول الاتحاد الأوروبي، وتميزت ألمانيا عن غيرها باعتماد سياسة الذراع المفتوحة قبل أن تعود الأمور وتبدأ بالانعكاس سلبا على اللاجئين في معظم الدول الأوروبية، ولا سيما بعد أحداث باريس في شهر نوفمبر (تشرين الثاني).
لم يكن قرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل القاضي بتعليق العمل بما يعرف بـ«اتفاقية دبلن»، أي عدم إعادة اللاجئ إلى الدولة الأوروبية الأولى التي يصل إليها، وحده نقطة التحول في السياسة المعتمدة للهجرة على مستوى أوروبا والدافع لتسليط الضوء على هذه القضية التي لم تشهد مثيلا لها القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، بل تسبب في الكثير من حالات «التصدع» في العلاقات السياسية بين دول الاتحاد الأوروبي وجيرانها من الدول الأفريقية وتركيا وعقدت لهذه الغاية الكثير من الاجتماعات والقمم وتم تقديم الكثير من الإغراءات من دون التوصل إلى حل جذري للأزمة.
مع العلم أن «دبلن» تنص على أن تؤخذ بصمات أي طالب لجوء في أول دولة يدخلها - من الدول الموقعة على الاتفاقية - وتُدرج في قاعدة البيانات المشتركة، وبالتالي يمكن تحديد ما إن كان صاحبها تقدم بطلب لجوء في دولة أوروبية أخرى غير التي يوجد فيها أم لا، وفي حالة قيامه بذلك تعتبر دولة الاختصاص غير مختصة بطلب لجوئه، ويُعاد إلى الدولة الأولى التي بصم فيها.
وتشير الأرقام إلى أن أعداد اللاجئين عام 2015 فاقت كل التوقعات بعدما تخطت في ألمانيا وحدها حاجز المليون، فضلا عن الوافدين الذين لجأوا إلى بلدان أخرى في أوروبا ومنها فرنسا والنسما والسويد والدنمارك وغيرها.
وكانت منظمة الهجرة الدولية قد ذكرت في وقت سابق أن العدد الإجمالي للاجئين الذين عبروا البحر المتوسط، منذ مطلع 2015، بلغ 878 ألف لاجئ، أي ما يعادل أربعة أضعاف العام الماضي، بينما أشارت إحصائيات أخرى إلى دخول أكثر من 1.5 مليون لاجئ إلى أوروبا هذا العام.
وفي بداية شهر ديسمبر (كانون الأول) الحالي، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، أن 185 طفلاً لاجئًا، معظمهم من سوريا والعراق، غرقوا في بحر إيجه، الواقع بين تركيا واليونان، خلال عام 2015، بينما أشارت إحصاءات أخرى إلى أن «3563 لاجئًا، لقوا حتفهم، منذ مطلع العام الحالي، أثناء عبورهم البحر المتوسط، 589 منهم عبروا المياه الإقليمية بين اليونان وتركيا».
وفي حين قالت المتحدثة باسم «اليونيسف»: «لم نستطع تحديد إجمالي عدد وفيات الأطفال في البحر الأبيض المتوسط، نظرًا لضآلة البيانات التي تحدد سن الوفيات»، ذكرت إحصاءات، أن «معظم الأطفال اللاجئين (تحت سن 12 عامًا) الذين لقوا حتفهم العام الحالي ينحدرون من سوريا وأفغانستان والعراق»، لافتة إلى أن «30 في المائة من أصل 3500 حالة وفاة في المتوسط من الأطفال، وهذا يعني أن أكثر من ألف طفل، فارقوا الحياة في رحلات اللجوء البحرية المحفوفة بالمخاطر منذ مطلع 2015».
كذلك، ذكرت «اليونيسيف»، أنه في الفترة بين يناير (كانون الثاني) وسبتمبر (أيلول) 2015، تم تسجيل أكثر من 200 ألف طلب لأطفال يسعون للجوء إلى الاتحاد الأوروبي، موضحة أن ربع هذه الطلبات تعود إلى أطفال سوريين، فيما 18 في المائة لأطفال أفغان.
وكانت منظمة العفو الدولية انتقدت مطلع الشهر الحالي فشل أوروبا في وقف حوادث غرق يذهب ضحيتها المهاجرون في بحر إيجه، خلال محاولتهم الوصول إلى اليونان، في طريقهم إلى دول اللجوء المنشودة في أوروبا الغربية.
