توافق سوداني على وضع أسس انتقال سياسي للحكم الديمقراطي

من 3 مسارات وتشديد على إبعاد حزب «المؤتمر الوطني» المعزول من المشهد السياسي

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

توافق سوداني على وضع أسس انتقال سياسي للحكم الديمقراطي

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

حققت قوى سياسية ومدنية سودانية متباينة اختراقاً سياسياً مهماً بعد توصلها إلى رؤية مشتركة لإطلاق عملية سياسية تمهد لإنهاء الحرب، ووضع أسس انتقال سلمي نحو الحكم المدني الديمقراطي، عقب مداولات استمرت عدة أيام.

وأصدرت هذه القوى، التي كانت يوماً تحت مظلة واحدة قبل أن تفرقها الحرب وتباعد مواقفها، بياناً مشتركاً ضم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«الكتلة الديمقراطية» الحليفة للجيش السوداني، و«حزب البعث العربي الاشتراكي»، إلى جانب أحزاب وقوى سياسية أخرى وشخصيات ومنظمات مدنية ونسوية وشبابية.

وأكد البيان توافق الأطراف على مسار سياسي جديد يهدف إلى تحقيق سلام شامل وإنهاء الحرب، ووضع أسس حل سلمي يحافظ على وحدة السودان وسيادته. ويُعد هذا التوافق الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023؛ إذ يجمع بين قوى مناهضة للحرب (تحالف صمود) و«الكتلة الديمقراطية» التي تُعد أكبر تحالف سياسي داعم للجيش السوداني.

وسلمت القوى السودانية، فجر الجمعة، «الآلية الخماسية» الدولية، التي تضم الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد)، مسودة الرؤية التي تم التوصل إليها بالإجماع.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

وجاء الاتفاق بعد تعذر انعقاد الاجتماع الرسمي الذي دعت إليه «الآلية الخماسية»؛ ما دفع القوى السياسية والمدنية إلى الانخراط في مشاورات جانبية مكثفة للتوافق على أسس عملية سياسية جديدة. وقالت القوى الموقعة إن هذا التوافق يعكس إرادة سياسية ومدنية مشتركة لوضع حد للاقتتال، وفتح الطريق أمام تسوية سلمية شاملة.

وشاركت في الاجتماعات إلى جانب الكتلة الديمقراطية، وتحالف صمود، تحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، إلا أن المفاوضات التي جرت كانت بين الكتلة الديمقراطية وتحالف «صمود»، حيث رفض أعضاء في الكتلة الديمقراطية الجلوس مع وفد «تأسيس».

وشدد البيان المشترك على ضرورة تصميم عملية سياسية متكاملة تتصدر أولوياتها معالجة الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب، وتوسيع الفضاء المدني، وتهيئة المناخ اللازم لإنجاح الحوار الوطني. كما أكد أهمية المحاسبة على جرائم الحرب وتحقيق العدالة الجنائية والعدالة الانتقالية لمعالجة الآثار الاجتماعية والنفسية التي خلفها النزاع.

لجنة لصياغة الأجندة

واتفقت الأطراف على تشكيل لجنة تحضيرية لا يتجاوز عدد أعضائها 40 عضواً وعضوة، تمثل مختلف أطراف العملية السياسية، مع مراعاة التعدد السياسي والتوازن الجغرافي والتمثيل الاجتماعي والمهني والنسوي والشبابي، فضلاً عن تمثيل المتأثرين بالحرب من النازحين واللاجئين.

وستتولى اللجنة تحديد أطراف العملية السياسية، وفق معايير متوافق عليها، وصياغة أجندة الحوار ومبادئ الحل السياسي ومرتكزاته، والإشراف على إجراءات تهيئة المناخ، إضافة إلى وضع منهجية الحوار، وتحديد زمان ومكان انعقاده وتنسيق العلاقة مع الوسطاء والضامنين الإقليميين والدوليين.

