رهانات على مزيد من الدعم الأطلسي لأوكرانيا بفضل نجاحاتها العسكرية

ترمب يشيد «ببلاء زيلينسكي الحسن»... الاتحاد الأوروبي يكافئ كييف ويفرج عن مليارات من الدولارات لها

رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين يصلان الخميس معاً للمشاركة في قمة غدانسك المخصصة لأوكرانيا (رويترز)
رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين يصلان الخميس معاً للمشاركة في قمة غدانسك المخصصة لأوكرانيا (رويترز)
TT

رهانات على مزيد من الدعم الأطلسي لأوكرانيا بفضل نجاحاتها العسكرية

رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين يصلان الخميس معاً للمشاركة في قمة غدانسك المخصصة لأوكرانيا (رويترز)
رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين يصلان الخميس معاً للمشاركة في قمة غدانسك المخصصة لأوكرانيا (رويترز)

بعد أسبوعين تستضيف أنقرة يومي 7 و8 يوليو (تموز) المقبل قمة الحلف الأطلسي التي من المقدر لها أن تركز على ملفين رئيسيين: التأكيد على وحدة الحلف الغربي بين جناحيه الأوروبي والأميركي الشمالي من جهة، وتعزيز التعاون والدعم لأوكرانيا وسط مؤشرات إيجابية متعددة الأشكال لكييف.

وأبرز هذه المتغيرات ما تمخضت عنه قمة إيفيان لمجموعة السبع التي استضافتها فرنسا، وشارك في جزء منها، بدعوة رسمية من الرئيس إيمانويل ماكرون، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي حظي باجتماعين مع الرئيس الأميركي.

ووفق المصادر الفرنسية، فإن إيفيان نجحت في دفع ترمب لتغيير مقاربته لملف الحرب في أوكرانيا وعودته للانخراط في دعم كييف. ولعل أهم مؤشر على هذا التحول القلق الذي انتاب موسكو المتخوفة من انقلاب البيت الأبيض على المحددات التي طرحها سابقاً لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

وعبّر سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي عن هذا التخوف، الأربعاء، بقوله، بمناسبة فعالية دبلوماسية في موسكو، إنه «فيما يتعلق بأوكرانيا، نريد أن نفهم ما جرى في إيفيان»، مضيفاً أن الأميركيين «لم يطلعونا حتى الآن بشأن مما خلصوا إليه في قمة إيفيان أو ما هي خطوتهم المستقبلية».

ونقل لافروف أيضاً عن ماكرون قوله إن «التفاهمات» التي جرى التوصل إليها في أغسطس (آب) الماضي، بين ترمب ⁠والرئيس فلاديمير بوتين في «أنكوراج» بألاسكا قد «دفنت» في ‌إيفيان.

حظي الرئيس فولوديمير زيلينسكي بحفاوة بارزة من جانب الرئيس الفرنسي (وسط) الذي حرص على دعوته للقمة واجتماعه بالرئيس الأميركي (إ.ب.أ)

ومن المتعارف عليه أن أساس هذه التفاهمات التي تعكس الرؤية الأميركية - الروسية المشتركة للحل في أوكرانيا يقوم على انسحاب القوات الأوكرانية من الأراضي التي ما زالت تسيطر عليها من مقاطعة الدونباس الواقعة شرق أوكرانيا لصالح روسيا التي تقبل بوضع حد للحرب عند خطوط القتال الراهنة. كذلك ما زالت موسكو تعرب عن قلقها واعتراضها على مواصلة شراء الأوروبيين للأسلحة الأميركية التي تنقل بعدها إلى القوات الأوكرانية.

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال زيارة قام بها الثاني لوارسو في ديسمبر 2025 (أ.ب)

مزاج ترمبي جديد

إذا كانت ثمة حاجة لقياس تغير مقاربة ترمب للملف الأوكراني، فتكفي الإشارة إلى ما قاله، الأربعاء، لصحافيين في المكتب البيضاوي وما نقل عنه من إيفيان. وقال ترمب متحدثاً عن زيلينسكي وما آلت إليه الحرب: «إنه يبلي بلاء حسناً. إنه صامد، على الأقل. هناك الكثير من الناس يموتون من الجانبين، لكنني أعتقد أنه يبلي بلاء حسناً».

