العراق يبحث عن هامش حركة بعد «اتفاق إيران»

خبراء: مقاربة أميركية جديدة تربط بين العراق ودمشق

أعضاء «سرايا السلام» يهتفون خلال مراسم إيذاناً ببدء اندماجهم بالدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)
أعضاء «سرايا السلام» يهتفون خلال مراسم إيذاناً ببدء اندماجهم بالدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)
TT

العراق يبحث عن هامش حركة بعد «اتفاق إيران»

أعضاء «سرايا السلام» يهتفون خلال مراسم إيذاناً ببدء اندماجهم بالدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)
أعضاء «سرايا السلام» يهتفون خلال مراسم إيذاناً ببدء اندماجهم بالدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)

قد يفتح التفاهم الذي أعلنت باكستان التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران نافذة جديدة أمام العراق لإعادة ترتيب أولوياته الداخلية والخارجية، في وقت تواجه فيه الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي ملفات معقّدة تتعلق بالسلاح خارج إطار الدولة، والعلاقة مع إيران، وإعادة صياغة الشراكات الإقليمية والدولية.

يأتي الاتفاق، الذي لا تزال تفاصيله غير واضحة بالكامل، في ظل تحولات تشهدها المنطقة تتعلق بمستقبل النفوذ الإيراني وشبكة الحلفاء والجماعات المسلحة المرتبطة بطهران في عدد من الدول، بينها العراق. ويثير ذلك تساؤلات بشأن ما إذا كانت التفاهمات الجديدة ستقود إلى تقليص نفوذ تلك الجماعات أو إعادة تنظيم أدوارها ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.

بغداد تبحث عن هامش حركة

قبل إعلان التفاهم الأميركي-الإيراني، كانت خيارات المناورة أمام بغداد محدودة نسبياً بسبب تشابك التوازنات الداخلية والخارجية، ولا سيما ارتباط ملف السلاح خارج الدولة بالمعادلة الإيرانية-الأميركية.

ويرى مراقبون أن الحكومة العراقية الجديدة قد تحاول استثمار أي انفراج في العلاقات بين واشنطن وطهران للمضي في ملفات طال تأجيلها، أبرزها حصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب توسيع الانفتاح على المحيط العربي والإقليمي.

في هذا السياق، لفتت الأنظار الرسالة التي وجّهها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، فضلاً عن إعلانه الاستعداد لزيارة واشنطن، وهي زيارة يُنظر إليها على أنها تحمل ملفات معلنة تتعلق بالتعاون الثنائي، وأخرى غير معلنة ترتبط بمستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في المنطقة.

غير أن قدرة بغداد على الاستفادة من هذه المتغيرات تبقى رهناً بمدى صمود التفاهم الأميركي-الإيراني، وبإمكانية تحويله إلى تفاهمات عملية على الأرض، خصوصاً أن مواقف الأطراف المختلفة لا تزال متحركة وغير مستقرة.

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)

السلاح... العقدة الأكبر

يظل ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة أحد أكثر الملفات حساسية في العراق منذ سنوات. فالجماعات المسلحة تمتلك امتدادات سياسية وبرلمانية، فيما تستند بعض الفصائل إلى مبررات عقائدية وأمنية مرتبطة بمواجهة الاحتلال أو مكافحة التهديدات الأمنية.

وتأتي هذه النقاشات رغم الاتفاق المبرم بين بغداد وواشنطن العام الماضي بشأن إنهاء مهمة التحالف الدولي بحلول نهاية العام الحالي، وهو تطور أعاد طرح أسئلة حول مستقبل الفصائل المسلحة ودورها بعد انتهاء الوجود العسكري للتحالف.

ويرى متابعون أن الغموض لا يزال يحيط بمستقبل هذا الملف بسبب تشابك الإرادات المحلية والإقليمية والدولية، فضلاً عن استمرار التباين في تقييم حجم وتأثير كل من النفوذين الإيراني والأميركي داخل العراق.

وتشير قراءات سياسية إلى أن النفوذ الإيراني في العراق شهد خلال السنوات الأخيرة ضغوطاً وتحديات متزايدة، في حين عادت الولايات المتحدة إلى الساحة العراقية عبر مقاربة مختلفة تركز على النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني أكثر من الاعتماد على الوجود العسكري المباشر.

