بريطانيا أمام منعطف سياسي جديد... والجنيه والسندات يواجهان عدم اليقين

تكهنات استقالة ستارمر تضع البلاد أمام سابع رئيس وزراء في عقد

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع سكان محليين خلال زيارة لمشروع سكني في شمال غرب لندن 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع سكان محليين خلال زيارة لمشروع سكني في شمال غرب لندن 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا أمام منعطف سياسي جديد... والجنيه والسندات يواجهان عدم اليقين

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع سكان محليين خلال زيارة لمشروع سكني في شمال غرب لندن 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع سكان محليين خلال زيارة لمشروع سكني في شمال غرب لندن 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)

تراجع الجنيه الإسترليني يوم الاثنين مع تصاعد التكهنات بشأن مستقبل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وسط تقارير إعلامية أشارت إلى أنه يدرس الإعلان قريباً عن جدول زمني لمغادرة منصبه، في خطوة قد تمهد الطريق أمام السياسي العمالي البارز آندي بورنهام لتولي قيادة الحزب والحكومة، لتصبح بريطانيا أمام احتمال تغيير سابع رئيس وزراء خلال عقد واحد فقط منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وانخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 0.2 في المائة إلى 1.321 دولار، مواصلاً خسائره التي قاربت 3 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، عندما بدأت الضغوط السياسية تتصاعد على ستارمر نتيجة تراجع شعبيته وتزايد الانتقادات لأدائه الاقتصادي.

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه المملكة المتحدة تحديات مالية واقتصادية كبيرة، إذ تسجل أعلى تكاليف اقتراض بين دول مجموعة السبع الكبرى، في ظل ارتفاع مستويات الدين العام ومدفوعات الفائدة، واستمرار ضعف النمو الاقتصادي، وصعوبة خفض الإنفاق الحكومي، إلى جانب الحاجة المتزايدة لتمويل استثمارات استراتيجية في مجالات مثل الدفاع والبنية التحتية.

وتعززت الضغوط على ستارمر يوم الجمعة الماضي بعد فوز آندي بورنهام، عمدة مانشستر الكبرى السابق، بفارق كبير في الانتخابات الفرعية، مما أتاح له العودة إلى مجلس العموم البريطاني ومهَّد الطريق أمام تحدٍ محتمل لزعامة حزب العمال.

ويرى المستثمرون أن أي انتقال للسلطة قد يفتح الباب أمام تغييرات في التوجهات الاقتصادية والمالية للحكومة. وقال جورج باكلي، الخبير الاقتصادي لدى «نومورا»، إن السؤال الأساسي بالنسبة للأسواق لا يتعلق بشخص بورنهام فحسب، بل بموقفه من السياسة المالية، واختياراته لفريقه الاقتصادي، ومدى التزامه بالقواعد المالية الصارمة التي تتبعها الحكومة الحالية.

وتعكس أسواق المال هذا القلق المتزايد، إذ أظهرت بيانات سوق الخيارات أن المتعاملين أصبحوا أكثر استعداداً لدفع علاوات أعلى للتحوط من تقلبات الجنيه الإسترليني خلال الأسابيع المقبلة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أيام قليلة فقط.

سوق السندات في دائرة القلق

ويولي المستثمرون اهتماماً خاصاً لسوق السندات الحكومية البريطانية، التي تعد مؤشراً أساسياً على الثقة في الاقتصاد البريطاني والمالية العامة للدولة.

وتبلغ عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل عشر سنوات نحو 4.85 في المائة، وهي مستويات تقترب من أعلى معدلاتها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مما يعني أن الحكومة البريطانية تضطر إلى دفع تكاليف مرتفعة لتمويل احتياجاتها من الاقتراض مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة الأخرى.

وقد جعلت حالة عدم الاستقرار السياسي المتكررة، إلى جانب المخاوف بشأن الأوضاع المالية العامة، المستثمرين أكثر حذراً تجاه الأصول البريطانية، خصوصاً السندات طويلة الأجل التي باتت أكثر عرضة لتقلبات حادة، مقارنة بنظيراتها في العديد من الدول المتقدمة.

