هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

تحركات أميركية متسارعة بعد صدور نتائج «الحوار المهيكل»

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
TT

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)

تسارعت التحركات الأميركية، على أكثر من مستوى، في الملف الليبي، عقب صدور التوصيات النهائية لـ«الحوار المهيكل»، برعاية أممية، مطلع الأسبوع الماضي، مما أثار تساؤلات في الأوساط السياسية حول ما إذا كانت واشنطن قد بدأت فعلياً التمهيد لتنفيذ مبادرة تُنسب إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، وتهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011.

برنت ورئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في لقاء بمدينة بنغازي الثلاثاء الماضي (السفارة الأميركية)

وتقوم المبادرة -وفق ما يُتداول في الأوساط الليبية منذ أشهر ولم ينفه أي طرف ولا حتى الجانب الأميركي- على بناء تفاهمات بين سلطتي الشرق والغرب عبر صيغة جديدة لتقاسم السلطة، تتضمّن تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

مؤشرات على قرب تنفيذ المبادرة

يرى رئيس حزب الكرامة الليبي، الدكتور يوسف الفارسي، أن التحركات الدبلوماسية الأميركية من جانب القائم بالأعمال في ليبيا، جيريمي برنت، بين طرابلس وبنغازي خلال الأيام القليلة الماضية تُعطي مؤشرات على أن «تنفيذ المبادرة بات أقرب من أي وقت مضى»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن واشنطن تعمل بالتوازي على المسارَين العسكري والاقتصادي لتهيئة الأرضية المناسبة لأي تسوية سياسية محتملة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

على المستوى العسكري، التقى القائم بالأعمال الأميركي كلاً من رئيس أركان قوات حكومة الوحدة في غرب ليبيا، الفريق أول صلاح الدين النمروش، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي. كما عقد اجتماعاً مع رئيس أركان الجيش الوطني في شرق ليبيا، الفريق أول خالد حفتر. وركزت اللقاءات على تطوير التعاون العسكري، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وتعزيز بناء القدرات المهنية للقوات المسلحة الليبية.

مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه خلال إعلان توصيات «الحوار المهيكل» في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

وينظر مراقبون إلى هذه اللقاءات بوصفها حلقة جديدة في مسار أميركي متدرج بدأ خلال الأشهر الماضية، عبر خطوات دعّمتها واشنطن لبناء جسور تواصل بين مؤسسات الشرق والغرب، تمهيداً لتقليص الانقسام القائم. وشمل ذلك جمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها في مناورات «فلينتلوك»، التي استضافتها مدينة سرت في أبريل (نيسان) الماضي، فضلاً عن رعاية اتفاق الإنفاق والميزانية الموحدة بين السلطتَين في بنغازي وطرابلس في الشهر ذاته، في خطوة عُدّت سابقة لم تشهدها البلاد منذ 13 عاماً من الانقسام المؤسسي.

وفق هذا التقدير أيضاً، شملت لقاءات برنت في بنغازي (شرق) مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر، والمدير العام للجهاز الوطني للتنمية محمود الفرجاني، حيث تركزت المحادثات على تنفيذ اتفاقية الميزانية الموحدة، وتشجيع الاستثمارات الأميركية، وضمان توزيع الإنفاق التنموي على مختلف المناطق الليبية.

كما سجل تعزيز التعاون الليبي مع الشركات الأميركية العاملة في قطاع النفط جانباً مهماً من جولة برنت، ضمن لقائه مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، حيث بحثا سبل زيادة الإنتاج النفطي وحماية البنية التحتية للطاقة.

تحديات سياسية معقّدة

هذا التحرك الأميركي متعدد المسارات، الذي انطلق منذ منتصف الأسبوع الماضي ولا يزال مستمراً، لا يراه مراقبون معزولاً عن نتائج «الحوار المهيكل»، التي تضمنت مقترحات لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد، يضم رئيساً ونائبين، إلى جانب تشكيل حكومة جديدة تحت اسم «حكومة الاستحقاق الوطني» برئاسة رئيس حكومة وثلاثة نواب، يمثلون الأقاليم التاريخية الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان).

