«الكعبة المشرفة» تكتسي ثوبها الأغلى والأشهر عالمياً

تبدو للوهلة الأولى حلة واحدة متناسقة فيما تكشف تفاصيلها عن عمل فني وهندسي متكامل

الكعبة المشرفة تتزيّن بحلتها الجديدة مع حلول العام الهجري (واس)
الكعبة المشرفة تتزيّن بحلتها الجديدة مع حلول العام الهجري (واس)
TT

«الكعبة المشرفة» تكتسي ثوبها الأغلى والأشهر عالمياً

الكعبة المشرفة تتزيّن بحلتها الجديدة مع حلول العام الهجري (واس)
الكعبة المشرفة تتزيّن بحلتها الجديدة مع حلول العام الهجري (واس)

اكتست الكعبة المشرفة، مع الساعات الأولى من صباح يوم الثلاثاء -غرة شهر محرم للعام الهجري (1448هـ)- ثوبها الجديد الأغلى والأشهر عالمياً على أيدي 150 صانعاً وحرفياً سعودياً، حملت في تفاصيلها معاني العناية والإجلال للمسجد الحرام، لتبقى الكسوة عنواناً للجمال والإجلال بأبهى حللها عاماً بعد عام.

وفي مشهد مهيب وتاريخي يتكرر مرة واحدة في العام، شاهد الملايين من البشر في مشارق الأرض ومغاربها عبر القنوات الفضائية السعودية وداخل المسجد الحرام، مراسم استبدال الكسوة الجديدة بالقديمة، وإسدالها على جدران الكعبة المشرفة، في مشهد تتجدد معه سنوياً معاني العناية والاهتمام والإتقان التي أولتها المملكة للبيت العتيق منذ عقود طويلة، بما يحفظ مكانته ويعزّز حضوره البصري والرمزي في وجدان المسلمين.

جانب من مراسم تغيير كسوة الكعبة المشرفة (هيئة العناية بشؤون الحرمين)

مراسم تغيير الكسوة

وبدأت عملية استبدال الكسوة منذ وقت مبكر (الثلاثاء) دون أي تأثير على المعتمرين خلال أدائهم الطواف حول الكعبة المشرفة، بفك المذهبات، والصمديات والقناديل والحُليّ المثبتة في الكسوة القديمة، استعداداً لإنزالها وإكسائها بالأخرى الجديدة، وسط منظومة متكاملة من الخدمات التي تراعي في مخرجاتها أعلى المعايير العالمية.

ولم يكن استبدال الكسوة مجرد مراسم سنوية متجددة، بل قصة نجاح سعودية شارك في صياغتها 150 صانعاً وحرفياً سعودياً، سخّروا خبراتهم ومهاراتهم على مدى 11 شهراً لإنتاج 47 قطعة من الحرير الأسود الفاخر، المطرزة بـ30 آية قرآنية بخيوط فضية مطلية بالذهب عيار 24، فيما يبلغ الوزن الإجمالي للكسوة 1410 كيلوغرامات.

جانب من مراسم تغيير كسوة الكعبة المشرفة (واس)

وتتكون الكسوة من 5 قطع، تغطّي كل قطعة وجهاً من أوجه الكعبة المشرفة، والقطعة الخامسة هي الستارة التي تُوضع على باب الكعبة، ويتم توصيل هذه القطع بعضها مع بعض، ويبلغ ارتفاع الثوب 14 متراً، ويوجد الحزام في الثلث الأعلى منه، وعرضه 95 سنتمتراً، وبطول 47 متراً، ومكون من 16 قطعة محاطة بشكل مربع من الزخارف الإسلامية.

كما توجد تحت الحزام آيات قرآنية مكتوب كل منها داخل إطار منفصل، ويوجد في الفواصل التي بينها شكل قنديل مكتوب عليه «يا حي يا قيوم»، و«يا رحمن يا رحيم»، و«الحمد لله رب العالمين»، والحزام مطرز بتطريز بارز ومُغطّى بسلك فضي مطلي بالذهب، ويحيط بالكعبة المشرفة بكاملها.

