«البنتاغون» يخشى تجسس إسرائيل على مفاوضي ترمب مع إيران

ترمب يستقبل نتنياهو في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (نيويورك تايمز)
ترمب يستقبل نتنياهو في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (نيويورك تايمز)
TT

«البنتاغون» يخشى تجسس إسرائيل على مفاوضي ترمب مع إيران

ترمب يستقبل نتنياهو في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (نيويورك تايمز)
ترمب يستقبل نتنياهو في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (نيويورك تايمز)

أثارت تقارير استخباراتية أميركية حديثة مخاوف بشأن قيام أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بالتنصت على المفاوضين الأميركيين العاملين على اتفاق سلام مع إيران، وسط قلق متزايد من تهديدات التجسس المضاد المرتبطة بإسرائيل بشكل عام.

ولطالما عرفت إسرائيل والولايات المتحدة، وتسامحتا ضمناً، مع قيام كل طرف بالتجسس على الآخر. لكن مسؤولين أميركيين قالوا إن الجهود الإسرائيلية المكثفة لمعرفة مواقف واشنطن في المحادثات مع إيران «تجاوزت الخطوط المقبولة».

وتتضمن التقارير مخاوف من أن إسرائيل كثفت جهودها للتنصت على كبار المسؤولين الأميركيين، بينهم ستيف ويتكوف، كبير مفاوضي الرئيس دونالد ترمب؛ وإلبريدج أ. كولبي، كبير مسؤولي السياسات في «البنتاغون»، وأحد أبرز مساعديه، مايكل ب. دي ديمينو الرابع.

وذكر تقرير آخر أعدته «وكالة استخبارات الدفاع الأميركية (DIA)»، إلى جانب مكاتب استخبارات عسكرية أخرى، وركّز على حوادث تعود إلى عدة سنوات، أن مستوى التهديد الذي تمثله إسرائيل في مجال التجسس المضاد ارتفع خلال الأسابيع الأخيرة من «مرتفع» إلى «حرج»، وهو أعلى تصنيف.

ويتناول التقرير، الذي ساهمت فيه «وكالة مكافحة التجسس والأمن» التابعة لوزارة الدفاع، محاولات إسرائيلية مختلفة للتجسس على عسكريين ومسؤولين حكوميين أميركيين.

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن «إير فورس وان» إلى جانب ستيف ويتكوف ووزير الدفاع بيت هيغسيث - 7 مارس 2026 (نيويورك تايمز)

تأتي هذه التقارير والقلق المتزايد بشأن التجسس الإسرائيلي في وقت حساس للغاية؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان الحرب ضد إيران معاً، ولم يسبق أن بلغ التنسيق العسكري بينهما المستوى الحالي، مع عمل ضباط إسرائيليين جنباً إلى جنب مع نظرائهم الأميركيين داخل القيادة المركزية الأميركية.

ويتبادل الجيش الأميركي كميات ضخمة من المعلومات التكتيكية والعملياتية مع إسرائيل، لكن مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى قالوا إن إسرائيل تسعى أيضاً للحصول على معلومات حول استراتيجية ترمب ومواقفه المتغيرة بشأن محادثات السلام.

وقد يؤدي التحذير الجديد إلى تعقيد جهود توسيع التكامل في التخطيط العسكري بين القيادة المركزية الأميركية وإسرائيل؛ خصوصاً إذا قرر «البنتاغون» فرض قيود إضافية على المعلومات التي يتم تبادلها مع الضباط الإسرائيليين.

وشهدت العلاقات بين البلدين بالفعل توترات، في وقت يسعى فيه ترمب إلى اتفاق سلام، بينما يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الدفع نحو مزيد من إضعاف قدرات إيران، وتقويض أو إسقاط نظامها الثيوقراطي، ومهاجمة وكيل طهران، «حزب الله» اللبناني.

وجرى إعداد تقرير وكالة استخبارات الدفاع بعد حوادث اكتشف خلالها مسؤولون دفاعيون أميركيون في إسرائيل أن برامج للتنصت على اتصالاتهم زُرعت سراً على هواتفهم الجوالة.