ومن الناحية السياسية، حركت أزمة اللاجئين الكثير من الملفات العالقة مع الدول الأوروبية، ويأتي في مقدمها ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي والإعفاء من تأشيرة الدخول للمواطنين الأتراك إلى أوروبا، والسعي إلى حل المشكلات مع قبرص.
في موازاة ذلك، كانت هذه الأزمة كفيلة بوضع دول الاتحاد الأوروبي في حالة من التخبط في ما بينها لجهة إدارة هذا الملف. ورغم إقرار خطة أولية لتوزيع 160 ألف لاجئ عملا بنظام الحصص، آخذة بعين الاعتبار الطاقات والموارد المالية وعدد السكان ونسبة البطالة في كل دولة من دول الاتحاد، فإن المناشدات من الدول التي استقبلت العدد الأكبر لم تنجح لغاية الآن في التأثير على الدول الأخرى لوضع القرار حيز التنفيذ. وتشير التقارير إلى انه لم يتم توزيع سوى 400 لاجئ لغاية الآن من مجمل الأرقام التي تم التوافق عليها، علما بأن هناك أعدادًا كبيرة لا تزال تصل إلى البلدان الأوروبية غير آبهة بالوضع السيئ، بدءًا من المصاعب التي يواجهونها في محطاتهم وعند الحدود بين دول الاتحاد الأوروبي بعد أن عمد الكثير منها إلى بناء الأسوار ونشر نقاط المراقبة ومنعهم من متابعة رحلتهم، ومنها المجر وسلوفينيا، هذا إضافة إلى النقص في التقديمات التي يحصل عليها الوافدون بالمقارنة مع من تمكن في الفترة الأولى من الوصول، وباتت الأكثرية المطلقة من اللاجئين يقيمون في الثكنات والخيام غير المجهزة ولا سيما منهم السوريون والعراقيون، وذلك بعدما تم إعادة تصنيف الدول الآمنة، كما التضييق على المهاجرين الاقتصاديين، علما بأن هناك الكثير من العقبات التي تواجه اللاجئين بدءًا من التقدم بطلب اللجوء لدى الدوائر الرسمية، وصعوبة الحصول على رد قبل ثلاثة أشهر، وهو الأمر الذي يفرض عليهم البقاء في أماكن سكن جماعية تقيد حركتهم وحريتهم الشخصية، فضلا عن المشكلات التي يمكن أن يواجهوها مع جماعات أو لاجئين من جنسيات أخرى.
ويبقى الهمّ الأساسي لدى الواصلين السعي إلى التأقلم مع الوضع المستجد، وكلهم أمل في الاندماج في مجتمعات تحمل ثقافات وعادات وتقاليد مغايرة لواقعهم، بحيث يسعى عدد كبير منهم للحصول على مقعد في دورات اللغة كي تساعدهم إلى حد ما في تدبر أمورهم بأنفسهم، فيما يحاول الشباب قدر الإمكان العمل على متابعة دراستهم. وهو الأمر الذي تبذل السلطات المعنية جهودا لتوفيره، خوفا كذلك من الوقوع في فخ التجربة السابقة، عندما وصل الآلاف من اللاجئين ولم يلقوا حينها الاهتمام اللازم، وباتوا يشكلون اليوم عبئا على المجتمع والاقتصاد.
لكن وأمام كل هذه المحاولات والجهود، عاد هاجس الأمن ليضاعف معاناة اللاجئين بعدما تبين أن من بين المشاركين في هجمات 13 نوفمبر الباريسية، التي راح ضحيتها أكثر من 220 ضحية وعدد كبير من الجرحى، دخلوا الأراضي الأوروبية بصفة لاجئ، بحيث حوّلت اللاجئين إلى محط أنظار المسؤولين في أوروبا الذين عاد عدد كبير منهم وطالب بإعادة النظر في سياسات استقبالهم.
وكانت هذه المستجدات الأمنية كفيلة بعودة الحديث عن الإسلاموفوبيا مجددا، بعدما تبين أن نسبة المسلمين بين المهاجرين وصلت إلى 70%، وهو الأمر الذي استفاد منه اليمين المتطرف في بعض الدول الأوروبية، وهو ما أظهرته استطلاعات الرأي والانتخابات ومنها مثلا «حزب الجبهة الوطنية» في فرنسا و«البديل لأجل ألمانيا» وغيرهما من الأحزاب في كل من هولندا وبولندا والنمسا.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.