وتشتمل الكسوة على ستارة باب الكعبة، ويُطلق عليها البرقع، وهي منسوجة من الحرير بارتفاع 6 أمتار ونصف المتر، وبعرض 3 أمتار ونصف المتر، ومكتوب عليها آيات قرآنية ومزخرفة بزخارف إسلامية بارزة، ومطرزة بأسلاك الفضة المطلية بالذهب.

صناعة الكسوة

مرّت صناعة الكسوة بـ7 مراحل دقيقة، بدأت بتحلية المياه وغسل الحرير، ثم النسيج والطباعة والتطريز والتجميع والفحص، وصولاً إلى نقلها عبر مقطورة مخصصة تضمن المحافظة على هذا الإرث الإسلامي الفريد حتى وصوله إلى صحن المطاف بالمسجد الحرام.

وتُصنع كسوة الكعبة المشرفة من خامات عالية الجودة، تشمل 825 كيلوغراماً من الحرير الطبيعي الذي يُشكّل المادة الأساسية التي تُنسج منها الكسوة، و47 طاقة من الحرير الأسود تُستخدم في صناعة الثوب الخارجي، إلى جانب 400 كيلوغرام من القطن الخام المخصص للبطانة الداخلية.

وفي مراحل التطريز، تستخدم 120 كيلوغراماً من الفضة المطلية بالذهب في تطريز الآيات القرآنية والزخارف الإسلامية التي تتصدر كسوة الكعبة. كما يدخل نحو 60 كيلوغراماً من الفضة الخالصة في أعمال التطريز الدقيقة التي تمنح الكسوة طابعها الفني الفريد.

وتخضع المواد الخام بعد ذلك لسلسلة من الاختبارات الدقيقة داخل المختبرات المتخصصة بالمجمع، حيث تُفحص خيوط الحرير والأقمشة للتأكد من مطابقتها لأعلى معايير الجودة، بما يضمن المحافظة على جودة الكسوة واستدامتها في مختلف الظروف المناخية.

وفي مرحلة الطباعة، تُرسم الآيات القرآنية والزخارف الإسلامية على القماش تمهيداً لأعمال التطريز، التي تُعدّ من أبرز المراحل الفنية في صناعة الكسوة، إذ تُطرَّز الآيات والزخارف بخيوط الذهب والفضة وفق أعمال دقيقة تعكس المستوى الرفيع للحرفية السعودية في هذا المجال.

وعقب اكتمال مراحل التصنيع، تُجمع القطع المطرزة والمجهزة في المرحلة النهائية لتشكيل الكسوة بصورتها الكاملة، استعداداً لرفعها على الكعبة المشرفة وفق منظومة عمل متكاملة يشرف عليها مختصون وفنيون سعوديون ذوو خبرة عالية وفق أعلى درجات الدقة والاحترافية.

وأوضح رئيس قسم تجميع وخياطة كسوة الكعبة المشرفة، صلاح السلمي، أن مراحل تجميع الكسوة تبدأ بتسليم البطانة الداخلية المصنوعة من القماش القطني الأبيض، حيث تُجهَّز لكل جهة من جهات الكعبة الأربع، قبل تثبيتها على قماش الحرير المنقوش الذي يحمل العبارات والزخارف الإسلامية المنسوجة بتكرارات متناسقة على امتداد القطع.

وبيّن أن كل طيق من أطيق الكسوة يتكون من قطعة حريرية يبلغ طولها نحو (14) متراً، وعرضها متراً واحداً، وتُجمع الأطيق مع بعضها وفق تسلسل هندسي دقيق لتشكّل أجزاء الثوب كاملة، قبل تثبيتها على البطانة الداخلية باستخدام عمليات الكينار والخياطة المتخصصة.

وأشار إلى أن هذه المرحلة تُنفّذ عبر إحدى أكبر ماكينات الخياطة المستخدمة في صناعة الكسوة، التي تُعد من أطول ماكينات الخياطة في العالم، إذ تعمل بتقنيات تحكم متقدمة تعتمد على أنظمة الليزر لضمان دقة مسارات الإبر والخيوط في أثناء عملية الخياطة، بما يحقق أعلى درجات الاستقامة والانضباط في تجميع أجزاء الكسوة وربطها، ويضمن إخراج ثوب الكعبة المشرفة بأعلى معايير الجودة والإتقان التي تواكب مكانة هذا العمل الإسلامي الفريد.

