أكبر صورة لمركز «درب التبانة» تكشف عن أكثر من 60 مليون نجم

رصد استثنائي يوفّر مرجعاً علمياً لدراسة مئات الأنظمة الكوكبية المُحتملة

9 لقطات لاحتواء اتساعٍ لا يُحتَوى (وكالة الفضاء الأوربية)
9 لقطات لاحتواء اتساعٍ لا يُحتَوى (وكالة الفضاء الأوربية)
TT

أكبر صورة لمركز «درب التبانة» تكشف عن أكثر من 60 مليون نجم

9 لقطات لاحتواء اتساعٍ لا يُحتَوى (وكالة الفضاء الأوربية)
9 لقطات لاحتواء اتساعٍ لا يُحتَوى (وكالة الفضاء الأوربية)

كشفت مهمّة «إقليدس»، التابعة لـ«وكالة الفضاء الأوروبية»، عن أكبر صورة وأدقّها، التُقطت على الإطلاق لمركز مجرّة «درب التبانة» في الضوء المرئي. وتضم الصورة التي التقطها «إقليدس» أكثر من 60 مليون نجم، بالإضافة إلى السدم والتجمعات النجمية.

ووفق بيان صادر عن «وكالة الفضاء الأوروبية»، الأربعاء، وجّه تلسكوب «إقليدس» أنظاره ليوم واحد فقط نحو المنطقة الداخلية شديدة السطوع في مجرّتنا «درب التبانة»، والمعروفة باسم الانتفاخ المركزي للمجرة.

وصُمّمت كاميرا الضوء المرئي الخاصة بتلسكوب «إقليدس» الفضائي لرصد مليارات المجرّات البعيدة، وهي حسّاسة بما يكفي لتمييز النجوم الفردية في مركز مجرّتنا المزدحم جداً، من دون أن تتأثّر بالضوء الساطع. وهذه القدرة النادرة شديدة الأهمية هي ما يرغب العلماء في الاستفادة منه في دراسة الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى باستخدام تقنية خاصة تُسمى العدسات الجاذبية الصغرية.

وتُعدّ هذه المنطقة المزدحمة من مجرّتنا المكان الأمثل لعلماء الفلك للبحث عن الكواكب الخارجية باستخدام عدسات الجاذبية الصغرية.

وكان «إقليدس» قد التقط هذه الصورة الهائلة في 23 مارس (آذار) 2025، خلال 26 ساعة فقط. وهي فسيفساء من 9 لقطات التقطتها كاميرا الضوء المرئي، تغطّي كل لقطة منها مساحة من السماء أكبر من القمر المُكتمل.

دقة التلسكوب وحساسيته

يتميّز «إقليدس» بسرعته وقدرته على التقاط تفاصيل النجوم الخافتة التي قد لا تُرى عند الرصد من الأرض.

وللمقارنة، فإن دقة تلسكوب «إقليدس» وحساسيته في الضوء المرئي تُشبهان كاميرا المجال الواسع لتلسكوب «هابل» الفضائي التابع لوكالة «ناسا» و«وكالة الفضاء الأوروبية». لكن كلّ لقطة يلتقطها «إقليدس» خلال ساعات قليلة تغطّي مساحة أكبر بـ270 مرة من مجال رؤية «هابل». ولمراقبة فسيفساء «إقليدس» نفسها، سيحتاج مرصد «كيك» إلى نحو 2000 ساعة.

وتقول ناتاليا ريكتسيني، من معهد الفيزياء الفلكية في باريس بفرنسا: «في 24 ساعة، رصد (إقليدس) النجوم المشاركة في جميع أحداث العدسات الجاذبية الصغرية المستقبلية التي سيرصدها تلسكوب (رومان) الفضائي».

وتوضح: «هذا يعني أنّ أيَّ شخص يرصد حدث عدسات جاذبية صغرية في المنطقة نفسها، باستخدام (رومان) على سبيل المثال، سيتمكن من الآن فصاعداً من استخدام بيانات (إقليدس) مرجعاً زمنياً في الماضي، ورؤية كيف كانت تبدو النجوم قبل تداخلها».

وبما أنّ مرصد «إقليدس» قادر على فصل النجوم بوضوح، فإنه يُمكن قياس سرعة حركتها بمرور الوقت، واستخدام هذه المعلومات لتأكيد وجود كوكب وتحديد كتلته.