ومع ذلك فإن الطريق لا يزال يواجه تحديات سياسية معقدة، حسب محللين، وقال الناشط الليبي، عمر بوسعيدة، إن المبادرة تواجه داخل طرابلس «تداخلاً في أجندات قوى إقليمية تستخدم حلفاءها المحليين لعرقلة أي ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة»، لافتاً إلى أن «الاختبار الحقيقي للمبادرة يتمثّل في القدرة على إنتاج جسم تنفيذي موحّد يحظى بقبول الأطراف الرئيسية».

وبالنسبة إلى رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا»، أشرف بلها، فإن «المبادرة لا تزال بحاجة إلى معالجة عدد من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها معايير اختيار الحكومة المقبلة، وتوزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية الجديدة، وهي قضايا لم تصل الأطراف الليبية بعد إلى توافق نهائي بشأنها».

واستبعد بلها، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إمكانية التوصل إلى تفاهمات ليبية واسعة من دون ضغوط دولية مؤثرة، مستشهداً بتجربة ملتقى الحوار السياسي، الذي رعته الأمم المتحدة في جنيف بقيادة المبعوثة الأممية السابقة، ستيفاني ويليامز، وأسفر عن تشكيل السلطة التنفيذية الحالية بعد توافقات دعمتها قوى دولية فاعلة.

وفي هذا السياق، قال رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا» إن واشنطن تسعى حالياً إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق بين المبادرة الأميركية ومسار الأمم المتحدة، مشيراً إلى معلومات متداولة بشأن جهود لعقد اجتماع دولي في النرويج، خلال الفترة المقبلة، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية لدعم هذا المسار.

وقبل جلسة مقررة لمجلس الأمن الشهر الحالي تعرض خلالها تيتيه نتائج «الحوار المهيكل»، أكد بولس عقب لقائه مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، الجمعة، أن جهود بلاده في توحيد السلطتَين «تتكامل» مع خريطة طريق بعثة الأمم المتحدة ومخرجات الحوار، بما يضمن عملية سياسية يقودها الليبيون لتحديد مستقبل بلادهم.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة الليبية (المجلس)

وهنا يرى الفارسي أن حديث بولس عن تكامل الجهود الأميركية مع خريطة الطريق، التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا ينفي، في رأيه، أن واشنطن تمثّل القوة الدولية الأكثر تأثيراً في دفع هذا المسار، مشيراً إلى أن التحركات الأممية تحظى بدعم أميركي واضح.

ومع هذا فإن المبادرة الأميركية قد لا تستهدف من منظور باحثين إنهاء الأزمة الليبية بصورة نهائية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم موازين القوى وإدارة الانقسام القائم عبر أدوات سياسية ومؤسسية متدرجة.

ووفق تقدير الباحث في الشؤون الأفريقية، عبد الله فارس القزاز، في دراسة نشرها «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» فإن واشنطن «تبدو منشغلة ببناء إطار أكثر استقراراً لإدارة الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها أكثر من انشغالها بفرض تسوية نهائية شاملة في المدى القريب».

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

ليبيا تتجه لمقاضاة إسرائيل أمام «العدل الدولية» عن إسقاط طائرة عام 1973

شمال افريقيا الطائرة البوينغ B727-224 (خبير النقل الجوي والطيران المدني د. محمد محمد عيسى)

ليبيا تتجه لمقاضاة إسرائيل أمام «العدل الدولية» عن إسقاط طائرة عام 1973

تتجه ليبيا لمقاضاة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في فاجعة إسقاط «الرحلة 114»، في تحرك قضائي يسعى لإنصاف 108 ضحايا بعد عقود من الصمت الدولي.

