كيف نترجم إلى اللغة العربية كلمة «Sentimentality» الإنجليزية (ومقابلها فى الفرنسية Sentimentalite)؟ لقد قدمت لها عدة ترجمات أختار منها «العاطفية المفرطة». وفي قاموس «الكامل الكبير: فرنسي - عربي» للدكتور يوسف محمد رضا نقرأ هذا التعريف: «نزعة أدبية قوامها أن القيمة الجمالية للأثر الأدبي تقوم على قدرة ذلك الأثر لدى القراء أو النظارة، حالة من يبالغ في التعبير عن عاطفة أو يتكلف هذا التعبير. ويترتب على ذلك في الأدب سوء استغلال عواطف القراء».
هذه العاطفية المفرطة موضوع كتاب عنوانه «ناعم: تاريخ وجيز للعاطفية المفرطة» (Soft: A Breif History of Sentimentality) صدر عن دار نشر «بلومزبرى كونتنام» في 2025 من تأليف فرديناند ماونت (Ferdinand Mount)، وهو رئيس تحرير سابق لملحق «التايمز الأدبي» في لندن.
يقول المؤلف إن الناس قد عبروا في مختلف الأزمنة عن أفراحهم وأتراحهم بطرق غريبة شائقة. وقد علقت المجتمعات أهمية متغيرة على التعاطف مع الآخرين ووضع الذات في مكانهم. واقترنت الأحداث السياسية الكبرى - مثل الثورة الفرنسية في 1789 وحركة الحقوق المدنية في عصرنا - بثورات اجتماعية بعيدة المدى.

على أن المشاعر القوية ظلت طيلة تاريخها الطويل تتعرض للهجوم من عدة جهات. وصفت بأنها مخنثة أو متهافتة أو شعبوية. ودعا نقاد كبار في القرن الماضي - مثل إرفنج بابت الأميركي، وت. س. إليوت الأنجلو - أميركي، وت. إ. هيوم الإنجليزي - إلى الموضوعية وكبح المشاعر وهاجموا الرومانسية وأنكروا أن يكون الشعر تعبيراً عن الشخصية أو فيضاناً تلقائياً لانفعالات قوية. لكن ذلك لم يقض على سلطان العاطفة على النفوس، اليوم كما في الماضي.
وكتاب فرديناند ماونت دفاع عن العاطفية إزاء من يرون أنها تزييف للواقع الخارجي والوعي الداخلي على السواء، ومن يقولون إن السنتمنتالي شخص ديدنه الإنكار، فهو ينكر الواقع الماثل أمامه ويحاول أن يهرب منه برسم صورة زائفة له.
ويرد ماونت على ذلك بقوله إن الحملة على العاطفية تتجاهل حقيقة نفسية مؤداها أن الناس عموماً لا يكونون عاطفيين في كل لحظة من حيواتهم وإنما هم يراوحون - حسب الموقف - بين نداء القلب وأحكام العقل. وقد يكون الشخص الواحد عاطفياً متحمساً في صدد فريق كرة القدم الذي يشجعه ولكنه بارد المشاعر إزاء حزب العمال مثلاً.
إن الأعمال الفنية العاطفية - سواء كانت كتباً أو برامج تلفزيونية أو مسرحيات - تمنح الضحايا صوتاً يعبرون به عن معاناتهم ويخاطبون الرأي العام، وما إسرافها في العاطفية إلا خطوة ضرورية لإيقاظ الضمائر من غفوتها.
ولا ينكر ماونت أن كثيراً من المسرحيات أو المسلسلات التلفزيونية التى تصور، مثلاً، العثور على ابنة مفقودة بعد غياب طويل عاطفية رخيصة ترمي إلى استدرار دموع المشاهد. ولكن هذا لا يجب أن يجعلنا نعادي كل مظاهر التعبير عن العاطفة، ولا يجب أن نستسلم لإغراء اعتبار أنفسنا فوق مشاعر الآخرين نحكم عليها من عل وكأننا نعلو على المستوى البشري.
