سكان جنوب لبنان مرتبكون: هل يعيدنا اتفاق واشنطن إلى ديارنا؟

نازحون لـ«الشرق الأوسط»: الخشية من المجهول تطغى على التفاؤل

مشهد من بلدة دبين في جنوب لبنان حيث تواصل وحدات من الجيش اللبناني فتح الطرق وإزالة الأنقاض وسط أحياء دمّرتها الحملة العسكرية الإسرائيلية (رويترز)
مشهد من بلدة دبين في جنوب لبنان حيث تواصل وحدات من الجيش اللبناني فتح الطرق وإزالة الأنقاض وسط أحياء دمّرتها الحملة العسكرية الإسرائيلية (رويترز)
TT

سكان جنوب لبنان مرتبكون: هل يعيدنا اتفاق واشنطن إلى ديارنا؟

مشهد من بلدة دبين في جنوب لبنان حيث تواصل وحدات من الجيش اللبناني فتح الطرق وإزالة الأنقاض وسط أحياء دمّرتها الحملة العسكرية الإسرائيلية (رويترز)
مشهد من بلدة دبين في جنوب لبنان حيث تواصل وحدات من الجيش اللبناني فتح الطرق وإزالة الأنقاض وسط أحياء دمّرتها الحملة العسكرية الإسرائيلية (رويترز)

أعادت نتائج الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي استضافتها واشنطن طرح السؤال الأكثر إلحاحاً داخل البيوت الجنوبية: هل اقترب موعد العودة أم أن النزوح مرشح لأن يطول؟ ويتردد هذا السؤال في ظل ضبابية تحيط بالاتفاق الذي أعلن عنه فجر الخميس في بيان الخارجية الأميركية، وتزايدت المخاوف من تعثر العودة، مع إعلان «حزب الله» رفضه للاتفاق.

وبينما انشغل المسؤولون بقراءة بنود التفاهمات الجديدة وتداعياتها السياسية والأمنية، كان أبناء القرى والبلدات الجنوبية يتابعونها من زاوية مختلفة، حيث يسألون عن المنزل الذي أُقفل على عجل، والعمل الذي انقطع، والقرية التي لا يعرف أصحابها متى يعودون إليها، ولا أي واقع سيجدونه عند عودتهم.

وتكشف شهادات من صور وزوطر الشرقية وأنصار وحاروف أن المفاوضات الأخيرة لم تنجح حتى الآن في تبديد القلق الذي يرافق آلاف النازحين منذ أشهر، بل دفعت كثيرين إلى إعادة طرح أسئلة قديمة بصيغة أكثر إلحاحاً: هل العودة ممكنة فعلاً؟ وهل سيكون الجنوب الذي سيعودون إليه هو الجنوب الذي غادروه؟

الخوف من واقع جديد

تقول رزان شرف الدين، ابنة مدينة صور، إن السؤال الأول الذي يهيمن على أحاديث الناس بعد المفاوضات هو ما إذا كانت العودة لا تزال ممكنة في المدى المنظور.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أول ما يشغل الناس اليوم هو معرفة ما إذا كانت هناك عودة أم لا. هذا هو السؤال الأساسي الذي يتردد في كل مكان».

غير أن مخاوفها لا تقتصر على موعد العودة، بل تمتد إلى طبيعة الواقع الذي قد يواجه الجنوبيين إذا عادوا إلى مناطقهم. تقول: «إذا عدنا إلى صور، فهل سنجد الإسرائيلي موجوداً؟ وهل سنعود إلى ظروف أصعب مما كان قائماً قبل عام 2000؟ وهل يمكن أن نصل إلى مرحلة تفرض فيها قيود أو ترتيبات تشبه تلك التي كانت قائمة خلال فترة الاحتلال؟».

وتضيف: «تركنا منازلنا، لكننا لا نعرف ما الذي سنجده عند العودة. هناك خوف من أن تتغير الوقائع على الأرض بصورة تجعل العودة مختلفة عما يتصوره الناس اليوم».

ولا تخفي شرف الدين أن استمرار النزوح بدأ يطرح تحديات معيشية متزايدة. وتقول: «إذا لم تتحقق العودة قريباً، فأين سيبقى الناس؟ لا أحد يريد أن يعيش في مراكز إيواء أو أن يبقى معتمداً على النزوح الدائم، لكن في المقابل إلى متى تستطيع العائلات تحمل أعباء الإيجارات والابتعاد عن مصادر رزقها؟».