وتتمسك واشنطن، حسب هذه القراءات، بمطلب حصر السلاح بيد الدولة. كما تسعى إلى منع مشاركة جهات تمتلك أجنحة مسلحة في صناعة القرار الحكومي، بما ينسجم مع رؤيتها لمستقبل العراق.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن المقاربة الأميركية الجديدة تتعامل مع العراق وسوريا بوصفهما ملفاً مترابطاً من الناحية الاستراتيجية، وهو ما انعكس في تعيين توم برّاك ممثلاً أميركياً في كل من بغداد ودمشق، إلى جانب توجيه دعوات منفصلة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لزيارة واشنطن.

رسائل إلى الخليج

على الصعيد الدبلوماسي، سارعت بغداد إلى الترحيب بالتفاهم الأميركي-الإيراني. وخلال اتصال بين وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين ومدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أكد العراق دعمه لأي خطوات من شأنها خفض التوترات الإقليمية وتعزيز الاستقرار.

وفي الوقت نفسه، أدان حسين الهجوم الذي استهدف محطة براكة للطاقة النووية في الإمارات، معلناً استعداد العراق للتعاون مع دول الخليج عبر لجان تحقيق مشتركة لتحديد المسؤولين عن تلك الهجمات وتعزيز الأمن الإقليمي.

ويرى مراقبون أن هذه الرسائل تعكس توجهاً عراقياً نحو إظهار قدر أكبر من استقلالية القرار السياسي، خصوصاً في ظل انشغال طهران بإدارة تفاهماتها مع الغرب، وما يرافق ذلك من مراجعة لبعض مواقفها السابقة التي كانت تعدها خطوطاً حمراء.

تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقي لحصر السلاح (إكس)

قراءات متباينة

يرى أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، إحسان الشمري، أن مسألة الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران ستظل حاضرة في أي تفاهم أميركي-إيراني، حتى وإن لم تعلن تفاصيل ذلك بشكل مباشر.

ويقول، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن استمرار هذه الجماعات في الاحتفاظ بالسلاح بات أكثر صعوبة في ظل المقاربة الجديدة، لافتاً إلى أن أي خطوات لتنظيم أو دمج السلاح ضمن مؤسسات الدولة قد تنعكس إيجاباً على الاستقرار السياسي العراقي.

في المقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية، عباس عبود، أن الاتفاق لا يتضمّن حتى الآن إشارات واضحة إلى وضع الفصائل المسلحة في العراق، لكنه قد يُسهم في تقليص هامش النفوذ الإيراني الإقليمي، نظراً إلى الموقع الجغرافي للعراق بوصفه حلقة وصل برية بين إيران ودول الخليج.

ويضيف عبود، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن ما تطرحه الحكومة العراقية بشأن حصر السلاح لا يزال إطاراً عاماً، في حين تركز الولايات المتحدة بصورة أكثر تحديداً على الفصائل الموالية لإيران التي تعدّها تهديداً لمصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.

عملية معقدة وطويلة

ويتفق الشمري وعبود على أن عملية نزع السلاح أو دمجه ضمن مؤسسات الدولة ستكون معقّدة وتحتاج إلى وقت، نظراً إلى ارتباط بعض الفصائل بعلاقات وثيقة مع إيران، فضلاً عن وجود قوى سياسية ترى أن استمرار هذه الجماعات يمثل عامل توازن في ظل التحديات الأمنية التي تواجهها البلاد.

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي، هاني عاشور، أن ما جرى بين واشنطن وطهران لا يزال أقرب إلى مذكرة تفاهم منه إلى اتفاق نهائي، مشيراً إلى وجود ملفات عديدة لم تُحسم بعد بين الطرفَين.

ويعتقد عاشور، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن المنطقة قد تشهد مرحلة من الهدوء النسبي، وأن الحكومة العراقية ستكون من بين المستفيدين من هذا المناخ في دفع جهود حصر السلاح بيد الدولة، خصوصاً إذا تراجعت المبررات التي كانت تُستخدم لتبرير استمرار حمل السلاح خارج الأطر الرسمية.

أما الخبير الأمني مخلد حازم فيميز بين فصائل ترتبط عقائدياً بإيران، وأخرى قد تكون أكثر استعداداً للتكيف مع المتغيرات الجديدة. ويرى أن مستقبل هذه الجماعات سيتوقف على طبيعة التفاهمات الأميركية-الإيرانية، وعلى القرارات التي ستتخذها الحكومة العراقية بشأن دمج أو تنظيم أوضاع الفصائل المسلحة.

