في متحف الذهب الأسود بالرياض... التصميم في خدمة الفن

حوار مع المهندس المعماري ديوا كانغ عن إعادة تصور المباني الثقافية وتصميم المتاحف

التصميم الداخلي لمتحف الذهب الأسود «كابسارك» (هيئة المتاحف)
التصميم الداخلي لمتحف الذهب الأسود «كابسارك» (هيئة المتاحف)
TT

في متحف الذهب الأسود بالرياض... التصميم في خدمة الفن

التصميم الداخلي لمتحف الذهب الأسود «كابسارك» (هيئة المتاحف)
التصميم الداخلي لمتحف الذهب الأسود «كابسارك» (هيئة المتاحف)

متحف الذهب الأسود في الرياض الذي فتح أبوابه في أبريل (نيسان) الماضي لم يكن فقط فريد من نوعه وطرحه؛ حيث إنه يتحدث عن النفط وتاريخه من خلال الفن المعاصر، بل تميز أيضاً بوجوده داخل مبنى كابسارك الذي صممته الراحلة زها حديد. المبنى بتصميمه المميز والمنساب برشاقة يعد تحفة معمارية وبتخصيص قاعاته بعد إعادة تصميمها إلى متحف للذهب الأسود تحول إلى مركز ثقافي فني بامتياز، أو كما وصفه البيان الصحافي وقت الافتتاح «معلم معماري أعيد تصوره».

متحف الذهب الأسود «كابسارك» مبنى أيقوني بتصميم زها حديد (هيئة المتاحف)

نتحدث مع المعماري ديوا كانغ الذي كُلف بتصميم المساحات الداخلية عن المبنى وعن عملية التغيير التي أخذته من كونه مكتبة بحثية لصورته الحالية كأول متحف عن تاريخ النفط وارتباطه بالفن المعاصر. حين كلف كانغ بتصميم المتحف لم تكن الفكرة تشييد مبنى جديد، بل الاستفادة من المبنى القائم في الرياض، وبالفعل انطلق العمل لتأهيل المساحة لتصبح مناسبة للعرض المتحفي. يرى ديوا كانغ أن مشروع تصميم المتحف هو «أكثر مشاريع إعادة استخدام المباني الثقافية طموحاً في السعودية»، ويرى الفرص الهائلة أمام الاستفادة من المباني الموجودة بأقل تدخل إنشائي ممكن.

ديوا كانغ (جيرمين بينز)

أطلق حواري مع ديوا كانغ بالحديث حول تصميم المتحف الممتد على 4 طوابق من القاعات الدائمة.

بداية يشير إلى نقطة مهمة، وهي أنه كان أحد المصممين في مكتب زها حديد التي صممت مبنى «كابسارك» منذ 20 عاماً. يقول: «طوّرتُ علاقة رائعة مع المملكة والشعب السعودي من خلال هذا المشروع، وكنتُ دائماً على اتصال وثيق بمركز كابسارك للأبحاث. كان لديهم مركز أبحاث نابض بالحياة، يضمّ العديد من الباحثين، وكان هناك مركز مؤتمرات، وكانوا يقيمون فعاليات متنوعة». ولكن التطور الرقمي أدى إلى تقلص استخدام المكتبة، وهو ما دفع في التفكير لاتجاه جديد للاستفادة من المساحة الموجودة. وقتها كان كانغ قد أسس استوديو تصميم خاص به «دايو كانغ ديزاين» في لندن. يقول إن فكرة تصميم متحف داخل المبنى جاءت من رغبة المسؤولين في «التوصل إلى أفضل طريقة لتفعيل المبنى بشكل يتجاوز استخدامه السابق».

جانب من التصميم الداخلي للمتحف (ديوا كانغ ديزاين-حسن الشطي)

البداية... فكرة وقائمة

بدأ المشروع بفكرة وقائمة بالأعمال الفنية المقترح إضافتها للمتحف كما يقول: «أدركنا أنها فكرة رائعة حقاً، وأن المساحة كانت مثالية، وإن كانت صعبة للغاية. كان علينا تغيير التصميم المعماري بالكامل لتحويله إلى متحف، لكنه الآن أصبح مثالياً لعرض الاعمال المقترحة، وقد نجحنا بالفعل في ابتكار مساحة لا يمكن تخيلها. أعتقد أن الناس عندما يزورون المكان، يندهشون ويقولون: يا له من متحف! لم يتخيلوا قط أن له وظيفة مختلفة من قبل؛ لذا، أشعر بفخر كبير بهذا الإنجاز».

