في متحف الذكاء الاصطناعي تشعر بالفن... وهو بدوره يشعر بك

أسسه الفنان التركي رفيق أناضول مع زوجته إركيليتش

رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)
رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)
TT

في متحف الذكاء الاصطناعي تشعر بالفن... وهو بدوره يشعر بك

رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)
رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

قال أحد الطلاب بصوت خافت: «هذا جنون!». تمتم الطالب المجاور له: «جنونٌ حقاً». «جنون» هنا تعبيرٌ مُبالغ فيه عن روعة «الروعة». كنا في وسط مدينة لوس أنجليس، في «داتالاند»، المتحف الذي سيُفتتح قريباً والمُخصّص للفن المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، وبالفعل، كان الأمر مُذهلاً. كان الطلاب، من دورة الذكاء الاصطناعي بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، يحظون بفرصة الاطلاع المُسبقة بناءً على دعوة من أستاذهم، نجم الفن الرقمي رفيق أناضول. يُعدّ «داتالاند»، الذي أسّسه أناضول وزوجته الرسامة إفسون إركيليتش، إضافةً مُرتقبةً بشدة إلى المشهد الفني - التقني المُزدهر في المدينة، وربما يكون المتحف الأكثر طموحاً لفن الذكاء الاصطناعي حتى الآن.

«داتالاند» المتحف الذي سيُفتتح قريباً والمُخصص للفن المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، في لوس أنجليس (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

محاكاة حركة الفراشات خوارزمياً

في لحظة، انزلقت صورٌ زاهية الألوان لنباتات وحيوانات غابات الأمازون البرازيلية على الجدار والأرضية؛ ثمّ، انجرفت صورٌ مماثلة نحونا بتقنية ثلاثية الأبعاد قبل أن تتسارع فجأةً ثمّ تتباطأ؛ وظهرت خطوطٌ ودوائر من الضوء الأبيض في أنماطٍ معقدة؛ وتناثرت خطوطٌ تجريدية من الأخضر والأصفر، والأحمر والأصفر في أرجاء الغرفة.

«أنماطٌ جميلة من أجنحة الفراشات»، هكذا شرح أناضول. أجنحة فراشات؟ أجل، صحيح. يقوم نظام الذكاء الاصطناعي الذي طوره أناضول واستوديو عمله للمتحف الجديد بتحويل بيانات فراشات الغابات المطيرة صوراً متحركة باستمرار يصفها طلابه بأنها «مذهلة». «البيانات ليست مجرد أرقام»، أشار أناضول. كانت كذلك في السابق، ولكن مع انفجار المعلومات الذي بدأ في ستينات القرن الماضي، يُمكن عدّ أي شيء تقريباً بيانات - الصور، والفيديوهات، والتسجيلات الصوتية، وحتى أجنحة الفراشات. تأتي بيانات أناضول عن الفراشات - أصولها، وأعمارها، وأنماط ألوانها، وسلوكها - بشكل رئيسي من موسوعة الحياة، وهي مستودع على الإنترنت جمعه المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي في نيويورك.

قال أناضول: «تمكّنا من محاكاة حركة الفراشات خوارزمياً». ومن خلال إدخال هذه البيانات في البرنامج المتطور للغاية الذي يُشغّل «داتالاند»، والذكاء الاصطناعي الذي يُشغّله - وهو برنامج، كما قال أناضول، يتألف من أكثر من 10 ملايين سطر برمجي - يُنتج عملاً فنياً فائق الحركة.

الفنان الرقمي رفيق أناضول في جناح البيانات بمتحف «داتالاند» (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

انطلاقة أناضول

بدأ أناضول في بناء اسمه قبل عقد من الزمن بعروض أصغر حجماً وأكثر تأملاً لأنماط تجريدية - أمواج من الألوان تتدفق عبر الشاشة، وتعكس دواماتها وحركاتها بيانات الطقس وغيرها من الظواهر. وجاءت انطلاقته الكبرى عام 1988 بتكليف من أوركسترا لوس أنجليس الفيلهارمونية لعرض أرشيفها المُرقمن حديثاً - كل أداء لكل سيمفونية، وكل عزف على البوق، وكل عزف على الأوبوا، وكل نغمة عزفتها الأوركسترا على الإطلاق - على السقف الفولاذي المُتموج لقاعة والت ديزني للحفلات الموسيقية، التي صممها فرانك جيري.