ويشير حازم، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إلى أن تجارب دول أخرى في المنطقة، مثل لبنان وسوريا واليمن، تعكس ما يصفه بـ«فصل المسارات» في التعامل مع الملفات المرتبطة بإيران، لافتاً إلى أن العراق سيكون جزءاً من هذه المقاربة، وإن كان يحتفظ بخصوصية نابعة من موقعه وأهميته بالنسبة لطهران.

في المحصلة، ينظر إلى التفاهم الأميركي-الإيراني بوصفه فرصة محتملة للحكومة العراقية الجديدة لتوسيع هامش الحركة في ملفات ظلت عالقة لسنوات، وفي مقدمتها ملف السلاح خارج الدولة والعلاقات الإقليمية.

غير أن نجاح بغداد في استثمار هذه الفرصة سيعتمد على عوامل عدة، من بينها مدى استدامة التفاهمات بين واشنطن وطهران، وموقف الفصائل المسلحة، وقدرة الحكومة على ترجمة التوافقات الخارجية إلى إجراءات داخلية عملية. وحتى تتضح ملامح المرحلة المقبلة، سيبقى العراق أمام اختبار دقيق بين متطلبات التوازن الإقليمي واستحقاقات بناء الدولة.


مقالات ذات صلة

الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

المشرق العربي من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)

الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

أمر رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، الأحد، بتشكيل لجنة تحقيقية لكشف ملابسات التجاوز على علم الولايات المتحدة الأميركية.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي من اجتماع لـ«الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (وكالة الأنباء العراقية)

الزيدي يُحذّر «الإطار التنسيقي» من تبعات عدم حصر السلاح بيد الدولة

المتغير في طبيعة رؤية «قوى الإطار التنسيقي» لجهة وضع مدد زمنية بعيدة نسبياً لتسليم السلاح، حصل بعد اللقاء المنفرد الذي جمع الزيدي مع الرئيس دونالد ترمب.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد سفن راسية بالقرب من مضيق هرمز في 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

العراق: نقل مليوني برميل من النفط عبر مضيق هرمز

نقلت شركة «ناقلات النفط العراقية» (المملوكة للدولة) مليوني برميل من الخام العراقي على متن ناقلة نفط عملاقة (VLCC) عبر مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
خاص عناصر من الأمن العراقي يقفون للحراسة بالقرب من نصب «قوس النصر» في أثناء التحضيرات لاحتفالات «يوم السيادة»... يوم 2 أكتوبر 2026 (رويترز)

خاص «اليوم الوطني» يستعيد جدل الاستقلال في العراق

احتفى مسؤولون كبار في العراق بـ«اليوم الوطني» 3 أكتوبر (تشرين الأول) الذي يصادف استقلال البلاد من الانتداب البريطاني ودخولها عصبة الأمم عام 1932.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية موظف يعمل بمكتب شركة «ماهان» للطيران الإيرانية في أربيل بالعراق في 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

العراق: السماح بتسيير 40 رحلة إيرانية يومياً من وإلى مطار النجف

قال مكتب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ​إنه سيُسمح لشركات الطيران الإيرانية بتسيير 40 رحلة يومياً من مطار النجف الدولي وإليه باستثناء شركة «ماهان إير».


من بقي من حلفاء «حزب الله» في الداخل اللبناني؟

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)
TT

من بقي من حلفاء «حزب الله» في الداخل اللبناني؟

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

كشفت الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامين السابقين لـ«حزب الله» حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، عن واقع مرير يعانيه «حزب الله» في الداخل اللبناني؛ إذ أظهرت أن الحزب خسر شبكة حلفائه في الداخل، بدليل غياب شخصيات كانت قبل حرب عام 2024 حليفة للحزب، للمرة الأولى منذ عقدين.

فبعد عامين على عملية الاغتيال، يرى مواكبون عن كثب لوضعية الحزب أنه لا يواجه فقط تحدي إعادة بناء قدراته وتنظيم صفوفه، وإنما أيضاً تآكل شبكة التحالفات التي راكمها على مدى سنوات؛ إذ بدا أن عدداً من القوى السياسية أعادت النظر في جدوى استمرار الارتباط به، في ظل تبدل موازين القوة داخلياً وإقليمياً.