وكانت شبكة «إن بي سي نيوز» قد أشارت سابقاً إلى وجود تقرير لوكالة الاستخبارات الدفاعية، ورفع مستوى التهديد المرتبط بالتجسس الإسرائيلي.

ورفضت وزارة الدفاع الأميركية التعليق. وقال مسؤول في البيت الأبيض، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، إن الرواية «غير صحيحة».

كما نفى متحدث باسم السفارة الإسرائيلية في واشنطن الادعاءات بأن إسرائيل تشكل تهديداً في مجال التجسس المضاد، مؤكداً أن إسرائيل لا تتجسس على مسؤولين أو مؤسسات أميركية.

ووصف عدد من المسؤولين الأميركيين الحاليين والسابقين هذه التطورات، شريطة عدم الكشف عن هوياتهم بسبب حساسية القضايا الاستخباراتية. وقالوا إن التحذير الاستخباراتي المضاد لا يمثل مفاجأة في بعض النواحي؛ فقد انخرطت إسرائيل منذ فترة طويلة في عمليات جمع معلومات استخباراتية عدوانية ضد أعدائها وحلفائها، كما تفعل الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن مستوى التهديد المرتبط بإسرائيل أصبح الآن أعلى من أي حليف آخر، بل أعلى من بعض الدول المعادية. وقال المسؤولون إن كوريا الجنوبية، التي تُصنَّف أحياناً عند مستوى «مرتفع»، هي الحليف الوحيد الذي يقترب من مستوى القلق المرتبط بعمليات التجسس الإسرائيلية.

ووصف أحد كبار المسؤولين جمع المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية عن كبار المسؤولين الأميركيين خلال إدارة ترمب الثانية بأنه «منفلت».

وقال مسؤولان عسكريان أميركيان إن العاملين الأميركيين؛ خصوصاً أولئك الموجودين في إسرائيل أو العاملين مع الإسرائيليين، كانوا يدركون مسبقاً مخاطر التجسس المضاد، حتى قبل صدور التقرير الأخير.

وأضاف المسؤولون، الذين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم لمناقشة التقييمات الداخلية، إن الأفراد الأميركيين يعتمدون مجموعة من الإجراءات والبروتوكولات الأمنية للمساعدة في مواجهة التهديد وحماية هواتفهم والأجهزة الإلكترونية الأخرى، لا سيما أثناء السفر إلى إسرائيل، لكنهم رفضوا وصف تلك الإجراءات بالتفصيل لأسباب أمنية.

ورغم التعاون الوثيق بين الجيشين، فإن كل طرف يسعى أيضاً إلى حماية معلوماته الأكثر حساسية.

إلبريدج كولبي مسؤول السياسات في «البنتاغون» خلال جلسة في مجلس الشيوخ بواشنطن - 3 مارس 2026 (نيويورك تايمز)

وفي مركز التنسيق المدني العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة في كريات غات بإسرائيل، يعمل العسكريون والدبلوماسيون الأميركيون والإسرائيليون جنباً إلى جنب لتطبيق وقف إطلاق النار في غزة، وتسهيل المساعدات الإنسانية.

لكن المبنى يضم أيضاً طابقاً خاصاً بالأميركيين، وآخر خاصاً بالإسرائيليين، لمناقشة الملفات الأكثر حساسية.

ويشير التقرير إلى أن حوادث التجسس المضاد بدأت تتزايد، منذ أواخر عام 2024، عندما ضغطت إدارة جو بايدن على إسرائيل لتقليص عملياتها العسكرية في غزة، واستمرت خلال عام 2025 مع بحث إدارة ترمب خيارات مهاجمة إيران.

كما يستعرض التقرير الذي تضمن مساهمات من عدد من وكالات الاستخبارات العسكرية، عدة حوادث خلال السنوات الماضية، بينها ضبط ضباط استخبارات عسكرية إسرائيليين عام 2021 وهم يزرعون أجهزة تنصت في مقر وكالة استخبارات الدفاع الأميركية، واكتشاف محاولة لعناصر من جهاز «الشاباك» الإسرائيلي، العام الماضي، زرع جهاز تنصت داخل مركبة تابعة لجهاز الخدمة السرية الأميركية.