أعمدة الدخان تتصاعد من مناطق في جنوب لبنان عقب غارات إسرائيلية في مشهد التُقط من مدينة النبطية (رويترز)

وتستعيد أشهر الانتظار الطويلة بقولها: «كانت الحقائب جاهزة دائماً. كلما سمعنا خبراً أو شائعة أو حديثاً عن اتفاق، تعلقنا بالأمل، ثم نعود ونؤجل فكرة العودة مرة أخرى».

تفاقم الخوف من عدم العودة

في زوطر الشرقية، يبدو المزاج العام أكثر تشاؤماً. يقول أحمد إسماعيل إن التجارب المتكررة خلال الأشهر الماضية بدلت نظرة الأهالي إلى أي حديث عن وقف لإطلاق النار أو تفاهمات جديدة. ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في كل مرة كان يُعلن فيها عن فرضية اتفاق أو تهدئة، كان الناس يتمسكون بالأمل، لكن ما جرى لاحقاً جعلهم أكثر حذراً وأقل استعداداً للتفاؤل».

ويرى إسماعيل أن الخوف من عدم العودة بات أكبر من الأمل بتحققها. ويقول: «بعد تجارب متكررة من النزوح والعودة ثم النزوح مجدداً، أصبحت مخاوف الناس من عدم الرجوع أكبر بكثير من تفاؤلهم بإمكان العودة». ويشير إلى أن جزءاً أساسياً من القلق يرتبط بالتطورات الميدانية الجارية في المنطقة.

عَلما إسرائيل واللواء غولاني في الجيش الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف (رويترز)

ويضيف: «هناك خوف من اتساع المناطق المحتلة، ولا سيما في محيط بلدات مثل زوطر الشرقية وأرنون ويحمر الشقيف». ويتابع: «الناس تسمع يومياً أخباراً عن تجريف منازل وأحياء كاملة، وهذا يزيد من حجم المخاوف ويجعلها أقل تفاؤلاً مما كانت عليه في السابق».

وحسب إسماعيل، فإن كثيراً من الأهالي باتوا يربطون مصير العودة بمسارات سياسية ودولية أوسع من مجرد تفاهمات مؤقتة. ويقول: «الناس تنتظر حلولاً نهائية أكثر مما تنتظر اتفاقات مرحلية، لأنها فقدت الثقة بقدرة التفاهمات المؤقتة على إنتاج استقرار دائم».

جدوى الاتفاقات

في بلدة أنصار، ينظر أحد أبناء البلدة، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، إلى نتائج المفاوضات بعين يغلب عليها الحذر. ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا يرى في التفاهمات المطروحة ما يكفي لإنتاج شعور حقيقي بالاطمئنان لدى السكان».

ويضيف: «الخوف الأكبر يتمثل في احتمال استمرار الحرب وتوسعها في أي لحظة. فلا يوجد شعور بأن المنطقة ستدخل مرحلة استقرار حقيقية». ويشير إلى أن «استمرار الاستهدافات في عدد من المناطق الجنوبية يعمق هذه المخاوف».

ويقول: «نشهد استهدافات متواصلة لا تميز دائماً بين المدنيين وغير المدنيين، وقد سقط خلال الفترة الماضية أشخاص يعرفهم أبناء المنطقة جيداً، وبعضهم من الجيران والأصدقاء والعائلات المعروفة».

ويرى أن استمرار هذا الواقع يجعل الحديث عن العودة أكثر تعقيداً. ويضيف: «حين يشعر الناس بأن الضربات قد تتجدد في أي وقت، يصبح من الصعب إقناعهم بأن الظروف باتت مهيأة لحياة مستقرة وعودة آمنة».

أعمدة الدخان تتصاعد من مناطق في جنوب لبنان عقب غارات إسرائيلية في مشهد التُقط من مدينة النبطية (رويترز)

دمار حاروف لم يبدد الشكوك

أما في حاروف، التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب، فينظر محمد حرب إلى المفاوضات من زاوية مختلفة.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «دفعت حاروف ثمناً باهظاً من الأرض والدم، لكن كثيرين لا يرون أن الاتفاقات السابقة حققت النتائج التي كانت مأمولة منها». ويضيف أن تجربة الاتفاقات السابقة لا تزال حاضرة بقوة في أذهان أبناء البلدة.