العدسات الجاذبية

وبينما يستخدم مرصد «إقليدس» العدسات الجاذبية الصغرية لاستكشاف الأجرام السماوية الضخمة والبعيدة، مثل عناقيد المجرّات، فإن هذه الصورة الجديدة لمركز مجرّتنا تساعد العلماء على دراسة العدسات على أصغر المقاييس، الناتجة عن النجوم والكواكب الخارجية فيها.

ويوضح جان فيليب بوليو، من معهد الفيزياء الفلكية في باريس بفرنسا وجامعة تسمانيا في أستراليا: «خلال الأعوام الـ20 الماضية، اكتُشف نحو 300 كوكب خارج المجموعة الشمسية باستخدام هذه التقنية، جميعها بواسطة تلسكوبات أرضية، وجميعها باتجاه مركز مجرّتنا. وتتضمَّن هذه الصورة من (إقليدس) 51 نظاماً كوكبياً معروفاً، وستساعد في دراسة العديد من الكواكب الأخرى التي ستُكتَشف».


مقالات ذات صلة

مذنّب من أعماق الزمن قد يكون أقدم من شمسنا

يوميات الشرق قطعة صغيرة من حكاية كبرى (ناسا)

مذنّب من أعماق الزمن قد يكون أقدم من شمسنا

رُصد هذا المذنّب للمرة الأولى في يوليو (تموز) 2025، وأُطلق عليه اسم «3 آي/أطلس»...

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس (أ.ب)

بيزوس: استعمار القمر ضرورة لإنقاذ الأرض

طرح الملياردير الأميركي ومؤسس شركة «أمازون»، جيف بيزوس، رؤية طموحة تقوم على نقل الصناعات الملوِّثة خارج كوكب الأرض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)

اكتشاف كواكب بمجالات مغناطيسية خارج المجموعة الشمسية

توصّل علماء الفلك إلى أقوى دليل حتى الآن على أن الكواكب الواقعة خارج منظومتنا الشمسية، لها مجالات مغناطيسية، مثل الأرض وخمسة كواكب أخرى في المجموعة الشمسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق تقارير تتحدث عن كويكب بحجم حافلة سيقترب من الأرض مطلع الأسبوع المقبل (رويترز)

كويكب بحجم حافلة يمر على مسافة قريبة جداً من الأرض… هل هناك خطر؟

خلال الأيام المقبلة، يستعدُّ الفلكيون لرصد مرور كويكب صغير نسبياً، لكنه لافت من حيث قربه الاستثنائي من كوكبنا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق في الفضاء أيضاً قد تقودنا المصادفة إلى أقصر الطرق (شاترستوك)

«طريق سرّي» نحو المريخ قد يختصر الرحلة إلى 153 يوماً

كشف علماء فلك عن ممرّ فضائي جديد قد يختصر مئات الأيام من زمن الرحلة إلى كوكب المريخ، من خلال الاستفادة من مسار طبيعي تسلكه بعض الكويكبات بين الكواكب.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أحمد عصام السيد: تعلمت من ليلى علوي معنى الاحتراف الفني

يراهن الممثل المصري على طبيعة الشخصية الكوميدية (الشركة المنتجة)
يراهن الممثل المصري على طبيعة الشخصية الكوميدية (الشركة المنتجة)
TT

أحمد عصام السيد: تعلمت من ليلى علوي معنى الاحتراف الفني

يراهن الممثل المصري على طبيعة الشخصية الكوميدية (الشركة المنتجة)
يراهن الممثل المصري على طبيعة الشخصية الكوميدية (الشركة المنتجة)

قال الممثل المصري أحمد عصام السيد إن مشاركته في فيلم «ابن مين فيهم؟» تمثل خطوة سينمائية استثنائية في مسيرته المهنية الحالية، مؤكداً أن حماسه للفيلم ارتبط بعدة عوامل، منها فرصة الوجود إلى جوار قامات فنية تشارك في العمل، على غرار ليلى علوي وبيومي فؤاد، ورغبته في الاستفادة منهما.