جمال جوهر
شمال افريقيا الصالحين يتوسط دومة (إلى اليمين) والأشتر في أول اجتماع لرئاسة مجلس النواب الليبي الجديد الأربعاء (مجلس النواب)

واشنطن والبعثة الأممية تعترفان بانتخاب رئيس «النواب» الليبي... والمنفي يرفض

في وقت تكرّس فيه واشنطن والبعثة الأممية الشرعية للرئاسة الجديدة للبرلمان الليبي يعمّق رفض محمد المنفي ودعوته الموازية شقاق الانقسام السياسي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (مجلس النواب)

انفتاح رئيس «النواب» الجديد على «الأعلى للدولة» يختبر المسار السياسي في ليبيا

يفتح انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب الليبي الباب أمام اختبار جديد للعلاقة مع المجلس الأعلى للدولة، وسط دعوات لاستئناف الحوار بين المؤسستين.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة خلال اجتماع مع قيادات نقابة المعلمين الليبية في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)

ليبيا: انتقادات لقرار رفع رواتب الموظفين في ظل تصاعد الغلاء

لم يضع قرار حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا برفع رواتب موظفي الدولة حداً للاحتجاجات والانتقادات لتردي الأوضاع المعيشية

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

رئاسة عبد النبي للبرلمان الليبي تعمّق خلافات النواب

عمّق انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب الليبي، خلفاً لعقيلة صالح، خلافات داخل المؤسسة التشريعية، بعدما رفض عدد من النواب نتائج جلسة بنغازي.

علاء حموده (القاهرة)

احتمال زيادة أسعار الوقود يثير مخاوف الجزائريين

مجلس الوزراء خلال إقرار مشروع قانون المالية لسنة 2007 في 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة)
مجلس الوزراء خلال إقرار مشروع قانون المالية لسنة 2007 في 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة)
TT

احتمال زيادة أسعار الوقود يثير مخاوف الجزائريين

مجلس الوزراء خلال إقرار مشروع قانون المالية لسنة 2007 في 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة)
مجلس الوزراء خلال إقرار مشروع قانون المالية لسنة 2007 في 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة)

قد يستيقظ الجزائريون صباح اليوم الأول من عام 2027 على زيادة في أسعار الوقود، على غرار ما حدث في 1 يناير (كانون الثاني) الماضي. لكن الفارق هذه المرة هو أن الحكومة لم تعلن حينها مسبقاً عن أي تعديل في أسعار المحروقات، في حين أنها مهّدت هذه المرة لاحتمال الزيادة، مبررة ذلك بارتفاع تكاليف الإنتاج.

مخاوف من تغير أسعار مشتقات النفط مطلع 2027 (الشرق الأوسط)

تضمّن مشروع قانون المالية لعام 2027، الذي أرسلته الحكومة، الأربعاء، إلى المجلس الشعبي الوطني للاطلاع عليه؛ تمهيداً لمناقشته والمصادقة عليه، مادة قد لا تلقى ترحيباً لدى عامة الجزائريين، ولا سيما محدودي الدخل، في حال تفعيلها.

ويتعلق الأمر بالمادة 218، التي تمنح الحكومة إمكانية مراجعة أسعار الوقود خلال عام 2027، من دون تحديد حجم الزيادات المحتملة؛ ما يضفي على النص طابعاً «غير شعبي» بمفهوم التداول الإعلامي للقرارات الحكومية، التي ترهق كاهل الأسر.

وورد في النص، أنه «يمكن، عند الاقتضاء، مراجعة أسعار الوقود من طرف الجهات المعنية». وفي عرض الأسباب، ذكرت الحكومة أن الدولة «تتبنى واحدة من أكثر سياسات تسعير الوقود استقراراً وفاعلية على مستوى العالم؛ بهدف دعم نموذج الطاقة الوطني بشكل مستدام. ولتحقيق هذه الغاية، تتكفل الخزينة العمومية بتغطية جزء كبير من التكاليف الفعلية؛ ما يسهم في سد الفجوة بين تكاليف الإنتاج وسعر الوقود في محطات التعبئة، بما يحمي القدرة الشرائية للأسر، ويعزز القدرة التنافسية للجهات الاقتصادية الفاعلة».

* فاتورة مكلفة

يبرز النص، أنه «نظراً إلى الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج، قد يصبح تعديل أسعار الوقود ضرورة تقنية واقتصادية ملحة». موضحاً أن التعديل المحتمل للأسعار «يعدّ أساسياً لضمان الاستقرار المالي لقطاعي التكرير والتوزيع، وتجنب أي مخاطر لانقطاع الإمدادات، وضمان استمرار توفر المنتجات البترولية في جميع أنحاء البلاد، دون المس بالدعم الحكومي».

