تراجع الجنيه الإسترليني يوم الاثنين مع تصاعد التكهنات بشأن مستقبل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وسط تقارير إعلامية أشارت إلى أنه يدرس الإعلان قريباً عن جدول زمني لمغادرة منصبه، في خطوة قد تمهد الطريق أمام السياسي العمالي البارز آندي بورنهام لتولي قيادة الحزب والحكومة، لتصبح بريطانيا أمام احتمال تغيير سابع رئيس وزراء خلال عقد واحد فقط منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وانخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 0.2 في المائة إلى 1.321 دولار، مواصلاً خسائره التي قاربت 3 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، عندما بدأت الضغوط السياسية تتصاعد على ستارمر نتيجة تراجع شعبيته وتزايد الانتقادات لأدائه الاقتصادي.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه المملكة المتحدة تحديات مالية واقتصادية كبيرة، إذ تسجل أعلى تكاليف اقتراض بين دول مجموعة السبع الكبرى، في ظل ارتفاع مستويات الدين العام ومدفوعات الفائدة، واستمرار ضعف النمو الاقتصادي، وصعوبة خفض الإنفاق الحكومي، إلى جانب الحاجة المتزايدة لتمويل استثمارات استراتيجية في مجالات مثل الدفاع والبنية التحتية.
وتعززت الضغوط على ستارمر يوم الجمعة الماضي بعد فوز آندي بورنهام، عمدة مانشستر الكبرى السابق، بفارق كبير في الانتخابات الفرعية، مما أتاح له العودة إلى مجلس العموم البريطاني ومهَّد الطريق أمام تحدٍ محتمل لزعامة حزب العمال.
ويرى المستثمرون أن أي انتقال للسلطة قد يفتح الباب أمام تغييرات في التوجهات الاقتصادية والمالية للحكومة. وقال جورج باكلي، الخبير الاقتصادي لدى «نومورا»، إن السؤال الأساسي بالنسبة للأسواق لا يتعلق بشخص بورنهام فحسب، بل بموقفه من السياسة المالية، واختياراته لفريقه الاقتصادي، ومدى التزامه بالقواعد المالية الصارمة التي تتبعها الحكومة الحالية.
وتعكس أسواق المال هذا القلق المتزايد، إذ أظهرت بيانات سوق الخيارات أن المتعاملين أصبحوا أكثر استعداداً لدفع علاوات أعلى للتحوط من تقلبات الجنيه الإسترليني خلال الأسابيع المقبلة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أيام قليلة فقط.
سوق السندات في دائرة القلق
ويولي المستثمرون اهتماماً خاصاً لسوق السندات الحكومية البريطانية، التي تعد مؤشراً أساسياً على الثقة في الاقتصاد البريطاني والمالية العامة للدولة.
وتبلغ عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل عشر سنوات نحو 4.85 في المائة، وهي مستويات تقترب من أعلى معدلاتها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مما يعني أن الحكومة البريطانية تضطر إلى دفع تكاليف مرتفعة لتمويل احتياجاتها من الاقتراض مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة الأخرى.
وقد جعلت حالة عدم الاستقرار السياسي المتكررة، إلى جانب المخاوف بشأن الأوضاع المالية العامة، المستثمرين أكثر حذراً تجاه الأصول البريطانية، خصوصاً السندات طويلة الأجل التي باتت أكثر عرضة لتقلبات حادة، مقارنة بنظيراتها في العديد من الدول المتقدمة.
ويُنظر إلى بورنهام على أنه أكثر ميلاً إلى اليسار مقارنة بستارمر، ورغم تأكيده مراراً التزامه بالقواعد المالية التي وضعتها وزيرة المالية راشيل ريفز، فإن الأسواق لا تزال تنتظر دلائل عملية تثبت قدرته على الجمع بين الإنفاق الحكومي والانضباط المالي.
وقال موهيت كومار، كبير الاستراتيجيين في «جيفريز»: «أكد بورنهام احترامه للقواعد المالية، لكن السؤال الجوهري يتمثل في كيفية تمويل أي إنفاق إضافي محتمل. الضرائب بلغت مستويات تجعل رفعها أكثر صعوبة، في حين أن الحديث عن وفورات الكفاءة يبدو جيداً نظرياً لكنه غالباً ما يواجه عقبات عند التطبيق».
وأضاف: «لقد تجنبنا الاستثمار في السندات الحكومية البريطانية طويلة الأجل، وفضلنا زيادة تعرضنا للسندات ذات العوائد المرتفعة، كما خفضنا مراكزنا في الجنيه الاسترليني. وما زلنا نتوقع استمرار التقلبات في سوق السندات البريطانية طويلة الأجل خلال الفترة المقبلة».
وأشار إلى أن الاستراتيجية المفضلة حالياً تتمثل في تفضيل السندات قصيرة الأجل على حساب السندات طويلة الأجل، نظراً لتنامي المخاوف بشأن الوضع المالي البريطاني على المدى البعيد.