وأوضح: «هناك شعور بأن الاتفاقات التي أُبرمت في السابق لم تنجح في تحقيق الاستقرار أو منع عودة التوتر، ولذلك يتعامل الناس مع أي تفاهم جديد بكثير من الحذر».

ويرى أن حجم الدمار والخسائر التي تكبدتها البلدة لم يبدد الشكوك تجاه قدرة الاتفاقات الحالية على إحداث تغيير حقيقي. ويضيف: «الناس دفعت أثماناً كبيرة، لكنها ما زالت تنتظر نتائج ملموسة على الأرض قبل أن تقتنع بأن الأمور تتجه فعلاً نحو الاستقرار».


مقالات ذات صلة

عون في واشنطن سعياً لتثبيت الاستقرار والأمن في لبنان

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

عون في واشنطن سعياً لتثبيت الاستقرار والأمن في لبنان

غادر رئيس الجمهورية جوزيف عون، السبت، إلى واشنطن في زيارة رسمية هي الأولى لرئيس لبناني إلى الولايات المتحدة منذ عام 2009

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع انفجار في منطقة المنصوري بجنوب لبنان حيث قتل عسكري وجرح اثنان آخران (أ.ف.ب)

إسرائيل تُسابق الوقت بين تنفيذ الاتفاق وتكريس أمر واقع «تدميري» في جنوب لبنان

في وقت لا يزال تنفيذ «اتفاق الإطار» الخاص بجنوب لبنان يراوح مكانه، وسط تأجيل إطلاق «المناطق التجريبية» تبدو إسرائيل كأنها تُسابق الوقت لفرض وقائع ميدانية جديدة.

كارولين عاكوم (بيروت)
تحليل إخباري الرئيس اللبناني جوزيف عون مجتمعاً بقائد الجيش رودولف هيكل في وقت سابق (الرئاسة اللبنانية)

تحليل إخباري «حزب الله» يقطع الجسور مع الرئاسة اللبنانية ويحيّد الجيش

آثر «حزب الله» في اليومين الماضيين التصعيد الكبير بوجه السلطة اللبنانية خصوصاً رئاسة الجمهورية، معلناً صراحةً على لسان أحد نوابه أن «الجسور باتت مقطوعة معها».

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من موقع انفجار في قرية كفار تبنيت بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

مقتل عسكري لبناني وإصابة اثنين آخرين في انفجار جنوب البلاد

قتل عسكري لبناني وأصيب آخران بجروح في انفجار جسم مشبوه جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آليات تابعة للجيش اللبناني خلال دورية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان: قرار أميركي مفاجئ يؤجل «المناطق التجريبية»

أرجأت الولايات المتحدة، بشكل مفاجئ، الاجتماع الافتراضي الذي كان مقرراً، الجمعة، بين الوفود العسكرية اللبنانية والإسرائيلية والأميركية لبحث آليات تنفيذ المرحلة.

كارولين عاكوم (بيروت)

الزيدي يُشيد بنتائج زيارته لواشنطن... وسط تأييد شعبي وانقسام سياسي

ترمب والزيدي (إعلام رئاسة الوزراء)
ترمب والزيدي (إعلام رئاسة الوزراء)
TT

الزيدي يُشيد بنتائج زيارته لواشنطن... وسط تأييد شعبي وانقسام سياسي

ترمب والزيدي (إعلام رئاسة الوزراء)
ترمب والزيدي (إعلام رئاسة الوزراء)

نأت إيران (رسمياً) بنفسها عن التصريحات التي أدلى بها علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، ضد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، على خلفية زيارته إلى واشنطن، وذلك تمهيداً، على ما يبدو، لزيارة مرتقبة للزيدي إلى طهران.

وبعد اختتام زيارته إلى الولايات المتحدة، التي استمرت 5 أيام، قال الزيدي، في تدوينة عبر منصة «إكس»: «ونحن نختتم زيارتنا إلى واشنطن، عائدين إلى بغداد الحبيبة، فإننا نعرب عن شكرنا العميق لإدارة الرئيس ترمب وللشعب الأميركي الصديق على حفاوة الاستقبال والتقدير».