ورغم أن وثيقة وكالة استخبارات الدفاع لا تتناول صراحة مفاوضات السلام، فإن تقارير استخباراتية أخرى أثارت مخاوف من تنصت إسرائيليين على ويتكوف وغيره من كبار المفاوضين الأميركيين، خلال محاولتهم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد لصفقة سلام بين الولايات المتحدة وإيران.

وقال مسؤول أميركي سابق رفيع المستوى تعامل بشكل مكثف مع إسرائيل إن اعتماد بعض مسؤولي إدارة ترمب على الطائرات الخاصة، وإجراء أعمال الأمن القومي عبر هواتفهم الشخصية، ورفض الاستعانة بموظفي السفارات الأميركية في الخارج، جعلهم أهدافاً سهلة لأجهزة التجسس لدى الحلفاء والخصوم على السواء.

كما أقرّ مسؤولون حاليون بأن استخدام كبار المسؤولين الأميركيين لهواتفهم الشخصية جعلهم أهدافاً سهلة للتنصت.

وفي بداية الحرب مع إيران، كانت واشنطن وتل أبيب متفقتين إلى حد كبير؛ حيث أيد ترمب هدف نتنياهو الذي طالما سعى إليه، وهو إزاحة النظام الثيوقراطي من السلطة. لكن أهداف الحرب بدأت تتباعد سريعاً، مع تركيز الولايات المتحدة على تقويض القدرات العسكرية الإيرانية لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، بينما كانت إسرائيل تأمل في أن يفقد النظام الإيراني المتشدد قبضته على السلطة.

وليس واضحاً تماماً سبب استهداف إلبريدج كولبي تحديداً، لكنه يُعد من أبرز الداعين داخل الإدارة الأميركية إلى سياسة خارجية أكثر تحفظاً. أما مايكل دي ديمينو، فيتولى ملف سياسات «البنتاغون» الخاصة بالشرق الأوسط؛ ما يجعله موضع اهتمام طبيعي بالنسبة لإسرائيل.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

عراقجي: إيران قدّمت للولايات المتحدة خطة لإعادة فتح مضيق هرمز في 7 أيام

شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)

عراقجي: إيران قدّمت للولايات المتحدة خطة لإعادة فتح مضيق هرمز في 7 أيام

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، إن طهران قدّمت لواشنطن خطّة تقضي بإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة خلال سبعة أيّام. وصرّح عراقجي، من مقرّ…

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيسان الأميركي والصيني في آخر محطات زيارة الدولة في مدخل الأرشيف الوطني يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)

ترمب وشي يمددان الهدنة ويؤجّلان الخلاف

غاب رجال الأعمال الصينيون بشكل لافت عن زيارة الرئيس شي جينبينغ إلى واشنطن، في تباين صارخ مع الحضور الكثيف لعمالقة قطاع الأعمال الأميركي.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يشاهدان العرض العسكري في حديقة الورود بالبيت الأبيض يوم الخميس 24 سبتمبر (د.ب.أ)

الولايات المتحدة تحذر الصين من دعم إيران

كشف السفير الأميركي لدى الصين ديفيد بيرديو جانباً من المحادثات التي دارت بين الرئيس دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، مؤكداً أن الملف الإيراني كان حاضراً.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن )
شؤون إقليمية سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو (أ.ف.ب)

واشنطن وطهران تبحثان مخرجاً تدريجياً للحرب

تبحث الولايات المتحدة وإيران عن مسار تدريجي لإنهاء الحرب المستمرة بينهما منذ نحو سبعة أشهر، في وقت أصبح فيه مضيق هرمز محوراً رئيسياً للمساومة بين الطرفين.

