أبطال «توي ستوري» يتداولون أزمات وفرص بقاء

أنجز 160 مليوناً وكسب الرهان ضد سبيلبرغ

«توي ستوري 5»: نجاح مبهر (ديزني)
«توي ستوري 5»: نجاح مبهر (ديزني)
TT

أبطال «توي ستوري» يتداولون أزمات وفرص بقاء

«توي ستوري 5»: نجاح مبهر (ديزني)
«توي ستوري 5»: نجاح مبهر (ديزني)

ما بين يومي الجمعة والأحد، حقق فيلم «توي ستوري 5» رقماً خيالياً في شباك التذاكر بلغ 312 مليون دولار عالمياً، من بينها 160 مليون دولار في أميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك).

ويُعدّ ذلك إنجازاً مزدوجاً؛ أولاً، لأن هذا الرقم هو أعلى إيراد افتتاحي لفيلم في صالات العرض العالمية منذ مطلع العام الحالي، وثانياً، لأنه لم يسبق لأي فيلم من هذه السلسلة أن انطلق بهذا الحجم من الإيرادات. بل إن الأرقام المسجّلة تجعله مرشحاً لأن يكون صاحب أحد أكبر الافتتاحات في تاريخ أفلام الإنيميشن.

خامس نجاح وثالث فشل

في طريقه إلى القمة، كان لا بد لـ«توي ستوري 5» من إزاحة فيلم «يوم الإفصاح» (Disclosure Day) للمخرج ستيفن سبيلبرغ، الذي تصدّر شباك التذاكر في الولايات المتحدة وعدد من العواصم الأوروبية والعربية، الأسبوع الماضي، مسجلاً 44 مليوناً و530 ألف دولار. لكن الفيلم تراجع هذا الأسبوع إلى المركز الثاني أسرع مما كان متوقعاً، كما أن مستوى الإعجاب النقدي به جاء أقل من التوقعات.

وإذا أخفق «يوم الإفصاح» في تحقيق إيرادات كبيرة، فسيكون ذلك ثالث إخفاق متتالٍ لسبيلبرغ. ففي عام 2021 لم يحقق فيلم «قصة الجانب الغربي» (West Side Story) أكثر من 76 مليون دولار عالمياً، رغم أن تكلفته بلغت 100 مليون دولار. وفي العام التالي (2022)، قدّم سبيلبرغ ذكريات صباه في فيلم «The Fabelmans» الذي حصد 44 مليون دولار عالمياً.

صحيح أن تكلفة هذا الفيلم لم تتجاوز 45 مليون دولار، لكن الإيرادات كانت أبعد من أن تُسجّل بوصفها ربحاً على اعتبار أن كل تلك النسب التي تتوزع بين صالات السينما والتوزيع وأدوات الدعاية والإعلام تجعل بلوغ مستوى الربح يوازي 3 أضعاف الميزانية التي صُرفت على الفيلم.

أرقام ومعانٍ

«توي ستوري 5»، كما يدل عنوانه، هو الجزء الخامس من السلسلة التي أطلقتها شركة «بيكسار» المتخصصة في أفلام الرسوم المتحركة. وعُرض الفيلم الأول عام 1995، وذلك قبل أن تستحوذ «ديزني» على «بيكسار» ببضع سنوات، انطلاقاً من عدم رغبتها في وجود منافسة بهذا الحجم من قِبل شركة أخرى.

من الجزء الأول من «توي ستوري» (ديزني)

عُرض الجزء الثاني عام 1999 والثالث عام 2010 والرابع في 2019. وتتجاوز الإيرادات الإجمالية لهذه الأجزاء الأربعة 3 مليارات دولار (تحديداً: 3،011،731،999 دولار). وإذا واصل الجزء الخامس نجاحه من دون تراجع كبير خلال الأسبوعين المقبلين، فمن المرجح أن يضيف نحو 400 مليون دولار إلى ما حققه الآن.

ما يجعل السلسلة ناجحة على هذا المنوال جانب آخر مهم لا علاقة له بالأرقام، بل بالمعاني.

سلسلة «توي ستوري» في الأساس هي عن ألعاب ودمى يدوية تجد نفسها مهدَّدة بجيل جديد من الألعاب الإلكترونية فتحاول الحفاظ على وجودها متحاشية الإهمال الذي قد يصل بها إلى صناديق الزبالة. هذا نبض عاطفي شديد التأثير لدى الصغار، سواء الذين ما زالوا يحتفظون بتلك الألعاب القديمة أو الذين اعتادوا اليوم على تلك الإلكترونية المختلفة.

لكن التأثير ليس حكراً على الصغار وحدهم. هؤلاء لا يذهبون منفردين لشراء التذاكر، بل هناك حب جارف لدى الراشدين لمشاهدة ما الذي سيحدث لتلك الألعاب في عالم مُتغيِّر ينتقل من زمن إلى آخر بسرعة لا تُجارى. الكبار يفهمون سريعاً القلق الذي يعايش تلك الشخصيات المرسومة بدقة وتفرُّد. بعض الراشدين ربما وجدوا أنهم معرَّضون للخطر نفسه مع تقدم التكنولوجيا والسوشيال ميديا وتحويل الحياة إلى منجزات تقنية متقدّمة. لكن حتى وإن لم يكن الأمر كذلك، فإن الجمهور العريض يتعاطف مع ألعاب لا قدرة لها على مواجهة المتغيرات إلا بحلول جزئية تهدف إلى إقناع مالكها (في الأصل صبي يفكِّر في استبدالها) بالحفاظ عليها.