لم يعد وجه أناضول طفولياً في الأربعين من عمره، لكنه لا يزال مفعماً بالحيوية والنشاط، ويرتدي ملابس سوداء بالكامل، ونادراً ما يقف ساكناً. انتشرت أعماله في جميع أنحاء العالم تقريباً في المتاحف: متحف غوغنهايم بلباو، ومعارض سربنتين في لندن، ومتحف هامر في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، وغيرها في إسبانيا، وفرنسا، وبلجيكا، وكوريا الجنوبية وتركيا، موطنه الأصلي. لكن أول تكليف كبير له في متحف، وهو متحف الفن الحديث في نيويورك، جعله متورطاً في جدل واسع.

حظي عمل أناضول الفني «غير الخاضع للإشراف»، الذي عُرض في بهو متحف الفن الحديث (MoMA) بين عامي 2022 و2023، بشعبية واسعة لدرجة أنه استمر عرضه لمدة عام تقريباً. انبهر زوار المتحف، وأطفالهم، بالعرض المتغير باستمرار لديناميكيات السوائل على شاشته التي تبلغ مساحتها 24 × 24 قدماً. في صحيفة «واشنطن بوست»، وصفه سيباستيان سمي بأنه «تحفة فنية مبكرة للفن المُولّد بالذكاء الاصطناعي». لم يُبدِ نقاد آخرون إعجاباً مماثلاً. ففي «مجلة نيويورك»، وصفه جيري سالتز بأنه «مصباح حمم بركانية ضخم بتقنية التكنو» يعرض «مزيجاً من الألوان المهلوسة والكتل البكتيرية».

مع عمل «غير خاضع للإشراف»، ربما لم يكن واضحاً ما إذا كان أناضول قد فقد بوصلته الفنية أم أن نقاده لم يتمكنوا من فهمها؟

الرسامة إفسون إركيليتش بجناح البيانات في «داتالاند» (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

أحلام الآلة

مع عمل «غير خاضع للإشراف»، ربما لم يكن واضحاً ما إذا كان أناضول قد فقد بوصلته الفنية أم أن نقاده لم يجدوا ضالتهم؟ يُسلّط معرض «داتالاند» الافتتاحي، «أحلام الآلة: الغابة المطيرة»، الضوء على هذه القصة... قبل خمس سنوات، حثته إركيليتش على مرافقتها إلى الأمازون بحثاً عن الإلهام. وبعد رحلة شاقة تضمنت استخدام الطائرات والسيارات وعشر ساعات في زورق آلي، انتهى بهما المطاف بين شعب ياواناوا، وهم من السكان الأصليين الذين يعتمدون بشكل أساسي على «ستارلينك» و«واتساب» للتواصل مع العالم الخارجي.

«لقد شعرتُ بإلهامٍ كبير»، هكذا استذكر. «شعب ياواناوا، وكيف يعيشون في الغابة - لا أستطيع نسيان ذلك الشعور. لكن بالطبع، لا ينبغي لنا الذهاب إلى الغابة المطيرة كل يوم. كان السؤال: هل يمكن أن تأتي إلينا؟» في «داتالاند»، يتحقق ذلك بشكلٍ ما. يُعدّ «غرفة اللانهاية» محور «أحلام الآلة: الغابة المطيرة» - وهي عبارة عن مكعب كبير يُعرض فيه فيلم مدته ثماني دقائق، مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، بشكلٍ متواصل على الجدران، وينعكس على أرضية وسقف عاكسين. يُظهر الفيلم طائراً طناناً زجاجياً و«شجرة حكمة» مُصممة على غرار شجرة في الأمازون. «كنتُ أرى هذا الطائر الطنان الزجاجي في أحلامي»، قال أناضول. «سألتُ الزعيم: لماذا أرى هذا الطائر؟ فأجابني: إنه طائر مميز لا يُغرّد في الغابة إلا عندما يُحلّق ليأخذ أنفاسه الأخيرة من شجرة الحكمة». في غرفة اللانهاية، تُركّز على عينه وتدخل عالماً خيالياً من الزهور والأنابيب والبيانات. وصفها أناضول بأنها «حكايات شعبية خوارزمية»، «نوع من أنواع السرد القصصي الجديد».