جانب من تفاعل الصحافة المحلية مع التدابير المعلنة في مجلس الوزراء بخصوص قانون المالية 2027

ووفق المادة نفسها، «يمكّن هذا الإجراء الجهات المعنية من تنفيذ تعديلات سعرية موجهة ومنظمة»، موضحة أنها «مرونة تنظيمية تحقق التوازن بين الجدوى الاقتصادية للشركات الصناعية والحفاظ على التماسك الاجتماعي».

وحالياً، تعرض محطات الوقود البنزين بسعر 47 ديناراً للتر ( 0.35 دولار). والمازوت (الديزل) بـ31 ديناراً للتر (0.23 دولار للتر). ومعروف أن الدولة تتحمل جزءاً من الفارق بين تكاليف الإنتاج الحقيقية، والأسعار المطبقة عند المضخة. ويسمح هذا الدعم بالحفاظ على أسعار الوقود عند مستويات أدنى من تكلفتها الاقتصادية، وتخفيف الأعباء التي تتحملها الأسر والشركات.

لكن وفقاً للحكومة، فقد يتطلب ارتفاع تكاليف الإنتاج تعديلات في الأسعار من أجل الحفاظ على الاستمرارية المالية لشركات التكرير والتوزيع، وضمان استمرار تزويد السوق الوطنية.

واللافت، أن مراجعة الأسعار المحتملة للوقود، لا تزال تفتقر إلى التفاصيل، خصوصاً ما يتعلق بحجم الزيادة، وهو الجانب الذي يشغل الرأي العام في البلاد بالدرجة الأولى، لا سيما أن أي رفع لأسعار الوقود من شأنه أن ينعكس على أسعار معظم السلع والخدمات، وعلى وجه الخصوص تكاليف نقل المسافرين والبضائع.

ترقب إحالة مشروع قانون المالية 2027 على المناقشة العامة في البرلمان (البرلمان)

ويشكل دعم الوقود أحد العناصر المهمة لتدخل الدولة في الاقتصاد. ومع ذلك، فإن مشروع قانون المالية لا يحدد حجم الوفرة المالية، الذي قد ينتج من مراجعة الأسعار.

وفوجئ الجزائريون مع بداية عام 2026 بزيادة في أسعار الوقود دخلت حيز التنفيذ في فاتح يناير، في وقت شهد فيه قطاع النقل تحركاً احتجاجياً للناقلين شمل نقل المسافرين والبضائع، وأدى الإضراب إلى اضطرابات في حركة النقل والإمدادات، قبل أن تبدأ السلطات مفاوضات مع ممثلي القطاع لمعالجة مطالبهم.

* إصلاح ضريبة الثروة

يظهر من خلال مشروع قانون المالية 2027 توجه البلاد نحو تسجيل مستوى جديد من الاختلال في ماليتها العامة، مع توقع ارتفاع عجز الميزانية إلى 63.3 مليار دولار خلال عام 2027، مقابل نحو 40 مليار دولار متوقعة للسنة المالية 2026.

وتعكس الأرقام الواردة في مشروع قانون المالية حجم الفارق بين موارد الدولة ونفقاتها؛ إذ تُقدّر النفقات بنحو 132 مليار دولار، مقابل إيرادات لا يتوقع أن تتجاوز 68.7 مليار دولار. ويُقدّر الفارق بين النفقات والإيرادات بنحو 63.3 مليار دولار؛ وهو ما يمثل حجم العجز المتوقع في الميزانية.

ويعكس هذا المستوى من العجز استمرار سياسة مالية توسعية، في وقت تواصل فيه الدولة تخصيص موارد كبيرة لتمويل البرامج الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية، ومواصلة تنفيذ مشروعات البنية التحتية الكبرى، إلى جانب مرافقة المشاريع التي تُصنّف ضمن القطاعات الاستراتيجية لتنويع الاقتصاد.

كما تسعى الحكومة إلى إصلاح ضريبة الثروة، التي لم تتجاوز إيراداتها بين 2022 و2025 نحو 149 ألفاً إلى 186 ألف دولار سنوياً، مقارنة بإيرادات ميزانياتية متوقعة تبلغ 68.7 مليار دولار في 2027.