وتتضمن الرؤية 3 مسارات متزامنة للعملية السياسية. ففي المسار الإنساني، دعت القوى إلى فك الحصار عن المدن والمعسكرات في دارفور وكردفان وغيرها من المناطق المتضررة، وفتح الممرات الآمنة لإيصال المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، مع التزام الأطراف المتحاربة بتسهيل عمل المنظمات الإنسانية دون قيود.

البرهان أعلن قبل أيام إطلاق حوار سياسي شامل وسط توقعات بأنه لم يمانع مشاركة قوى موالية له في اجتماعات أديس أبابا (فيسبوك)

أما في المسار الأمني، فقد اشترطت التوصل إلى وقف إنساني لإطلاق النار يستند إلى بنود «إعلان جدة»، وتحت رقابة إقليمية ودولية وأممية، بالتزامن مع انطلاق العملية السياسية، بما يمهد للوصول إلى وقف دائم وشامل لإطلاق النار.

وفي المسار السياسي، نصت الرؤية على إطلاق حوار سوداني شامل بين القوى السياسية والمدنية لمعالجة جذور الأزمة الوطنية والوصول إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس للتحول المدني الديمقراطي.

كما دعت الوثيقة إلى اتخاذ إجراءات لبناء الثقة قبل بدء العملية السياسية، تشمل إطلاق سراح المحتجزين والأسرى والمختطفين، وإنشاء آليات للبحث عن المفقودين، وإلغاء الإجراءات التعسفية ضد القوى المدنية والسياسية، وضمان حرية النشاط السياسي والمدني، ووقف المحاكمات المرتبطة بالحرب ذات الطابع السياسي.

وأكد المشاركون في اجتماعات أديس أبابا، يومي الأربعاء والخميس، على استبعاد حزب المؤتمر الوطني المعزول وواجهاته التنظيمية من أي مشاركة في العملية السياسية المقبلة، بوصفه أحد الثوابت التي حظيت بإجماع واسع بين الأطراف المشاركة.

وأكد المشاركون في الاجتماعات التي جرت في أديس أبابا، يومي الأربعاء والخميس، على إبعاد حزب المؤتمر الوطني المعزول بثورة 2018، وواجهاته التنظيمية من أي مشاركة في العملية السياسية.

ولا يستبعد على نطاق واسع أن يكون مشاركة «الكتلة الديمقراطية» في اجتماع أديس أبابا، وما تم التوصل من توافق، كان بإيعاز من من قادة الجيش السوداني.

ومن بين المبادئ التي تضمنتها الرؤية التأكيد على وحدة السودان وسيادته، والربط بين المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية ضمن حزمة متكاملة تقود إلى إنهاء الحرب، واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي.

أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين (إكس)

وكانت «الآلية الخماسية» قد دعت القوى السودانية، بما في ذلك تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» المرتبط بـ«قوات الدعم السريع»، إلى اجتماع استكشافي يهدف إلى تقريب وجهات النظر، وفتح مسار سياسي جديد لإنهاء النزاع المستمر في البلاد. وبحث إمكانية تشكيل آلية موحدة للمساهمة في جهود وقف الحرب، والتفاوض بشأن الترتيبات الانتقالية، تمهيداً لإطلاق حوار سياسي شامل بين السودانيين.

وقال مبارك أردول، رئيس «التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية» وأحد أبرز قيادات «الكتلة الديمقراطية»، إن المشاورات التي جرت في أديس أبابا تمثل خطوة كبيرة منذ اندلاع الحرب، مشيراً إلى أن المشاركين توصلوا إلى موقف مشترك بشأن اللجنة التحضيرية للعملية السياسية والبيان الختامي، مع التمسك برفض مشاركة تحالف «تأسيس» في العملية السياسية.

وتضم «الكتلة الديمقراطية» عدداً من الحركات المسلحة والقوى السياسية، من أبرزها «حركة العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، و«حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«مؤتمر البجا»، و«الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل»، إلى جانب مكونات سياسية أخرى.

من جانبه، قال الأمين العام لحزب «الأمة» القومي، الواثق البرير، إن لقاء أديس أبابا استهدف التوافق على أسس وآليات التحضير لعملية سياسية سودانية شاملة، مؤكداً تمسك حزبه برفض عودة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية إلى المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.