وأضاف أحمد عصام السيد لـ«الشرق الأوسط» أن حماسه للمشروع تضاعف منذ القراءة الأولى للنص لما يحمله من طابع مختلف على مستوى الفكرة والمعالجة الكوميدية، مشيراً إلى أن «الرؤية الإخراجية للمخرج هشام فتحي وأسلوبه البصري المميز وقدرته الفائقة على توظيف المفارقات الكوميدية من خلال حركة الكاميرا وتكوين الصورة لعبت دوراً كبيراً في خروج المشاهد الصعبة بأفضل صورة».

وتدور قصة العمل حول «رشدي» (بيومي فؤاد) رجل الأعمال المستهتر، يعيش حياة بلا قيود أو التزامات، حتى تنقلب حياته بالكامل بعد وفاة عمته التي تركت له ميراثاً ضخماً بشرط العثور على ابنه من إحدى زيجاته العابرة. ترافقه المحامية «ماجدة» (ليلى علوي) في هذه المهمة، لكن الخلافات بينهما تخلق مواقف متشابكة. ومن المقرر عرض الفيلم في بداية شهر يوليو (تموز) المقبل.

مع ليلى علوي وبيومي فؤاد بأحد مشاهد الفيلم (الشركة المنتجة)

وتطرق الممثل المصري إلى ملامح شخصية «كريم» التي يجسدها ضمن الأحداث، موضحاً أنها شخصية درامية غنية بالتحولات وسريعة الانفعال والغضب للغاية، فهو شخص يندفع بسهولة نحو المشكلات المعقدة لكنه لا يمتلك الأدوات النفسية أو الذكية التي تساعده على الخروج منها منتصراً، في تناقض سلوكي وصفه بأنه «العنصر الأكثر إمتاعاً له أثناء التحضير والتصوير».

وأكد أنه يفضل دائماً تجسيد الأنماط البشرية التي ترى نفسها أكبر من حجمها الحقيقي وتحاول إثبات ذلك باستمرار أمام المحيطين بها، لافتاً إلى أن «هذا الوصف ينطبق تماماً على تفاصيل شخصية (كريم)، مما أتاح له مساحة مريحة من اللعب الدرامي وإبراز الجوانب الهزلية الكامنة في الشخصية، تحت إشراف وتوجيه مباشر من المخرج لضبط الإيقاع العام».

وأوضح انحيازه التام لـ«كوميديا الموقف» على حساب الإفيه اللفظي المباشر، معتبراً إياها النوع الأقرب لقلبه ولأدواته التعبيرية بصفته ممثلاً، لأن النكتة المباشرة قد تفقد بريقها أو تفشل في تحقيق هدفها مع الجمهور، بينما يضمن البناء الدرامي المحكم للمواقف والشخصيات المكتوبة بعناية تفاعلاً عفوياً وأكثر استدامة وطبيعية مع المتلقي في قاعات العرض.

يؤكد أحمد عصام السيد على أن الفيلم نقلة مهمة بمسيرته (الشركة المنتجة)

وعن مرونة الأداء داخل موقع التصوير، لفت السيد إلى وجود مساحات حرة من الارتجال سمح بها المخرج، خصوصاً مع وجود الفنان بيومي فؤاد، موضحاً أن تلك اللمسات العفوية والتفاصيل الصغيرة التي كان يضيفها فؤاد تركت أثراً إيجابياً واضحاً على حيوية المشاهد، فالمخرج هشام فتحي كان يستمتع كثيراً برصد هذه اللحظات الحية ويستفيد منها في بناء الإيقاع.

ونفى الممثل الشاب حدوث أي تغييرات جوهرية أو انحراف حاد عن المسار الأساسي لقصة الفيلم وبنية المشاهد المكتوبة نتيجة تلك الارتجالات، مشيراً إلى أن الحوار كان يتطور أحياناً بطريقة تلقائية تناسب طاقة الممثلين الموجودين في الكادر، لكن الهيكل الرئيسي ظل متماسكاً كما هو؛ نظراً لأن سيناريو الكاتب لؤي السيد كان قوياً ومحكماً ولا يحتاج لتعديلات.