تكهنات متزايدة بشأن مستقبل ستارمر
وفي موازاة القلق الاقتصادي، تتسارع التطورات السياسية في لندن. وأكد عدد من الوزراء أن زعيم حزب العمال أمضى عطلة نهاية الأسبوع في دراسة خياراته السياسية ومستقبله في قيادة الحكومة.
وبينما احتشد الصحافيون صباح الاثنين أمام مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت»، لم يكن واضحاً ما إذا كان ستارمر قد حسم قراره النهائي، بينما امتنع مكتبه عن تأكيد ما إذا كان سيعقد مؤتمراً صحافياً خلال اليوم.

وقالت وزيرة الدولة للتعليم جاكي سميث لشبكة «سكاي نيوز»: «لا أعرف ما إذا كان قد اتخذ قراره، لكنني أعلم أنه يفكر بعمق فيما هو الأفضل للبلاد.» وأضافت: «أثق بأنه سيتخذ القرار الصحيح».
بورنهام... المنافس الأقوى
كان ستارمر، البالغ من العمر 63 عاماً، قد أكد مراراً أنه سيقاوم أي محاولة لإقصائه من السلطة، لكن فوز بورنهام الكاسح في دائرة ماكرفيلد الانتخابية يبدو أنه دفعه إلى إعادة تقييم موقفه خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وذكرت صحيفة «الغارديان» أن رئيس الوزراء يواجه ضغوطاً هائلة من نواب حزب العمال للتنحي وإفساح المجال أمام بورنهام.
كما أشارت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى أن المؤشرات على قرب إعلان ستارمر خطة للاستقالة تتزايد، في وقت تصدرت فيه الصحف البريطانية عناوين مثل «انتهت اللعبة».
حتى الرئيس الأميركي دونالد ترمب دخل على خط الأزمة السياسية البريطانية، إذ كتب على منصته «تروث سوشيال» يوم الأحد: «كير ستارمر سيستقيل».
وأضاف ترمب أن رئيس الوزراء البريطاني أخفق في إدارة ملفات الهجرة والطاقة، في إشارة إلى تراجع العلاقات بين الرجلين خلال الأشهر الأخيرة على خلفية التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية.
فرصة أخيرة لحزب العمال
من جانبه، لم يخفِ آندي بورنهام، الذي يشغل منصب عمدة مانشستر الكبرى منذ عام 2017، رغبته في خوض سباق زعامة الحزب، محذراً في خطاب فوزه بالانتخابات الفرعية من أن حزب العمال يواجه «فرصته الأخيرة للتغيير».

وبفضل الأغلبية البرلمانية الكبيرة التي يتمتع بها حزب العمال، فإن فوز بورنهام بزعامة الحزب قد يضعه تلقائياً على رأس الحكومة ما لم يظهر منافسون أقوياء داخل الحزب.
وتفيد تقارير إعلامية بأن بورنهام يدرس إجراء تعديلات واسعة على الفريق الاقتصادي في حال وصوله إلى السلطة، بما في ذلك استبدال وزيرة المالية راشيل ريفز، مع الإبقاء على وزيرة الداخلية شبانة محمود.
ضغوط داخلية متصاعدة
ووفقاً للتقارير، أمضى ستارمر عطلة نهاية الأسبوع في مقر الإقامة الريفي لرؤساء الوزراء في تشيكرز، حيث عقد سلسلة من الاجتماعات مع مقربين ومستشارين لبحث الخيارات المتاحة.
وقال وزير الأعمال بيتر كايل إن رئيس الوزراء «يخصص وقتاً للتأمل في الحقائق السياسية والتحديات والفرص التي تواجهه».
كما أفادت صحيفة «الغارديان» بأن ستارمر وفريقه المقرب بدأوا بالفعل العمل على مسودة خطاب استقالة محتمل، مشيرة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في بقائه حتى نهاية الصيف قبل تسليم القيادة إلى خليفة جديد خلال مؤتمر حزب العمال في سبتمبر (أيلول).
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن أكثر من 100 نائب من أصل 403 نواب لحزب العمال باتوا يدعون إلى رحيله، فيما تُعد وزيرة الخارجية إيفيت كوبر من بين أبرز الشخصيات الحكومية التي تطالب بإجراء تغيير في القيادة.
ويأتي ذلك بعد أشهر من التراجع السياسي المتواصل لحكومة ستارمر، التي واجهت انتقادات حادة بسبب سلسلة من الأخطاء السياسية والتراجعات في السياسات العامة والاستقالات الوزارية، فضلاً عن الجدل الذي أثاره تعيين بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن.
كما شكلت النتائج الضعيفة التي حققها حزب العمال في الانتخابات المحلية والإقليمية الأخيرة في إنجلترا واسكوتلندا وويلز عاملاً إضافياً في تأجيج الدعوات إلى تغيير القيادة.