من إضراب سائقي المركبات الثقيلة في يناير الماضي بسبب زيادة مفاجئة في أسعار الوقود (نقابات قطاع النقل)

ويقترح مشروع قانون المالية خفض عتبة الخضوع للضريبة من نحو 743 ألف دولار إلى 594 ألف دولار، مع اعتماد معدلات تصاعدية بين 0.2 و1 في المائة، وتشديد العقوبات على التأخر أو عدم التصريح. كما يُبقي بعض الإعفاءات، أبرزها السكن الرئيسي ضمن حدود معينة.

وتهدف هذه الإجراءات إلى توسيع قاعدة الخاضعين للضريبة، وتحسين التحصيل، من دون أن يقدم المشروع تقديراً للإيرادات الإضافية المتوقعة، أو تفسيراً واضحاً لضعف المردود الحالي.


ليبيا تتجه لمقاضاة إسرائيل أمام «العدل الدولية» عن إسقاط طائرة عام 1973

الطائرة البوينغ B727-224 (خبير النقل الجوي والطيران المدني د. محمد محمد عيسى)
الطائرة البوينغ B727-224 (خبير النقل الجوي والطيران المدني د. محمد محمد عيسى)
TT

ليبيا تتجه لمقاضاة إسرائيل أمام «العدل الدولية» عن إسقاط طائرة عام 1973

الطائرة البوينغ B727-224 (خبير النقل الجوي والطيران المدني د. محمد محمد عيسى)
الطائرة البوينغ B727-224 (خبير النقل الجوي والطيران المدني د. محمد محمد عيسى)

بعد مرور 53 عاماً على الحادثة، تتجه ليبيا إلى تحريك دعوى قضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، تتعلق بإسقاط طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية العربية الليبية (الرحلة LN114) فوق شبه جزيرة سيناء (عندما كانت المحتلة) عام 1973.

وقال زياد دغيم، سفير ليبيا لدى مملكة هولندا، إنه «أخطر رسمياً قلم محكمة العدل الدولية نية ليبيا تحريك دعوى قضائية ضد إسرائيل بشأن حادثة إسقاط طائرة الركاب، التي قضى فيها 108 أشخاص كانوا على متنها».

حكومة ليبيا تتجه لتحريك دعوى قضائية ضد إسرائيل بشأن حادثة إسقاط طائرة الركاب (الوحدة)

وأوضح زياد في وثيقة رسمية صادرة عن السفارة الليبية، تداولتها وسائل إعلام محلية الخميس، أن تحرك السفارة الخاضعة لسلطة حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس، يأتي بالنظر إلى «رفع إسرائيل السرية عام 2023 عن محاضر اجتماعات للحكومة الإسرائيلية معاصرة للحادثة»، وهي وثائق عدّتها خارجية «الوحدة» الليبية «أدلة قاطعة تُثبت مسؤولية الجانب الإسرائيلي عن إخلاله بالتزاماته الدولية المنصوص عليها في (اتفاقية مونتريال) لعام 1971، المتعلقة بقمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الطيران المدني».

واستعاد خبير النقل الجوي والطيران المدني، الدكتور محمد محمد عيسى، تفاصيل إحدى أشد الفواجع في تاريخ الطيران المدني الليبي، مؤكداً أن «الحادي والعشرين من فبراير (شباط) لعام 1973 يظل تاريخاً عالقاً في الذاكرة الإنسانية بمراراته ودلالاته القانونية والسياسية».

وفي إفادة لـ«الشرق الأوسط» ذكّر عيسى بوقائع الفاجعة، التي بدأت بإقلاع طائرة الخطوط الجوية العربية الليبية من طراز (Boeing 727-224) من طرابلس متجهة إلى القاهرة عبر بنغازي، وعلى متنها 113 راكباً وطاقم فرنسي تابع لشركة «إير فرانس».

وطلبت السفارة الليبية «تسجيل الخطاب في سجلات قلم المحكمة، باعتباره إخطاراً رسمياً بنية ليبيا إقامة الدعوى، إلى حين تقديم الطلب بصورة رسمية، على أن يتضمن الطلب المرتقب موضوع النزاع، والأسس القانونية لاختصاص المحكمة والوقائع ذات الصلة، وأحكام القانون الدولي التي تقول ليبيا إنه جرى انتهاكها، إضافة إلى طلبات التعويض».