حتى لا يبقى حديث السلسلة هلامياً أُدخلت شخصية «بَز» (صوت تِم ألن) الذي يقع في منتصف الطريق بين الألعاب الكلاسيكية وتلك الحديثة. هذا ما يجعل اللعبة الأولى (أو لنقل الشخصية الأساسية بين تلك اللعب) وودي (صوت توم هانكس) تخشى تطوُّر العلاقات بين بعض تلك الألعاب و«بَز» (Buzz). لكن، بصرف النظر عن مخاوف وودي فإن إضافة «بَز» فتح الأفق أمام تداول جديد وأثرى الشخصيات على نحو مثير.

السلسلة الأخرى

في غمار ذلك، هناك مضامين أخرى ناتجة عمَّا سبق من بينها أن اللعب المهددة بالتحوّل إلى قمامة إنما تبحث عن هويتها. السؤال الذي واجهته في كل جزء من هذه الأجزاء هو ما الذي سيحدث لها في هذا العالم المتغيِّر ومن سيحتاج إليها، بالتالي هل انتهت هويَّتها الشخصية بانتهاء الحاجة إليها.

هذا ما يقود إلى الرغبة في إيجاد هدف لحياتها، وهو الأمر الأصعب تحقيقاً. من يحتاج إلى كاوبوي قديم أو لعبة تتحرَّك بمفتاح (زنبرك) في ظهرها أو حتى ملاح فضاء بملابس وأدوات قديمة؟

كل ذلك يفرض تآخي الألعاب ما يجعل مفهوم الصداقة محوراً مهمّاً في هذه السلسلة. لا أحد يريد أن يرى آخر من بين هذه اللعب يتحطَّم أو يُهمل أو يُستغنى عنه.

هذه المفاهيم ليست عبثية وقُدِّر لها أن تجد تجاوباً وإعجاباً بين المشاهدين الذين يعيشون في الزمن الحاضر متطلِّعين إلى أزمة من لا يزال يعيش في زمن مضى.

سباق حاسم في «سيارات 3» (ديزني)

هذا أيضاً ما يصحُّ إطلاقه على سلسلة أخرى من أعمال «بيكسار»، وهي سلسلة «سيارات» التي انطلقت أول مرّة سنة 2006 وجرى تحقيق 3 أجزاء منها آخرها في عام 2017.

المفهوم واحد: سيارات قديمة آيلة للتحوُّل إلى خردة تحاول المستحيل لتبقى على قيد الحياة. في الجزء الثالث، مثلاً، شاهدنا «لايتنينغ ماكوين» (صوت أوين ويلسون) يبرهن عن جدارته وانتمائه إلى العصر الحالي بدخول السباق ضد السيارات الحديثة. تحدٍّ صعب حققه رغم العوائق.

وسواء كنا نشاهد سلسلة «سيارات» أو «توي ستوري»، فإن التحريك عبر نظم «الأنيميشن» رائع لكنه لا يكفي من دون جعل كل الشخصيات تنطق فيما بينها. ألعاب «توي ستوري» تلتزم الصَّمت إذا ما دخل عليها آدمي، لكنها تنطلق بالحديث وبالغناء حال تنفرد بنفسها.

في السلسلتين اعتماد قوي على الحوار. عليه أن يكون ذا معنى وأن يكون ممتعاً في الوقت نفسه ومتَّصلاً بالشخصيات على تنوُّعها في كل الأحوال.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

يوميات الشرق الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية لقرية ريفية أنهكها الجفاف بعد تعطل إمدادات المياه بها.

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق أندرو محسن مدير «مهرجان الجونة» (إدارة المهرجان)

أندرو محسن: ترشيد النفقات لم يؤثر سلباً على «الجونة السينمائي»

قال المدير الفني لمهرجان الجونة السينمائي أندرو محسن إن زيادة تركيز المهرجان على السينما وصناعتها خلال دورته التاسعة كانت الأبرز.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق ينطلق مهرجان «بيروت للأفلام الفنية» في 3 نوفمبر ويستمر حتى 13 منه (الجهة المنظّمة)

«بيروت للأفلام الفنية»... مجموعة أعمال سينمائية تروي تاريخاً يشهد

من ضيوف الشرف الذين يُنتظر حضورهم الفنانة الأميركية نان غولدين، التي تختتم مشاركتها في المهرجان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الممثل ميثاق زارع بطل فيلم «قليل من النور» (الجونة السينمائي)

«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

الروابط الأسرية تعيد طبيباً فقد الثقة بالمستقبل إلى التمسُّك بالحياة.

انتصار دردير (الجونة )
يوميات الشرق المخرج المغربي يعتبر تكريمه في الجونة محطة مهمة (الشرق الأوسط)

فوزي بنسعيدي: تكريمي في «الجونة» محطة مهمة لتأمل مشواري

قال المخرج المغربي فوزي بنسعيدي إن تكريمه في مهرجان «الجونة السينمائي» بمصر، يمثل لحظة للتأمل في تجربته.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».