ويتذكر الكثيرون صورة الاجتماع العاصف في المكتب نفسه، حيث وجه ترمب مضبطة اتهامات لزيلينسكي قائلاً له: «أنت لا تملك أي أوراق في الحرب ضد روسيا». وليس سراً أن ترمب أوقف منذ نحو العام الدعم المالي والعسكري لكييف التي رسا حملها، بشكل رئيسي على الدول الأوروبية.

زعماء فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وألمانيا عند مدخل «10 داونينغ ستريت» في لندن الأحد (أ.ف.ب)

خمس منها «ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبولندا» أصدرت بياناً جماعياً عقب اجتماع دعا له المستشار الألماني فريدريش ميرتس في برلين وشارك فيه عن بعد أمين عام الحلف مارك روته، وجاء في الفقرة المخصصة لأوكرانيا ما حرفيته: «يعتزم القادة تعزيز دعمهم لأوكرانيا بشكل كبير في دفاعها ضد العدوان الروسي، بما في ذلك عبر فرض عقوبات إضافية وممارسة مزيد من الضغط الاقتصادي على روسيا، إضافة إلى دعم صمود قطاع الطاقة الأوكراني. كما يدعمون التزامات الدعم العسكري التي تم التعهد بها خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتكثيف التعاون مع أوكرانيا من خلال مبادرات الحلف... ويجدد القادة التزامهم بتعميق شراكة الناتو مع أوكرانيا، بما يقربها أكثر من الحلف، مع الاعتراف بمساهمتها الأساسية في الأمن الأوروبي الأطلسي. واتفق القادة على شروط تحقيق سلام عادل ودائم، ودعموا مقترحات إجراء حوار مباشر بين أوكرانيا وروسيا، مع مشاركة أوروبية وأميركية فاعلة».

وخلال مشاركته في بولندا في مؤتمر حول تعافي أوكرانيا وإعادة إعمارها بعد الحرب، الخميس، دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى البدء في إجراء مفاوضات لإحلال السلام في الجمهورية السوفياتية السابقة. وقال ميرتس في مدينة غدانسك إن «روسيا لن تكسب هذه الحرب»، مؤكداً أن أوروبا والتحالف العابر للأطلسي على استعداد لممارسة المزيد من الضغوط على الاقتصاد الروسي المتضرر. ووجه ميرتس حديثه إلى القيادة السياسية في موسكو قائلاً: «لقد حان الوقت لبدء المفاوضات، وتجميد خط الجبهة، ووقف عمليات القتل». وشدد ميرتس على أن دعم أوكرانيا، التي تخوض حرباً مع روسيا منذ أكثر من أربع سنوات، يمثل «التزاماً راسخاً لا يتزعزع» بالنسبة لألمانيا.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة الوزراء يوليا سفيريدنكو يتفقدان كنيسة «دير كييف بيشيرسك لافرا» التي أُصيبت إثر هجوم روسي على كييف الاثنين (أ.ف.ب)

مليارات أوروبا

لم تكن التزامات القادة الأوروبيين الخمسة وثناء ترمب على زيلينسكي قد حلت وحدها وبرداً وسلاماً على كييف. فبمناسبة مؤتمر إعادة الإعمار في أوكرانيا، أعلنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، الإفراج عن قرض قيمته 3 مليارات يورو، ويعد الدفعة الأولى من قروض إجمالية استدانتها المفوضية لصالح أوكرانيا وتبلغ قيمتها الإجمالية 90 مليار يورو.