وتعود الحادثة إلى 21 فبراير 1973، عندما أسقطت طائرات حربية إسرائيلية طائرة من طراز «بوينغ 727»، كانت في طريقها من بنغازي إلى القاهرة، بعد أن ضلت طريقها من جراء عاصفة ترابية فوق سيناء، الخاضعة للاحتلال حينها، ما أودى بحياة 108 أشخاص كانوا على متنها.

وسبق أن حرك أهالي ضحايا الطائرة، وأحد الناجين من الحادث، دعوى قضائية أمام محكمة جنوب بنغازي الابتدائية عام 2019 ضد «إسرائيل». وقتل جميع من كانوا على متن الطائرة باستثناء 5 أشخاص، بحسب وكالة الأنباء الليبية آنذاك.

وأوضح خبير الطيران الليبي عيسى أن الطائرة «تعرضت لعاصفة رملية شديدة أدت إلى ظهور خطأ ملاحي غير مقصود في أثناء الاعتماد على أجهزة الطيران الآلي، مما انحرف بها نحو أجواء شبه جزيرة سيناء، التي كانت خاضعة للاحتلال الإسرائيلي آنذاك».

ويعتقد عيسى أنه في تمام الساعة 13:59 بالتوقيت المحلي، اعترضت الطائرة المدنية الليبية طائرتان حربيتان إسرائيليتان، واستهدفتاها بصاروخ أدى إلى سقوطها ومصرع 108 من الركاب، كان من بينهم الإعلامية المصرية سلوى حجازي. فيما نجا خمسة أشخاص فقط؛ من بينهم مساعد الطيار الليبي مهدي يونس عياد، الذي وافته المنية عام 2018، والراكب فتحي الكوم الذي كان يبلغ من العمر حينها تسعة عشر عاماً.

وضمت قائمة الضحايا قامات شخصية ووطنية وثقافية بارزة، في مقدمتها صالح مسعود بويصير، والصحافي عبد القادر طه الطويل، والمذيعة المصرية سلوى حجازي.

ويقول عيسى إن إسرائيل «اعترفت لاحقاً بالمسؤولية عن إسقاط الطائرة بعد إنكارها سابقاً»، مبيّنة أن القرار «صدر بتفويض من رئيس الأركان آنذاك ديفيد إلعازار، وبأوامر مباشرة من قائد سلاح الجو مورديخاي هود».

ورغم إدانة المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO) للحادث، فإن الموقف الدولي اتسم بالتحفظ، واكتفت الأمم المتحدة بالصمت، بحسب عيسى، فيما اقتصر الموقف الأميركي على تنديد عابر، دون اتخاذ إجراءات ملزمة.

ولفت عيسى إلى أن الملاحقة القضائية للملف تعثرت في عقودها الأولى لدواعٍ سياسية، قبل أن يوصي «مؤتمر الشعب العام» في يناير (كانون الثاني) 2005 بضرورة المتابعة القانونية لتحصيل التعويضات، وتلت ذلك تحركات فردية وأهلية في عام 2008، قادها محمد بويصير، وهو نجل وزير راحل، إلى جانب مساعٍ بذلتها أسرة الإعلامية سلوى حجازي بالتنسيق مع أسر الضحايا للجوء إلى القضاء الفرنسي.

عيسى أكد أن حادثة إسقاط الطائرة الليبية تفرض الاستمرار في طرق أبواب العدالة الدولية لحماية أمن الطيران المدني (الوحدة)

واختتم عيسى قراءته بالتأكيد على أن قضية إسقاط «الرحلة 114» لا تمثل مجرد حدث تاريخي أليم، بل هي ملف حقوقي وقانوني، يفرض الاستمرار في طرق أبواب العدالة الدولية لحماية أمن الطيران المدني، وضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات.