ويُنظر إلى بورنهام على أنه أكثر ميلاً إلى اليسار مقارنة بستارمر، ورغم تأكيده مراراً التزامه بالقواعد المالية التي وضعتها وزيرة المالية راشيل ريفز، فإن الأسواق لا تزال تنتظر دلائل عملية تثبت قدرته على الجمع بين الإنفاق الحكومي والانضباط المالي.

وقال موهيت كومار، كبير الاستراتيجيين في «جيفريز»: «أكد بورنهام احترامه للقواعد المالية، لكن السؤال الجوهري يتمثل في كيفية تمويل أي إنفاق إضافي محتمل. الضرائب بلغت مستويات تجعل رفعها أكثر صعوبة، في حين أن الحديث عن وفورات الكفاءة يبدو جيداً نظرياً لكنه غالباً ما يواجه عقبات عند التطبيق».

وأضاف: «لقد تجنبنا الاستثمار في السندات الحكومية البريطانية طويلة الأجل، وفضلنا زيادة تعرضنا للسندات ذات العوائد المرتفعة، كما خفضنا مراكزنا في الجنيه الاسترليني. وما زلنا نتوقع استمرار التقلبات في سوق السندات البريطانية طويلة الأجل خلال الفترة المقبلة».

وأشار إلى أن الاستراتيجية المفضلة حالياً تتمثل في تفضيل السندات قصيرة الأجل على حساب السندات طويلة الأجل، نظراً لتنامي المخاوف بشأن الوضع المالي البريطاني على المدى البعيد.

تكهنات متزايدة بشأن مستقبل ستارمر

وفي موازاة القلق الاقتصادي، تتسارع التطورات السياسية في لندن. وأكد عدد من الوزراء أن زعيم حزب العمال أمضى عطلة نهاية الأسبوع في دراسة خياراته السياسية ومستقبله في قيادة الحكومة.

وبينما احتشد الصحافيون صباح الاثنين أمام مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت»، لم يكن واضحاً ما إذا كان ستارمر قد حسم قراره النهائي، بينما امتنع مكتبه عن تأكيد ما إذا كان سيعقد مؤتمراً صحافياً خلال اليوم.

يقف الصحافيون خارج «داونينغ ستريت» بانتظار تصريح محتمل لرئيس الوزراء كير ستارمر 22 يونيو (رويترز)

وقالت وزيرة الدولة للتعليم جاكي سميث لشبكة «سكاي نيوز»: «لا أعرف ما إذا كان قد اتخذ قراره، لكنني أعلم أنه يفكر بعمق فيما هو الأفضل للبلاد.» وأضافت: «أثق بأنه سيتخذ القرار الصحيح».

بورنهام... المنافس الأقوى

كان ستارمر، البالغ من العمر 63 عاماً، قد أكد مراراً أنه سيقاوم أي محاولة لإقصائه من السلطة، لكن فوز بورنهام الكاسح في دائرة ماكرفيلد الانتخابية يبدو أنه دفعه إلى إعادة تقييم موقفه خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وذكرت صحيفة «الغارديان» أن رئيس الوزراء يواجه ضغوطاً هائلة من نواب حزب العمال للتنحي وإفساح المجال أمام بورنهام.

كما أشارت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى أن المؤشرات على قرب إعلان ستارمر خطة للاستقالة تتزايد، في وقت تصدرت فيه الصحف البريطانية عناوين مثل «انتهت اللعبة».

حتى الرئيس الأميركي دونالد ترمب دخل على خط الأزمة السياسية البريطانية، إذ كتب على منصته «تروث سوشيال» يوم الأحد: «كير ستارمر سيستقيل».

وأضاف ترمب أن رئيس الوزراء البريطاني أخفق في إدارة ملفات الهجرة والطاقة، في إشارة إلى تراجع العلاقات بين الرجلين خلال الأشهر الأخيرة على خلفية التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية.

فرصة أخيرة لحزب العمال

من جانبه، لم يخفِ آندي بورنهام، الذي يشغل منصب عمدة مانشستر الكبرى منذ عام 2017، رغبته في خوض سباق زعامة الحزب، محذراً في خطاب فوزه بالانتخابات الفرعية من أن حزب العمال يواجه «فرصته الأخيرة للتغيير».