مقالات ذات صلة

مصر لمزيد من ردع «الدهّابة» وتأمين الحدود الجنوبية

شمال افريقيا جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري على «فيسبوك»)

مصر لمزيد من ردع «الدهّابة» وتأمين الحدود الجنوبية

واصل الجيش المصري نشر سلسلة مرئية تتضمن شهادات بشأن ضبط الحدود الجنوبية، ومواجهة الخارجين على القانون، لا سيما من عناصر التنقيب غير الشرعي عن الذهب.

محمد محمود (القاهرة)
خاص منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)

خاص المواصلات... عبء يومي يرهق سكان الخرطوم

مع ارتفاع تعريفة المواصلات وتراجع الدخول، والبطالة، تجد آلاف الأسر نفسها مضطرةً إلى الاختيار بين دفع أجرة التنقل، أو توفير احتياجات أساسية؛ مثل الغذاء والدواء.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

اتهامات إثيوبية لمصر بشأن «سد النهضة» تعمّق الأزمة

اتهامات إثيوبية جديدة توجه لمصر بشأن حديث القاهرة المستمر عن «أحادية الإجراءات» التي تتخذها أديس أبابا حول تشغيل وملء «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا سودانية هاربة من مدينة الفاشر متأثرة خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» في معسكر للاجئين شرق تشاد 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

عقوبات بريطانية على شبكات الذهب السوداني

فرضت بريطانيا، الخميس، حزمة عقوبات جديدة استهدفت شبكات تجارة الذهب مرتبطة بالجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا سودانية في مخيم الحمانية للنازحين في مدينة العبيد جنوب منطقة كردفان 7 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

«مُسيَّرات» تستهدف مدينة الدبة بشمال السودان

شنّت مسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، مساء الأربعاء، هجمات على مواقع مختلفة في مدينة الدبة شمال السودان، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء بالكامل عن المدينة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

لماذا يرشق الصبية القطارات بالحجارة في مصر؟

تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)
تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)
TT

لماذا يرشق الصبية القطارات بالحجارة في مصر؟

تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)
تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)

تصدر وزارة النقل المصرية إدانات متكرِّرة بشأن حوادث «رشق صبية للقطارات بالحجارة»، ورغم تحذيرات الوزارة من مخاطر ذلك، فإنَّ تكرار الوقائع يطرح تساؤلات حول أسباب قيام الصبية بهذا السلوك.

ومع تداول مقاطع لأحدث وقائع رشق القطارات أخيراً بمحافظة أسوان (جنوب البلاد)، شدَّدت الحكومة على ضرورة «محاسبة المتورطين في حوادث رشق القطارات، وعدم التهاون أو التسامح مطلقاً مع أي سلوك تخريبي يهدِّد أمن وسلامة ركاب النقل الجماعي». وأشارت وزارة النقل، الجمعة، إلى أنَّ «هذه التَّصرُّفات لا تقتصر على خسائرها المادية، لكنها تُعرِّض ركاب القطارات للخطر».

وتعددت تفسيرات الخبراء بشأن دوافع رشق صبية للقطارات. وأشاروا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «غياب الوعي الكافي، والتنشئة غير السليمة من الأسباب الرئيسية لهذه الحوادث».

واستنكرت «النقل»، الأسبوع الماضي، «قيام مجموعة من الصبية برشق أحد قطارات السكك الحديدية بالحجارة في أثناء سيره بنطاق محافظة أسوان»، وتحدَّثت في إفادة لها عن وقوع «خسائر مادية إثر ذلك».

ويوجِّه وزير النقل كامل الوزير، باتخاذ الإجراءات القانونية بالتنسيق مع وزارة الداخلية وشرطة النقل والمواصلات، «لتحديد هوية مرتكبي هذه الوقائع وملاحقتهم قضائياً، وتقديمهم للمحاكمة العاجلة».

ويشدِّد على أنَّه «لا تهاون أو تسامح مطلقاً مع أي سلوك تخريبي يهدِّد أمن وسلامة مستقلي وسائل النقل الجماعي».