واشنطن والبعثة الأممية تعترفان بانتخاب رئيس «النواب» الليبي... والمنفي يرفض

الصالحين يتوسط دومة (إلى اليمين) والأشتر في أول اجتماع لرئاسة مجلس النواب الليبي الجديد الأربعاء (مجلس النواب)
الصالحين يتوسط دومة (إلى اليمين) والأشتر في أول اجتماع لرئاسة مجلس النواب الليبي الجديد الأربعاء (مجلس النواب)
TT

واشنطن والبعثة الأممية تعترفان بانتخاب رئيس «النواب» الليبي... والمنفي يرفض

الصالحين يتوسط دومة (إلى اليمين) والأشتر في أول اجتماع لرئاسة مجلس النواب الليبي الجديد الأربعاء (مجلس النواب)
الصالحين يتوسط دومة (إلى اليمين) والأشتر في أول اجتماع لرئاسة مجلس النواب الليبي الجديد الأربعاء (مجلس النواب)

يشهد المشهد السياسي في ليبيا تصاعداً في حدة التوتر، عقب انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً جديداً لمجلس النواب، خلفاً لعقيلة صالح؛ وجاء ذلك في وقت أعربت فيه واشنطن والبعثة الأممية لدى البلاد عن تطلعهما للعمل مع القيادة الجديدة للبرلمان لدفع مسار التسوية السياسية قدماً.

من جلسة مجلس النواب التي انتخبت الصالحين رئيساً بحضور 111 نائباً في 6 من أكتوبر الحالي (مجلس النواب)

ورغم أن صالح الذي ينتمي إلى معسكر شرق ليبيا لم يظهر موقفاً معلناً من عملية عزله،فإن محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، دعاه إلى اجتماع في العاصمة طرابلس، بالإضافة إلى دعوة رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، وذلك لمواجهة ما وصفه بمحاولات «الوصاية الأجنبية».

وجاءت دعوة المنفي للأفرقاء الثلاثة، بالإضافة إلى دعوة عضوي المجلس الرئاسي عبد الله اللافي وموسى الكوني، للمشاركة في الاجتماع الثاني لـ«الهيئة العليا للرئاسات»، المقرر عقده الأحد 18 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي في طرابلس.

ويرفض المنفي أي تغيير على رئاسة مجلس النواب، وأرجع ذلك إلى ضرورة الالتزام بالنصوص الدستورية، وتقديم المصلحة العليا ووحدة المؤسسة، كما «حذّر من الدخول في تنازع الشرعيات أمام القضاء الدستوري».

وفي بيان المنفي، الذي لم يعلنه بشكل رسمي لكن تداولته وسائل إعلام محلية الخميس، عدّ المشاركة في الاجتماع المقرر عقده في قصر الضيافة بالعاصمة «استحقاقاً وطنياً لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية، ومحاولات الوصاية الأجنبية»، داعياً إلى «تجاوز خلافات الماضي من أجل ليبيا».

دومة يترأس جلسة مجلس النواب الليبي التي انتخبت الصالحين رئيساً جديداً (مجلس النواب)

وكان المنفي وتكالة والدبيبة قد أعلنوا في 20 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عن تأسيس «الهيئة العليا للرئاسات» بمثابة إطار تنسيقي، يمثل السلطة السيادية العليا؛ وذلك ضمن مقاربة وطنية مشتركة تهدف إلى توحيد القرار في الملفات الاستراتيجية، وتعزيز الانسجام المؤسسي بين مختلف السلطات.

والتأمت هيئة رئاسة مجلس النواب الجديدة، وعقدت اجتماعها الأول في بنغازي، وضم رئيس المجلس عبد النبي، والنائب الأول لرئيس المجلس طارق الأشتر، والنائب الثاني لرئيس المجلس مصباح دومة، وتناول اللقاء عمل هيئة الرئاسة والمجلس خلال الفترة المقبلة.

وقال عبد المنعم الحر، أمين المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، إنه «لا توجد نصوص دستورية أو قانونية تمنح حصانة دائمة لشخص الرئاسة ضد التغيير أو الإقالة»، ورأى في إدراج له عبر حسابه على «فيسبوك» أن «فتح باب الاقتراع، واختيار قيادة جديدة يعززان المساءلة البرلمانية، ويعيدان الحيوية للمؤسسة التشريعية بعد سنوات من الجمود».

وفيما يحتدم الخلاف والمعارضة للتغيرات الجديدة للبرلمان من قبل معسكر غرب ليبيا، حسمت البعثة الأممية أمرها، وقالت إنها تجدد التأكيد على «التزامها بمواصلة انخراطها مع مجلس النواب وهيئة رئاسته الجديدة وجميع أعضائه».