ووصف أحمد عصام السيد الأجواء العامة في التصوير بأنها كانت ممتعة وباعثة على التعلم مع حرصه على الاستفادة القصوى من خبرات بيومي فؤاد المهنية عبر طرح الكثير من الأسئلة المتخصصة حول أدوات الممثل، فيما وصف ليلى علوي بأنها «فنانة استثنائية» بكل المقاييس، وتشكل إضافة لأي ممثل شاب يقف أمامها، مشيراً إلى أن تعاونه سابقاً معها في فيلم «آل شنب» أزال بعض الرهبة، إلا أنها في كل مشروع جديد تترك لديه انطباعاً أعمق بحرصها الشديد على التفاصيل والحفاظ على روح إيجابية.

وأوضح السيد أنه تعلم منها الكثير على مستوى الانضباط المهني والالتزام الأخلاقي داخل بيئة العمل السينمائي، معتبراً إياها تمثل نموذجاً حياً للاحترافية المطلقة، سواء في احترام مواعيد الحضور أو الاستعداد الذهني التام للمشاهد قبل بدء التصوير، فضلاً عن أسلوبها الراقي في التعامل مع الطاقم الفني بالكامل.

أحمد عصام السيد (حسابه على فيسبوك)

وقال الممثل المصري إنه شعر في البداية بمسؤولية جسيمة وتوتر طبيعي ناتج عن مجاورة نجوم شباك كبار في عمل واحد، لكن هذا القلق سرعان ما تبدد مع تقدم أيام التصوير بفضل الدعم المعنوي الكبير والثقة المطلقة التي منحتها له ليلى علوي وبيومي فؤاد، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر وملموس على أدائه أمام الكاميرا.

وأكد السيد أن الكيمياء الفنية بين أبطال الفيلم كانت قوية ومتماسكة للغاية، وهو ما ظهر بوضوح في المشاهد المشتركة مشيراً إلى أن الانسجام التام بين الممثلين بمختلف أجيالهم أسهم في خروج الأداء الكوميدي والإنساني بصورة عفوية صادقة، وهو ما سيشعر به الجمهور عند مشاهدة الفيلم.

وأوضح أن أصعب التحديات التي واجهته لم تكن مرتبطة بالأداء الكوميدي، بل كانت متعلقة بمشاهد «الحركة والأكشن» التي تتضمنها الأحداث، خصوصاً مع حرصه على تنفيذ إحدى اللقطات الخطرة بنفسه دون الاستعانة بدوبلير، واصفاً التجربة بأنها كانت متعبة ومخيفة للغاية، لكنها أكسبته خبرة عملية وشخصية متميزة أضافت لأدواته كونه ممثلاً.

واعتبر أن ما يفرّق «ابن مين فيهم؟» عن بقية الأعمال المعروضة هو الاعتناء الفائق برسم الشخصيات وقربها من واقع الناس، لأن قصة الفيلم تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تمتلك قدرة سحرية على جذب المشاهد، لكونها لا تكتفي بصنع الضحك، بل تمر بمحطات إنسانية مؤثرة تمس مشاعر وعواطف العائلات العربية.

وكشف أحمد عصام السيد عن خوضه تجربة جديدة في عالم الكتابة والسيناريو خلال الفترة الحالية من خلال العمل على صياغة مشروع درامي كوميدي جديد بالتعاون المشترك مع زوجته صانعة المحتوى سلمى ماهر، معرباً عن أمله في تقديم أدوار متنوعة تكشف عن قدرات فنية جديدة له في المستقبل القريب بعيداً عن الكوميديا.


ياسين الإدريسي لـ «الشرق الأوسط»: «حليمة» وُلد من قصص حقيقية

المخرج المغربي ياسين الإدريسي استفاد من تجربة عمله بالتصوير الصحافي (الشركة المنتجة)
المخرج المغربي ياسين الإدريسي استفاد من تجربة عمله بالتصوير الصحافي (الشركة المنتجة)
TT

ياسين الإدريسي لـ «الشرق الأوسط»: «حليمة» وُلد من قصص حقيقية

المخرج المغربي ياسين الإدريسي استفاد من تجربة عمله بالتصوير الصحافي (الشركة المنتجة)
المخرج المغربي ياسين الإدريسي استفاد من تجربة عمله بالتصوير الصحافي (الشركة المنتجة)

قال المخرج المغربي ياسين الإدريسي إن فيلمه الروائي الطويل «حليمة» جاء ثمرة سنوات طويلة من الاحتكاك بالناس المهمشين خلال عمله مصوراً صحافياً في مختلف مناطق المغرب، مؤكداً أنه كان يشعر دائماً بأن هناك قصصاً إنسانية حقيقية لا تجد طريقها إلى السينما، وهو ما دفعه إلى البحث عن لغة بصرية مختلفة تعكس واقع هؤلاء الناس بعيداً عن الصور النمطية.