«الشرق الأوسط» (عواصم )
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب) p-circle

ترمب يصف زيارة شي بـ«الإيجابية جداً»... ويبحث معه «حرب إيران»

قال الرئيس الأميركي، الجمعة، إنه ونظيره الصيني أحرزا تقدماً يصب في مصلحة الولايات المتحدة والصين، وذلك في ختام زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الصيني لواشنطن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

عراقجي: إيران قدّمت للولايات المتحدة خطة لإعادة فتح مضيق هرمز في 7 أيام

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)
TT

عراقجي: إيران قدّمت للولايات المتحدة خطة لإعادة فتح مضيق هرمز في 7 أيام

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، إن طهران قدّمت لواشنطن خطّة تقضي بإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة خلال سبعة أيّام.

وصرّح عراقجي، من مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك: «نقلت إيران إلى الولايات المتحدة عبر قطر خطّة ملموسة على سبعة أيّام. وفي حال استيفاء الشروط اللازمة، قد يعاد فتح المضيق، وتعود حركة العبور إلى طبيعتها خلال سبعة أيّام».

وأضاف: «يعود الخيار، الآن، إلى الولايات المتحدة. وإيران لا تقبل بالقمع أو التهديد أو التخويف، وهي لن تتخلّى عن حقوقها السيادية تحت الضغط»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


الولايات المتحدة تحذر الصين من دعم إيران

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يشاهدان العرض العسكري في حديقة الورود بالبيت الأبيض يوم الخميس 24 سبتمبر (د.ب.أ)
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يشاهدان العرض العسكري في حديقة الورود بالبيت الأبيض يوم الخميس 24 سبتمبر (د.ب.أ)
TT

الولايات المتحدة تحذر الصين من دعم إيران

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يشاهدان العرض العسكري في حديقة الورود بالبيت الأبيض يوم الخميس 24 سبتمبر (د.ب.أ)
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يشاهدان العرض العسكري في حديقة الورود بالبيت الأبيض يوم الخميس 24 سبتمبر (د.ب.أ)

وسط تحركات دبلوماسية متسارعة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، برز الملف الإيراني محوراً لاتصالات دولية شملت الولايات المتحدة والصين وروسيا وقطر، في وقت تتزايد فيه الضغوط على طهران بسبب الحرب وأزمة مضيق هرمز. وبينما وجّهت واشنطن تحذيراً مباشراً إلى بكين من تقديم أي دعم لإيران، ظهرت نقطة توافق بين البلدين بشأن ضرورة إبقاء المضيق مفتوحاً أمام الملاحة.

كشف السفير الأميركي لدى الصين ديفيد بيرديو جانباً من المحادثات التي دارت بين الرئيس دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، مؤكداً أن الملف الإيراني كان حاضراً في قمة الزعيمين.

وقال بيرديو، في تصريحات نقلتها شبكة «سي إن بي سي»، الجمعة، إن ترمب أوضح لشي أن أي مساعدة تقدمها الصين لإيران ستكون «غير مقبولة على الإطلاق».

وتأتي هذه الرسالة في وقت تلعب فيه الصين دوراً اقتصادياً مهماً بالنسبة إلى إيران، فيما تسعى بكين في الوقت نفسه إلى تقديم نفسها طرفاً قادراً على المساعدة في خفض التصعيد والدفع نحو المسار الدبلوماسي.

ولم يعلن الجانبان، عقب القمة، تحقيق اختراق في الملف الإيراني. إلا أن شي أكد دعمه لعودة الولايات المتحدة وإيران إلى التفاهمات السابقة واستئناف الحوار، في حين أظهرت تصريحات بيرديو أن واشنطن استغلت اللقاء أيضاً لرسم حدود واضحة أمام أي دعم صيني محتمل لطهران.

توافق حول هرمز

سفن تعبر مضيق «هرمز» وسط استمرار التوتر في الشرق الأوسط (أرشيفية - رويترز)

وفي نقطة أخرى مرتبطة بالأزمة، قال بيرديو إن واشنطن وبكين تتفقان على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة الملاحة.