وأكدت فون دير لاين أن دفعة ثانية من ستة مليارات يورو سوف تخصص لإنتاج الطائرات المسيرة لصالح القوات الأوكرانية. وثمة توافق أوروبي على القول إن المسيرات «قلبت مسار الحرب»؛ إذ إن أوكرانيا قادرة اليوم على ضرب أهداف تبعد ما بين 1500 و2000 كلم داخل الأراضي الروسية. وأفادت المسؤولة الأوروبية بأن الاتحاد الأوروبي قدم، منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، في فبراير (شباط) 2022 نحو 200 مليار يورو من الدعم الاقتصادي والمالي والعسكري لأوكرانيا. وهذا الدعم سوف يتواصل فيما سير كييف نحو الدخول إلى النادي الأوروبي يتقدم بعد انطلاق مفاوضات الانضمام رسمياً بين كييف وبروكسل.

الرئيس زيلينسكي خلال قمة دول الشمال ودول البلطيق 2026 في تالين بإستونيا 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

أما الخبر الآخر السار لكييف من غدانسك فيتناول إطلاق صندوق أوروبي للاستثمار في القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد الأوكراني. ونقل عن المستشار ميرتس قوله: «من خلال حزمة تمويل عامة أولية تصل إلى 220 مليون يورو، نؤسس للثقة وآلية تقاسم المخاطر التي يحتاج إليها المستثمرون من القطاع الخاص للمشاركة منذ الآن» في الصندوق المذكور. ومن جانبها، أعلنت رئيسة الوزراء الأوكرانية سفيريدينكو أن وفد بلادها يعتزم توقيع 160 اتفاقية بقيمة تتجاوز 10 مليارات يورو خلال مؤتمر غدانسك.

أنظمة صواريخ «باتريوت» أميركية بقاعدة لواء وارسو الثالث لصواريخ الدفاع الجوي في سوتشاشيف ببولندا 18 ديسمبر 2025 (رويترز)

التغيرات الميدانية

كل ما سبق يعكس تغيراً جذرياً في المناخ المحيط بحرب أوكرانيا، حيث إن التقييم الغالب أن التطورات الميدانية تبين أن روسيا ليس في وضع يمكنها الفوز في هذه الحرب التي أطلقتها قبل أكثر من أربع سنوات. واليوم، ثمة حسابات وسيناريوهات غربية، وحتى أميركية، بعيدة كل البعد عما كانت عليه قبل عام.

كذلك، فإن الحلف الأطلسي بدأ بمراجعة مقاربته. وشهد الشهر الحالي مبادرتين رئيسيتين لصالح أوكرانيا. الأولى، قيام مجلس الحلف الأطلسي، في بادرة غير مسبوقة، بزيارة كييف من أجل اجتماع أطلسي - أوكراني في خطوة رمزية قوية تؤكد استمرار تعزيز الشراكة بين الطرفين رغم أن انتماء أوكرانيا للحلف المذكور ليس مطروحاً على المدى المنظور. والبادرة الثانية اجتماع وزراء دفاع الحلف في بروكسل يوم 18 يونيو (حزيران) بالرئيس زيلينسكي والتفاهم على تجديد الدعم لكييف.

واليوم، وبالنظر للتطورات الميدانية، تغيرت النظرة الغربية لأوكرانيا التي لم تعد عبئاً، بل أخذ ينظر إليها على أنها لاعب رئيسي في الدفاع عن أوروبا بمواجهة أي نوايا عدوانية روسية. ومؤخراً جمع منتدى الناتو - أوكرانيا الذي عُقد في فيلنيوس، مئات الخبراء لمناقشة دور الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي وصناعة الأسلحة والابتكار العسكري.

ويسعى الأطلسيون حالياً إلى الاستفادة من الخبرة التي اكتسبتها أوكرانيا في ساحة المعركة. وخلال «معرض يوروساتوري» لأنظمة الأسلحة الأرضية الذي حصل الأسبوع الماضي قريباً من باريس، كان الجناح الأوكراني محل اهتمام كبير من زائرين رسميين وخبراء، ما يوفر لكييف ورقة إضافية لاجتذاب الدعم الغربي لها. ويدور حالياً نقاش استراتيجي حول مكانة أوكرانيا في الأمن الأوروبي، حيث أخذ الجيش الأوكراني بالتحول إلى لاعب رئيسي في منظومة الدفاع الأوروبية.

