تململ جمهوري يكشف عن حدود قبضة ترمب داخل الحزب

ملفات داخلية تفتح هامشاً بين الولاء للرئيس وحسابات الكونغرس

النائب الجمهوري توماس ماسي خلال جلسة استماع في مجلس النواب يوم 11 فبراير (أ.ف.ب)
النائب الجمهوري توماس ماسي خلال جلسة استماع في مجلس النواب يوم 11 فبراير (أ.ف.ب)
TT

تململ جمهوري يكشف عن حدود قبضة ترمب داخل الحزب

النائب الجمهوري توماس ماسي خلال جلسة استماع في مجلس النواب يوم 11 فبراير (أ.ف.ب)
النائب الجمهوري توماس ماسي خلال جلسة استماع في مجلس النواب يوم 11 فبراير (أ.ف.ب)

لم يعُد السؤال في واشنطن عمّا إذا كان دونالد ترمب لا يزال الرجل الأقوى داخل الحزب الجمهوري؛ فهيمنته على الحزب، وشعبيته لدى القاعدة وقدرته على إزاحة الخصوم في الانتخابات التمهيدية، لا تزال حقائق سياسية ثابتة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو ما إذا كانت هذه الهيمنة تبدأ بالتعثر عندما تنتقل من ساحة الولاء الحزبي إلى ميدان الحكم: الحرب، والكونغرس، والإنفاق، والتعيينات، وحسابات الجمهوريين القلقين على مقاعدهم وصورتهم أمام الناخبين.

في الأيام الأخيرة، ظهرت إشارات متفرقة لكنها لافتة إلى أن قبضة ترمب وحدها لم تعد كافية لإخماد التململ الجمهوري في بعض القضايا. من تصويت يقيّد صلاحياته في حرب إيران، إلى اعتراضات على صندوق تعويضات ملياري، إلى انتقادات حادّة لتعيينات إدارته، يتّضح أن بعض الجمهوريين بدأوا يرسمون لأنفسهم هامشاً ضيقاً بين الولاء الكامل والانتقاد العلني.

تمرّد محدود

أبرز ما في تصويت مجلس النواب على حدّ سلطات الحرب في إيران أنه لم يأتِ من كتلة جمهورية كبيرة، بل من أربعة نواب فقط؛ هم توماس ماسي، وبراين فيتزباتريك، وتوم باريت، ووارن ديفيدسون. لكن الأهمية لا تكمن في العدد وحده، وفق صحيفة «نيويورك تايمز»، بل في تنوع دوافعهم. فبعضهم ينتمي إلى جناح محافظ/ليبرتاري يرى أن قرار الحرب يجب أن يبقى في يد الكونغرس، لا البيت الأبيض. وبعضهم الآخر يمثل دوائر انتخابية تنافسية يصبح فيها دعم حرب طويلة ومكلفة عبئاً سياسياً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

ترمب ردّ بغضب على منصته «تروث سوشيال»، واصفاً التصويت بأنه «بلا معنى»، ومتهماً الديمقراطيين و«أربعة جمهوريين سيئين» بمحاولة تقييد صلاحياته «في خضمّ مفاوضاته النهائية» لإنهاء الحرب مع إيران. وقد ذهب أبعد من ذلك حين وصف الخطوة بأنها «غير وطنية»، معتبراً أن خصومه يفضّلون فشل البلاد على منحه نصراً سياسياً جديداً.

لكن خلف اللغة الحادة، تبدو الرسالة أعمق: هناك جمهوريون يريدون تثبيت قاعدة أن الولاء لترمب لا يُلغي دور الكونغرس، خصوصاً في الحرب. وهو ما تحدث عنه النائب باريت، بتشديده على ضرورة أن يقرر الكونغرس «نطاق المهمة وحدود استخدام القوة»، فيما ذكّر فيتزباتريك بأن قانون صلاحيات الحرب يفرض العودة إلى الكونغرس بعد تجاوز المدة القانونية للنزاع.

صندوق 1.8 مليار دولار

القضية الثانية التي كشفت عن حدود الانضباط الجمهوري كانت مقترح إنشاء صندوق بقيمة 1.8 مليار دولار لتعويض من يقولون إنهم تعرضوا لملاحقات سياسية مُوجّهة. الفكرة انسجمت مع سردية ترمب عن «تسليح القضاء» ضد أنصاره، لكنها أثارت قلقاً واسعاً حتى داخل الحزب الجمهوري، خشية أن تتحول إلى آلية لمكافأة حلفاء سياسيين، بينهم بعض المرتبطين بأحداث اقتحام الكونغرس في 6 يناير (كانون الثاني) 2021.