وأوضح السفير أن الصين تشارك الولايات المتحدة موقفها بشأن أهمية استمرار المرور عبر المضيق، الذي يعد ممراً رئيسياً لتجارة الطاقة العالمية.

ويمثل هذا التوافق نقطة تقاطع بين واشنطن وبكين، رغم اختلاف مواقفهما في كيفية التعامل مع إيران. ويأتي في وقت أصبح فيه المضيق أحد أبرز أوراق المساومة في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب وخفض التصعيد في المنطقة.

وكان الملف الإيراني من أبرز القضايا المتوقع بحثها بين ترمب وشي، في ظل العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين بكين وطهران، ومساعي الصين للحفاظ على دور دبلوماسي في الأزمة.

لا بديل عن الدبلوماسية

وفي نيويورك أيضاً، أكدت موسكو وطهران تمسكهما بالحل الدبلوماسي للأزمة في هرمز.

وقالت وزارة الخارجية الروسية إن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ونظيره الإيراني عباس عراقجي، بحثا خلال لقاء بينهما التطورات الإقليمية والدولية، مع التركيز على الوضع المتعلق بإيران. وأضافت الوزارة أن الجانبين أكدا «عدم وجود بديل عن التسوية الدبلوماسية» للأزمة، التي وصفاها بأنها ناجمة عن «الإجراءات غير القانونية للولايات المتحدة وإسرائيل».

وتناول اللقاء كذلك العلاقات الثنائية وجدول الاتصالات الروسية ـ الإيرانية المقبلة على مختلف المستويات، في مؤشر على استمرار التنسيق بين موسكو وطهران في ظل التصعيد الإقليمي.

تهيئة ظروف الحوار

‌أرشيفية لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الإيراني عباس ‌عراقجي (رويترز)

وبالتوازي، كثّفت قطر اتصالاتها مع طهران في إطار جهودها للوساطة وخفض التصعيد.

وقالت وزارة الخارجية القطرية إن رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بحث مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في نيويورك، «تهيئة الظروف الملائمة للحوار».

وجاء اللقاء على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث بحث الجانبان، وفق البيان القطري، «آخر تطورات الأوضاع في المنطقة، والجهود المبذولة لخفض التصعيد وتهيئة الظروف الملائمة للحوار»، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.

وتأتي التحركات القطرية في إطار جهود الدوحة للمساعدة في فتح قنوات سياسية بين أطراف الأزمة، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى تفاهم أوسع مرتبطة بموقف واشنطن وطهران من شروط التسوية.

كولومبيا تقطع علاقاتها بطهران

وفي تطور آخر يعكس اتساع نطاق الضغوط السياسية على إيران، أعلنت كولومبيا قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، لتصبح أحدث حليف لواشنطن في أميركا اللاتينية يتخذ هذه الخطوة.

ودخل القرار، الذي أعلنته الحكومة الكولومبية الخميس، حيز التنفيذ في 19 سبتمبر (أيلول)، وقالت بوغوتا إنه يستند إلى اعتبارات تتعلق بـ«الأمن القومي للنصف الغربي للكرة الأرضية».

واتهمت الحكومة الكولومبية إيران بإقامة علاقات مع «جماعات إرهابية متورطة في تجارة المخدرات وتهدد أمن البلاد»، من دون أن تقدم أدلة على هذه المزاعم.

كما انتقدت بوغوتا طهران بسبب عرقلة حركة الملاحة في مضيق هرمز ومهاجمة دول أخرى في الشرق الأوسط، في سياق النزاع المستمر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وأشارت الحكومة الكولومبية إلى أنها ستبقي العلاقات القنصلية مع إيران.


واشنطن وطهران تبحثان مخرجاً تدريجياً للحرب

سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو (أ.ف.ب)
TT

واشنطن وطهران تبحثان مخرجاً تدريجياً للحرب

سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو (أ.ف.ب)

تبحث الولايات المتحدة وإيران عن مسار تدريجي لإنهاء الحرب المستمرة بينهما منذ نحو سبعة أشهر، في وقت أصبح فيه مضيق هرمز محوراً رئيسياً للمساومة بين الطرفين. وتبحث المفاوضات، وفق مصادر مطلعة، إمكانية إعادة فتح الممر الملاحي الحيوي أمام حركة السفن في مقابل رفع واشنطن جانباً من الحصار الاقتصادي المفروض على طهران، مع احتمال الإفراج عن بعض الأصول الإيرانية المجمدة.