آندي بورنهام النائب الجديد عن حزب العمال في ماكرفيلد يتحدث بعد فوزه في الانتخابات الفرعية في 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)

وبفضل الأغلبية البرلمانية الكبيرة التي يتمتع بها حزب العمال، فإن فوز بورنهام بزعامة الحزب قد يضعه تلقائياً على رأس الحكومة ما لم يظهر منافسون أقوياء داخل الحزب.

وتفيد تقارير إعلامية بأن بورنهام يدرس إجراء تعديلات واسعة على الفريق الاقتصادي في حال وصوله إلى السلطة، بما في ذلك استبدال وزيرة المالية راشيل ريفز، مع الإبقاء على وزيرة الداخلية شبانة محمود.

ضغوط داخلية متصاعدة

ووفقاً للتقارير، أمضى ستارمر عطلة نهاية الأسبوع في مقر الإقامة الريفي لرؤساء الوزراء في تشيكرز، حيث عقد سلسلة من الاجتماعات مع مقربين ومستشارين لبحث الخيارات المتاحة.

وقال وزير الأعمال بيتر كايل إن رئيس الوزراء «يخصص وقتاً للتأمل في الحقائق السياسية والتحديات والفرص التي تواجهه».

كما أفادت صحيفة «الغارديان» بأن ستارمر وفريقه المقرب بدأوا بالفعل العمل على مسودة خطاب استقالة محتمل، مشيرة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في بقائه حتى نهاية الصيف قبل تسليم القيادة إلى خليفة جديد خلال مؤتمر حزب العمال في سبتمبر (أيلول).

وأشارت تقارير إعلامية إلى أن أكثر من 100 نائب من أصل 403 نواب لحزب العمال باتوا يدعون إلى رحيله، فيما تُعد وزيرة الخارجية إيفيت كوبر من بين أبرز الشخصيات الحكومية التي تطالب بإجراء تغيير في القيادة.

ويأتي ذلك بعد أشهر من التراجع السياسي المتواصل لحكومة ستارمر، التي واجهت انتقادات حادة بسبب سلسلة من الأخطاء السياسية والتراجعات في السياسات العامة والاستقالات الوزارية، فضلاً عن الجدل الذي أثاره تعيين بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن.

كما شكلت النتائج الضعيفة التي حققها حزب العمال في الانتخابات المحلية والإقليمية الأخيرة في إنجلترا واسكوتلندا وويلز عاملاً إضافياً في تأجيج الدعوات إلى تغيير القيادة.


مقالات ذات صلة

مسؤولة في بنك إنجلترا: التقاعس عن إصلاح سوق إعادة شراء السندات الحكومية ليس خياراً

الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

مسؤولة في بنك إنجلترا: التقاعس عن إصلاح سوق إعادة شراء السندات الحكومية ليس خياراً

أكدت سارة بريدن، نائبة محافظ بنك إنجلترا، أن «التقاعس عن العمل ليس خياراً» فيما يتعلق بتنظيم سوق إعادة شراء السندات الحكومية البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع هبوط أسهم الرقائق وضغط توقعات «نتفليكس»

تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الجمعة، مع استمرار موجة البيع في أسهم شركات أشباه الموصلات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول التابعة لـ«بنك هانا» في سيول (أ.ب)

كيف غيّرت رهانات مليارية على شركات الذكاء الاصطناعي وجه سوق الأسهم الكورية؟

أدت رهانات بمليارات الدولارات، مُموَّلة بالاقتراض على أسهم شركات الذكاء الاصطناعي المُفضَّلة لدى المستثمرين في كوريا الجنوبية، إلى تشويه سوق الأسهم.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد شاشة إلكترونية تعرض تحركات مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم خارج إحدى شركات الوساطة في طوكيو (رويترز)

السندات الآسيوية تجذب أكبر تدفقات أجنبية في 7 أشهر

سجلت السندات الآسيوية أكبر تدفقات للاستثمار الأجنبي في سبعة أشهر خلال يونيو، مدعومة بانخفاض أسعار النفط وارتفاع الطلب على التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ )
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