ودعا الأمين العام السابق للأطلسي، أندرس فوغ راسموسن، إلى دمج أوكرانيا بشكل أكبر في آليات الأمن الأوروبية، مشيراً إلى أن الجيش الأوكراني يُعد اليوم من أكثر الجيوش خبرة في أوروبا. ولذا، تتوقع المصادر الأوروبية في باريس أن تولي قمة الأطلسي التي يرجح دعوة زيلينسكي إليها اهتماماً ملحوظاً للملف الأوكراني بالنظر لما يرتبط به من تحولات وانعكاسات على أمن الأوروبيين وأمن الحلف بشكل عام.


مقالات ذات صلة

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

أوروبا قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قتل شخصان وأصيب ثلاثة آخرون في هجوم أوكراني بالقرب من مدينة سيمفيروبول في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا، حسبما أعلنت السلطات الروسية يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا روسيا تطلق عشرات الصواريخ على أوكرانيا... وكييف تقول إن الحصيلة مقتل 16 شخصاً p-circle

روسيا تطلق عشرات الصواريخ على أوكرانيا... وكييف تقول إن الحصيلة مقتل 16 شخصاً

روسيا تطلق عشرات الصواريخ على كييف، التي تقول إن الحصيلة مقتل 16 شخصاً على الأقل، وزيلينسكي يتهم موسكو بالتصعيد... والكرملين ينتظر موعداً لزيارة كوشنر وويتكوف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ خبيران: بعد مضي عام... «روح قمة أنكوريج» الأميركية - الروسية دبلوماسية بلا استراتيجية

خبيران: بعد مضي عام... «روح قمة أنكوريج» الأميركية - الروسية دبلوماسية بلا استراتيجية

بعد مضي عام، «روح قمة أنكوريج» الأميركية الروسية، دبلوماسية بلا استراتيجية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منشأة لإنتاج الطائرات المسيّرة بسان بطرسبرغ (رويترز) p-circle

الصين تدخل على خط السجال الروسي الياباني... وتذكّر طوكيو بنتائج الحرب العالمية

الصين تدخل على خط السجال الروسي الياباني... وتذكّر طوكيو بنتائج الحرب العالمية وأوكرانيا تهاجم العمق الروسي بـ453 مسيرة.

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد مضخات وقود في محطة بنزين في روستوف أون دون بروسيا (رويترز)

محطات وقود بموسكو تحد من المبيعات في ظل نقص الإمدادات

أعادت بعض محطات الوقود في موسكو، فرض قيود على شراء البنزين بسبب نقص الإمدادات المرتبط بهجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة على مصافٍ، وفي ظل طلب موسمي قوي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
TT

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)

قتل شخصان وأصيب ثلاثة آخرون في هجوم أوكراني بالقرب من مدينة سيمفيروبول في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا، حسبما أعلنت السلطات الروسية يوم الخميس.

وقال سيرجي أكسيونوف، الحاكم المعين من قبل موسكو، عبر تطبيق تليغرام، إن شخصاً آخر أُصيب في مكان آخر بشبه الجزيرة. ولم يكشف عن المزيد من التفاصيل.

وكانت روسيا قد ضمت شبه جزيرة القرم في عام 2014 وتستخدمها كقاعدة انطلاق ومركز للإمداد. ونتيجة لذلك، تشن كييف ضربات بانتظام على أهداف في شبه الجزيرة.

وتواصل أوكرانيا التصدي للغزو الروسي الشامل بدعم غربي منذ ما يقرب من أربعة أعوام ونصف العام.


قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
TT

قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)

لم يكن فجر العشرين من أغسطس (آب) من عام 1941 يوماً عادياً في تاريخ العاصمة الفرنسية باريس، بل كان التاريخ الفعلي لتدشين صفحة هي الأكثر قتامة في سجلات الحرب العالمية الثانية على الأراضي الفرنسية.

ففي تلك الساعات الأولى من الصباح، استيقظت عاصمة الأنوار وهي ترزح تحت طوق أمني ضربته قوات الاحتلال النازي بالتعاون الوثيق مع أجهزة الأمن التابعة لحكومة «فيشي» الفرنسية المتعاونة.