لكن الطريق إلى اتفاق لا يزال شائكاً، إذ يتمسك كل طرف بأوراق الضغط التي يملكها، ويرفض تقديم تنازل مسبق من دون الحصول على مقابل واضح وضمانات بأن أي تسوية ستستمر.

هرمز مقابل رفع الحصار

وقال مسؤول إيراني كبير إن أحد أكثر السيناريوهات واقعية للخروج من الأزمة يتمثل في اتفاق مرحلي يبدأ بإنهاء الحصار الاقتصادي الأميركي وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، وفق ما ذكرت وكالة «رويترز».

وأضاف المسؤول، متحدثاً على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن «أحد السبل الممكنة للمضي قدماً هو حل الأزمة على مراحل، على أن تكون البداية بإنهاء الحصار ومعاودة فتح مضيق هرمز».

وحسب مصادر إيرانية وإقليمية وغربية، فإن طهران تبدو مستعدة لإعادة النظر في مطلب فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق، بعدما أصبح رفع العقوبات والحصار أولوية أكثر إلحاحاً. وقد يُرحّل هذا المطلب إلى ملحق جانبي بدلاً من إدراجه في الاتفاق الأساسي.

وترفض دول الخليج فكرة فرض رسوم على حركة الملاحة، فيما تقول المصادر الإقليمية إن أي ترتيب محتمل بشأن المضيق سيكون مؤقتاً، ولن يعني بالضرورة تخلي إيران رسمياً عن موقفها المتعلق بإدارتها للممر المائي.

وتتركز إحدى نقاط الخلاف الأساسية على طبيعة السيطرة على المضيق. فبينما تريد واشنطن ضمان حرية الملاحة واستمرار تدفق السفن في واحد من أهم ممرات إمدادات الطاقة العالمية، تتمسك طهران بالحفاظ على دورها الإداري في الممر.

الحصار ورقة واشنطن الرئيسية

سفن تعبر مضيق «هرمز» وسط استمرار التوتر في الشرق الأوسط (أرشيفية - رويترز)

في المقابل، تواصل إدارة الرئيس دونالد ترمب تشديد الضغط الاقتصادي على إيران، مع فرض عقوبات جديدة تستهدف ما تبقى من شرايين اقتصادها، بما في ذلك شركات الطيران التجارية وشبكات الدعم المرتبطة بها.

وتستهدف الحملة الأميركية بصورة خاصة صادرات النفط الإيرانية التي تمثل مصدراً رئيسياً للعملة الصعبة، إضافة إلى القطاعات التي تعتبرها واشنطن مرتبطة بالحكومة و«الحرس الثوري».

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن إيران «تسعى بشدة للتوصل إلى اتفاق»، لكنه أضاف أن ترمب «يمسك بزمام الأمور وسيتخذ القرار الأنسب للولايات المتحدة». وأكد أن الرئيس الأميركي لا يزال «منفتحاً على الحوار مع إيران في ظل الظروف المناسبة»، لكنه لا يشعر بأنه مضطر إلى التفاوض.

وحسب المسؤول نفسه، ترى الإدارة الأميركية أن العقوبات والحصار وضعا الاقتصاد الإيراني تحت ضغط شديد، وأن واشنطن تمتلك، في الوقت الراهن، أوراقاً قوية في مواجهة طهران.

ويرى المفاوض الأميركي السابق، دينيس روس، أن الحصار يمثل أحد أهم عناصر الضغط على إيران، لكنه يعتقد في الوقت نفسه أن الضغوط الاقتصادية قد تدفع طهران إلى التصعيد بدلاً من تقديم تنازلات، إذا خلصت إلى أن تخفيف موقفها سيعرضها للخطر.