وكان وزير النقل قد أجرى، الخميس، اتصالاً هاتفياً بسيدة مصرية وثَّقت واقعة رشق قطار أسوان، وأشاد بدورها في «التصدي لصبية في أثناء رشق القطار»، عاداً ذلك «موقفاً وطنياً يعكس قدراً من الوعي والمسؤولية الإيجابية»، حسب وزارة النقل.

ووفق مديرة «المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية» هالة رمضان: «تأتي غالبية حوادث رشق القطارات بالحجارة من صبية في مرحلة المراهقة».

وتقول: «إن طبيعة المرحلة العمرية، والإحساس بالمغامرة والتحدي قد يدفعان بعضهم لارتكاب حوادث رشق القطارات». وتوضح، أن من الأسباب الأساسية «غياب الوعي الكافي لدى هؤلاء الصبية بأهمية الحفاظ على الملكيات العامة».

وترى رمضان، أن «مشكلات التنشئة من العوامل الأساسية وراء ارتكاب مثل هذه الحوادث»، وتقول، إن «القصد في الإيذاء والإضرار، من السلوكيات التي تعبِّر عن حالة الاعتراض لدى بعض الشرائح».

الحكومة المصرية تشدد على محاسبة المتورطين في حوادث رشق القطارات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)

وتُشكِّل العقوبة الفورية لمثل هذه الوقائع جزءاً من إجراءات الردع والمواجهة لحوادث رشق القطارات، بحسب هالة رمضان، غير أنَّها أشارت إلى ضرورة «اتخاذ إجراءات أخرى للمواجهة، من بينها أن تكون هناك أدوار لمؤسسات التنشئة العامة، وعقد لقاءات توعوية للشباب في المناطق التي تتكرَّر فيها حوادث رشق القطارات للتحذير من مخاطر هذا السلوك».

وتقدم وزارة النقل رسائل توعوية مستمرة بمخاطر سلوك رشق القطارات بالحجارة، وتكثِّف من المناشدات وفيديوهات التوعية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتؤكد في رسائلها أن «الحفاظ على مرفق السكك الحديدية مسؤولية مجتمعية مشتركة».

أستاذ السلوك الأسري، خبير التنمية البشرية طارق إلياس، يرى أن «وقائع رشق القطارات بالحجارة تعبِّر بالأساس عن حالة من الاعتراض المجتمعي لبعض الفئات التي تشعر بالتهميش». وأشار إلى أن «تحقيقات النيابة العامة مع بعض الصبية المتهمين في مثل هذه الوقائع، أكدت أن الدافع الأساسي هو التعبير عن رفض واقعهم المعيشي الصعب».

وتأتي الأمية لتضاف إلى أسباب التعدي على القطارات، وفق إلياس الذي قال: «إن تحقيقات سابقة مع بعض المتهمين في مثل هذه الحوادث، أظهرت تسرُّبهم من التعليم؛ نتيجة لعدم قدرة الأسر على تحمُّل النفقات». وأشار إلى أنَّ من العوامل أيضاً «الإدمان وتعاطي المخدرات».

كما نوه إلى أنَّ «الحل الأمني لن يمنع هذه الوقائع». وقال: «الدور الأكبر في المواجهة يقع على مؤسسات المجتمع المدني التي يجب أن تكثِّف من التوعية بمخاطر مثل هذه الحوادث».


ما دلالات لقاء وكيل دفاع «الوحدة» الليبية برئيس الاستخبارات المصرية؟

رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)
رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)
TT

ما دلالات لقاء وكيل دفاع «الوحدة» الليبية برئيس الاستخبارات المصرية؟

رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)
رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)

وسّعت طرابلس والقاهرة نطاق التشاور والمباحثات بشأن شواغل سياسية وأمنية تمر بها ليبيا راهناً، لا سيما فيما يتعلق بتفعيل «المبادرة الأميركية»، التي يُفترض أن تسهم في تدشين حكومة موحدة، تقود البلاد إلى إنهاء الانقسام الذي تعيشه منذ قرابة 12 عاماً.