وزير العدل بالإنابة تود بلانش أبلغ المشرعين أن الإدارة «لن تمضي قدماً» في الصندوق، وفق وكالة «أسوشييتد برس». لكن ترمب عاد وترك الباب مفتوحاً، قائلاً إنه لا يعرف إن كان الصندوق قد أُلغي أو عُلّق، وأضاف أنه «يحب» الفكرة. هنا لا يبدو الاعتراض آيديولوجياً بقدر ما هو سياسي ومؤسسي. فالجمهوريون لا يعارضون بالضرورة خطاب ترمب عن «الاضطهاد السياسي»، لكنهم يخشون أن يتحول هذا الخطاب إلى عبء انتخابي وقانوني، خصوصاً إذا صُوّر الحزب على أنه يستخدم أموالاً عامة أو تسويات قضائية لإرضاء قاعدة «ماغا».

تعيين استخباراتي مثير للجدل

ملف تعيين بيل بولتي مديراً بالإنابة للاستخبارات الوطنية فتح جبهة أخرى داخل الحزب الجمهوري. فبولتي، القادم من إدارة وكالة تمويل الإسكان الفيدرالية، حليف سياسي لترمب، لكنه أثار اعتراضات بسبب افتقاره إلى الخبرة الاستخباراتية وبسبب دوره السابق في نشر معلومات رهن عقاري تخص منتقدين بارزين لترمب.

الأشد وقعاً كان تصريح السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي قال إن بولتي لا يملك «أي فرصة» تقريباً لتثبيته في مجلس الشيوخ، واصفاً أداء الإدارة في هذا الملف بأنه «تصرف هواة». كما حذر من أن هذا التعيين قد يعرقل مساعي تجديد قانون مراقبة جوهري للأمن القومي.

وعكست مواقف بعض الجمهوريين قلقاً أوسع من أن يفضّل ترمب الولاء السياسي على الخبرة في مواقع تمس الأمن القومي. وبالنسبة إلى أعضاء مجلس الشيوخ، الذين يحتفظون بدور دستوري في التصديق على التعيينات، فإن تجاهلهم الكامل يعني تقليصاً لنفوذهم أمام البيت الأبيض.

التململ لا يقتصر على الداخل

لا تقف الاعتراضات الجمهورية عند إيران أو الصندوق الملياري أو التعيينات. فهناك أيضاً تباينات جمهورية حول قضايا السياسة الخارجية، من تايوان إلى روسيا وأوكرانيا. وقد أشارت تقارير إلى أن مجلس النواب يتجه للنظر في عقوبات جديدة على روسيا ومساعدات لأوكرانيا عبر تحرك فرضه ائتلاف من الحزبين، في وقت يبدي فيه صقور جمهوريون انزعاجاً من توجهات الإدارة في أوروبا ومن احتمال تقليص الوجود العسكري الأميركي هناك.

هذا يعني أن «التمرد» ليس كتلة واحدة، بل شبكة اعتراضات متفرقة. ففي إيران، الدافع هو صلاحيات الحرب وتكلفة النزاع. في أوكرانيا وروسيا، الدافع هو الخشية من فراغ استراتيجي يستفيد منه الخصوم. في تايوان، يتعلق الأمر بمصداقية الردع الأميركي في آسيا. وهذه الملفات حساسة خارجياً لأن الحلفاء والخصوم يراقبون ما إذا كانت قبضة ترمب على حزبه كافية لضمان استمرارية قراراته.

مع ذلك، ينبغي التذكير بأن السياسة الخارجية الأميركية لطالما شهدت تباينات بين الرؤساء وأحزابهم، خصوصاً عندما تطول الحروب أو ترتفع تكلفتها. الجديد هنا أن هذه التباينات تحصل مع رئيس بنى قوته على فرض الانضباط داخل الحزب.

معادلة جديدة

خسارة النائب راندي فينسترا، المدعوم من ترمب، في السباق الجمهوري لمنصب حاكم آيوا أمام زاك لان، منحت خصوم الرئيس مثالاً رمزياً على أن تأييده لا يكفي دائماً. فقد أيد ترمب فينسترا قبل أيام من الانتخابات التمهيدية، ثم أقر الأخير بالهزيمة أمام منافس محافظ ورجل أعمال ومزارع.

لكنّ قراءة هذه الخسارة تحتاج إلى توازن. فهي لا تلغي أن ترمب حقق نجاحات في غالبية السباقات التمهيدية الأخرى، ولا تعني أن قاعدته تخلت عنه. لكنها تكشف عن أن ختم ترمب لم يعد ضمانة مطلقة في كل سباق، خصوصاً عندما تتداخل عوامل محلية مثل الزراعة والتعريفات وأسعار الطاقة والغضب من الحرب.