فصل الأحلام في متحف الذهب الأسود (هيئة المتاحف)

من مكتبة بحثية إلى متحف

يتحدث عن تغييرات جذرية لتحويل المكان من وضعه السابق إلى متحف وأسارع بالسؤال عن التفاصيل، يجيب: «التغيير الأكبر هو الانتقال بالمكان من كونه مكتبة بحثية ذات رفوف مفتوحة، حيث تجد كتابك، ثم تعود إلى ركن قراءة صغير للدراسة»، وبين مساحة لعرض الأعمال الفنية. «في المكتبة لا يُستخدم إلا جزء صغير جداً من المساحة. أما بالنسبة للمتاحف التي تضم مجموعة دائمة كبيرة كما هو الحال لدينا، فيجب تحويل المساحة بأكملها إلى صالات عرض».

قصة النفط في متحف الذهب الأسود بالرياض (هيئة المتاحف)

مسارات وزوار

تطلب الأمر تغيير مسار الحركة في المبنى بالكامل بحسب كانغ «في المتحف ينتقل الزائر من قطعة فنية إلى أخرى، وهكذا دواليك؛ ما يجعل التجربة أشبه برحلة؛ لذا، أزلنا جميع مسارات الحركة الرئيسية، واضطررنا إلى إنشاء مسارات جديدة تتمحور حول درج حلزوني كبير يصعد إلى الأعلى عبر 4 طوابق من المعارض، وهي رحلة أكثر استقامة، فأصبح المكان أشبه بمساحة عامة كبيرة؛ حيث يمكن للناس التجمع، ويتنقلون بين المعارض الواحد تلو الآخر».

من الأعمال في فصل الأحلام في متحف الذهب الأسود (هيئة المتاحف)

يتكون المتحف من 4 قاعات رئيسة، وبحسب التصميم الداخلي يعود الزائر بعد الانتهاء من كل قسم إلى الدرج الحلزوني الفسيح ليصعد للطابق التالي: «هذا يخلق معلماً بارزاً وتجربة مشتركة لكل من يزور المتحف، مع إضافة درج آخر مختلف للنزول حتى لا يضطر الزوار للعودة من الطريق نفسه الذي أتوا منه».

ماذا عن حركة الزوار، والمساحات التي يمكنهم فيها الوقوف أو الجلوس؟ وما مدى سهولة رؤية المعروضات والتجول فيها؟ يجيب قائلاً: «من المهم، بل من الضروري، خاصةً في صالات العرض، مراعاة انسيابية حركة الزوار؛ لذا أنشأنا العديد من الأماكن المميزة المُخصصة للزوار للاسترخاء والجلوس. أما في صالات العرض، كما ذكرت، فنحن نُسهّل على الزوار التنقل بين المعروضات».

مساحات للراحة والتأمل

زيارة أي متحف تحتاج إلى مساحات للراحة أو التأمل، يوافق ويضيف: «أضيف إلى ذلك أهمية تصميم صالات عرض بأشكال وأحجام متنوعة يمكن استخدامها، لخلق إيقاعات ووتائر مختلفة لتجربة المتحف؛ لأنّ الأمر يستغرق فعلاً ساعتين أو أكثر، وربما 3 ساعات، إذا تجوّلت في المعرض بأكمله الذي يضمّ 350 قطعة؛ لذا، لا بدّ من وجود فتراتٍ تتنقل فيها بين أروقةٍ طويلة، وفتراتٍ أخرى تزور فيها قاعاتٍ كبيرة تضمّ قطعاً أثرية ضخمة؛ لذا، سعينا لخلق مساحاتٍ هادئةٍ بين هذه المساحات. ففي كلّ مرّةٍ تغادر فيها المعرض، وتنتقل إلى الطابق التالي، تجد مساحةً تُشجّعك على أخذ قسطٍ من الراحة الذهنية. ونعتقد أنّ هذا مهمٌّ للغاية، فدور هذه المتاحف هو أن تجعل الناس يُفكّرون مليّاً في موضوع المعرض».