عمل فني وهندسي متكامل

وبينما تبدو الكسوة للوهلة الأولى ثوباً واحداً متناسقاً، فإنها في حقيقتها عمل فني وهندسي متكامل تتضافر في صناعته سبعة أنواع مختلفة من الأقمشة، لكل منها وظيفة محددة تُسهم في بناء الكسوة وإبراز جمالها ومتانتها، لتخرج في أبهى صورة تليق ببيت الله الحرام.

وتبدأ رحلة تكوين الكسوة بالقماش الرئيسي «الحرير الأسود» الذي يشكل مظهرها الخارجي، وإلى جانبه يأتي «الحرير الأسود المنقوش» الذي تُنسج عليه الزخارف والكتابات الإسلامية المميزة، ليضفي على الكسوة طابعها الجمالي الفريد.

وفي الجانب الداخلي، يُستخدم «القطن السكري» بوصفه بطانة داخلية للثوب، حيث يمنحه مزيداً من المتانة والقوة، فيما يُستعان بـ«القطن الأبيض» بطانة إضافية لدعم أجزاء الكسوة المختلفة وتعزيز تماسكها.

تجسد رحلة الكسوة منذ نسج خيوطها الأولى وحتى اكتمالها على أطول ماكينة خياطة في العالم قصة إتقان متوارثة عبر الأجيال (واس)

ويدخل «الحرير الأحمر» في بعض الزخارف والأعمال الخاصة المرتبطة بالكسوة، في حين يُستخدم «الحرير الأخضر» خلف ستارة باب الكعبة المشرفة، كما يُخصص «الحرير الأخضر المنقوش» للكسوة الداخلية للكعبة المشرفة وكسوة الحجرة النبوية، بما يعكس تنوع الاستخدامات والدقة في اختيار المواد وفق الغرض المخصص لكل جزء.

وتجسّد هذه الأقمشة السبعة التي تجتمع في عمل واحد متكامل جانباً من التميز الذي تنفرد به صناعة كسوة الكعبة المشرفة، لتظل واحدة من أدق الصناعات الإسلامية وأبرزها، وعنواناً للعناية المتواصلة ببيت الله الحرام، حيث تلتقي جودة المواد مع دقة التنفيذ لصناعة أعظم كسوة في العالم.

تهيئة كسوة الكعبة المشرفة استعداداً لتغييرها بكسوتها الجديدة (هيئة العناية بشؤون الحرمين)

مشاهد تعكس حجم العناية

عكست مشاهد تركيب الكسوة حجم العناية التي أولتها السعودية لهذا العمل على مدى عقود؛ إذ خصّصت له منظومة متكاملة من الخبرات الوطنية المتخصصة التي تتعامل مع أدق التفاصيل الهندسية والفنية المرتبطة بالكسوة، بدءاً من آليات الرفع والتثبيت، مروراً بمواضع الوصلات والزخارف والآيات المطرزة، وانتهاءً بضبط التناسق البصري لجميع مكونات الثوب حول أركان الكعبة المشرفة.

ومع اكتمال تثبيت الكسوة وإسدالها على جدران الكعبة المشرفة، تُسدل الستارة على فصل طويل من العمل المتواصل، وتبدأ رحلة جديدة لكسوة ستبقى عاماً كاملاً شاهدة على جهود كوادر سعودية سخّرت مهاراتها وخبراتها لخدمة أقدس بقاع الأرض، في مشهد تتجدد معه سنوياً معاني العناية والاهتمام والإتقان التي أولتها المملكة للكعبة المشرفة وكسوتها والحفاظ على هذا الإرث الإسلامي الفريد من خلال مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة المشرفة، باستخدام أحدث التقنيات، مع الالتزام بأعلى معايير الجودة والدقة في جميع مراحل الإنتاج، ليبقى ثوب الكعبة المشرفة نموذجاً عالمياً يجمع أصالة الفن الإسلامي وروعة الإبداع الحرفي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