نجل حسن نصر الله محمد مهدي يتوسط اثنين من المدعوين إلى الذكرى السنوية الثانية لاغتيال والده في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

ولم يظهر من أبرز حلفائه السابقين في إحياء ذكرى نصر الله، إلا رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية، الذي كان مرشح الحزب للرئاسة قبل انتخاب الرئيس جوزيف عون، إلى جانب قيادات تمثل «حركة أمل»، شريكه في «الثنائي الشيعي».

تفكك الغطاء السياسي

كان الحزب نجح في بناء شبكة واسعة من التحالفات السياسية امتدت إلى معظم الطوائف والمذاهب اللبنانية، منذ توقيعه ورقة التفاهم مع «التيار الوطني الحر» عام 2006، ما أتاح له، حسب معارضيه، توفير «غطاء سياسي» لاحتفاظه بسلاحه وتعزيز نفوذه، وصولاً إلى تكريس واقعٍ موازٍ لمؤسسات الدولة.

لكن هذه الشبكة بدأت، بعد حرب «إسناد غزة»، بالتفكك تدريجياً، بالتوازي مع التراجع العسكري الكبير الذي أصاب «حزب الله» وتبدّل موقعه في المعادلة اللبنانية. وكان من أبرز مظاهر هذا التفكك ابتعاد حلفاء أساسيين عنه، وفي مقدّمهم «التيار الوطني الحر» على الساحة المسيحية، إلى جانب تراجع حضور حلفائه من القوى السنية والدرزية.

ولا يرتبط ابتعاد حلفاء الحزب عنه فقط بتبدّل موازين القوة بعد الحرب، بل أيضاً بالمخاطر السياسية والمالية التي باتت تترتب على القرب من «حزب الله»، في ظل العقوبات الأميركية التي طالت بالفعل شخصيات وكيانات مرتبطة به أو متهمة بتقديم الدعم له، إلى جانب التهديد بتوسيع دائرة العقوبات لتشمل حلفاء وشخصيات سياسية أخرى. وقد دفع ذلك بعض حلفاء الحزب إلى إعادة حساباتهم، خشية أن تتحول العلاقة معه من مصدر نفوذ سياسي إلى مصدر كلفة وعقوبات.

تحالفات نفعية

يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور هلال خشان أن «الشبكة العابرة للطوائف» التي حاول الحزب بناءها منذ دخوله العمل السياسي كانت، في الأساس، «هامشية»، مشيراً إلى أن «الحزب استفاد طويلاً من قوته العسكرية في بناء نفوذ سياسي واسع، ومن تقديم نفسه باعتباره قوة قادرة على فرض توازن مع إسرائيل».

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

وحسب خشان، عمل الحزب طوال سنوات على «تكريس سردية تقوم على نقل المعركة إلى الجليل وإظهار وجود توازن عسكري مع إسرائيل»، وهي سردية «صدقها جزء كبير من البيئة الشيعية». لكن القوة العسكرية التي بلغها الحزب، والتي كانت تُعد من أبرز مصادر نفوذه في المنطقة، «تعرضت لضربة غير مسبوقة خلال الحرب، ما انعكس حكماً على موقعه السياسي».

ويقول خشان لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب، طوال الفترة الماضية، «وفّر غطاءً سياسياً لأحزاب وقوى في مقابل حصوله على غطاء لسياساته وسلاحه، ما جعل كثيراً من التحالفات أقرب إلى تحالفات نفعية وتبادل مصالح منها إلى شراكات سياسية أو عقائدية راسخة».

ويعتقد خشان أن «انهيار موازين القوى التي كانت تسمح للحزب بإدارة هذه العلاقة سيجعل إعادة بناء شبكة التحالفات السابقة أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً أن القوى السياسية التي كانت ترى في أن التحالف معه يحمل مكاسب وحماية سياسية، باتت أمام واقع مختلف»، مرجحاً أن تتسلم «حركة أمل» من خلال وجوه جديدة قيادة الطائفة الشيعية في المرحلة المقبلة.