انتخابات الكونغرس تضيق هامش المناورة

قبة مبنى «الكابيتول»... مقر «الكونغرس» الأميركي (رويترز)

وتكتسب الانتخابات الأميركية النصفية المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) أهمية خاصة في حسابات المفاوضات. وكان ترمب قد أعرب عن اعتقاده بإمكان التوصل إلى اتفاق مع إيران بعد الانتخابات، فيما يرى مسؤولون وخبراء أن الموعد الانتخابي قد يؤثر في حسابات الطرفين، من دون أن يمثل بالضرورة نهاية المسار الدبلوماسي.

وقال روس إن احتمال التوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات لا يتجاوز، وفق تقديره، 30 في المائة، لكنه أشار إلى أن لدى الطرفين أسباباً قد تدفعهما إلى إبرام تسوية قبل موعدها.

ومن شأن إعادة فتح مضيق هرمز أن تخفف التوتر في الخليج، وتساعد في الحد من الضغوط على أسعار النفط والبنزين في الولايات المتحدة، وهي قضية ذات حساسية سياسية بالنسبة إلى الإدارة الأميركية.

وفي المقابل، قد تستفيد إيران من أي تخفيف اقتصادي في وقت تواجه فيه ضغوطاً شديدة على اقتصادها.

ويحذر روس من أن هامش المناورة أمام ترمب قد يتسع بعد الانتخابات، بما قد يتيح له مواصلة الضغوط أو بحث خيارات أخرى إذا فشلت المفاوضات.

«أوراق الضغط» نفسها تعرقل التسوية

المفارقة في مفاوضات نيويورك أن الأدوات التي أعادت واشنطن وطهران إلى طاولة الحوار قد تكون نفسها العقبة أمام التوصل إلى اتفاق. فالولايات المتحدة تملك أدوات اقتصادية وعسكرية يمكنها من خلالها الضغط على إيران، فيما تملك طهران ورقة مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية. ولا يبدو أي من الطرفين مستعداً للتخلي عن ورقته الرئيسية قبل الحصول على مقابل ملموس، الأمر الذي يجعل التفاوض يدور حول سؤال أساسي: من يبدأ بالتنازل؟

وقال مسؤول غربي مطلع على المحادثات إن «المسألة برمتها تتعلق بفتح مضيق هرمز»، مضيفاً أن الضغوط الداخلية الواقعة على مختلف الأطراف أصبحت جزءاً من حسابات المفاوضات.

ويرى محللون أن انتخابات التجديد النصفي قد تمثل، في هذا السياق، موعداً مهماً لإعادة تقييم المسار الدبلوماسي، أكثر من كونها مهلة نهائية للمفاوضات. وإذا لم تتمكن واشنطن وطهران من تحويل أوراق الضغط إلى اتفاق قبل الانتخابات، فقد تضيق مساحة المناورة أمام الحلول الدبلوماسية ويتزايد خطر العودة إلى التصعيد.

طهران: الاتفاق غير مضمون

عراقجي مجتمعاً بقائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران يوم 23 مايو (إ.ب.أ)

ورغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية، لا تتصرف إيران على أساس أن الحرب انتهت أو أن التوصل إلى اتفاق مضمون. وقال مسؤول إيراني كبير إن بلاده تستعد لاحتمال تجدد القتال، متهماً الولايات المتحدة باستخدام الحصار الاقتصادي والتهديد بالقوة للضغط على طهران.

وأضاف: «أصابعنا على الزناد. يعرف الأميركيون ما يتعين عليهم فعله، لكن فرص حل الأزمة عبر الدبلوماسية ضئيلة للغاية بسبب مطالبهم المبالغ فيها».

ويعكس هذا الموقف حالة التناقض التي تحكم المفاوضات: طهران تحتاج إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية، لكنها تخشى أن يؤدي تقديم تنازلات واسعة إلى إضعاف موقفها، فيما تريد واشنطن استخدام الضغط للحصول على تنازلات قبل تقديم تخفيف اقتصادي كبير.