إيصال مصادرة أموال أحد الضحايا في معسكر «درانسي» بباريس قبل ترحيله إلى معسكرات الموت (ويكيبيديا)

كانت المؤامرة قد حِيكت خيوطها بدقة في المكاتب المغلقة بين ضباط «الغشتابو» والمسؤولين الفرنسيين، ولم تكن العملية مجرد إجراء أمني عابر، بل كانت الـ«بروفة» الجنرال والاختبار العملي الأول لآلة الترحيل الجماعي واسع النطاق التي استهدفت الجالية اليهودية، ممهدة الطريق لما عُرف لاحقاً بـ«الحل الأخير».

في ذلك الصباح الحزين، لم تشفع للمستهدفين أوراق مواطنتهم الفرنسية، ولا لجوؤهم السياسي الذي قادهم يوماً إلى بلد صاغ إعلان حقوق الإنسان والمواطن، ليجد آلاف الرجال أنفسهم مقتادين من بيوتهم ومقار عملهم ومقاهيهم نحو مصير مجهول خلف الأسلاك الشائكة.

سجناء يهود في معسكر درانسي بباريس بين عام 1941 و1944 (موسوعة الهولوكوست)

المكيدة المبيتة وهندسة الطوق الأمني في الدائرة الحادية عشرة

انطلقت الشرطة الفرنسية، مدعومة بأوامر صارمة من القيادة العسكرية الألمانية، لتنفيذ الخطة التي ركزت جغرافيتها بشكل أساسي على الدائرة الحادية عشرة في باريس، وهي المنطقة التي كانت تنبض بحياة الجالية اليهودية وتضم عائلات من طبقات كادحة وأخرى من نخب فكرية وقانونية.

ضربت القوات طوقاً محكماً وشلّت الحركة في الشوارع الرئيسية، وبدأت عمليات المداهمة والتحقق من الهويات بناءً على قوائم أُعدت مسبقاً بعناية فائقة.

استهدفت الحملة في هذه المرحلة الرجال تحديداً، وتراوحت أعمارهم بين الشباب والكهولة، وضمت مزيجاً من اليهود الأجانب الذين فروا من جحيم الاضطهاد في أوروبا الشرقية والوسطى ظناً منهم أن فرنسا ستكون الملاذ الآمن، إلى جانب مئات المواطنين الفرنسيين الذين صدمتهم حقيقة أن هويتهم الوطنية لم تحمهم من مخالب التمييز العنصري والنازية.

معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

قطارات البؤس ورحلة التجريد من الإنسانية نحو الضاحية الشمالية

سِيق المعتقلون الذين بلغت أعدادهم في ذلك اليوم وحده أكثر من أربعة آلاف رجل في شوارع باريس، وسط ذهول وهلع العائلات التي راقبت المشهد من الشرفات والنوافذ دون القدرة على التدخل.

دُفع بهؤلاء الرجال إلى حافلات النقل العام التي صادرتها السلطات لهذا الغرض، لتتحرك القوافل ببطء نحو الضاحية الشمالية لباريس، وتحديداً إلى مجمع سكني حديث لم يكتمل بناؤه بعد في منطقة «درانسي».

نقل المعتقلين إلى معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

تحول هذا المجمع الأسمنتي العاري في غضون ساعات قليلة من مشروع سكني إلى معسكر اعتقال جماعي سيئ السمعة، ليكون المحطة الأولى والأساسية في نظام السخرة والإذلال الفرنسي تحت حكم الاحتلال.

هناك، وراء الأسلاك الشائكة، بدأت عملية منهجيّة لتجريد المعتقلين من كرامتهم الإنسانية، حيث تكدس الآلاف في غرف تفتقر لأدنى مقومات الحياة، غاب عنها الضياء وشح فيها الغذاء والرعاية الصحية، وتحولت الحياة اليومية إلى صراع مرير من أجل البقاء تحت حراسة مشددة تولاها في البداية عناصر الدرك الفرنسي قبل أن تتسلم الإدارة النازية زمام الأمور بالكامل.