السعودية: لا تهاون في حفظ أمننا وسنرد بحزم على أي تهديد

الخليج  الأمير محمد بن سلمان لدى افتتاحه أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى في الرياض الأربعاء (واس) p-circle 00:50

السعودية: لا تهاون في حفظ أمننا وسنرد بحزم على أي تهديد

أكد الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، أن بلاده تبذل كل جهد ممكن لخفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية من دون أدنى تهاون في حفظ أمنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص التحولات الجيوسياسية تفرض تعاوناً أقوى بين أوروبا ودول الخليج حسب دي مايو (مركز الخليج) p-circle

خاص دي مايو لـ«الشرق الأوسط»: قمة السعودية تدفع لشراكة خليجية - أوروبية أكثر طموحاً

 يتطلع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج إلى بناء شراكة أكثر قوة وطموحاً تشمل الأمن والدفاع والاقتصاد والتقنيات الجديدة خلال القمة المرتقبة في السعودية

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص امرأة تتبضع من أحد المراكز التجارية والتموينية في السعودية (واس)

خاص الإنفاق الرقمي يعيد تشكيل عادات المستهلك السعودي

يتجه المستهلك السعودي بوتيرة متسارعة إلى تقليص اعتماده على النقد مع توسع استخدام المدفوعات الرقمية في قطاعات الحياة اليومية، من البقالة إلى الألعاب الإلكترونية.

دانه الدريس (الرياض)
الخليج شهد المؤتمر إجازة 56 بحثاً علمياً من أصل 130 ورقة عمل عُرضت خلال 9 جلسات حوارية (واس)

السعودية: مؤتمر دولي يوصي بتوظيف الذكاء الاصطناعي في حماية الأمن الفكري

اختتمت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الاثنين، أعمال «المؤتمر الدولي لجهود السعودية في مواجهة الانحرافات الفكرية» بالخروج بـ31 توصية ومقترحاً.

«الشرق الأوسط» (المدينة المنورة)
يوميات الشرق الفنانون السعوديون المشاركون في أداء أصوات شخصيات فيلم «حكاية لعبة 5» خلال حفل «ديزني+» في الرياض (الشرق الأوسط)

«ديزني+» تقدم أول فيلم مدبلج باللهجة السعودية وتطلق تطبيقاً جديداً في المنطقة

أعلنت منصة «ديزني+» تقديم أول فيلم من إنتاج شركة «والت ديزني» مدبلج باللهجة السعودية، من خلال فيلم «حكاية لعبة 5»، وإطلاق تطبيق جديد.

مساعد الزياني (الرياض)

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
TT

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)

«مجموعة أسطورية»، هكذا عدَّ أحد خبراء الفن الانطباعي المجموعةَ التي أعلنت دار سوذبيز عن بيعها وقدرت لها مبلغاً يقارب نصف مليار دولار. المجموعة تضم اثني عشر عملاً فنياً من المدرسة الانطباعية وما بعد الانطباعية ظلت بعيدة عن الأنظار لعقود داخل مجموعة خاصة شهيرة في أميركا الجنوبية، بحسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وأعلنت دار «سوذبيز» للمزادات أنه من المتوقع أن تسجل أعمال لفنسنت فان جوخ وبول سيزان أرقاماً قياسية لهذين الفنانين خلال المزاد المقررة إقامته في نيويورك يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني). وفي حال تحقق ذلك، فسيكون مؤشراً جديداً على أن جامعي الأعمال الفنية يسعون - في ظل الأوقات التي تتسم بعدم اليقين - إلى إيجاد ملاذ آمن لاستثماراتهم في روائع الفن.

لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» لفان جوخ تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار (سوذبيز)

تأتي هذه اللوحات من مجموعة الراحلة الأرجنتينية «نيلي أرييتا دي بلاكير» وزوجها «كارلوس بيدرو بلاكير» - قطب صناعة السكر - ويقوم أبناؤهما حالياً ببيعها. وتشمل المجموعة لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» (Châtaigniers en fleurs) لفان جوخ، والتي تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار، ولوحة «هارلكين» (Arlequin) لسيزان، التي تبلغ قيمتها التقديرية 120 مليون دولار؛ علماً بأن أياً من هاتين اللوحتين لم تُعرض أمام الجمهور منذ نصف قرن.