وقال آلان آير، وهو مفاوض أميركي سابق بشأن الملف الإيراني، إن العقوبات تلحق ضرراً بإيران، لكنها قد تدفعها أيضاً إلى التشدد، لأن القيادة الإيرانية قد ترى أن تقديم تنازلات كبيرة يهدد بقاءها.

بزشكيان: القرار في يد واشنطن

بزشكيان يلقي كلمة أمام الجمعية العامة في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك (رويترز)

وفي موازاة مفاوضات نيويورك، سعى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى تحميل واشنطن مسؤولية تحديد مستقبل الحرب، مؤكداً أن طهران لا تسعى إلى استمرار القتال لكنها لن تقبل الخضوع للولايات المتحدة.

وقال بزشكيان، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» الأميركية بُثت مساء الخميس، إن «أميركا هي التي يجب عليها أن تختار ما إذا كانت تريد إنهاء هذا الأمر أم لا».

وأضاف أن إيران مستعدة للتوصل إلى اتفاق مع ترمب، مشيراً إلى أن حل المشكلات عبر الحوار أفضل من «قتل بعضنا بعضاً». واتهم إسرائيل بالتحريض الذي أدى، وفق روايته، إلى اندلاع الحرب.

وتساءل بزشكيان عن أسباب انهيار وقف إطلاق النار السابق بعد أسبوعين من توقيعه، وقال إن طهران مستعدة لاتفاق «ضمن الأطر القانونية الدولية»، سواء تم التوصل إليه قبل انتخابات التجديد النصفي أو بعدها.

وجاءت تصريحات الرئيس الإيراني بعد اجتماع جمع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر ترمب، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولم تسفر المحادثات عن اختراق معلن.

احتمال استئناف العمل العسكري

ولا تقتصر تداعيات المفاوضات على واشنطن وطهران. فقد سعى قادة دول المنطقة، خلال اجتماعات منفصلة مع ترمب في نيويورك، إلى الحصول على توضيحات بشأن الخطط الأميركية بعد انتخابات التجديد النصفي، بما في ذلك احتمال استئناف العمل العسكري إذا فشلت إيران في العودة إلى مسار التفاوض.

وأبدت دول المنطقة رفضها لأي سيطرة إيرانية على مضيق هرمز، وشددت على ضرورة ضمان حرية الملاحة وعدم تحويل الممر الاستراتيجي إلى أداة للضغط على دول المنطقة. لكن هذا الموقف ترافق مع دعوات قوية إلى خفض التصعيد وبدء مسار سياسي، في مؤشر على رغبة دول الخليج في تجنب الانجرار إلى مواجهة جديدة بين واشنطن وطهران.

لا اختراق حاسماً في نيويورك

بزشكيان يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)

ويرى محللون أن الاتصالات الحالية لم تؤد حتى الآن إلى تغيير جوهري في مواقف الطرفين. وقال داني سيترينوفيتش، المحلل الإقليمي والضابط السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، إن محادثات نيويورك لم تغير المواقف الأساسية لواشنطن وطهران، وإن إيران قد لا تكون مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة ما دامت تعتقد أن ترمب يسعى إلى تجنب تصعيد أوسع قبل الانتخابات النصفية.

وفي الوقت نفسه، تواجه واشنطن معادلة دقيقة: فهي تريد الحفاظ على الضغط لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، لكنها تحتاج أيضاً إلى تفادي استمرار إغلاق مضيق هرمز وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

أما طهران، فتسعى إلى رفع الحصار والحصول على متنفس اقتصادي، لكنها تريد الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من أوراقها التفاوضية.

وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن مفتاح أي اتفاق محتمل يكمن في صيغة مرحلية تتيح لكل طرف الحصول على مكسب أولي من دون الاضطرار إلى إعلان تخليه عن أوراق الضغط الرئيسية. غير أن ضمان استمرار أي تفاهم، بعد انهيار اتفاقات سابقة، يبقى التحدي الأكبر أمام مفاوضي واشنطن وطهران.