معسكر «درانسي» كمختبر أول لقطارات الموت نحو الشرق

لم تكن حملة العشرين من أغسطس مجرد حدث معزول في سياق الحرب، بل كانت الحجر الأساس الذي بُني عليه نظام الإبادة والترحيل في فرنسا.

فقد أثبتت هذه العملية للمخطط النازي أن الأجهزة الإدارية والأمنية المحلية قادرة على تنفيذ المداهمات الجماعية بكفاءة وهدوء، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لعمليات ترحيل أوسع وأكثر وحشية، مثل «مداهمة الشتوي الصيفي» (Vel d'Hiv) في العام التالي.

معسكر درانسي بباريس (ويكيبيديا)

ومن معسكر «درانسي»، الذي بدأ يغص بالمعتقلين منذ ذلك اليوم، بدأت القوافل الحديدية وقطارات البؤس تنطلق تتابعاً نحو معسكرات الموت في أوروبا الشرقية، وعلى رأسها معسكر «أوشفيتز بيركينو».

المدخل الرئيسي لمعسكر «أوشفيتز بيركينو» ببولندا (موسوعة الهولوكوست)

ومن بين عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين مروا عبر بوابات «درانسي» الحديدية في السنوات اللاحقة، لم ينجُ سوى قلة قليلة، مما يجعل من ذكرى العشرين من أغسطس الرمز الفعلي لتدشين آلة الموت والترحيل القسري التي تركت جرحاً غائراً لا يمحوه الزمن في ضمير الوجدان الفرنسي والإنساني.


الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

شهدت مناطق في أوروبا يقطنها 80 مليون نسمة حرارة تجاوزت 40 درجة لمرة واحدة على الأقل في الفترة بين 15 يونيو (حزيران) و15 أغسطس (آب) 2026، وفق تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا الرقم ضعف ذلك المُسجل خلال صيف عام 2003 الذي شهد موجة حر قاتلة في أوروبا (باستثناء تركيا)، وفق حسابات الوكالة المستندة إلى بيانات درجات الحرارة القصوى اليومية الصادرة عن «المرصد الأوروبي للجفاف» وبيانات السكان من «مركز البحوث المشترك».

كما يتجاوز رقم عام 2026 الأعداد المسجلة في الفترة نفسها خلال صيفي عامي 2022 و2025، حين تأثر ما بين 55 و60 مليون شخص بمثل هذه الدرجات من الحرارة.

عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس وسط ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

وشهدت أوروبا الغربية أكثر بدايات الصيف حرارة على الإطلاق عام 2026، إذ بلغت درجات الحرارة في الفترة الممتدة بين يونيو ويوليو (تموز) مستويات غير مسبوقة، في ظل موجات حر متكررة، وجفاف واسع النطاق، وحرائق غابات مدمرة أججتها ظاهرة الاحترار المناخي.

منذ منتصف يونيو، طالت حرارة تجاوزت 40 درجة 30 مليون نسمة في فرنسا، ولا سيما في الغرب، و23 مليون نسمة في إسبانيا، و8 ملايين نسمة في كل من ألمانيا وإيطاليا.

وعلى نطاق أوسع، تجاوزت الحرارة 35 درجة في مناطق يقطنها 80 في المائة من سكان أوروبا، أي ما يعادل نحو 490 مليون نسمة، في حين لم تطل الموجة المناطق الجبلية ودول البلطيق وشمال أوروبا.

وأعلن معهد «كارلوس الثالث» الصحي في إسبانيا أن الحرارة تسببت في نحو 4500 وفاة إضافية بين الأول من يونيو و19 أغسطس.

وفي ألمانيا، تُقدّر السلطات الصحية عدد الوفيات بنحو 14 ألفاً حتى التاسع من أغسطس. أما في فرنسا، فقد أعلنت السلطات الصحية عن حصيلة أوّلية تتجاوز 7000 وفاة إضافية في الفترة ما بين منتصف يونيو و22 يوليو، قبل موجة الحر الثالثة التي شهدها العام واستمرت 23 يوماً على الأقل.