النفور مرشح للازدياد

من جهته، يرى الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع «جنوبية»، علي الأمين، أن حزب الله الذي كان «محور استقطاب جاذب للحلفاء والزبائنية السياسية خلال سنوات طويلة، لم يعد كذلك اليوم بعد مرور ثلاث سنوات على بدء حرب الإسناد، فهو يفتقد راهناً الحلفاء ويعاني من حصار داخلي وخارجي، وهذا واقع يمكن تلمسه بشكل تلقائي»، وأضاف الأمين: «برز ذلك جلياً في ذكرى اغتيال أمينيه العامين السابقين؛ إذ غاب عن المشهد أكثرية الذين كانوا يتزاحمون على الجلوس في الصف الأول».

مصاب في تفجيرات البيجر يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

ويعتبر الأمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النفور منه مرشح للازدياد»، لافتاً إلى أن «ملف السلاح شأن آخر يرتبط بدور (حزب الله) وموقعه، الذي لا يبدو أنه قرأ ما أصابه وما أصاب الشيعة ولبنان من نكبة كبرى، فهو لا يزال متمسكاً بوظيفته كأداة إيرانية تخضع للحسابات التي يرسمها الولي الفقيه من داخل إيران».

ويختم الأمين: «في ظل المعطيات السياسية والأمنية الحالية، وفي ظل استمرار الحزب في خطاب يجافي الواقع وحقائقه الجديدة، لن يجد له صدى خارج محازبيه... والزيارات التي يقوم بها إلى بعض الجهات السياسية، لم ينتج عنها ما يمكن وصفه بأنه استعادة لتحالفاته أو صداقاته، وبالتالي هو عملياً يحاول الخروج من الحفرة التي سقط بها بالوقوع في مزيد من الحفر، ما سيعمق مأزقه ويكشف عجزه عن أن يعيد صياغة وجوده على قواعد الدولة». ويضيف: «إزاء ذلك كله لا يمكن توقع أن يرمم الحزب تحالفاته المتصدعة بل أن يزيد من انهيارها وتلاشيها».


الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)
من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)
TT

الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)
من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)

أمر رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، الأحد، بتشكيل لجنة تحقيقية لكشف ملابسات التجاوز على علم الولايات المتحدة الأميركية من قِبل فصائل في «الحشد الشعبي»، خلال استعراض عسكري في «ساحة التحرير» وسط بغداد، ضمن فعاليات واحتفالات «يوم السيادة» الذي أطلقته الحكومة على يوم 30 سبتمبر (أيلول) الماضي، بمناسبة انسحاب قوات «التحالف الدولي».

وأثارت الحادثة غضب شخصيات أميركية بارزة من دون صدور موقف رسمي من واشنطن.

وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، في بيان، إن «القائد العام للقوات المسلحة أدان هذا الفعل، مؤكداً ضرورة الالتزام بالقوانين والأعراف الدبلوماسية، ووجّه باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتجاوزين، وإنجاز التحقيق، ورفع نتائجه في أسرع وقت ممكن».

ولم يصدر عن هيئة «الحشد الشعبي» أي تفسير بشأن ما حدث، فيما قالت مصادر مقربة من الحكومة لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما حدث يتسبب في إحراج شديد للحكومة، وهو تصرف غير مقبول أو مسؤول، ويعرض البلاد بشكل عام، لمشكلات كبيرة».

آليات تعود لـ«الحشد الشعبي» خلال الإساءة للعلم الأميركي (مواقع التواصل)

وأضاف المصدر، الذي فضل عدم الإشارة إلى اسمه، أن «هناك معرفة مؤكدة باختراق (الحرس الثوري) لقيادات كثيرة في (الحشد الشعبي)، وهي من وقفت وراء هذا السلوك المستهجن».

ويرى المصدر أن «بعض الاتجاهات الحكومية تفكر جدياً في إبعاد تلك القيادات والاستغناء عنها بضباط من الجيش النظامي، لكن هذه الرغبة تواجَه بضغوط فصائلية وإيرانية شديدة».

غضب أميركي

وفيما لم يصدر أي تعليق رسمي عن واشنطن بشأن ما حدث، عبّرت فكتوريا تايلور، المسؤولة السياسية والأمنية السابقة، والتي تشغل حالياً منصب مديرة «مبادرة العراق ومشروع سوريا» في «برنامج الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي»، عن امتعاض شديد من الإساءة للعلم الأميركي.

وقالت تايلور في تدوينة عبر منصة «إكس»، إنه «عندما أعلن العراق (أيام السيادة) احتفالاً برحيل القوات الأميركية وانتهاء عملية العزم الصلب، شعرتُ بالضيق. كانت مهمة عملية العزم الصلب موجودة في العراق بناءً على طلب الحكومة العراقية لمحاربة (داعش)».