وأوضحت البعثة في بيان الخميس أنها «أخذت علماً بأن الجلسة التي عقدت في 6 أكتوبر جرت بمشاركة 111 عضواً على الأقل، وتم خلالها انتخاب عبد النبي رئيساً للمجلس، بالإضافة إلى انتخاب هيئة رئاسة جديدة»، مبرزة أنها «ستواصل العمل مع المؤسسة التشريعية للدفع قدماً بخريطة الطريق السياسية، التي تيسرها الأمم المتحدة، بهدف توحيد المؤسسات، وتنفيذ الإصلاحات الملحة، وإجراء الانتخابات خلال الإطار الزمني المنصوص عليه في اتفاق لجنة (4 + 4)».

وأكدت البعثة «التزامها بالعمل مع الأطراف الليبية المعنية كافة، والشركاء الدوليين لبلوغ هذا المسعى». وستقدم المبعوثة هانا تيتيه، إحاطتها المقبلة إلى مجلس الأمن الدولي في 14 من الشهر الحالي.

تيتيه المبعوثة الأممية لدى ليبيا مستقبلة بولس لبحث الأزمة الليبية (البعثة الأممية)

كما دخلت واشنطن على خط الأزمة البرلمانية، حيث هنأ مسعد بولس، كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية، رئيس البرلمان الجديد بمناسبة انتخابه، وقال: «نتطلع إلى العمل مع مجلس النواب وقيادته الجديدة، والأطراف والمؤسسات الليبية المعنية كافة لدفع عجلة العملية السياسية، التي تهدف إلى توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية في ليبيا، وتمهيد الطريق لإجراء انتخابات وطنية ناجحة».

وعبر بولس عبر حسابه على منصة «إكس» مساء الأربعاء، عن اعتقاده بأن «القادة والشعب في ليبيا يملكون فرصة لتجاوز الانقسامات، وتحقيق الوحدة الوطنية وإرساء سلام دائم»، وقال إن الولايات المتحدة «ستواصل من خلال العمل الوثيق مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وشركائنا الدوليين، تصدّر الجهود الدبلوماسية الرامية لدعم عملية توحيد البلاد بقيادة ليبية».

ورد الكوني على دعوة المنفي لحضور اجتماع طرابلس، مؤكداً أنه لن يشارك فيه، وشدّد على أن «حماية وحدة مجلس النواب تتطلب احترام رئاسته المنتخبة في أحدث جلساته، وحصر المخاطبات والمبادرات الرسمية كافة مع رئيس المجلس»، محذراً من أن أي ترتيبات قد تخلق تمثيلاً موازياً أو تُعمّق الانقسام.

وفي مقابل الاعتراف الدولي والأممي بالرئاسة الجديدة للبرلمان، الذي سبقه اعتراف معسكر شرق ليبيا المتمثل في القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، دعا 12 نائباً، أطلقوا على أنفسهم «كتلة البرلمانيين الأحرار»، إلى انعقاد مجلس النواب بالعاصمة طرابلس، في جلسات قالوا إنها ستكون «علنية وشفافة»، لإعادة انتخاب رئيس البرلمان، وهيئة رئاسته بـ«إرادة حرة بعيداً عن أي تدخلات عسكرية أو أمنية».

عقيلة صالح (المكتب الإعلامي لعقيلة)

ورأت الكتلة في بيان الخميس أن البلاد «تمر بمرحلة حاسمة، لا تحتمل التمديد أو فرض الأمر الواقع»، مشددةً على «ضرورة استعادة القرار السياسي، وإعادته لإرادة الشعب بصفته المصدر الوحيد للشرعية». وقالت إن «البرلمان يمثل الشعب ولا يخضع لسلطة السلاح»، معربة عن رفضها «استمرار سياسة فرض الأمر الواقع، والتأكيد على أن المؤسسة العسكرية والأمنية مهمتها حماية الوطن ومؤسساته، لا التحكم في قراره السياسي أو تحديد مستقبل سلطاته». ومن بين من وقعوا على البيان النواب علي أبوزريبة، وناصر الغرياني، وابتسام الرباعي، وعدنان الشعاب.