ووصفت هيلينا نيومان، رئيسة قسم الفن الانطباعي والحديث في «سوذبيز»، المجموعة بأنها أشبه بـ«متحف أورسي مصغر»؛ في إشارة إلى المتحف الباريسي الذي يضم واحدة من أعظم مجموعات الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي في العالم.

وقالت نيومان: «خلال مسيرتي المهنية التي امتدت لأكثر من 30 عاماً في دار سوذبيز، لم أحظَ قط بشرف التعامل مع مجموعة بهذا المستوى من الجودة والقيمة الفنية».

وأشارت نيومان إلى أن لوحة فان جوخ التي تصور أشجار الكستناء المزهرة تجسد «انفجار الطاقة والحيوية» الذي شعر به الفنان عقب خروجه من المصحة النفسية في مايو (أيار) 1890، قبل أن يضع حداً لحياته بعد ذلك بشهرين. أما لوحة سيزان (هارلكين)، فهي واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه وهو يرتدي زي شخصية «هارلكين» (المهرج)، في حين توجد اللوحات الثلاث الأخرى في متاحف كبرى.

لوحة بول سيزان (هارلكين) المعروضة في المزاد واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه (إ.ب.أ)

وتضم المجموعة أيضاً لوحات لمناظر مدينة باريس بريشة كلود مونيه وكاميل بيسارو، ولوحة لسباق خيول لإدغار ديغا، ومشهداً لركوب القوارب لبيير أوغست رينوار؛ وتبلغ قيمة هذه الأعمال جميعها عشرات الملايين من الدولارات.

وقال خبير الفنون فيليب هوك، وهو مُنظِّم مزادات سابق في دار «سوذبيز»، إن هذه المجموعة «تُعدّ بالفعل أسطورية»، نظراً لأن مقتنيها لم يعيروا هذه الأعمال للمشاركة في أي معارض. وأضاف هوك: «لم يكن أحد يعلم حقيقة ما تحتويه المجموعة؛ لذا فإن الكشف عنها الآن يمثل أمراً مثيراً للغاية».

وتابع قائلاً: «لقد نجحوا في تكوين مجموعة تركز بذكاء شديد على اقتناء عمل فني واحد يمثل كل اسم من الأسماء البارزة (في الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي)، وهو أمر بالغ الصعوبة؛ لقد حققوا ذلك بأسلوب رائع ونجاح باهر».

لوحة رينوار «فتاة صغيرة في قارب» (سوذبيز)

وأشارت نيومان إلى أن عملية البيع ستجذب على الأرجح اهتماماً عالمياً؛ إذ تتراوح قائمة المشترين المحتملين بين أثرياء قطاع التكنولوجيا الأميركيين ومؤسسات مرموقة في الشرق الأوسط، فضلاً عن هواة جمع الأعمال الفنية الأثرياء من أميركا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

وقالت: «في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي السائدة، يبدو الأمر وكأن هناك عودة للأعمال الفنية الراسخة والموثوقة والمُختبرة عبر الزمن»، والتي تُعد «عظيمة بلا منازع». وأضاف: «إن هذه المجموعة الانطباعية - التي تضاهي في جودتها مقتنيات المتاحف - تُعد نادرة للغاية».


بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
TT

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)

بيع قميص ارتداه نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان خلال أحد أشهر مواسم مسيرته المهنية في مزاد علني، الثلاثاء، مقابل 12.26 مليون دولار، ليصبح بذلك أغلى قميص للاعب كرة سلة يُباع في مزاد على الإطلاق، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وارتدى جوردان هذا القميص الأبيض، المصنوع من نسيج شبكي والمُزين برقمه الشهير «23»، خلال المباراة الثالثة من سلسلة نهائيات «الدوري الأميركي للمحترفين (NBA)» عام 1998.

وقد مثلت تلك الفترة ختام مسيرة جوردان مع فريق «شيكاغو بولز»، وهي الحقبة التي عُرفت باسم «الرقصة الأخيرة» أو «The Last Dance»، ووُثقت في سلسلة وثائقية تحمل الاسم نفسه أنتجتها شبكتا «إي إس بي إن» و«نتفليكس» عام 2020.