وحسب مايك ميرفي، الاستراتيجي الجمهوري، قد يكون ترمب لا يزال «مهيمناً» في الانتخابات التمهيدية الجمهورية، لكنه أكثر تعرضاً للضغط في الانتخابات العامة، حيث يحتاج المرشحون الجمهوريون إلى المستقلين والناخبين المعتدلين، لا إلى القاعدة المتحمسة وحدها. وما يجري لا يرقى بعد إلى انقلاب جمهوري على ترمب. إذ إن الحزب لا يزال، في معظمه، خاضعاً لإيقاعه وخائفاً من غضبه ومن قدرته على دعم منافسين في الانتخابات التمهيدية. والدليل أن غالبية الجمهوريين وقفوا معه في تصويت إيران، وأن المعترضين ظلوا قلة.

لكن ما تغيّر هو أن الخوف لم يعد كافياً دائماً لإسكات الحسابات السياسية والمؤسسية. فمع اقتراب الانتخابات النصفية، ومع ارتفاع تكلفة الحرب والوقود والهجرة والتعيينات المثيرة للجدل، بدأ بعض الجمهوريين يبحثون عن مسافة محسوبة من الرئيس: لا قطيعة كاملة، ولا تمرد شامل، بل اعتراضات موضعية تمنحهم هامش نجاة أمام ناخبيهم.


مقالات ذات صلة

ترمب: الطائرة التي استقليتها من تركيا كانت «معرضة لخطر أكبر»

الولايات المتحدة​ ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)

ترمب: الطائرة التي استقليتها من تركيا كانت «معرضة لخطر أكبر»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأربعاء إن الطائرة التي استقلها بعد أن غادر سرا على متن رحلة جوية عسكرية من تركيا الشهر الماضي كانت «معرضة لخطر أكبر».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجيب عن أسئلة من الصحافيين حول إيران منتصف يوليو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

ترمب: خياراتنا إما تنهار إيران اقتصادياً وإما «ضربها بشدة»

اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإيرانيين بأنهم «مفاوضون مخادعون للغاية»، ولوّح بالتريث وترك طهران تنهار اقتصادياً أو ضربها «بقوة شديدة جداً».

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

رغم اختلاف دوافع انتقاد إسرائيل فإن غالبية الأصوات المشككة تدعو إلى الحدّ من نفوذ تل أبيب في أروقة القرار الأميركي.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل يتحدث خلال إحاطة في البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن يوم 12 نوفمبر 2025 (رويترز)

تحقيق «ترمب وروسيا»... كيف تحوَّل إلى ورقة ضغط وتجاذب حزبي؟

المذكرات التي رفع البيت الأبيض السرية عنها تكشف عن أن «إف بي آي» تعامل مع احتمال خضوع الرئيس لتأثير موسكو.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الصحة روبرت كينيدي واقفاً خلف الرئيس دونالد ترمب قبيل التوقيع على القرار التنفيذي في المكتب البيضاوي يوم 10 أغسطس (أ.ف.ب)

دفاع دولي عن اللقاحات في مواجهة «المعيار الذهبي» لترمب

دافعت منظمة الصحة العالمية عن الأسس العلمية لجداول تطعيم الأطفال، غداة توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قراراً تنفيذياً غايته تقليل عدد اللقاحات، وفصلها.

علي بردى (واشنطن)

ترمب: الطائرة التي استقليتها من تركيا كانت «معرضة لخطر أكبر»

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)
TT

ترمب: الطائرة التي استقليتها من تركيا كانت «معرضة لخطر أكبر»

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأربعاء إن الطائرة التي استقلها بعد أن غادر سرا على متن رحلة جوية عسكرية من تركيا الشهر الماضي كانت «معرضة لخطر أكبر».

وتضمن ذلك التغيير نقل الرئيس من طائرة إلى أخرى على متن شاحنة لنقل الطعام، وذلك بسبب مخاوف بشأن تقارير عن تهديد إيراني محتمل باغتياله.

وقال ترمب للصحفيين، بعد أن نشرت صحيفة واشنطن بوست تقريرا عن الأمر، «أعتقد في الواقع أن الطائرة التي استقللتها كانت معرضة لخطر أكبر... لأنها كانت الطائرة التي أعتقد أنهم كانوا سيستهدفونها على الأرجح». وأضاف أنه لا يثق في إيران.