وأضاف ياسين الإدريسي في لقاء مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» أن تجربته في الصحافة كانت نقطة التحول الأساسية في مسيرته الفنية، إذ أتاحت له التعرف إلى عوالم وشخصيات ظلت غائبة عن الشاشة، موضحاً أنه لم يكن مهتماً بتقديم أفلام تسعى فقط إلى إرضاء المهرجانات الأجنبية، بل أراد الاقتراب من الواقع المغربي، وتقديم وجوه وقصص لا تحظى عادة بالاهتمام السينمائي.

وعرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «شنغهاي السينمائي الدولي»، وحصد جائزتي «أفضل مخرج» للإدريسي، و«أفضل ممثلة» لبطلته خديجة عماري.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وتدور أحداثه حول امرأة مسنة تعيش بالقرب من البحر قبل أن يغير اتصال هاتفي مفاجئ مجرى حياتها، ويجبرها على مواجهة ماضٍ حاولت إخفاءه لسنوات، بما في ذلك علاقتها بتجارة القنب غير القانونية، ومن خلال التنقل بين الحاضر وذكريات الماضي، يكشف الفيلم جوانب إنسانية معقدة لشخصية تقاوم ظروفها، وتحاول التمسك بكرامتها وسط عالم مليء بالتحديات.

وأكد المخرج المغربي أن فكرة الفيلم ظلت ترافقه لسنوات طويلة، لكونه يعرف الكثير من الأشخاص المرتبطين بهذه البيئة الاجتماعية، لكنه لم يجد أعمالاً سينمائية تتناول حياتهم ومعاناتهم بصورة إنسانية، مشيراً إلى أنه لم يتمكن من الحصول على دعم لإنتاج فيلم روائي طويل، ما دفعه إلى تمويل المشروع بنفسه تدريجياً، مستفيداً من عمله في مشاريع أخرى لتأمين الميزانية اللازمة حتى يرى الفيلم النور بعد رحلة استغرقت نحو أربع سنوات بين الكتابة، والتصوير، والمونتاج.

وكشف الإدريسي أن اسم الفيلم وشخصيته الرئيسة يحملان ارتباطاً شخصياً بحياته، إذ استلهم اسم «حليمة» من جدته، التي وصفها بأنها كانت امرأة قوية، وصبورة، وصاحبة شخصية مؤثرة داخل الأسرة. لكنه شدد على أن الشخصية ليست نسخة من جدته، بل هي مزيج من نساء كثيرات التقى بهن خلال حياته المهنية، موضحاً أن الذاكرة لا تنقل الأشخاص كما هم، بل تعيد تشكيلهم، وتخلط بين التفاصيل والتجارب لتولد شخصيات جديدة أكثر ثراءً، وتعقيداً.

رصد العمل من خلال بطلته جانباً من حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختياره لبطلة متقدمة في العمر كان مقصوداً، لأن المفاجأة الدرامية تكمن في اكتشاف أن هذه المرأة الهادئة والبسيطة تحمل تاريخاً غير متوقع، وتجارب لا تبدو ظاهرة للعيان، مؤكداً أن السينما بالنسبة إليه يجب أن تدفع الجمهور إلى اكتشاف ما هو غير متوقع داخل الشخصيات العادية، لأن كثيراً من الناس يعيشون حياتهم اليومية بصورة طبيعية، بينما يخفون قصصاً وتجارب لا يعرفها أحد.

وعن اختيار بطلة الفيلم، أوضح أنه كان يمتلك تصوراً واضحاً للشخصية أثناء الكتابة، والتقى عدداً من الممثلات قبل أن يستقر على خديجة التي خضعت لاختبارات أداء استمرت ثلاثة أيام كاملة، مشيراً إلى أنه شعر منذ البداية بأنها تمتلك الصبر والعمق الإنساني اللازمين للفيلم.