وأضافت: «كنت أعلمُ مسبقاً أنه سيحدث أمر ما يظهر الناس وهم يسيرون أو يقودون سياراتهم فوق العلم، وها هو ذا، وهذه المرة من قبل (قوات الحشد الشعبي)، وليس فقط الميليشيات».

وتابعت: «أعلمُ أن هذا لا يُمثل جميع العراقيين، ولكن كان ينبغي على الحكومة العراقية أن تحسن التصرف وتتجنب هذا النوع من العداء الصريح لأميركا من قبل القوات الرسمية».

وطالب النائب الأميركي جو ويلسن بـ«تحرير العراق من إيران» على خلفية الإساءة لعلم بلاده. وقال في تدوينة مماثلة إن «(الصور) تظهر (قوات الحشد الشعبي)، وهو تشكيل رسمي ضمن الأجهزة الأمنية للحكومة العراقية، وهي تدنس العلم الأميركي تعبيراً عن عدم الاحترام، وتشيد بالنظام الإيراني القاتل».

وأضاف: «إذا كنت بحاجة إلى مزيد من الأدلة على أن العراق بات مقاطعة إيرانية، يا زيدي، هل هذا هو رأيك في أميركا؟».


اجتماع فلوريدا... ومخاوف لبنانية من تمرير الوقت بانتظار الانتخابات الإسرائيلية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

اجتماع فلوريدا... ومخاوف لبنانية من تمرير الوقت بانتظار الانتخابات الإسرائيلية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)

يخشى لبنان أن يشكّل الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي، برعاية أميركية في فلوريدا في 20 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، محطة لتمرير الوقت ريثما تجرى انتخابات الكنيست في إسرائيل في 27 منه، و«النصفية الأميركية» في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، معوّلاً على التدخّل الأميركي لتفعيل تطبيق «اتفاق الإطار».

فلبنان يتخوّف من إقحامه بإدارة الأزمة لملء الفراغ، ويسعى من خلال وفده العسكري إلى مفاوضات فلوريدا لإحداث خرق يفتح الباب أمام المضي في تطبيق «اتفاق الإطار»، الذي هو نقطة تقاطع بين رئيس الحكومة نواف سلام، ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو في اجتماعهما في واشنطن، بدلاً من أن يشكّل الاجتماع محطة تتطلع إليها واشنطن لتمرير رسالة بأنها ماضية في رعايتها للمفاوضات بصرف النظر عن النتائج التي يمكن أن يتوصل إليها المتفاوضون.

ملء الفراغ بأقل الأضرار

في هذا السياق، قال مصدر لبناني معني بالمفاوضات إن ملء الفراغ بالوقت الضائع بأقل الأضرار يتطلب خفض منسوب التوتر الداخلي، ومنع إسرائيل من توسعة المنطقة الأمنية ليكون في وسع لبنان الصمود حيال إبقاء المفاوضات معلّقة على نتائج الانتخابات في إسرائيل. وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن الاتصالات جارية بين بيروت وواشنطن لتثبيت الموعد النهائي لعقد الاجتماع العسكري الذي يرأسه من الجانب اللبناني رئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم، بحضور السفيرة ندى حمادة معوض، ومدير العمليات في قيادة الجيش العميد الركن جورج رزق الله، الذي يرأس الفريق العسكري.

ولفت المصدر إلى أن وفد لبنان إلى فلوريدا يراهن على التدخّل الأميركي لإخراج المفاوضات في جولتها الثامنة من المراوحة، وهو يقترح إدراج إطلاق الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل، وحسم الجدل الدائر حول تشكيل «آلية التحقق» من انتشار الجيش اللبناني في «المنطقة التجريبية»، بعد توسيعها والتأكد من خلوها من سلاح «حزب الله» ومقاتليه، وتثبيت وقف النار، على جدول أعمال الاجتماع.