واشنطن ودول حليفة لها تطالب بإخطار مسبق قبل اختبارات الصواريخ البالستية

صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن ودول حليفة لها تطالب بإخطار مسبق قبل اختبارات الصواريخ البالستية

صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

حذّرت الولايات المتحدة ونحو 40 دولة أخرى، الثلاثاء، من مخاطر إجراء اختبارات للصواريخ البالستية من دون إخطار مسبق، وذلك في بيان مشترك صدر بعد شهر من إطلاق الصين صاروخا قادرا على حمل رؤوس نووية فوق المحيط الهادئ.

وجاء في البيان الذي وقّعته دول من أوروبا ومنطقة المحيطَين الهندي والهادئ، أن «إجراء اختبارات لصواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوس نووية من دون إخطار مسبق وتفاصيل واضحة، يُعدّ أمرا خطيرا ويقوّض السلم والأمن للدول القريبة من مسارات هذه الاختبارات».

وأضاف البيان أن هذه الممارسات «تنطوي على مخاطر سوء التقدير، وتقوّض الاستقرار والأمن العالميَّين، ولا تنسجم مع المسؤوليات المترتبة على امتلاك قدرات صاروخية بعيدة المدى».

ودعت الدول الموقّعة كل البلدان إلى تقديم إشعار قبل الإطلاق بما لا يقل عن 24 ساعة، يتضمّن نوع الصاروخ المزمع إطلاقه، والنافذة الزمنية للإطلاق، والمنطقة والاتجاه المتوقّعَين.

كما شدّد البيان على ضرورة إصدار إخطارات واضحة للطيران والملاحة البحرية وفق المعايير الدولية للحدّ من المخاطر، بما في ذلك في المناطق المتوقع سقوط الصاروخ أو حطامه فيها.

وكانت بكين أخطرت عددا محدودا من الدول قبل فترة وجيزة من اختبارها صاروخا بالستيا عابرا للقارات الشهر الماضي، في خطوة اعتُبرت استعراضا لقدراتها العسكرية في منطقة تسعى منذ سنوات إلى تعزيز نفوذها فيها.

وقال مراقبون إن الصاروخ سقط في منطقة بحرية تقع بين جزر سليمان وناورو وتوفالو في المحيط الهادئ.


إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

عندما يلتقي أقصى اليمين وأقصى اليسار على موقف واحد، يصعب تجاهل التحول الذي يعكسه هذا التقاطع. وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم في الولايات المتحدة، حيث تتسع دائرة الانتقادات لإسرائيل عموماً ولرئيس وزرائها بنيامين نتنياهو خصوصاً، لتتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية، وتجمع أصواتاً متباعدة سياسياً قلّما تلتقي على قضية واحدة.

وفي الوقت الذي بدأت هذه المواقف تتردد منذ فترة في الأوساط السياسية الأميركية، إلا أن حوار الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، المعروف بمواقفه المنتقدة لتل أبيب، مع نجل الرئيس السابق جو بايدن، هنتر، سلّط الضوء عليها، إذ أجمع الرجلان اللذان قلما يتفقان على موقف، على انتقاد نتنياهو. فوصف هنتر رئيس الوزراء الإسرائيلي بـ«الشر المتجسد»، ودافع عن كارلسون الذي يواجه اتهامات بمعاداة السامية بسبب انتقاده لإسرائيل، مستغرباً من ربط الملفين ببعضهما بعضاً.

معاداة السامية

لكن هذا الربط ليس جديداً، فلطالما واجه منتقدو إسرائيل في الولايات المتحدة اتهامات بمعاداة السامية. ولا يقتصر الأمر على كارلسون، بل يتعداه ليصل إلى نائب الرئيس الأميركي نفسه جي دي فانس الذي يواجه هو كذلك اتهامات من هذا النوع، بعد أن انتقد إسرائيل علناً «بسبب عرقلتها الاتفاق مع إيران».

هنتر نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في البيت الأبيض 16 ديسمبر 2024 (أ.ب)

فقد أعرب فانس في موقف لافت عن انزعاجه من سماح «القيادات الأميركية بأن يؤثر النفوذ الإسرائيلي على أحكامها والمواقف التي يدافعون عنها»، واتّهم أعضاء في الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير على الرأي العام الأميركي لإطالة أمد الحرب.

وتطرق فانس بشكل مباشر إلى الاتهامات بمعاداة السامية، فقال بشكل حاسم: «ليس صحيحاً أن كل انتقاد للقرارات السياسية التي يتخذها نتنياهو يقود إلى معاداة السامية، أو يُعدّ بحد ذاته معاداة للسامية».