الرسامة إفسون إركيليتش بجناح البيانات في «داتالاند» (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

الفراشات، والطيور، واليراعات، وكل أنواع الأشجار في الأمازون - جُمعت البيانات التي تُشكّل عمل «أحلام الآلة: الغابة المطيرة» من قِبل أناضول نفسه ميدانياً، أو من قِبل فريق من الفنانين والعلماء والمهندسين المعماريين والمهندسين في مختبره، استوديو رفيق أناضول، من خلال شراكات مع مختبر كورنيل لعلم الطيور، ومتحف التاريخ الطبيعي في لندن، وغيرها من المؤسسات المماثلة.

جناح البيانات في متحف «داتالاند» المُخصص للفن المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

بيانات من الزوار

سيتم جمع كمية كبيرة من البيانات من الزوار أنفسهم. تعمل مستشعرات الليدار المثبتة في الجدران على معايرة حركاتك. السوار الإلكتروني الذي تحصل عليه عند الدخول هو جهاز طبي يراقب نبضات قلبك واستجابة جلدك الجلفانية - هل أنت متحمس، هادئ، مستمتع، أم تشعر بالقشعريرة؟ - ويرسل هذه البيانات إلى أنظمة الكمبيوتر في «داتالاند»؛ ما يسمح للشاشات بالاستجابة في الوقت الفعلي.

يُستخدم الذكاء الاصطناعي، مع تدخل بشري، لتوليد روائح «داتالاند»، التي تم ابتكارها بالشراكة مع قسم Luxe التابع لشركة «لوريال»، ونكهاتها - وهي عبارة عن شوكولاته مصنوعة بالتعاون مع شريك محلي، فاليري كونفيكشنز.

الفكرة

خطرت فكرة «داتالاند» لأناضول عندما كان هو وإركيليتش في إجازة في المكسيك، بعد رحلتهما الأولى في الغابات المطيرة. حينها فكرا في اسم - ولكن لم يكن لديهما أي فكرة أخرى. قالت إركيليتش: «أنا واقعية، وهو حالم. كان يُخبرني عن حلمه، وكنت أتساءل: كيف يُمكننا تحقيق هذا؟» كانا في حاجة إلى المال - الكثير منه. ثم بدأت الأمور تتضح. على الرغم من كل البيانات الموجودة في «داتالاند»، فإن تجربتك تحدث في العالم الحقيقي. لا يوجد جهاز واقع افتراضي يفصلك عن عالم الخيال. حتى أن هناك قطعاً تذكارية يمكنك أخذها معك إلى المنزل، بما في ذلك شوكولاته برائحة الغابات الاستوائية. كان بالإمكان شراء نسخة من 1000 «لوحة حية» مع نسخة مطبوعة أرشيفية مقابل 5000 دولار للواحدة، لكنها نفدت عبر الإنترنت في 34 دقيقة. مقابل 15000 دولار، يمكن لكبار الشخصيات الحصول على ذراع روبوتية تُدعى «كواليا» لرسم لوحة تجريدية مسترشدة ببياناتك الشخصية - لكن هناك بالفعل قائمة انتظار.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

حكاية مجلة عربية تحرس ذاكرة المتاحف

يوميات الشرق المتاحف المصرية في «متاحف»

حكاية مجلة عربية تحرس ذاكرة المتاحف

لم تصدر من مجلة «متاحف» سوى أربعة أعداد حتى الآن، لكنها نجحت في فتح نافذة واسعة على عالم المتاحف العربية، مقدمةً للقارئ خريطة ثقافية تتجاوز الحدود الجغرافية…

عبير مشخص (لندن)
عالم الاعمال معرض «التاريخ الطبيعي أبوظبي» يستعرض 13.8 مليار عام عبر مكعبات «ليغو»

معرض «التاريخ الطبيعي أبوظبي» يستعرض 13.8 مليار عام عبر مكعبات «ليغو»