أسهم التكنولوجيا تقود تراجع الأسواق الأوروبية وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية

استهلت الأسهم الأوروبية تعاملات اليوم الجمعة على انخفاض، متجهةً نحو تسجيل خسائر أسبوعية، في ظل تراجع معنويات المستثمرين عالمياً بفعل تصاعد التوترات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إنفاق الذكاء الاصطناعي يقترب من نقطة تحول... والمستثمرون يبدلون رهاناتهم

اختصار كلمة الذكاء الاصطناعي (إيه آي) خلال الدورة العاشرة من معرض «فيفاتك» للتكنولوجيا والشركات الناشئة والابتكار في باريس يونيو 2026 (رويترز)
اختصار كلمة الذكاء الاصطناعي (إيه آي) خلال الدورة العاشرة من معرض «فيفاتك» للتكنولوجيا والشركات الناشئة والابتكار في باريس يونيو 2026 (رويترز)
TT

إنفاق الذكاء الاصطناعي يقترب من نقطة تحول... والمستثمرون يبدلون رهاناتهم

اختصار كلمة الذكاء الاصطناعي (إيه آي) خلال الدورة العاشرة من معرض «فيفاتك» للتكنولوجيا والشركات الناشئة والابتكار في باريس يونيو 2026 (رويترز)
اختصار كلمة الذكاء الاصطناعي (إيه آي) خلال الدورة العاشرة من معرض «فيفاتك» للتكنولوجيا والشركات الناشئة والابتكار في باريس يونيو 2026 (رويترز)

واجه الارتفاع شبه العمودي لأسهم شركات رقائق الذكاء الاصطناعي اضطرابات، في ظل تزايد المخاوف بشأن التقييمات المرتفعة واستدامة الإيرادات الضخمة التي تحققها هذه الشركات، فيما بدأ بعض المستثمرين بهدوء في إعادة تموضعهم تحسباً لتباطؤ طفرة الإنفاق، التي تقترب من تريليون دولار، والتي قد تصب في مصلحة شركات الحوسبة السحابية العملاقة التي تتحمل تكلفة هذا الإنفاق.

وخلال معظم العامين الماضيين، كان الاتجاه السائد معاكساً لذلك؛ إذ اندفع المستثمرون نحو أسهم شركات أشباه الموصلات والبنية التحتية على افتراض أن شركات «مايكروسوفت» و«أمازون» و«ألفابت» و«ميتا» ستواصل تسريع إنفاقها على بناء مراكز البيانات.

الإنفاق الضخم يقترب من مرحلة التباطؤ

لكن هذا الإنفاق يبدو الآن مرشحاً للتباطؤ؛ إذ يتوقع بنك «يو بي إس» أن يرتفع الإنفاق الرأسمالي لشركات الحوسبة السحابية العملاقة بنسبة 76 في المائة هذا العام ليصل إلى 673 مليار دولار، قبل أن يتباطأ نموه إلى 25 في المائة في العام المقبل، ثم إلى 6 في المائة فقط في عام 2028.

وبدأ بعض مديري المحافظ النشطين بالفعل في تقليص انكشافهم على أسهم شركات الرقائق، مع زيادة استثماراتهم في أسهم شركات الحوسبة السحابية العملاقة نفسها، التي تخلف أداؤها بشكل ملحوظ عن الارتفاعات التي سجلتها شركات الرقائق. كما اتجهوا إلى شراء أسهم شركات البرمجيات وقطاعات يُتوقع أن تستفيد من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل القطاعين المالي والرعاية الصحية.

وقال أليكسيس بوسار، مدير محافظ الأسهم العالمية في شركة «إدموند دي روتشيلد» لإدارة الأصول، والذي خفّض بالفعل انكشافه على أسهم أشباه الموصلات لأنه يرى أنها أصبحت مرتفعة السعر مقارنة بالتوقعات: «بمجرد أن تتوقف شركات الحوسبة السحابية العملاقة عن زيادة إنفاقها الرأسمالي، فسيكون ذلك بمثابة انفراجة لهذه الشركات، وإشارة سلبية لصناعة أشباه الموصلات».