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في البيت الأبيض 5 أغسطس 2026 (أ.ب)

ومن الواضح أن التطرق إلى ملفات من هذا النوع بدأ يغير من طبيعة الحوار في الولايات المتحدة بشأن إسرائيل. وقد تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن الأمر أكثر من مرة، كان آخرها في مقابلة مع «ريل أميركا فويس» قال فيها إن تأثير اللوبي الإسرائيلي يتراجع في واشنطن، مشيراً إلى تغيير المشهد الأميركي حيال إسرائيل. ورغم وجود كثير من المحافظين الذين ينتقدون تل أبيب، فإن ترمب لم يتردد بتوجيه أصابع الاتهام إلى الحزب الديمقراطي. وهاجم زعيمهم في مجلس الشيوخ تشاك شومر، مشيراً إلى أنه توقف عن دعم إسرائيل «وأصبح فلسطينياً» على حد تعبيره.

تغيير في المشهد الحزبي

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس 4 أغسطس 2026 (رويترز)

لكن شومر من الديمقراطيين القلائل الذين حافظوا على تأييدهم لإسرائيل في أجواء مشحونة سياسياً، إذ إنه صوّت ضد مشروع قرار طرحه التقدمي برني ساندرز لتقييد مبيعات الأسلحة لإسرائيل رغم انضمام 40 ديمقراطياً للتصويت لصالح المشروع في سابقة في الكونغرس.

وتكرر المشهد في الجانب المقابل من المجلس التشريعي، حين صوّت أكثر من 100 ديمقراطي لصالح مشروع مشابه طرحه الجمهوري المعارض لترمب توماس ماسي، في مواقف أظهرت بوضوح تغييراً بارزاً في المعادلة السياسية الأميركية.

ترمب برفقة الإعلامي تاكر كارلسون في فينيكس بأريزونا يوم 31 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

ورغم تأييد شومر المستمر لإسرائيل، فإن الرجل الذي يبلغ من العمر 75 عاماً سيخوض الانتخابات في عام 2028 للدفاع عن مقعده، ومن المتوقع أن تنافسه على هذا المقعد النائبة التقدمية الشابة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز المعروفة بمواقفها المنتقدة لإسرائيل. ومما لا شك فيه أن الناخبين الشباب هم الذين حركوا هذا التغيير في المواقف، فهم من صوتوا لصالح وجوه تقدمية ديمقراطية تعارض إسرائيل علناً، مثل رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، والمرشح الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان عبد الرحمن السيد.

بين إيران وإبستين

ومن اليسار إلى أقصى اليمين، تتصاعد أصوات المؤثرين والمحافظين المعارضين لسياسات إسرائيل.

وقد تبنى هذه المواقف منشقون عن ترمب من حركة «ماغا» مثل النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي جو كنت. ويعتمد هؤلاء في انتقادهم على مبدأ «أميركا أولاً»، وقد شرحوا تحفظاتهم بشكل واضح في نقاط 10 توصلوا إليها بعد اجتماع بتاكر كارلسون، تقول إحداها إن إسرائيل دفعت الولايات المتحدة إلى خوض الحرب مع إيران من خلال «الرشوة أو التهديد أو كليهما»، مع وصف الخضوع لنفوذ جماعات الضغط الأجنبية بأنه شكل من أشكال من «العبودية».

ملفات جيفري إبستين تقسم الصف الجمهوري (أ.ب)

ومن اللافت أن إيران هي القاسم المشترك بين تصريحات فانس وكارلسون، بالإضافة إلى ملف آخر هو ملف إبستين. وهنا الرابط الآخر المثير للاهتمام، فأغلبية المنتقدين لإسرائيل من اليمين يُجمعون على موقف موحد تجاه ملفات إبستين، ويصرون على ضرورة الكشف عن تفاصيلها.

ويشمل هؤلاء تشارلي كيرك الذي تم اغتياله في حدث بجامعة يوتا العام الماضي، مروراً بمقدم البودكاست جو روغان، ومارجوري تايلور غرين، ووصولاً إلى كارلسون الذي ادّعى أن إبستين عمل لصالح الاستخبارات الإسرائيلية. ولم يتردد فانس في الترويج للطرح نفسه، وقال رداً على سؤال لجو روغان: «من الواضح إنه (إبستين) كانت لديه علاقات مع أعلى المستويات من الاستخبارات الإسرائيلية».

وهكذا لم يعد الجدل الأميركي بشأن إسرائيل محصوراً بين جمهوري وديمقراطي. فخطوط الانقسام تداخلت بين الحزبين. ورغم اختلاف دوافع الانتقاد وأسبابه، فإن الهدف واحد: إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ورسم حدود النفوذ الإسرائيلي في أروقة القرار الأميركي.