يفتتح متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي، في 21 أغسطس، معرض «ناتشورال بريك ستوري – ليغو شوز»، في تجربة عالمية تُقام للمرة الأولى ولفترة محدودة.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
أوروبا صورة الواجهة الخارجية لمتحف «ترينت بارك» الجديد بعد افتتاحه مؤخراً في أنفيلد شمال لندن 29 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

منزل بريطاني للتنصت على جنرالات نازيين يتحوّل إلى متحف يروي أسراراً من الحرب

افتُتح متحف في منزل بريطاني استُخدم خلال الحرب العالمية الثانية للتنصت سراً على جنرالات نازيين، وكشف معلومات عسكرية ساعدت بريطانيا وأخّرت تطوير صواريخ «في-2».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جانب من عرض «خيوط ذهبية» (الشرق الأوسط)

«خيوط من ذهب»... ثياب من نجد تتألق في متحف فيكتوريا آند ألبرت

ثياب نسائية من نجد ترافقها رسومات للفنانة السعودية صفية بن زقر وصورة تاريخية لفتاة أوروبية في مدينة جدة تأخذ زائر «جميل غاليري للفن الإسلامي» من لندن للسعودية.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق «ترينت بارك» كان جزءاً من استراتيجية للحصول على المعلومات من الضباط الألمان خلال الحرب العالمية الثانية (صوفي ستافورد - نيويورك تايمز)

متحف «ترينت بارك»... داخل منزل يعج بالجواسيس

كان الجنرالات الألمان يتبادلون أطراف الحديث بحرية، ويتحدثون عن صاروخ «V-2»، أول صاروخ باليستي بعيد المدى في العالم، والذي كان النازيون يطورونه.

روزالين سولكاس (لندن)

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
TT

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)

شهد الشارع المصري خلال الأيام الأخيرة حوادث مروّعة عدّة، كان أحدثها قيام مهندس بقتل 4 من عائلته، وإصابة اثنين آخرين خلال جلسة صلح في مدينة 15 مايو (جنوب القاهرة).

وأكدت تقارير أمنية بمحافظة القاهرة، نشرتها وسائل إعلام محلية، أنَّه تمَّ العثور على 4 جثث وجريحين بعد مشاجرة بين الجاني وزوجته ووالدتها وأولاده، حيث أطلق المهندس النار عشوائياً على الحضور.

وقبل ذلك بأيام، شهدت منطقة القاهرة الجديدة واقعة قتل زوج وزوجته وابنتيه، وفق ما ذكرت النيابة العامة في تقرير لها، مؤكدة أنَّ الجاني هو صديق لرب الأسرة، وأقرَّ بأنَّه قتلهم لمحاولته اقتراض مبلغ مالي من المجني عليه، وحين رفض عقد العزم على قتله والاستيلاء على أمواله ومصاغه الذهبي، واستدرج زوجته وابنتيه وقتلهن.

وفي واقعة أخرى بمحافظة المنوفية (دلتا مصر)، تمكَّنت قوات الأمن من ضبط شخص قتل شقيقه بقرية سماليج؛ بسبب خلافات بينهما.

وترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هدى زكريا، أن «الجريمة ظاهرة موجودة في المجتمعات كلها، لكن هناك جرائم تصيب المجتمع بالفزع، وغالباً ما يكون مرتكبوها مرضى نفسياً، وهم نتاج طبيعي لأمراض اجتماعية تفشَّت في الآونة الخيرة؛ بسبب التفاوت بالمظاهر والتفاوت الطبقي وانتشار (السوشيال ميديا) التي أصبح لها تأثير كبير في ترسيخ الصدمة الاجتماعية، خصوصاً مع قدرتنا حالياً على معرفة الجريمة بعد وقوعها بفترة قصيرة لا تتعدى أحياناً ساعة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذه الجرائم المروعة سواء الأب الذي حوَّل جلسة صلح إلى مجزرة، أو الصديق الذي قتل صديقه وأسرته طمعاً في أمواله، تشير إلى أمراض اجتماعية يجب مواجهتها بحذر وحسم. طبعاً هذه الجرائم لا تتكرَّر كثيراً ولكنها تحمل دلالات على الخلل الاجتماعي الذي يجب أن يتدخل لإصلاحه كثير من المؤسسات مثل الإعلام والتعليم، وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم من الأشخاص المعنيِّين بطرح القيم المثالية في المجتمع، ومعالجته من أمراضه التي تتفشى بطريقة مفزعة».