وفي رصدنا لتاريخ التعبير العاطفي نلتقي عدداً من علامات الطريق: الحب الرفيع (أو حب البلاط) كما تغنى به شعراء التروبادور البروفنساليون في القرن الثاني عشر، وقصة غرام تريستان وأيزولده (اتخذ منها الموسيقار الألماني فاغنر موضوعاً لأوبراه في 1865)، وقصة غرام ترويلوس وكريسيدا في قصيدة قصصية طويلة لأبي الشعر الإنجليزي تشوسر، وقصيدة «قصة الوردة» في نحو 22 ألف بيت للشاعرين الفرنسيين جيوم دي لوريس وجان دي مين، ورواية سرفنتس «دون كيشوت» التي تصور حب فارس صريع الأوهام لفتاة تدعي دوروثيا لا تكاد تشعر بوجوده.
وعلى ظهر القارة الأوروبية ازدهرت الرواية العاطفية، كما في «أحزان الشاب فرتر» لغوته، و«جولي» لجان جاك روسو. وظهر من الفلاسفة من عالجوا العواطف، واتخذوا منها مواقف إيجابية أو سلبية. ومن هؤلاء الفلاسفة توماس هوبز وديفيد هيوم وآدم سميث.

وأهم روائي إنجليزي أثارت معالجته للعواطف الخلاف ما بين مادح وقادح هو بلا شك تشارلز ديكنز، وذلك في روايتيه «محل العاديات القديمة» (1841) و«دمبي وولده» (1847 - 1848). في هذه الرواية الأخيرة يسعى ديكنز إلى إثارة عطفنا على بطله دمبي وهو صبي رقيق النفس، ضعيف البنية، يمرض ويموت.
وفي «محل العاديات القديمة» نلتقي بفتاة تدعى نللي الصغيرة تعيش مع جدها صاحب المحل وترعاه. ويعاني الاثنان مشاق كبيرة ويواجهان الشر المتمثل في قزم شرير يدعى «كويلب». وتسلم نللي الأنفاس في مشهد مؤثر، ثم يلحق بها جدها.
كان من الواضح أن ديكنز يريد أن يستثير شفقة القارئ على بطلته الصغيرة، وأن يدفع بالدموع إلى عيني من يتابع معاناتها. ولكن إسرافه في العاطفة كاد يحدث أثراً عكسياً حتى إن أوسكار وايلد قال: «لا بد أن يكون للمرء قلب من حجر إذا أمكنه أن يقرأ موت نللي الصغيرة دون أن يضحك».
ولكن أقاصيص وايلد ذاته - مثل «الأمير السعيد» و«العملاق الأناني» - كانت تفيض عاطفة حتى إن أبناء وايلد يروون أن أباهم كانت تدمع عيناه وهو يقرأ لهم بصوت عال هذه الأقصوصة الأخيرة.
ويختم ماونت كتابه بقوله إننا إذ نرتد بأبصارنا إلى كاتدرائيات القرن الثالث عشر ومستشفياته، والاتجاهات المتحررة والمتعاطفة مع معاناة الإنسان في الثلث الأخير من القرن العشرين، ننتهي إلى نتيجة مؤداها أن العاطفة المفرطة ليست مجرد مهماز حافز على الفعل، وإنما هي جزء لا غنى عنه من وجود الإنسان وجهازه النفسي والعقلي. إن المجتمع الذي يعجز عن استشعار العاطفة لا بد أن ينكمش ويتضاءل ويفتقر. إننا بحاجة إلى ما دعته ليدي مكبث - في مسرحية شكسبير- «لبان الرحمة الإنسانية»، وإن كانت هي ذاتها قد تنكرت لهذه الرحمة، وقمعت نوازع الحنان والأمومة في صدرها.