وخلال تلك المباراة الحاسمة ضد فريق «يوتا جاز»، قدم جوردان أداءً مذهلاً أمام جماهير فريقه؛ مما أسهم في تحويل مسار «شيكاغو بولز» خلال البطولة، والفوز بلقبه الـ6 في غضون 8 مواسم.

ويُعدّ هذا القميص القطعة الوحيدة من بين القمصان البيضاء التي ارتداها جوردان في مباريات حاسمة خلال نهائيات 1998 التي تُعرض للبيع؛ مما يجعله قطعة تذكارية نادرة للغاية، وذلك وفقاً لدار المزادات الإلكترونية «جوبيتر» التي نظمت عملية البيع.

وبهذا البيع أصبح القميص الأغلى في تاريخ مزادات قمصان كرة السلة، محطماً الرقم القياسي السابق الذي سجله قميص آخر لجوردان كان قد ارتداه في المباراة الأولى من السلسلة النهائية ذاتها.

وكانت شبكة «سي إن إن» قد أفادت سابقاً بأن القميص الأحمر اللون الذي ارتداه جوردان في المواجهة التي خسرها «شيكاغو بولز» قد بيع عام 2022 مقابل 10.1 مليون دولار.

ويحمل قميص أسطورة «كرة القاعدة (البيسبول)» الأميركية، بيب روث، الرقم القياسي الحالي لأغلى قطعة تذكارية رياضية بيعت على الإطلاق، حيث بيع مقابل 24.12 مليون دولار عام 2024. وارتدى روث هذا القميص خلال بطولة العالم للبيسبول عام 1932.


ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
TT

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

على سطح «استوديو ألفرد طرزي» في منطقة برج حمود، تتوزَّع الصورة على ثلاث شاشات عمودية كبيرة. فوقها سماء بيروت ليلاً، وخلف المكان مدينة تُواصل حياتها فيما تستعيد الشاشات مدينة أخرى عرفها المكان ذات يوم. يتعاقب هتلر مُحاطاً بطوابع الرايخ، واستعراض راقص تُحيط به رسوم الأسطوانات، وصُوَر وملصقات وصحف ووجوه. تسعون دقيقة من تاريخ لبنان تراكمت طبقاتها كما تتراكم الذاكرة، بما حفظته وما أسقطته وما أعادت صياغته كلّما تغيَّر الحاضر.

البلد الذي كان يناقش مصيره كان يرقص أيضاً (الشرق الأوسط)

«التجربة اللبنانية» هي الفصل الثاني من مشروع الفنان ألفرد طرزي «بيان عاشق»، الذي يتألَّف من خمسة أجزاء تتعقَّب بيروت منذ صعودها مدينةً حديثةً عام 1860، حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. يتوقّف هذا الفصل عند السنوات الممتدّة من 1920 إلى 1958؛ من تشكُّل لبنان الحديث، إلى الاستقلال وما تلاه، يوم كانت بيروت تخوض إحدى أوسع مراحلها الثقافية والسياسية حراكاً، وتُشارك في صياغة حداثة امتدَّ أثرها إلى العالم العربي.

وجوه السينما يوم كانت تُحدّق في المارّة (الشرق الأوسط)

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده... تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان، وكلّ ما كان الناس يقرأونه ويسمعونه ويرونه وهم يعيشون ذلك التاريخ. قبل أن تصبح المرحلة فصلاً مكتوباً، كانت حاضراً تتنقّل فيه الأفكار عبر مطبوعة أو أغنية أو شاشة سينما. من هذه المواد يقترب الفيلم من سنواته الـ38، فيُعيد إلى الصورة مكانها داخل الحدث وقدرتها على حَمْل الأفكار ومَنْح القضايا وجوهاً وشعارات تصل إلى الناس وتسكن في ذاكرتهم.

هذه الأوراق قطعت طريقاً أطول مما توحي به خزائنها (الشرق الأوسط)

يهتم طرزي بالطريقة التي استخدمت بها الحركات السياسية والاجتماعية وسائل عصرها لنشر أفكارها، وبالدور الذي لعبه الفنانون والمصمّمون والموسيقيون في إعطائها لغة بصرية وصوتاً. هكذا يمتدّ المشروع إلى تاريخ الأفكار من خلال الأشكال التي خرجت بها إلى العلن وعاشت في المجال العام.

وجوه أكثر من أن تتّفق على صورة (الشرق الأوسط)

في «التجربة اللبنانية»، يُكبِّر طرزي بعض المواد الأرشيفية أمام العين حتى تستولي على الشاشة، ويُكرّر بعضها الآخر، أو يضعه في علاقة بصورة آتية من مصدر مختلف. تتوزَّع المادة أحياناً على الشاشات الثلاث، ويحتلّ مشهدٌ واحد وسطَها فيما تُواصل الصور حركتها على الجانبين. صحافة وتصميم وإعلان وسينما وتسجيلات تدخل المونتاج، فتتقارب مواد لم تولد معاً، وتظهر روابط لم تكن مرئية وهي موزَّعة في مصادرها الأصلية. كثافة الصور جزء من التجربة؛ فالفيلم يضع المُشاهد أمام وفرة ما أنتجته تلك العقود، ويطلب منه أن يرى التاريخ في ما كان يُحيط بالحدث أيضاً.

على ثلاث شاشات... لبنان كما التقطته عين عصره (الشرق الأوسط)

داخل الاستوديو، تظهر المواد التي رافقت طرزي طيلة سنوات عمله على الأرشيف. ملصقات سينمائية ومجلات وكتب ووثائق وملفات بقيت من مؤسّسات ثقافية أغلقت أبوابها أو تفرَّقت مقتنياتها. تحمل الأوراق آثار العُمر والاستعمال، فيما وجد بعضها طريقه إلى أعمال طرزي بعد القصّ والتركيب وإعادة الجمع. يلفت كولاج كبير يحتشد بالوجوه والشخصيات والرموز، حتى تضيق المسافات بينها ويصبح فصل رواية عن أخرى أصعب. ويستمرّ المعرض على السطح بتشكيلات معدنية مثقوبة ينساب الضوء من داخلها، وخلفها أبنية بيروت وأضواؤها.

ثلاثة إطارات لما تركته الحياة وراءها ولم يأخذه الغياب (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي، المولود في العاصمة عام 1980، درس التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية، وأمضى أكثر من عقدين في جمع مواد من الذاكرة الثقافية اللبنانية وحفظها. واستعان «بيان عاشق» أيضاً بأرشيفات «مؤسّسة الدراسات الفلسطينية» و«الجامعة الأميركية» في بيروت و«جامعة الروح القدس - الكسليك»، إضافة إلى مجموعات خاصة. وهو أول أفلام طرزي؛ تولّى علاء فليفل قيادة التحريك، فيما أنجز فادي طبّال العمل الصوتي.

هتلر محاصراً بطوابعه... صفحة أوروبية داخل السرد اللبناني (الشرق الأوسط)

وراء هذا الاشتغال تاريخ لبناني وصل إلى أجيال لاحقة بروايات مختلفة، حملت كلّ منها ما حفظته وأسقطت أشياء أخرى. تمنح المواد التي جمعها طرزي فرصة للعودة إلى ما بقي خارج الروايات الأكثر حضوراً، ورؤية المرحلة من مصادر لم تتّفق دائماً في ما تقوله عن البلد والأحداث التي مرَّ بها.

ما بقي هنا كان يمكن بسهولة ألّا يبقى (الشرق الأوسط)

ومع انتهاء الدقائق التسعين، تختفي بيروت القديمة عن الشاشات وتبقى المدينة ممتدّة خلفها. تغيّرت الأبنية والوجوه، وغابت مؤسّسات وصحف ودُور سينما وأصوات كانت في يوم ما جزءاً من حياتها. إنما الصور التي خلّفتها تلك السنوات استطاعت أن تعبُر كلّ هذا الغياب. يُعيدها طرزي إلى الضوء، فتظهر بيروت في لحظة كانت لا تزال تصنع فيها ملامحها، من دون أن تعرف ما ينتظرها.