وأكد الإدريسي أنه يفضل منح الممثلين مساحة واسعة للتعبير عن فهمهم الخاص للشخصيات قبل التدخل بالتوجيهات، موضحاً أنه يبدأ بمراقبة ما يقدمونه أمام الكاميرا، ثم يعمل على إدخال تعديلات تدريجية للوصول إلى الإيقاع والشعور اللذين يبحث عنهما. وأضاف أن التفاصيل الصغيرة -مثل الصمت بين الجمل، أو طريقة النظر، أو التوقف القصير قبل الكلام- يمكن أن تصنع فارقاً كبيراً في صدق المشهد، وتأثيره.

وتحدث عن كون محدودية الميزانية فرضت تحديات كبيرة على التصوير، إذ جرى تنفيذ الفيلم على مراحل متقطعة امتدت لفترة طويلة، كما اضطر إلى تولي عدد كبير من المهام بنفسه، بينها الإنتاج، والمونتاج، وكتابة السيناريو، والإخراج، والإشراف على الجوانب الفنية المختلفة، ورغم صعوبة التجربة، فإن الإدريسي يرى أن هذه الظروف منحته حرية كاملة في تنفيذ رؤيته السينمائية.

المخرج المغربي خلال تسلم الجائزة في المهرجان (إدارة المهرجان)

وعن مشاركته في مهرجان «شنغهاي السينمائي الدولي»، قال الإدريسي إنه كان واثقاً من قدرة الفيلم على الوصول إلى المهرجانات بحكم خبرته السابقة، لكنه لم يكن يتوقع المشاركة في مسابقة بهذا الحجم، معتبراً أن فوزه بجائزة «أفضل مخرج» جاء مفاجئاً بالنسبة إليه، في ظل منافسة أعمال ضخمة لمخرجين يمتلكون تجارب طويلة، وإمكانات إنتاجية كبيرة.

وأوضح أن الجائزة التي كان يتوقعها أكثر من غيرها كانت جائزة التمثيل، نظراً لما قدمته البطلة من أداء استثنائي، مؤكداً أن نجاحها يعني نجاح رؤيته في إدارة الممثلين، وبناء الشخصيات.

وحول تجربته في الانتقال من الأعمال الوثائقية إلى الأفلام الروائية عبر «حليمة»، أكد الإدريسي أنه لا ينظر إلى السينما الروائية والوثائقية باعتبارهما عالمين منفصلين، بل يرى أن كليهما يعتمد على وجهة نظر المخرج، وطريقته في رواية الحكاية، لأن كل فيلم يفرض بنفسه أسلوبه البصري، والسردي، بينما يقتصر دور المخرج على ترجمة القصة إلى صورة وصوت يصلان إلى الجمهور.


«المعرض الفني الجماعي»... حكايات بصرية معلّقة بين الحلم واليقظة

يستمر المعرض لغاية 4 يوليو (الشرق الأوسط)
يستمر المعرض لغاية 4 يوليو (الشرق الأوسط)
TT

«المعرض الفني الجماعي»... حكايات بصرية معلّقة بين الحلم واليقظة

يستمر المعرض لغاية 4 يوليو (الشرق الأوسط)
يستمر المعرض لغاية 4 يوليو (الشرق الأوسط)

انطلقت في مركز «ريبيرث بيروت» الفني النسخة الخامسة من «المعرض الفني الجماعي»، الذي يجمع تحت سقف واحد أعمال 14 فناناً تشكيلياً من أجيال وتجارب متنوعة.

وبتقنيات تتراوح بين الأكريليك والزيت والنحت و«الميكسد ميديا»، يأخذ المعرض زواره في رحلة بصرية تتنقل بين الواقع والخيال. وتوضح سمر حوا، ممثلة الجهة المنظمة، أن افتتاح المعرض كان مقرراً في مارس (آذار) الماضي، غير أن الظروف التي مر بها لبنان أدت إلى تأجيله، ليفتتح أخيراً في 23 يونيو (حزيران)، ويستمر حتى 4 يوليو (تموز).

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يتميّز المعرض بتنوع التقنيات والخامات المستخدمة. فإلى جانب أعمال السيراميك والمنحوتات الخشبية، تعرض الفنانة لارا يواكيم أعمالاً نفذتها على قطع قرميد جمعتها من منطقتي مار مخايل والجميزة بين أنقاض المنازل والأسقف التي دمرها انفجار مرفأ بيروت. وقد أعادت توظيف هذه القطع في أعمال تحمل أبعاداً إنسانية ووجدانية خاصة».