وترى الخبيرة القانونية والناشطة الحقوقية، هبة عادل أن «خطورة هذه الحوادث لا تكمن في وقوع الجريمة وحدها، وإنما في تفاعلها مع مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية ونفسية واجتماعية متزايدة، مع محدودية مساحات الاحتواء والتدخل المبكر لحل النزاعات».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في الوقت ذاته تنتشر أخبار هذه الحوادث بسرعة كبيرة في بيئة رقمية تستطيع خلال ساعات تحويل الجريمة إلى محتوى واسع الانتشار، بما يحمله ذلك أحياناً من تطبيع للعنف، أو ترويج غير مباشر لأساليب ارتكاب الجرائم، أو منح الجاني مساحة من الشهرة والاهتمام، وهو ما قد يزيد مخاطر المحاكاة لدى بعض الفئات القابلة للتأثر».

وتشدِّد الخبيرة القانونية على «ضرورة الالتزام الصارم بالقواعد القانونية والمهنية المُنظِّمة لنشر أخبار الجرائم والتحقيقات، وتفعيل قرارات حظر النشر في الحالات التي تستوجبها طبيعة القضية، ومنع نشر الصور والمشاهد الصادمة والتفاصيل التي لا تخدم حقَّ الجمهور في المعرفة، وإنما قد تؤثر في التحقيقات أو حقوق الضحايا أو تسهم في خلق بيئة تسمح بمحاكاة السلوك الإجرامي. وقد وضع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالفعل قواعد واضحة في هذا الشأن، من بينها التحذير من أنَّ النشر غير المسؤول قد يؤدي إلى محاكاة وتكرار السلوك الإجرامي».

وأشارت إلى أن «أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط تكرار الجرائم، وإنما أن يصبح تكرارها مألوفاً، وأن تتحوَّل الجريمة إلى محتوى يومي قابل للاستهلاك والتداول والمحاكاة. ولذلك فإنَّ حماية المجتمع تقتضي مواجهة العنف قبل وقوعه، وتطبيق القانون بحسم بعد وقوعه، وفي الوقت نفسه عدم منح الجريمة منصة مجانية تجعلها قابلة للترويج أو التقليد».


كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
TT

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الإسكندرية... هوية وثقافة عبر الزمن»، نظم المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية أول معرض أثري مؤقت له منذ إعادة افتتاحه. يضم المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، تُعرض للجمهور لأول مرة، من خلال سيناريو عرض متحفي يسلط الضوء على ثراء التراث الحضاري لمدينة الإسكندرية وتنوعه، ويبرز أهمية النقوش والكتابات اليونانية والرومانية في توثيق جوانب متعددة من الحياة اليومية في المدينة عبر العصور.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، فإن «القطع المعروضة تتنوع بين عملات أثرية، ومسارج، وأوانٍ فخارية، وقطع أثرية مغمورة بالمياه مستخرجة من خليج أبو قير، بالإضافة إلى برديات وأوستراكا وبطاقات مومياوات تحمل نصوصاً باللغة اليونانية».

ويأتي المعرض الذي يستمر حتى نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 2026 في إطار حرص قطاع المتاحف على إتاحة مقتنيات المتاحف المصرية للجمهور، بما يسهم في إثراء تجربة الزائر وإتاحة الفرصة للتعرف على جوانب أخرى من تاريخ مصر وحضارتها، وفق تصريحات صحافية لرئيس قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار الدكتور أحمد حميدة الذي اعتبر المعرض بداية لسلسلة من المعارض المؤقتة التي سيتم تنظيمها بالمتحف، بما يتيح تقديم مجموعاته الأثرية بصورة متجددة، وإبراز ما تزخر به من قطع متميزة.

جانب من الآثار في المعرض المؤقت (وزارة السياحة والآثار)

في حين أوضحت رئيسة الإدارة المركزية لمتاحف وجه بحري وسيناء هبة حمدي أن «اختيار 21 قطعة أثرية من مقتنيات المتحف اليوناني الروماني... يقدم صورة متكاملة عن جوانب من الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية والجنائزية في الإسكندرية خلال العصور اليونانية والرومانية».