الدخان يتصاعد جراء تفجيرات إسرائيلية تستهدف منازل ومنشآت مدنية في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (رويترز)

ورأى أن إخراج «آلية التحقق» من التجاذبات يستدعي التوافق على دورها وعلى مَنْ يرأسها، بالإضافة إلى توفير الضمانات بعدم التعرض لفريق المراقبين المنبثق عنها. وهذا هو المطلوب من إسرائيل و«حزب الله»، الذي يواصل حملته على المفاوضات المباشرة ويصر على الاحتفاظ بسلاحه ويطالب بإسقاط «اتفاق الإطار» وربط المسار اللبناني بإيران برهانه على «مذكرة التفاهم» الإيرانية - الأميركية باعتبارها بديلاً عن الاتفاق رغم رفض واشنطن ذلك.

مخاوف توسعة الحرب

أكد المصدر أن لبنان يتخوّف من لجوء رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو لتوسيع المنطقة الأمنية باستهدافه المرتفعات الواقعة بين إقليم التفاح وجبل الريحان، ويأمل من واشنطن التدخل لضبط أداء الجيش الإسرائيلي، مع أن سحب تل أبيب للوحدات المقاتلة، والمقصود بها تلك التابعة للواء «غولاني»، يعني من وجهة النظر العسكرية أن لا نية لديها للهجوم بهدف التوسُّع بمقدار ما أنها تواصل إطباقها على المنطقة الأمنية بتجريفها للبلدات وتدميرها لما تبقى فيها من منازل، وهي الآن في موقع دفاعي لمنع مقاتلي «حزب الله» من التسلّل إليها، في مقابل سيطرتها على البلدات الواقعة على الحافة الأمامية شمال نهر الليطاني المطلة على جنوبه وتحويلها إلى أرض محروقة، أسوة بما حل بالبلدات الواقعة ضمن الخط الأصفر.

لكن المصدر لا يطمئن لعدم جنوح نتنياهو في حال اضطر لرفع منسوب التأييد له في الانتخابات لضمان عودته لرئاسة الحكومة.

مناصرون لـ«حزب الله» يحملون صور أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله في الضاحية الجنوبية لبيروت (د.ب.أ)

نتنياهو يرفض التجاوب

إلى ذلك، كشف مصدر دبلوماسي غربي في بيروت، مواكب لأجواء التحضيرات للقاء العسكري، أن نتنياهو ليس في وارد تقديم التسهيلات، فعلاً لا قولاً، للبدء بتطبيق «اتفاق الإطار» قبل اجتيازه الاستحقاق الانتخابي، وبالتالي يرفض التجاوب مع طلب لبنان بتوسعة «المنطقة التجريبية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن نتنياهو يوافق على توسعتها بشرط أن تقتصر على البلدات الواقعة على الحافة الأمامية لشمال نهر الليطاني التي يسيطر جيشه بالنار على بعضها ويحتل بعضها الآخر.

وأكد المصدر أن تطبيق التلازم بالخطوات، كما يطالب لبنان، يعني من وجهة نظر المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، التوافق على جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي، في مقابل وضع خطة لنزع سلاح «حزب الله» على دفعات. وقال إنه لا يؤيد الحملة على الجيش اللبناني واتهامه بالتقصير وتحميله المسؤولية بذريعة تردد قيادته بتطبيق حصرية السلاح بيد الدولة، مضيفاً أن «القرار في هذا الخصوص هو بعهدة مجلس الوزراء مجتمعاً وأن المؤسسة العسكرية تنفّذ ما يتخذه من قرارات، خصوصاً أن لا عودة عن حصرية السلاح بيد الدولة، وهذا ما يؤكده عون في لقاءاته ما بين لبنان والخارج، وهو يحظى بتقدير أممي لموقفه ودعمٍ من غالبية اللبنانيين».

تحذيرات من إدارة الأزمة

وعليه؛ فإن الأنظار تبقى مشدودة لاجتماع فلوريدا في ضوء استكشاف مدى استعداد واشنطن للتدخل بإحداث خرق يفتح الباب أمام المضي بتطبيق «اتفاق الإطار» لئلا يقتصر على ملء الفراغ، مع أن تحقيق تقدم ملموس سيؤدي حكماً إلى تقوية موقف الدولة في رهانها على «اتفاق الإطار» وإضعاف موقف «حزب الله» الذي لن يكف عن تهديده لرئيسي الجهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام. لكن الحزب يحاذر أيضاً اللجوء إلى الشارع للضغط على الحكومة، لأن حليفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، يقف بشدة ضد استخدام الشارع لتصفية الحسابات، ولا يرى من مبرر لإسقاط الحكومة، واضعاً خطوطاً حمراء لـ«تحصين السلم الأهلي».