روبوتات بشرية تُعرض في جناح مجموعة «آنت» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي بالصين 17 يوليو 2026 (رويترز)

التقييمات المرتفعة ومخاطر ازدحام الصفقات

ارتفع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات، الذي تضم أكبر مكوناته شركات «إنفيديا» و«برودكوم» و«مايكرون» و«إيه إس إم إل» و«تي إس إم سي»، بأكثر من الضعف خلال العام الماضي، حتى بعد تراجعه بنحو 18 في المائة عن ذروته المسجلة في يونيو (حزيران)، مقارنة بارتفاع نسبته 11 في المائة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» متساوي الأوزان، أو مكاسب بلغت 8 في المائة لمؤشر «ستوكس 600» الأوروبي، الذي يتمتع بانكشاف محدود على الذكاء الاصطناعي.

وأظهر استطلاع مديري الصناديق الصادر عن «بنك أوف أميركا» في يوليو (تموز) أن 82 في المائة من المشاركين يعتبرون أسهم أشباه الموصلات الصفقة الأكثر ازدحاماً في الأسواق، في حين لم يُبلغ أي منهم عن اتخاذ مراكز بيع على القطاع.

ويطرح ذلك تساؤلاً حول كيفية تموضع المستثمرين إذا ظل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قوياً، لكنه لم يعد يتسارع بالوتيرة الكافية لدعم التوقعات المضمنة في تقييمات أسهم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وقام بوسار بزيادة استثماراته في «أمازون»، كما يفضل مجالات مثل أنظمة التبريد بالسائل، والأمن السيبراني، وشركات برمجيات مختارة، مضيفاً: «لدينا حالياً انكشاف منخفض جداً على قطاع أشباه الموصلات».

إعادة تموضع المستثمرين

كما خفّض ألبرتو كونكا، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «إل إف جي+ زيست» بشكل حاد استثماراته في شركات تصنيع رقائق الذاكرة ومعدات تصنيع الرقائق، بينما بنى مراكز استثمارية في شركات الحوسبة السحابية العملاقة وأسهم الرعاية الصحية، ودعم هذا الرأي عبر شراء عقود خيارات بيع على عدد من أسهم شركات أشباه الموصلات.

وبعد أن موّلت شركات الحوسبة السحابية العملاقة المرحلة الأولى من بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من تدفقاتها النقدية الخاصة، بدأت تعتمد بشكل متزايد على التمويل الخارجي، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت ضغوط أسواق رأس المال قد تحد في نهاية المطاف من نمو الإنفاق.

أسواق السندات ترصد علامات ضغط

استوعبت سوق سندات الشركات هذا العام إصدارات بمليارات الدولارات من شركات التكنولوجيا الكبرى، وكان المستثمرون، حتى وقت قريب، يقبلون عليها بقوة.

ويشير كبير الاقتصاديين في شركة «أبولو»، تورستن سلوك، إلى أن نسب التغطية، التي تقيس حجم الطلب على السندات مقارنة بالمعروض منها، انخفضت إلى أقل من مرتين خلال يوليو، مقارنة بنحو خمس مرات في فبراير (شباط).

وفي يونيو، حذّر بنك التسويات الدولية، ومقره مدينة بازل السويسرية، من أن أي خيبة أمل في العوائد قد تؤدي إلى تراجع مفاجئ في التمويل، وتحول طفرة الإنفاق الرأسمالي إلى فترة ركود طويلة.

وقال كونكا: «التدفقات النقدية بدأت تُستنزف بالكامل تقريباً بسبب الإنفاق الرأسمالي»، مضيفاً أن شركات الحوسبة السحابية العملاقة ستصبح أكثر انضباطاً في وتيرة نمو إنفاقها.

وفي هذا السياق، تشير شركة «إمبيريكال ريسيرش» إلى وجود فجوة متزايدة بين تباطؤ نمو الإنفاق الرأسمالي من جهة، والتوقعات المرتفعة جداً لإيرادات شركات الرقائق وغيرها من موردي البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ما يعني أن أحد الجانبين لا بد أن يتغير.

وقالت الشركة: «إما أن تتم مراجعة مسار الإنفاق الرأسمالي لشركات الحوسبة السحابية العملاقة صعوداً مرة أخرى، أو أن نمو الإيرادات المتوقع لمورديها سيتعين أن يأتي من مصادر أخرى».

شخص يحمل روبوتاً على هيئة طفل في جناح شركة «فورييه» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي (رويترز)

من جهتها، تتوقع مادلين رونر، كبيرة مديري المحافظ في شركة «دي دبليو إس»، أن تظل تعليقات شركات الحوسبة السحابية العملاقة خلال موسم إعلان النتائج داعمة لمواصلة الاستثمار. وقالت: «المفاجأة ستكون إذا لم يحدث ذلك». وأضافت أن توقعات المستثمرين المؤسسيين لإنفاق عام 2027 لا تزال أعلى بكثير من تقديرات المحللين.

وقامت «دي دبليو إس» بجني جزء من أرباحها في أسهم أشباه الموصلات بعد موجة ارتفاعها القوية، لكنها لا تزال تحتفظ بوزن استثماري أعلى من المتوسط في القطاع، كما زادت بعض صناديقها انكشافها على أسهم الشركات الصناعية ومعدات الكهرباء بعد موجة التراجع الأخيرة.

عقبات تنظيمية تهدد وتيرة التوسع

قد يؤدي أيضاً تصاعد المعارضة المحلية لمراكز البيانات في الولايات المتحدة إلى إبطاء نمو الإنفاق. وتقدر شركة «إمبيريكال ريسيرش» أن نحو 70 في المائة من مشاريع مراكز البيانات تواجه درجات متفاوتة من المعارضة.

وأصبحت ولاية نيويورك، يوم الثلاثاء، أول ولاية أميركية توقف إنشاء مراكز بيانات جديدة كبيرة، بعد فرضها وقفاً مؤقتاً لمدة عام، في ظل تنامي المخاوف من أن المنشآت التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي تؤدي إلى رفع تكاليف الكهرباء، واستنزاف موارد المياه، وزيادة الأعباء على المجتمعات المحلية.

ومع ذلك، لا تزال شهية المستثمرين تجاه البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قوية؛ إذ تُظهر بيانات «مورنينغ ستار» أن الصناديق المتخصصة في الرقائق استقطبت تدفقات صافية قياسية بلغت 10 مليارات دولار حتى مايو (أيار).

وقال يوريين تيمر، مدير الاقتصاد الكلي العالمي في شركة «فيديليتي إنفستمنتس»، إن الطلب على قدرات الحوسبة لا يزال قوياً، وإن التقلبات الأخيرة قد لا تكون سوى موجة تصحيح مؤقتة.

وشبّه التراجعات الأخيرة بحركات التصحيح الدورية التي شهدتها طفرة الإنترنت في أواخر تسعينيات القرن الماضي، مشيراً إلى أن الأسهم القيادية آنذاك تعرضت مراراً لانخفاضات تراوحت بين 20 في المائة و30 في المائة قبل أن تستأنف صعودها.

وقال: «قصة الذكاء الاصطناعي معروفة، وما زالت مستمرة، والأرباح لا تزال تدعم هذا الاتجاه».

ومع ذلك، يرى تيمر أنه ينبغي للمستثمرين تنويع محافظهم، مشيراً إلى أن القطاعات المستفيدة من تبني الذكاء الاصطناعي، مثل القطاع المالي، قد تصبح ذات أهمية متزايدة إلى جانب الشركات المستفيدة من بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأضاف: «أريد المشاركة في هذه الطفرة، لكنني أريد أيضاً حماية نفسي إذا تبين أن هذه الطفرة قد تجاوزت حدودها».


مسؤولة في بنك إنجلترا: التقاعس عن إصلاح سوق إعادة شراء السندات الحكومية ليس خياراً

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

مسؤولة في بنك إنجلترا: التقاعس عن إصلاح سوق إعادة شراء السندات الحكومية ليس خياراً

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

أكدت سارة بريدن، نائبة محافظ بنك إنجلترا، أن «التقاعس عن العمل ليس خياراً» فيما يتعلق بتنظيم سوق إعادة شراء السندات الحكومية البريطانية، في ظل استمرار خطر تعطل تداول السندات خلال الأزمات المالية.