وأشارت مديرة المتحف اليوناني الروماني الدكتورة ولاء مصطفى إلى أن المعرض يعتمد بالكامل على مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، بما يعكس ثراء مجموعاته وتنوعها.

كتابات يونانية قديمة تحكي تاريخ الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «المتحف يقدم من خلال هذا المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مخازنه، ويهدف من خلالها إلى إتاحة الفرصة للمواطن السكندري والزائرين عموماً للتعرف على تراث المدينة، ودعم التوعية الأثرية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الآثار واستدامتها، وتأكيد دور المتحف كمركز ثقافي يخدم المجتمع».

وأشارت إلى أن المعرض يأتي في إطار الاحتفال بالعيد القومي لمحافظة الإسكندرية واليوم العالمي للترجمة.

ولفتت إلى أن «المعرض لا يعرض قطعاً فقط، بل يروي قصة مدينة كانت دوماً جسراً بين الحضارات القديمة، ويؤكد التزام المتحف بإتاحة كنوزه للجمهور».

ويعد المتحف اليوناني الروماني من المتاحف الأثرية الشهيرة بمدينة الإسكندرية، وهو المتحف الوحيد المتخصص في آثار وحضارة مصر في العصرين اليوناني والروماني، وافتتحه الخديو عباس حلمي الثاني في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1892، بتصميم معماري مميز، وشهد مراحل تطوير متعددة استؤنفت عام 2015 إلى أن تم افتتاحه في أكتوبر عام 2023.


«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)

حين يغيب شخص في الحرب لا ينتهي حضوره بالضرورة؛ فقد يتحول غيابه إلى طيف مقيم في ذاكرة أفراد عائلته، وإلى أسئلة لا تجد إجابات. من هذه المساحة بين الفقد والانتظار والذاكرة، تنطلق حكاية الفيلم الموزمبيقي القصير «الغارق» للمخرج أرييل آنيز، الذي يتخذ من عائلة واحدة متأثرة بالحرب في كابو ديلغادو مدخلاً للتأمل في آثار الصراع على الإنسان، بعيداً عن صور المعارك المباشرة.

يختفي «أماريلدو» في أثناء القتال، وسرعان ما تنتشر شائعات بأنه انشق وانضم إلى المتمردين، في حين يعود شقيقه «سيرجيو» إلى المنزل لإبلاغ العائلة بالنبأ المأساوي، لكن ما يبدو في البداية قصة عن اختفاء رجل يتحول تدريجياً إلى مواجهة مع حضور مختلف لهذا الغائب، حين يكتشف أن ابن شقيقه «بيرسيو»، البالغ من العمر عشرة أعوام، لا يزال يرتبط بوالده المفقود بعلاقة غامضة وعميقة في خياله الطفولي.

يقول مخرج الفيلم أرييل آنيز لـ«الشرق الأوسط»، في مقابلة عبر «زووم»، إن فكرة «الغارق» بدأت عام 2023، لكنها لم تكن في صورتها الأولى كما ظهرت على الشاشة، موضحاً أن «الأفكار السينمائية تتغير باستمرار خلال الكتابة وإعادة صياغة السيناريو».

مخرج الفيلم أرييل آنيز (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «المشروع بدأ بقصة مختلفة تماماً عن رجل في كنيسة يتجول في المدينة ويُلقي عظاته، قبل أن تظهر شخصية عائلة لديها طفل تربطه بوالده علاقة من خلال الأحلام»، لافتاً إلى أن هذه الجزئية بدأت تدريجياً الاستحواذ على اهتمامه، ومع إعادة كتابة السيناريو أصبحت العلاقة بين الطفل ووالده هي قلب القصة ومحورها الأساسي.

وأشار آنيز إلى أن «هذا التحول يعكس طبيعة عملية الكتابة نفسها، إذ قد يبدأ صانع الفيلم بفكرة محددة، ثم تواصل الشخصيات والأحداث يدفع القصة في اتجاهات غير متوقعة»، على حد تعبيره، مؤكداً أن المنتج النهائي ليس بالضرورة الفيلم الذي يعتقد المخرج في البداية أنه سيصنعه، لأن الفكرة تُعيد تشكيل نفسها خلال مراحل الكتابة والتطوير، وهو ما حدث تحديداً مع «الغارق».