من أعمال الفنانة السعودية منال الضويان في متحف الذهب الأسود (هيئة المتاحف)

عرض الأعمال الفنية

بالنسبة لتصميم مساحات العرض يقول: «كان علينا ابتكار مساحات مثالية لعرض الأعمال الفنية ففي تصميم زها حديد للمبنى كل شيء يتسم بالديناميكية، من دون جدران عمودية؛ لذا، ابتكرنا طرقاً مختلفة لإنشاء جدران لعرض الأعمال الفنية وأماكن لوضع المنحوتات.» كمثال يشير إلى صورة من داخل المبنى قبل إجراء التعديلات، ويقول: «هنا نرى الجدران المائلة، وكان علينا أن نجد طرقاً مختلفة لإنشاء مساحة عمودية لتعليق الأعمال الفنية».

أتابع السؤال حول التغييرات في المبنى: «ذكرتَ أنكم اضطررتم لإجراء بعض التغييرات لأن الجدران لم تكن مُهيأة تماماً لتعليق المعروضات. هل أجريتم أي تغييرات دائمة لاستيعاب المجموعة أو الوظيفة الجديدة للمكان كمتحف؟». يقول: «نعم، بالتأكيد. لقد بذلنا قصارى جهدنا، لإزالة جميع أجزاء التصميم الداخلي، وإعادة بنائها لإنشاء صالات العرض، أما الهيكل الرئيسي، فقد حافظنا عليه بالكامل لتقليل الأثر البيئي».

جانب المعروضات في المتحف (واس)

بشكل ما لم تكن مهمة كانغ في إعادة تصور المبنى من الداخل صعبة؛ حيث إنه كان من فريق التصميم الذي أنشأ المبنى الأساسي: «بالنسبة لي، كنت أعرف أفضل طريقة لإجراء التغييرات دون الإخلال بالتصميم الأصلي، وكنت أعرف أيضاً أين تكمن إمكانية تحسينه، وتمكنا من تحقيق بعض ذلك في التصميم؛ لذا أعتقد أن بعض هذه العناصر أكثر ديناميكية وتفاعلية من الناحية المكانية مما كان عليه الوضع سابقاً. هناك الكثير من التفاصيل الجميلة».

«وماذا عن الإضاءة واستخدامها ضمن التجربة المتحفية؟». يجيب: «في العرض المقام في القبو شعرت مصممة العرض ناتالي بأن استخدام هذه المساحة يوفر فرصة عظيمة لعرض بعض المقاطع الارشيفية، عندما تنزلون إلى القاعة ستجدون الإضاءة خافتة وكأنكم في باطن الأرض. ساعدناها في تحقيق ذلك من خلال التصميم المعماري أيضاً. كل شيء أسود. ثم عندما تصعدون إلى المساحات الأخرى، تجدون مساحاتٍ زاهية الألوان، ثم مساحةً رمادية باهتة».

الدرج الحلزوني في متحف الذهب الأسود (ديوا كانغ ديزاين)

المستقبل

بعد 6 سنوات من العمل يلخص كانغ تجربته وانطباعه عن المتحف: «أعتقد أن مستقبل المتاحف يكمن في فكرة تكييف المباني القائمة، نظراً لأهمية العامل البيئي. من المهم جداً بالنسبة لي أن نُدرك أن الإبداع لا يقتصر على الأشياء الجديدة كلياً، بل يمكننا أيضاً العمل مع التراث والمباني القائمة، عبر تقديم تصميمات جذابة ومبتكرة. البعض يرى أن الأهم هو الحفاظ على التراث أو ترك كل شيء على حاله، لكنني أرى الفرق في حالة متحف الذهب الأسود، إنه أشبه بتحوّل حقيقي، ولكنه حافظ على ما قدمته المهندسة زها حديد».