والتقى اللواء حسن رشاد، رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية، في مدينة العلمين، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، الفريق عبد السلام الزوبي، الخميس، في أول زيارة رسمية له إلى مصر، استهدفت التباحث بشأن الموقف من المبادرة، التي يرعاها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً رشاد في طرابلس (مكتب الدبيبة)

وتتمسك القاهرة برؤيتها لحلحلة الأزمة الليبية، التي تنطلق من «أهمية الحفاظ على وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، وتوحيد المؤسسات الوطنية، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة عبر مسار ليبي - ليبي خالص، يمهد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية».

ويرى متابعون أن القاهرة تتحسب لأي خطوات غير مدروسة، قد تؤدي إلى تعميق الانقسام في ليبيا، بدلاً من الدفع نحو توحيد مؤسساتها على أسس مؤسسية مستقرة. مشيرين إلى أن حكومة «الوحدة» لم تعلن حتى الآن موقفاً واضحاً من «المبادرة الأميركية»، التي تُجرى بشأنها مشاورات، وهي من بين الملفات التي تناقشها مع القاهرة.

ولم تعلن القاهرة فحوى لقاء رشاد والزوبي، لكن حكومة «الوحدة» في طرابلس قالت إنه يأتي في إطار «التشاور المستمر بين الجانبين بشأن مستجدات الأوضاع في ليبيا، وتعزيز التنسيق المشترك، بما يخدم أمن واستقرار البلدين».

كما أشارت إلى أن اللقاء «تناول عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك، من بينها تطورات المشهد الليبي، وسبل دعم جهود توحيد المؤسسات الوطنية، وتعزيز التعاون الأمني والعسكري، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للمضي في المسار السياسي».

وتطرق اجتماع رشاد والزوبي إلى «بحث آليات تكثيف التنسيق والتشاور إزاء التحديات الأمنية الإقليمية»، مؤكدين أهمية مواصلة العمل المشترك بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة، ويحفظ المصالح المشتركة للبلدين.

ويأتي لقاء رشاد والزوبي وسط أحاديث ليبية غير رسمية عن مفاوضات تحتضنها مدينة جنيف بشأن اختيار حكومة جديدة، وهي الأنباء التي لم ينفها أو يؤكدها مسؤول حكومي كبير من غرب ليبيا.

ويدفع مستشار ترمب باتجاه تفعيل مبادرة - غير مكتوبة - ينظر إليها بعض الرافضين على أنها «تعمل على تقسيم ليبيا بين عائلتي الدبيبة وحفتر»، لكن بولس نفى ذلك، وقال إنها تستهدف إنهاء الانقسام العسكري والأمني والاقتصادي.

وأجرى بولس زيارات مكوكية إلى القاهرة ومصراتة وطرابلس خلال الأيام الماضية، كما زار رشاد ليبيا على رأس وفد رفيع المستوى، وتطرق في مباحثاته مع الدبيبة إلى مستجدات الأزمة الليبية. واكتفى الأخير بالقول إن الاجتماع بحث «آفاق تطوير التعاون المشترك، بما يسهم في دعم جهود التنمية، وتحقيق المصالح المشتركة للبلدين».

روبيو وصدام حفتر خلال لقاء سابق في واشنطن (القيادة العامة)

وتقوم «المبادرة الأميركية» على إسناد رئاسة المجلس الرئاسي الجديد إلى صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، بينما يتم الإبقاء على الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة، يجري العمل على تشكيلها راهناً، وفق مصادر.

وكانت قيادات عسكرية وأعيان وحكماء ومؤسسات مجتمع مدني في مصراتة قد أبلغوا بولس أسباب رفضهم لمبادرته، متمسكين برفضهم لما سموه «عسكرة ليبيا»، أو «الدفع بشخصيات غير نزيهة أثبتت التقارير الدولية تورطها في قضايا فساد، أو انتهاكات لحقوق الإنسان».