ووفقاً لبيانات بنك إنجلترا، يبلغ صافي الاقتراض في سوق إعادة شراء السندات الحكومية، التي يستخدمها المتداولون للاستفادة من تقلبات أسعار الفائدة، فيما يحوّل المستثمرون حيازاتهم من السندات إلى سيولة نقدية مؤقتة، نحو 200 مليار جنيه إسترليني (270 مليار دولار)، من بينها 85 مليار جنيه إسترليني تعود إلى صناديق التحوط.

وكان بنك إنجلترا قد طرح العام الماضي مقترحات لتشديد الرقابة على هذه السوق، بعدما اضطر إلى التدخل في عامي 2020 و2022، مع اندلاع جائحة كوفيد-19 وفي أعقاب الاضطرابات التي أعقبت «الموازنة المصغّرة» التي أعلنتها رئيسة الوزراء السابقة ليز تروس.

إلا أن هذه المقترحات واجهت معارضة من القطاع المالي. وأوضحت بريدن أن بعض الإصلاحات، مثل التوسع في استخدام المقاصة المركزية، «ستستغرق على الأرجح سنوات لا أشهراً»، وفق «رويترز».

وأضافت أن أبحاث بنك إنجلترا أظهرت أن التوسع في استخدام المقاصة المركزية كان سيخفض تعرض المتعاملين للمخاطر بنسبة 40 في المائة خلال أزمة كوفيد-19 في عام 2020، مع إمكانية تحقيق خفض إضافي بنسبة 20 في المائة لو كانت اتفاقيات إعادة شراء السندات الحكومية تعتمد تواريخ استحقاق أكثر توحيداً.

وجاءت تصريحات بريدن، التي نُشرت في مقال على الموقع الإلكتروني لبنك إنجلترا يوم الجمعة، استناداً إلى خطاب ألقته خلال مؤتمر الرابطة الدولية لسوق رأس المال في مايو (أيار).

كما انتقدت بريدن الممارسة السائدة في القطاع المالي والمتمثلة في تطبيق «تخفيضات» صفرية أو شبه صفرية، وهي هوامش المخاطر المفروضة على صفقات إعادة الشراء، والتي يبررها بعض المتعاملين بوجود مراكز مقابلة في محافظهم الاستثمارية.

وأضافت أنه إذا كان هذا التبرير صحيحاً، فإن رفع هوامش صفقات إعادة شراء السندات الحكومية سيسمح للبنوك بخفض الهوامش في مواضع أخرى من دون تكبد تكلفة إضافية، مشيرة إلى أن «الضغوط التجارية قد تكون سبباً في انتشار الهوامش شبه المعدومة في سوق إعادة شراء السندات الحكومية غير الخاضعة للمقاصة المركزية».

ورفضت أيضاً رأي بعض المشاركين في السوق القائل إن التحول إلى المقاصة المركزية لصفقات إعادة شراء السندات الحكومية، بدلاً من التسوية المباشرة بين الأطراف كما هو معمول به حالياً، لن يحقق وفورات تُذكر في التكاليف، بل قد يؤدي إلى تسريع عمليات البيع خلال فترات التراجع في الأسواق.


العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع هبوط أسهم الرقائق وضغط توقعات «نتفليكس»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع هبوط أسهم الرقائق وضغط توقعات «نتفليكس»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الجمعة، مع استمرار موجة البيع في أسهم شركات أشباه الموصلات، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم قدرة موجة الصعود التي قادها الذكاء الاصطناعي هذا العام على الاستمرار، في وقت زادت فيه توقعات ضعيفة من شركة «نتفليكس» الضغوط على السوق.

وبعد ارتفاعات قياسية دفعت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية إلى مستويات غير مسبوقة، بدأ المستثمرون في تقليص مراكزهم في أسهم شركات الرقائق التي شهدت إقبالاً كبيراً، مع تجدد المخاوف بشأن حجم الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي واستدامة العوائد المستقبلية، وفق «رويترز».