عن المتحف

وبحسب البيان الصحافي، يتألف المتحف من 4 أقسام تفاعلية تحمل عناوين: «اللقاء»، و«الأحلام»، و«الشكوك»، و«الرؤى». ويستعرض قسم «اللقاء» بدايات اكتشاف النفط واستخداماته المبكرة في منتصف القرن التاسع عشر، وما أحدثه من تحولات في أنماط الحياة مع تسارع التصنيع. أما «الأحلام» فيتتبّع تحوّل النفط إلى مورد أعاد تشكيل المجتمعات، وعزز الطموحات التنموية. ويقدم «الشكوك» قراءة لتأثير النفط والمفارقات المعقدة للاعتماد البشري عليه، في حين يستشرف «الرؤى» المستقبل عبر برنامج متجدد يفتح المجال للحوار والاكتشاف.

ويتناول متحف الذهب الأسود النفط من منظور إنساني وثقافي وفني، ويقدم مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها ما يزيد على 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة، من بينهم منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان، إلى جانب آخرين، كما يضم المتحف تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات وأنماط الحياة اليومية.


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق تنطلق فعالية «ليلة المتاحف» في 16 يوليو الحالي (فيسبوك)

«ليلة المتاحف» تحتفي بوجه لبنان الثقافي المُضيء

تشارك في هذه الأمسية مجموعة من أبرز المتاحف، وتبدأ الزيارات من الـ5 مساءً حتى الـ11 ليلاً...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

«المتحف المصري الكبير» لتعزيز حضوره دولياً بمكتبة ضخمة عن الآثار

يعزز المتحف المصري الكبير حضوره دولياً بافتتاح مكتبة ضخمة متخصصة في العلوم المرتبطة بالآثار والتاريخ.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق عناصر من الشرطة الفرنسية خلال مهمة أمنية (أ.ف.ب - أرشيفية)

سرقة مجوهرات في عملية سطو خاطفة بمتحف فرنسي

قال مسؤولون في متحف فرنسي إن لصوصاً سرقوا مجموعة من المجوهرات في عملية سطو خاطفة استهدفت أعمال صانع الزجاجيات والمجوهرات الفاخرة رينيه لاليك وعائلته.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

في متحف الذكاء الاصطناعي تشعر بالفن... وهو بدوره يشعر بك

يُعدّ «داتالاند»، الذي أسّسه أناضول وزوجته الرسامة إفسون إركيليتش، إضافةً مُرتقبةً بشدة إلى المشهد الفني - التقني المُزدهر في لوس أنجليس.


موجة الحر في أوروبا تنعش السياحة بالساحل الشمالي المصري

الساحل الشمالي يشهد زخماً من السائحين الأجانب (مدينة العلمين الجديدة)
الساحل الشمالي يشهد زخماً من السائحين الأجانب (مدينة العلمين الجديدة)
TT

موجة الحر في أوروبا تنعش السياحة بالساحل الشمالي المصري

الساحل الشمالي يشهد زخماً من السائحين الأجانب (مدينة العلمين الجديدة)
الساحل الشمالي يشهد زخماً من السائحين الأجانب (مدينة العلمين الجديدة)

انعكست موجة الحر الشديدة التي داهمت دولاً أوروبية، خلال الفترة الماضية، بشكل إيجابي على الحركة السياحية الوافدة إلى الساحل الشمالي المصري، مما زاد نسبة الإشغالات إلى نحو 90 في المائة لبعض الفنادق، كما وصلت أسعار الإيجارات في بعض الأماكن إلى مبالغ مرتفعة تصل إلى 14 ألف دولار لبعض الوحدات والفيلات والشاليهات، وفق ما ذكرته وسائل إعلام إقليمية.

ووصلت موجة الحر في أوروبا إلى درجات حرارة قياسية اقتربت من 50 درجة مئوية في بعض المدن، وتسببت الموجة في اشتعال حرائق بالغابات، مما انعكس بشكل أو آخر على الإقبال السياحي في منطقة الساحل الشمالي بمصر.

ويرى الخبير السياحي المصري، الدكتور حسام هزاع، أن «ما يحدث في الساحل الشمالي من إقبال كبير للسياحة الوافدة لا ينحصر على الاستفادة من موجة الحر في أوروبا، لكنه نتيجة عمل وتخطيط استمر لسنوات»، مضيفاً، لـ«الشرق الأوسط»: «هذا لا يمنع أنه عندما ارتفعت درجات الحرارة، بشكل قياسي، في عدد من الدول الأوروبية، بدأ كثير من الناس هناك يبحثون عن وجهة بحرية مختلفة توفر الشواطئ الجميلة، والخدمة المميزة، وفي الوقت نفسه بتكلفة معقولة».

كانت وزارة السياحة والآثار المصرية قد أعلنت من قبل العمل جدياً على جذب السياحة الوافدة إلى الساحل الشمالي، خصوصاً مع إنشاء مدن جديدة بمواصفات خاصة مثل العلمين الجديدة، وزيادة عدد الغرف الفندقية بالمنطقة وربطها بمسارات سياحية مختلفة، فبالإضافة إلى السياحة الشاطئية هناك برامج سياحية تربط الساحل الشمالي مع سيوة، في مسار سياحي مبتكر.

ويشير هزاع إلى وجود «منتجعات وفنادق عالمية، ومراسٍ سياحية، ومطاعم، ومناطق ترفيه على أعلى مستوى، إلى جانب شبكة طرق حديثة وزيادة الرحلات لمطار العلمين الدولي، فأصبح الوصول أسهل، والخدمة أفضل».

الساحل الشمالي وجهة سياحية مصرية واعدة (العلمين الجديدة)

وأضاف أن «حملات الترويج الدولية، مع الزخم الإعلامي الذي حققته مدينة العلمين الجديدة، أسهمت في تغيير الصورة الذهنية عن الساحل الشمالي، وأثبتت أنه أصبح مقصداً سياحياً عالمياً، وأعتقد أن نسب الإشغال المرتفعة التي وصلت في بعض الفنادق إلى نحو 90 في المائة هي رسالة واضحة بأن الساحل الشمالي أصبح ينافس بقوة على خريطة سياحة البحر المتوسط».

وبينما تبدأ أسعار إيجارات الغرف الفندقية والشاليهات في بعض الأماكن بالساحل الشمالي من 2400 جنيه لليوم الواحد (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً مصرياً)، إلا أنها تصل، في أماكن أخرى، إلى 100 ألف جنيه في اليوم، وفق موقع «Booking.com» المتخصص في حجوزات السفر والفنادق، بل تصل أحياناً إلى أكثر من مليون جنيه في اليوم الواحد للأجنحة المميزة في الفنادق الفاخرة.

ووفق الخبير السياحي المصري، محمد كارم، فإن موجة الحر في أوروبا أسهمت، بشكل لافت، في إعادة توجيه جزء كبير من حركة السياحة الأوروبية نحو المقصد السياحي المصري، خصوصاً المناطق الساحلية، عادّاً «الخدمات المتكاملة والأسعار التنافسية أبرز العوامل التي أدت لهذا الجذب».

وأضاف كارم، لـ«الشرق الأوسط»، أن «وصول نسبة الإشغالات إلى 90 في المائة مرتبط ببعض الأماكن، لكنه مؤشر مهم؛ لأن ارتفاع نسب الإشغال يعزز حضور المنطقة على الخريطة السياحية العالمية».

ولفت كارم إلى عوامل أخرى تؤدي للجذب السياحي لمنطقة الساحل الشمالي، مثل تطوير البنية التحتية والطرق المؤدية للساحل والتوسع في الطاقة الفندقية وزيادة عدد رحلات الطيران المباشرة والفعاليات الفنية والسياحية التي تجرى في الساحل، وفي العلمين تحديداً، تعزز التدفق في الحركة السياحية. وتابع: «لكن التغيرات المناخية في أوروبا أصبحت تؤثر جداً في اختيارات السائح خلال الصيف، وما يشهده الساحل الشمالي جعل مصر واجهة مهمة على الخريطة العالمية للسياحة الشاطئية».

ويشهد الساحل الشمالي في موسم الصيف عدداً من الفعاليات والحفلات الهادفة إلى تنشيط السياحة وجذب السائحين، وكان أحدثها أخيراً مبادرة «يللا ساحل» التي أطلقها مجموعة من رجال الأعمال والمطورين العقاريين في مدينة العلمين الجديدة، وتتضمن إقامة حفلات فنية لكبار نجوم الطرب، وفعاليات متنوعة تستهدف تنشيط السياحة.


فنانون مصريون للمشاركة في موسم الصيف السينمائي بعد غياب

يسرا تنافس بفيلم «الست لما» في موسم الصيف (الشركة المنتجة)
يسرا تنافس بفيلم «الست لما» في موسم الصيف (الشركة المنتجة)
TT

فنانون مصريون للمشاركة في موسم الصيف السينمائي بعد غياب

يسرا تنافس بفيلم «الست لما» في موسم الصيف (الشركة المنتجة)
يسرا تنافس بفيلم «الست لما» في موسم الصيف (الشركة المنتجة)

يستعد عدد من الفنانين المصريين لخوض المنافسة في موسم الصيف السينمائي مجدداً، إذ يشهد الموسم الأكثر حضوراً من الجماهير وفق نقاد، عودة يسرا، ورامز جلال، وياسمين عبد العزيز، ومحمد هنيدي بعد غياب سنوات عن «الشاشة الكبيرة».

وتعود الفنانة يسرا للسينما بعد عامين من الغياب من خلال فيلم «الست لما»، والذي تدور أحداثه في إطار اجتماعي كوميدي، ويتصدر بطولته إلى جانب يسرا، درة، وياسمين رئيس، ومحمد أنور، وهو من تأليف مصطفى بدوي، وكيرو أيمن فوزي، وإخراج خالد أبو غريب.

وقبل عامين قدمت يسرا بطولة فيلم «ليلة العيد»، الذي تم تصويره، وتأجل طرحه للعرض الجماهيري أكثر من عامين حينها، كما لم تشارك يسرا في تقديم أعمال درامية رمضانية خلال هذه المدة، بل شاركت في فعاليات «موسم الرياض» بمسرحية «ملك والشاطر» التي جمعتها بالفنان أحمد عز.

وعادت الفنانة ياسمين عبد العزيز للشاشة الكبيرة عبر فيلم «خلي بالك من نفسك»، الذي تدور أحداثه في إطار كوميدي، وبدأ عرضه في بعض دول الخليج، وذلك بعد مرور 8 سنوات دون مشاركة سينمائية منذ تقديمها لفيلم «الأبلة طم طم»، وانشغالها بالتواجد وتصدر بطولة مسلسلات بموسم دراما رمضان سنوياً، من بينها «ونحب تاني ليه»، و«ننسى اللي كان».

ويعد فيلم «خلي بالك من نفسك»، ثنائية فنية تجمع بين ياسمين عبد العزيز، وأحمد السقا لأول مرة في عمل سينمائي، تأليف شريف الليثي، وإخراج معتز التوني.

ياسمين عبد العزيز تعود للسينما مع أحمد السقا (الشركة المنتجة)

وبعد سلسلة من «برامج المقالب» التي اشتهر بها رامز جلال في موسم رمضان مثل «رامز جاب من الآخر»، و«رامز إيلون مصر»، و«رامز ليفل الوحش»، يعود الفنان المصري للمنافسة السينمائية مجدداً عبر الفيلم الكوميدي «بيج رامي»، تأليف مصطفى عمر، وفاروق هاشم، وإخراج محمود كريم، وتشاركه البطولة بسمة بوسيل في أولى تجاربها التمثيلية، وذلك بعد غياب منذ تقديمه لفيلم «أخي فوق الشجرة» قبل 3 سنوات.

وعن رأيها بعودة بعض الفنانين للمنافسة في موسم الصيف السينمائي بعد غياب سنوات، وأثر ذلك على صناعة السينما بمصر، أكدت الناقدة الفنية المصرية ماجدة خير الله لـ«الشرق الأوسط»، أن «استمرار عمل النجوم الكبار مفيد للسوق ما دام لهم قبول جماهيري».

وأشارت ماجدة خير الله، إلى صعوبة التوقع بنتائج الأفلام التي غاب أبطالها سنوات، واستقبال الجمهور لها، خصوصاً أن النجاح عادة يعتمد على عوامل مثل توقيت الطرح، والفكرة والقبول، لافتة إلى أن «الاستهلاك التلفزيوني لبعض الفنانين قد يتسبب في قلة الإقبال عليهم بالسينما، لكن النجاح عموماً بالوقت الحالي مرتبط بالجمهور الشاب، والموضوع الجاذب»، على حد تعبيرها.

رامز جلال يعود سينمائياً خلال موسم الصيف (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن وجود نجوم عدة في صدارة «الست لما»، إلى جانب يسرا أمر إيجابي، خصوصاً أن «تطعيم الموضوع بوجوه متعددة يضعه في مكانه مهمة، فمن الصعب الاعتماد على نجم واحد من جيل سابق دون الاستعانة بعناصر أخرى وقصة قوية»، وفق قولها.

وإلى جانب الأفلام السابقة، يعود الفنان محمد هنيدي للسينما من خلال فيلم «الجواهرجي»، تأليف عمر طاهر، وإخراج إسلام خيري، والذي تأجل عرضه لسنوات، وذلك منذ تقديمه لفيلم «مرعي البريمو» قبل 3 سنوات، وبطولته لمسلسلات إذاعية مثل «حلم حليم»، و«أخطر خطير»، وتقديمه لمسرحيات بـ«موسم الرياض» مثل «المجانين»، و«تاجر السعادة».


شبح «البطالة الفنية» يدفع ممثلين مصريين للبحث عن مهن أخرى

الفنان رامي نادر نشر ما يفيد بحثه عن وظيفة ثابتة (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان رامي نادر نشر ما يفيد بحثه عن وظيفة ثابتة (صفحته على «فيسبوك»)
TT

شبح «البطالة الفنية» يدفع ممثلين مصريين للبحث عن مهن أخرى

الفنان رامي نادر نشر ما يفيد بحثه عن وظيفة ثابتة (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان رامي نادر نشر ما يفيد بحثه عن وظيفة ثابتة (صفحته على «فيسبوك»)

عادت قضية «البطالة الفنية» مرة أخرى إلى الواجهة في مصر، وعاد النقاش حول تحوُّل بعض الفنانين للبحث عن مهن أخرى، وهو ما ظهر بإعلان الفنان رامي نادر رغبته في العمل خارج الوسط الفني، مؤكداً أنَّه يبحث عن فرصة ثابتة لعمل مكتبي، وطلب من متابعيه على «فيسبوك» مساعدته في العثور على فرصة عمل.

وتصدَّر الفنان رامي نادر «الترند» على «غوغل» في مصر، الجمعة، بعد أن كتب عبر حسابه بـ«فيسبوك» أنه يبحث عن عمل مكتبي أو من المنزل لأي عدد من الساعات، واستعرض مهاراته وما يجيده من أعمال خصوصاً المتعلقة بالكمبيوتر والتكنولوجيا، ومستواه في اللغة الإنجليزية.

وشارك رامي نادر في أكثر من 20 عملاً درامياً وفيلماً سينمائياً، بالإضافة إلى عشرات الأعمال المسرحية، ومن الأعمال التي شارك فيها أفلام «ألف مبروك»، و«تك تك بوم»، و«تعويذة تو»، و«هرج ومرج»، ومسلسلات «راجل وست ستات»، و«حكايات البنات» و«حرمت يا بابا»، و«اللعبة»، و«الصفارة»، و«كارثة طبيعية»، و«تامر وشوقية».

ويظلُّ شبح البطالة يطارد الفنانين، وهو ما ظهر في حالات كثيرة، وشكاوى أعلنها فنانون آخرون من قبل؛ بسبب قلة الفرص التي تُعرَض عليهم أو انعدامها، ومن بينهم مها أحمد وفادي خفاجة ورضا حامد، وكان الفنان توفيق عبد الحميد أعلن اعتزاله رفضاً لتقديم أدوار مُكرَّرة، وأثيرت ضجة حول ما أشيع أنَّه اضطر إلى تحويل سيارته إلى «تاكسي»، وهو ما نفاه في تصريحات متلفزة، وقال إن هذه الواقعة تعود إلى فترة التسعينات.

وكان الفنان شريف خير الله قد أعلن نيته العمل «سائق تاكسي» خوفاً من تراكم الديون عليه، حيث ابتعد عن الفن لسنوات عدة بعد تجاهله، فلم يعرَض عليه أي عمل فني.

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أنَّ هذه الظاهرة ليست جديدة، فكثير من الفنانين في كل المجالات سواء كان ممثلاً أو مطرباً أو مخرجاً أو مصوراً أو مونتيراً عانوا من هذا الأمر في السابق، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لكن الظاهرة أصبحت أكثر حضوراً الآن لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ومتابعة هذه الشكاوى عليها وتصدرها الاهتمام».

وتابع أن المشكلة تأتي من أن «بعض الفنانين يبتعدون عن الساحة لأسباب تخصهم أو تخص الحالة الفنية التي لا تستوعبهم أو تحتويهم أو ترحب بهم في لحظة معينة، في حين يزيد الطلب على الأسماء الموجودة، والتي حقَّقت رواجاً بالفعل ويتم تكرارها كسلاً من بعض شركات الإنتاج أو المخرجين، أو نوعاً من الرهان على المطلوب جماهيرياً في تلك الفترة».

ويضرب الشناوي مثالاً بفنانين مثل مصطفى غريب وميشيل ميلاد، ويقول إنهما مطلوبان هذه الأيام، ومن ثم تتوارى أسماء أخرى لكوميديانات حقَّقت نجاحات لافتة لمجرد أنَّ الحالة الفنية الآن تطب أسماء بعينها، ويستبعد الشناوي أن يكون هناك تعمُّد لاستبعاد فنانين من شركات الإنتاج، نظراً للتَّعدُّد في جهات الإنتاج، وإن كانت جهة واحدة تسيطر على المساحة الأكبر لكن يظل التنوع موجوداً.

وفي السياق جاءت تصريحات سابقة لنقيب الممثلين المصريين، أشرف زكي، يؤكد خلالها اتخاذه إجراءات كثيرة لحل مشكلة تشغيل الممثلين رغم أنَّ النقابة ليست ملزمةً بتشغيل أعضائها. وكانت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية أعلنت، في وقت سابق، توقيع بروتوكول تعاون مع الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي ونقابة المهن التمثيلية لإنتاج مجموعة من الأعمال التاريخية والدينية، وتطبيق آلية للاستفادة من الفنانين الذين لم يحظوا بفرص للمشاركة في أعمال خلال السنوات الماضية، وإشراكهم في أعمال درامية تلفزيونية وإذاعية.

أشرف زكي نقيب الممثلين (إنستغرام)

ويرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «هذه الأزمة لا تنتهي، فهي موجودة منذ بدايات الحركة الفنية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «بعض الفنانين حين تنحسر عنهم الأضواء يتعرَّضون لأزمات مالية، وبالتالي يتوجَّهون لمهن أخرى، وبعض الفنانين لا تكون لديهم مهارات أخرى للعمل خارج الفن، وهنا تبدأ المأساة». وتابع: «هذه رسالة لشباب الفنانين أن يكون لديهم تأمين مادي لأنَّ الأدوار قد تنحسر. الموضوع يمس القلب، ولكنه أمر واقع في كل المهن الإبداعية، وحلوله ليست البحث عن فرص للعمل، لأنَّ العرض أكثر من الطلب، كما أن منح الأدوار يخضع في المقام الأول لرؤية الإخراج والإنتاج، لدرجة أن ممثلاً واحداً قد يُطلب في 10 أدوار، في حين يمكن توزيع هذه الأدوار على 10 ممثلين، لكن هذا قرار المنتج والمخرج في النهاية. لذلك يجب أن يحتاط الممثلون لهذا الأمر وتقلبات الوسط الفني».

وتضم نقابة المهن التمثيلية بمصر نحو 4 آلاف عضو، وتضطلع بأدوار خدمية مهمة، من بينها الرعاية الصحية للفنانين، وإنشاء دار لإقامة كبار الفنانين، كما تقوم بتحرُّكات حثيثة لإقرار حصول الممثلين على حقِّ الأداء العلني، بدعوى أنَّه سيضمن توفير دخل مستمر وشبه ثابت للممثلين والمخرجين، لمواجهة أي فترات كساد قد يتعرَّضون لها.