وتعكس الأعمال المعروضة رؤى وموضوعات متعددة، تمتد من الحنين إلى الجذور واللقاءات المبهجة، إلى صورة بيروت التي تنهض من الركام، مروراً بالعادات والتقاليد اللبنانية وتعاقب الفصول وتأملات الذات الإنسانية.

جيسيكا بونجا تقدم مجموعة لوحات بعنوان «الخارقون» (الشرق الأوسط)

وفي أحد أركان المعرض، تستوقف الزائر مجموعة لوحات تسكنها كائنات غريبة الملامح للفنانة جيسيكا بونجا، التي أطلقت عليها عنوان «الخارقون». وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «تعبّر هذه الأعمال عن الحياة المتأرجحة بين الحب والألم. وقد يشعر المشاهد بالخوف من هذه الكائنات للوهلة الأولى أو على العكس بالتعاطف معها، لكن الرسالة الأساسية التي أسعى إلى إيصالها هي الحب بجميع أبعاده».

وتوضح أنها استندت إلى صور لمنحوتات فخارية صغيرة تقتنيها، ثم أعادت تشكيلها بصرياً من خلال مزج الألوان والظلال مع خلفيات رقمية، واضعة تلك الكائنات في بيئات حياتية مختلفة.

أعمال مايا نصولي تتناول فيها حياة اللبنانيين (الشرق الأوسط)

وتتواصل الجولة مع أعمال الفنانة مايا نصولي المنفذة بالأكريليك، التي تحمل عناوين منها «The Hermes Living» و«مجرد العيش». وتستوحي مايا نصولي أعمالها من تفاصيل الحياة اليومية في لبنان. ففي إحدى اللوحات تظهر سيدة أنيقة تحمل حقيبة فاخرة، تجلس على عربة خشبية لبيع الخضار وتأكل تفاحة، وإلى جانبها عبارة: «الحياة لمن يجرؤ».

وتقول نصولي: «عشت تجارب كثيرة خارج لبنان، لكنني كنت أعود دائماً إليه. فرغم مغريات الاستقرار في الخارج، بقيت متمسكة ببلدي. لذلك أستلهم من واقعنا اليومي صوراً تعكس قدرتنا على مواجهة المصاعب، وتُظهر التناقضات التي يعيشها اللبناني بين بيئات اجتماعية مختلفة».

وفي عمل آخر، تصور رجلاً مسناً يرتدي ألوان العلم اللبناني ويدخن النرجيلة، مرفقاً بعبارة «اتركوا شعبي يعيش». وتوضح: «استوحيت العبارة من مقولة للصحافي الراحل غسان تويني، الذي أكن له تقديراً كبيراً، فأردت أن أحييه من خلال هذا العمل».

من لوحات الفنانة التشكيلية فاديا عطية (الشرق الأوسط)

وتحمل أعمال برنار خوري، المنفذة بتقنية «الميكسد ميديا»، عنوان «كل العيون مصوّبة علينا»، حيث يستحضر فيها محطات من التاريخ السياسي والثقافي اللبناني. ويذيّل أعماله بوردة حمراء ترمز إلى الحب والإعجاب. وفي لوحة أخرى بعنوان «جذور وورود»، يرسم قلوباً نحاسية تتوسطها وردة بيضاء، في إشارة تجمع بين الأصالة والأمل.

أما أعمال فاديا عطية فتزهو بالألوان وعفوية التعبير. وتستخدم الفنانة الأكريليك والباستيل الزيتي إلى جانب عناصر الكولاج، ما يتيح مساحة واسعة للتجريب والارتجال. فالرسم بالنسبة إليها ليس مجرد ممارسة فنية، بل وسيلة للتواصل ونقل المشاعر.

وتقول الإعلامية كارولين ياغي، التي تتولى التعريف بأعمال الفنانة في غيابها عن بيروت: «يقوم أسلوب فاديا على الحركة والاحتفاء باللون، وهو ما يظهر في لوحاتها المفعمة بالحيوية. وتعكس شخصياتها مشاعرها وذكرياتها المرتبطة بلبنان».