وفي مسار موازٍ، وبشكل مفاجئ، أعلن ما يسمى بـ«ملتقى الحوار السياسي»، خلال اجتماع عقده في جنيف، الجمعة، وبشكل مستقل، اختيار الليبي مصطفى المجذوب رئيساً لحكومة ليبية، بينما قال المتحدث باسم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، محمد الأسعدي، لـ«الشرق الأوسط»: «ليس لنا أي صلة بهذا الحديث».

وفتح تأجيل توقيع الاتفاق النهائي بين الفرقاء الليبيين الباب أمام جولة جديدة من التفاوض، بعدما انتهى اجتماع أممي في تونس، الثلاثاء الماضي، دون حسم الخلافات بشأن رئاسة المفوضية العليا للانتخابات، والإطار القانوني للاستحقاق الانتخابي.


«تظلمات» الاستبعاد من «بطاقات التموين» لا تهدئ قلق أسر مصرية

 الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)
الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)
TT

«تظلمات» الاستبعاد من «بطاقات التموين» لا تهدئ قلق أسر مصرية

 الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)
الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)

لم تهدئ إجراءات «التظلم» الحكومية بسبب الاستبعاد من «بطاقات التموين» (المخصصة للسلع) قلق أسر مصرية، ورغم حذف آلاف المواطنين فإن عدداً قليلاً جداً شرع في التقدم بـ«تظلمات».

الأربعيني محمد فرج، الذي يعمل في جهة حكومية شرق القاهرة، ويقيم في محافظة القليوبية المتاخمة للعاصمة المصرية، يقول: «لا أجد أي فائدة من التظلم، فلن تعود البطاقة التموينية مرة أخرى»، ويضيف أن «حديث الحكومة بشأن التظلمات لم يهدئ قلق أسرتي حول عودة التموين من جديد».

ورغم أن فرج يعول أسرة مكونة من طفلين وزوجة، ويمتلك سيارة موديل 2002، فإنه تم استبعاده بلا أي سبب واضح، قائلاً: «الرسالة التي وصلتني أنه تم إيقاف البطاقة، وإذ كنت ترغب في عودتها عليك بالتظلم».

فرج دخله الشهري أقل من 5 آلاف جنيه (الدولار الأميركي يساوي 50.5 جنيه) وطفليه في تعليم حكومي (تجريبي)، ويسكن في منزل والده، وليس لديه أي أملاك زراعية. ويوضح: «كنت أحصل على دعم السلع، وفق بطاقة التموين لي وزوجتي، وحاولت كثيراً إضافة أبنائي للبطاقة، إلا أنها توقف نهائياً الآن».

وحددت وزارة التموين والتجارة الداخلية مؤشرات للاستبعاد من بطاقات التموين من بينها «امتلاك سيارات حديثة أو مرتفعة القيمة أو امتلاك أكثر من سيارة أو استيراد سيارات من الخارج، أو الإقامة في تجمعات سكنية فاخرة، أو سداد مصروفات التعليم الدولي أو الخاص، أو امتلاك شركات، أو حيازة أراضٍ زراعية تزيد مساحتها على 10 أفدنة».

وبدأت الحكومة أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين، وأعلنت حذف نحو 850 ألف مواطن من حاملي هذه البطاقات، وسط انتقادات واسعة وتحذيرات من تأثيرات اجتماعية سلبية تطول قطاعات واسعة من المصريين الذين يعتمدون على «الدعم التمويني» لمواجهة الأعباء المعيشية.

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة يرى أن «تنقيح بطاقات التموين يجب أن يُصاغ ويُعاد كل مدة زمنية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «التحول من الدعم العيني إلى (النقدي) الذي أعلنت عنه الحكومة يكون عبر آليات تنقيح البطاقات التموينية باستهداف الشرائح غير المستحقة».

إلا أنه يشير إلى أن «هذا التنقيح ليس فقط باستبعاد البعض، لكن لا بد أن يكون بدخول آخرين». ويشرح: «لو مواطن تم استبعاده من البطاقة التموينية بسبب زيادة دخله الشهري بشكل مؤقت لأي سبب، هل سيعاد مرة أخرى حال انخفاض دخله؟».