وأكد أن هدفه من الفيلم كان أخذ تجربة شخصية جداً في جوهرها، وهي فقدان شخص عزيز، وربطها بتجربة الحرب في شمال موزمبيق وتأثيراتها على الناس والعائلات، ثم تحويلها إلى قصة يمكن أن يجد الجمهور العالمي نفسه داخلها، موضحاً أن الإنسان، في النهاية، يعرف معنى فقد شخص يحبه، ولذلك رأى أن هذه النقطة المشتركة يمكن أن تكون الجسر الذي يصل من خلاله المشاهد إلى قضية قد لا يعرف عنها الكثير.

وأشار المخرج إلى أن أحد دوافعه أيضاً كانت الرغبة في تعريف الجمهور بما يحدث في موزمبيق، مؤكداً أن الأخبار المتعلقة ببلاده لا تحظى دائماً باهتمام واسع خارجها، لذا فإن الفيلم يمنح المشاهد مدخلاً إلى قضية ربما لم يكن يعرف عنها شيئاً، ومن خلال الحكاية الشخصية يمكن أن يبدأ اكتشاف المزيد عن موزمبيق وثقافتها وتاريخها والظروف التي يعيشها سكان شمال البلاد.

اختار المخرج التركيز على جوانب متنوعة (الشركة المنتجة)

وأوضح آنيز أن «تنفيذ الفيلم في ظروف إنتاج مريحة كان يحتاج إلى موارد، لكن واقع الصناعة السينمائية في موزمبيق يجعل الحصول على هذه الموارد أمراً صعباً، في ظل محدودية الدعم الذي تقدمه المؤسسات»، وقال إن «صناع السينما يضطرون إلى أن يكونوا عمليين ومستقلين إلى حد كبير، وإن جزءاً مهماً من عملية الإنتاج يعتمد على المجتمع المحيط بهم، سواء من خلال العلاقات المهنية أو الصداقات داخل الوسط السينمائي».

وكشف آنيز عن أن المنتج الذي كان مشاركاً في المشروع منذ مرحلة ما قبل الإنتاج انسحب قبل التصوير بأسبوع تقريباً، بعد أن كانت أموال الفيلم قد حُوّلت إلى حسابه لإدارة النفقات.

عُرض الفيلم القصير في العديد من المهرجانات (الشركة المنتجة)

وهو ما شكّل، حسب وصفه، «أكبر صعوبة واجهت المشروع»، لافتاً إلى أنهم اضطروا إلى إيجاد طريقة للتعامل مع الأزمة، وتمكنوا في النهاية من تصوير الفيلم وإنجازه رغم فقدان الموارد التي كانوا يعتمدون عليها في البداية.

وحول مشاركته في المهرجانات الدولية، قال آنيز إن «هذه الفعاليات تمثّل بلا شك فرصة مهمة على المستوى المهني، خصوصاً أن بعض المهرجانات المرموقة يمكن أن يكون لها تأثير كبير في مسيرة المخرج». لكنه أكد أن القيمة الحقيقية لهذه التجارب بالنسبة إليه لا تتوقف عند الجانب المهني، وإنما تكمن أيضاً في فرصة الالتقاء مع أشخاص يشتركون معه في الرؤية نفسها للسينما، والتعرف إلى سينمائيين لديهم الاهتمامات والطموحات ذاتها.

وعدّ وجود فيلم موزمبيقي في مهرجانات دولية يمنح بلاده حضوراً على الخريطة، لأن المشاهد الذي يتعرف إلى الفيلم قد يبدأ بعدها البحث عن ثقافة موزمبيق وتاريخها، وهو ما يعدّه آنيز مكسباً مهماً للسينما المحلية.

وعن واقع صناعة السينما في موزمبيق، قال المخرج إن «الصعوبات لا تختلف كثيراً عن التحديات الموجودة في أجزاء أخرى من أفريقيا، لكن المشكلة الأساسية في بلاده تتمثل في أن الصناعة لا تزال غير متطورة بما يكفي، ولم تترسخ بنيتها بصورة كاملة، إلى جانب ضعف الدعم الذي يأتي من المؤسسات المختلفة، سواء الحكومية أو الخاصة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended