تجهيزات عسكرية وألبسة مزيفة تباع للعامة في بغداد

ضابط أمني يطالب برقابة عليها حفاظًا على الأمن

جانب من أحد المحلات التي تبيع المستلزمات والبدل العسكرية للعامة في بغداد («الشرق الأوسط»)
جانب من أحد المحلات التي تبيع المستلزمات والبدل العسكرية للعامة في بغداد («الشرق الأوسط»)
TT

تجهيزات عسكرية وألبسة مزيفة تباع للعامة في بغداد

جانب من أحد المحلات التي تبيع المستلزمات والبدل العسكرية للعامة في بغداد («الشرق الأوسط»)
جانب من أحد المحلات التي تبيع المستلزمات والبدل العسكرية للعامة في بغداد («الشرق الأوسط»)

لم تعد التنظيمات المتطرفة بحاجة لجهد للبحث عن محال تقدم لهم بدلا عسكرية وشارات رسمية لاستخدامها في عملياتهم الإجرامية، بل إنك لا تحتاج لإذن لتفصيل زي عسكري رسمي بالشارات التي تريد إذا ذهبت إلى حي علاوي الحلة، بجانب الكرخ وجانب الرصافة من بغداد العراق، فمحال التجهيزات العسكرية والألبسة المزيفة تحاصرك من كل مكان، دون رقيب أو ضوابط تنظم بيع هذه المستلزمات.
«الشرق الأوسط» تجولت في منطقة «علاوي الحلة»، فهناك سوق كبيرة تمتد على مساحة واسعة تقابل الجدار الخارجي للمتحف العراقي، وتتوزع المحلات في أفرع ومداخل ومخارج هذه السوق التي تتعلق في واجهاتها بدلات ورتب وأحذية عسكرية لصنوف القوات المسلحة العراقية وبقية الفصائل المسلحة، بل إن غالبيتهم يضعون لافتات تقول: «لدينا كل الملابس والرتب العسكرية» أو «مستعدون لخياطة كل البدلات العسكرية»، وبإمكان أي شخص أن يشتري ما يشاء من هذه البدل والرتب وبما يكفي لأن يكوّن فصيلا عسكريا كاملا سواء من الجيش العراقي أو بقية الفصائل فالمهم أن «تدفع المال وتشتري ما تريد» حسب إيضاح (أبو لؤي)، الذي تجاوز الخمسين من عمره، صاحب أحد هذه المحلات في سوق «علاوي الحلة».
أصحاب هذه المحلات لم يعترضوا على التصوير أو الإجابة على أسئلتنا طالما أنهم لا يظهرون في الصور أو أن يعطوا أسماءهم الصريحة، ذلك أن في بغداد هناك حساسية من الكاميرا أو الإدلاء بالاسم الصريح، خشية «من المساءلة القانونية التي قد تنتج عن الإدلاء بالمعلومات»، أو نشر هذه الصور والمعلومات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وتحديدا «فيسبوك»، حسب ما قاله أبو لؤي والذي لا يجد أية ممانعة في نشر الصور والمعلومات في الصحافة «فهذه دعاية جيدة لتجارتنا»، مشيرًا إلى أن «تجارتنا تشبه أية تجارة للملابس الرجالية والفرق هنا هو أننا نبيع الملابس والمستلزمات العسكرية بينما بقية محلات بيع الملابس الرجالية تبيع موديلات مختلفة»، منبها إلى أن البدلات العسكرية أصبحت اليوم إحدى صيحات الموضة ويفضلها كثير من الشباب والشابات.
وعن أسعار الملابس العسكرية، يقول: «تختلف الملابس حسب منشأها وأهميتها، فهناك قطع بعشرة آلاف دينار عراقي (نحو 8 دولارات أميركية)، وتصل إلى 50 ألف دينار (ما يقارب 30 دولار). أما مصدر هذه الملابس والمستلزمات، فيوضح عداي فاخر، صاحب أحد المحلات قائلا: «يجهزنا بهذه الملابس والمستلزمات العسكرية، مثل الشارات والرتب والأحذية والنظارات الشمسية تجار كبار، حالهم حال تجار الملابس الرجالية أو النسائية، وهناك مصادر تصنيع واستيراد مختلفة مثل الصين وتركيا والهند، إضافة إلى مصادر خاصة لا أستطيع ذكرها هنا، وهناك بدلات وبعض الشارات العسكرية أو التي تخص (عصائب أهل الحق) أو (الحشد الشعبي) أو كتائب (حزب الله) أو كتائب (السلام)، فهذه محلية يتم إنتاجها من قبل معامل موجودة هنا ببغداد»، مشيرًا إلى أن «هناك من يفضل أحجامًا وموديلات وأقمشة خاصة وهذه تتم خياطتها هنا في السوق وحسب الطلب ولكن بأسعار أعلى».
لكن هل يحتاج هؤلاء إلى تراخيص أمنية للتجارة أو البيع؟ يقول عداي فاخر: «لا.. لا نحتاج إلى أي موافقات أو رخص أمنية، منذ متى كان بيع الملابس بحاجة إلى ترخيص أمني؟ ثم إن مهنتنا هذه قديمة ووالدي وعمي كانا يعملان في نفس هذا المحل، وهذه السوق مشهورة منذ سنوات طويلة ببيع الملابس العسكرية، بل كان هنا الخياطون الذين يخيطون البدلات العسكرية منتشرين في هذه السوق، واليوم عددهم أصبح أقل بكثير من السابق كون الملابس تصل من الخارج أكثر متانة وأناقة وأرخص سعرا من خياطتها».
ويضيف فاخر قائلا: «في عهد النظام السابق كان التجنيد إلزاميًا وكان الجيش يجهز الجنود والضباط ببدلاتهم ومستلزماتهم ورتبهم العسكرية مجانا، خاصة خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية (1980 _ 1988)، وكان هناك غالبية من الضباط أو الجنود يفضلون شراء أو خياطة بدلات خاصة بهم كملابس إضافية أو لأغراض التباهي بها، ولم يكن أي شخص يجرؤ على ارتداء بدلة عسكرية ويحمل رتبة ضابط إذا لم يكن بالفعل هو ضابط بالجيش العراقي ويحمل الرتبة ذاتها، كما أننا كنا نطلب، عندما نشك في الشخص الذي يريد شراء رتبة عسكرية، إبراز هويته العسكرية لنتأكد من الرتبة، وكان هناك تقليد اجتماعي هو أن يهدي صديق أو أب رتبة عسكرية نحاسية مذهبة لصديقه أو ابنه عندما تتم ترقية هذا الضابط أو ذاك، وكان ذلك يتم مرتين في السنة، في 14 يوليو (تموز) الذي كان يعد اليوم الوطني في العراق، و6 يناير (كانون الثاني) بمناسبة عيد الجيش العراقي، حيث تصدر جداول ترقية الضباط وبعد 2003 انتشرت محلات بيع الملابس العسكرية وشاعت الملابس والمستلزمات الخاصة بالقوات الأميركية وصرنا نتاجر بها دون أي ممانعة من أية جهة كانت».
ويرى ضابط في الجيش العراقي أن ظاهرة بيع الملابس والمستلزمات والشارات والرتب العسكرية بهذه الطريقة «السائبة» ودون رقيب أو تراخيص أمنية سواء من قبل وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية يشكل ظاهرة خطيرة وتستحق الوقوف عندها حفاظًا على سمعة الجيش العراقي والأجهزة الأمنية وكذلك على الوضع الأمني في البلد.
ويقول المقدم حسن راهي، الضابط في إحدى دوائر وزارة الدفاع العراقية لـ«الشرق الأوسط»: «كان بيع الملابس والرتب والشارات والمستلزمات العسكرية في عهد النظام السابق يخضع لرقابة صارمة من قبل الاستخبارات العسكرية والانضباط العسكري، كما أن هذا الموضوع برمته كان من اختصاص حوانيت الجيش التابعة لوزارة الدفاع والتي كانت تنتشر في عموم العراق، وهي عبارة عن أسواق كبيرة تبيع كل المستلزمات الحياتية بأسعار مخفضة للضباط والمراتب، كما أن هذه الحوانيت كانت متوفرة في جميع الوحدات العسكرية». مضيفًا: «اليوم صار بإمكان أي شخص أو مجموعة تكوين فصيل مزيف من أي صنف في الجيش العراقي، أو انتحل صفة ضابط بأية رتبة أو ادعاء الانتماء لأي فصيل مسلح مثل الحشد الشعبي أو بقية الفصائل وتنفيذ عمليات خطف أو اغتيال أو سرقة أو عمليات إرهابية، خاصة وأن موضوع تزييف الوثائق الرسمية صار شائعا، للأسف، في عموم العراق، أي أن أي شخص يستطيع الحصول على هوية ضابط أو هويات ووثائق تؤيد الانتماء للجيش أو الشرطة أو الحشد الشعبي والمرور من خلال نقاط التفتيش بواسطة سيارات رباعية الدفع».
ويطالب المقدم راهي، الجهات المختصة في وزارتي الدفاع والداخلية بفرض رقابة مشددة ومنح تراخيص لأصحاب محلات بيع المستلزمات العسكرية ومراقبتها «وأن لا يترك الحبل على الغارب، حفاظًا على أمن المواطنين».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.