وتراجعت أسهم شركات تصنيع الرقائق على نطاق واسع، مواصلة خسائر الجلسة السابقة؛ إذ انخفض سهم «إنفيديا» و«إنتل» بنسبة 2.7 في المائة و2.8 في المائة على التوالي في تداولات ما قبل افتتاح السوق. كما هبط صندوق «آي شيرز» لأشباه الموصلات بنسبة 2.4 في المائة.

وسجل مؤشر «فيلادلفيا» لأشباه الموصلات أدنى مستوى له في نحو شهرين يوم الخميس، متجهاً إلى تسجيل أسوأ أداء أسبوعي له منذ مارس (آذار) 2025، بعدما فقد أكثر من 19 في المائة من مستواه القياسي المسجل في أواخر يونيو (حزيران).

ولم تساعد النتائج القوية التي أعلنتها شركة «تي إس إم سي»، أكبر مصنع عالمي لرقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وشركة «إيه إس إم إل»، المورد الرئيسي لمعدات تصنيع الرقائق المتطورة، في تهدئة المخاوف بشأن استدامة صعود أسهم قطاع أشباه الموصلات.

وقال كريس بيوشامب، كبير محللي السوق لدى «آي جي»: «يتحول الأمر من مجرد عمليات بيع مكثفة في أسهم الرقائق إلى ظاهرة أوسع نطاقاً، ويظهر ذلك بوضوح في مؤشرات مثل (ناسداك)، الذي شهد ارتفاعاً كبيراً وسريعاً خلال فترة زمنية قصيرة للغاية».

كما أثرت شركة «نتفليكس» سلباً على معنويات المستثمرين بعد أن قدمت توقعات لإيرادات وأرباح الربع الثالث جاءت دون تقديرات «وول ستريت»، ما أدى إلى انخفاض سهمها بنحو 10 في المائة.

ودفعت عودة التقلبات مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو (CBOE)، المعروف باسم «مؤشر الخوف» في «وول ستريت»، إلى أعلى مستوى له في أكثر من أسبوع، مرتفعاً 1.36 نقطة إلى 18.09.

وبحلول الساعة 7:07 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 272 نقطة، أو 0.52 في المائة، كما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 59.5 نقطة، أو 0.79 في المائة. وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 454.25 نقطة، أو 1.55في المائة.

وكانت خسائر يوم الخميس، بقيادة أسهم شركات أشباه الموصلات، قد عززت بالفعل احتمالات تباطؤ زخم السوق. وتتجه المؤشرات الرئيسية نحو تسجيل خسائر أسبوعية، رغم البداية القوية لموسم نتائج الربع الثاني لدى البنوك الكبرى وصدور بيانات تضخم معتدلة في وقت سابق من الأسبوع.

كما تصاعدت المخاطر الجيوسياسية، بعدما أعلنت إيران تنفيذ هجمات جديدة على منشآت أميركية، عقب ليلة سادسة متتالية من الضربات الأميركية على أهداف عسكرية إيرانية.

وجاء التصعيد بعد انهيار وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه الشهر الماضي، ما أعاد المخاوف بشأن حركة إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، وزاد الضغوط على الأسعار.

وقال بيوشامب: «لا شك في وجود مخاوف من أننا قد نشهد موجة بيع أوسع نطاقاً، قد تتفاقم بفعل التطورات بين الولايات المتحدة وإيران».

وفي الوقت نفسه، تهدد اتهامات جديدة وجّهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الصين، بشأن التدخل في الانتخابات الأميركية، بتعقيد الهدنة الهشة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، قبل شهرين فقط من القمة المرتقبة في واشنطن.

ومن بين الأسهم الأخرى التي تحركت في تداولات ما قبل الافتتاح، تراجع سهم «إنتويتيف سيرجيكال» بنسبة 11.2 في المائة، رغم تجاوز الشركة المصنعة للأجهزة الطبية توقعات «وول ستريت» لأرباح وإيرادات الربع الثاني، مدعومة بقوة الطلب على أنظمتها الجراحية.