ودعا بدرة إلى «منظومة محايدة من وزارات عدة، وألا يكون قرار الاستبعاد في يد موظف واحد». ويضيف: «يجب أن تكون هناك مرونة قبل تطبيق الإجراءات في بطاقات التموين التي يحصل بها المواطن على دعم عيني أو نقدي».

وبحسب مساعد وزير التموين، المتحدث الرسمي للوزارة أحمد كمال فإن «التموين» تلقت نحو 4700 تظلم فقط منذ فتح باب الاعتراض على قرارات استبعاد غير المستحقين من منظومة الدعم. ورأى أن «محدودية هذا العدد تعكس دقة المعايير التي استندت إليها الوزارة في مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين».

وأوضح في تصريحات متلفزة، مساء الخميس، «أن منظومة التظلمات تعتمد على آليات دقيقة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وأن الوزارة تستقبل طلبات التظلم عبر أكثر من 1085 مكتب تموين و412 مركز خدمة في مختلف المحافظات، وجميع الطلبات تخضع للمراجعة إلكترونياً».

كما نفى أن «يكون التحاق الأبناء بالمدارس الخاصة العادية سبباً مباشراً للاستبعاد من منظومة الدعم». وتحدث عن بعض المعايير التي وفقها يتم الاستبعاد مثل أن بعض الأسر يصل متوسط دخلها الشهري إلى نحو 50 ألف جنيه.

وزارة التموين تؤكد استمرار حرصها على ضمان حق المواطنين في التظلم بسبب الاستبعاد من بطاقات التموين (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وتُطبق الحكومة منذ عقود منظومة البطاقات التموينية لدعم السلع الأساسية بهدف خفض أعباء المعيشة عن «الفئات الأَوْلى بالرعاية». ويستفيد نحو 68 مليون مواطن من هذه المنظومة، حسب «التموين».

حول إحجام بعض المواطنين عن تقديم «تظلمات» بسبب الاستبعاد وتصاعد الشعور بالقلق لديهم، تحدثت أستاذة علم النفس السياسي بـ«المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية» سوسن فايد عن «معادلة صعبة»، ألا وهي «إرضاء المواطنين من جهة وتحقيق توازن اقتصادي في الدولة من جهة أخرى». وتقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك أزمة ثقة بين الإجراءات التي تتخذها الحكومة والقاعدة الشعبية بسبب مواقف تاريخية قديمة، بأن المواطن لم يحصل على حقه من خلال التظلم في مواقف سابقة».

لكنها تشير إلى أن «هذا العدد القليل في التظلمات قد يكون هو العدد الفعلي لمن يستحقون».

«التموين» تلقت نحو 4700 تظلم فقط منذ فتح باب الاعتراض على قرارات استبعاد غير المستحقين من منظومة الدعم (رويترز)

حالة المصري محمد فرج تتشابه مع حالات كثيرة لا تعرف أسباب استبعادها من بطاقات التموين، فالأربعيني محمود (فضل عدم ذكر اسمه الثاني) يعمل في مؤسسة حكومية، ولديه أولاد في مراحل تعليمية مختلفة (مدارس قومية)، لا يعرف سبباً لاستبعاده، ويقول: «ليس لديَّ دخل سوى راتبي، ولا أمتلك سيارة»، لكنه «لا يضمن عند التظلم أن يعود له حقه».

وكان رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي أكد، الخميس الماضي، أن «باب التظلمات لا يزال مفتوحاً أمام المواطنين الذين تم استبعادهم من البطاقات التموينية»، وأن «الحكومة تتعامل مع هذه الطلبات بجدية، وتقوم بدراستها للتأكد من استحقاق أصحابها».

ورفعت مصر قيمة «الدعم» في الموازنة الجديدة العام الحالي إلى 175 مليار جنيه بدلاً من 160 مليار جنيه العام الماضي. وتقول «التموين» إن «ذلك يعكس استمرار الدولة في توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، ودعم الفئات الأولى بالرعاية».