وأضاف: «نجدد عزم حكومتنا على المضي في تجسيد الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين البلدين الصديقين، وتعزيز الثقة المتبادلة والرؤية المشتركة للمستقبل، استناداً إلى ما أبرمناه من اتفاقات ومذكرات تفاهم وتعاون، من شأنها أن تفضي إلى بناء مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية القائمة على المصالح المشتركة في مختلف المجالات، والتنسيق المشترك لترسيخ الاستقرار وتعزيز مسار الازدهار في العراق وعموم المنطقة».

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في الوسط يحضر قمة الأعمال الأميركية العراقية يوم 17 يوليو 2026 في واشنطن (أ.ب)

وكان العراق والولايات المتحدة قد وقّعا، خلال الزيارة، 48 اتفاقية تحتاج إلى مصادقة البرلمان، فيما يمكن لمذكرات التفاهم، التي جرى التوقيع عليها أيضاً، أن تدخل حيّز التنفيذ دون الحاجة إلى ذلك. وهو ما دفع كثيراً من الأطراف المناوئة للزيارة، ولا سيما الفصائل المسلحة الموالية لإيران، إلى النظر بعين الريبة إلى ما تحقق بين البلدين، «انطلاقاً من أن تحقيق الحد الأدنى من هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم قد ينقل العلاقة بين بغداد وواشنطن إلى مستوى جديد، في مقابل تراجع مستويات التعاون مع إيران، ولا سيما بعد محاصرة تهريب الأموال إليها، من خلال الاتفاق بين البنك المركزي العراقي ووزارة الخزانة الأميركية».

وفي هذا السياق، وصف الزيدي هذا الاتفاق بأنه «يُمثل خطوة مهمة في مسار إصلاح القطاع المصرفي، وتعزيز اندماجه بالنظام المالي العالمي».

وقال إن «تأهيل 7 مصارف عراقية للعودة إلى قنوات المراسلة المصرفية الخارجية بالعملات الأخرى، تمهيداً لاستعادة أهليتها للتعامل بالدولار الأميركي، بعد استكمال متطلبات الامتثال والحوكمة، يؤكد نجاح نهج الإصلاح المالي الذي تتبناه الحكومة، ويُعزز الثقة بالقطاع المصرفي العراقي، ويفتح آفاقاً أوسع أمام الاقتصاد الوطني والاستثمار».

وأكد مواصلة «دعم الإصلاحات المالية والمصرفية، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة، بما يخدم مصالح العراق ويُعزز مكانته الاقتصادية إقليمياً ودولياً».

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال اجتماع في «البنتاغون» 14 يوليو الحالي (أ.ب)

وبينما تبدو خطوات بغداد هذه المرة واثقة على صعيد العلاقة مع واشنطن، فإن الحديث عن الانتقال بها إلى «مرحلة جديدة» في هذه العلاقة، بدا مفاجئاً لكثير من الأوساط، لا سيما الشعبية منها، التي أبدت ارتياحاً له... كما فاجأ بالقدر نفسه، الجهات المعارضة، لا سيما الأطراف القريبة من إيران، كونها لم تعد قادرة، مثلما كانت في السابق، على إيقاف مثل هذه التطورات بقيادة الزيدي.

ويقول عبد الرحمن الجبوري، رئيس «أكاديمية التطوير السياسي والحكم الرشيد»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إذا جرى الالتزام بمنهج الزيارة وتطبيقه على أرض الواقع، فإن العراق والزيدي يكونان قد تخلّيا عن مفهوم التوازن، واتجها إلى المعسكر الغربي والولايات المتحدة، واختارا حليفاً اقتصادياً ومالياً يحتاج إليه العراق. وبإمكان بغداد، بعد تفكيك سلاح الفصائل، الوقوف على الحياد في الحرب».

وبدوره، يقول أستاذ الفكر السياسي في الجامعة المستنصرية، الدكتور طالب محمد كريم، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «من المبكر الحديث عن تحول جذري في طبيعة العلاقة العراقية - الأميركية، لكن يمكن القول إن زيارة الزيدي تُمثل بداية محاولة لإعادة تعريف هذه العلاقة. فالانتقال من هيمنة الملفات الأمنية والعسكرية إلى التركيز على الاقتصاد والاستثمار والطاقة يعكس توجهاً نحو بناء علاقة تقوم على المصالح المتبادلة أكثر من إدارة الأزمات».

ويضيف كريم، أن «نجاح هذا التحول لا يتوقف على ما تحقق في واشنطن، بل على ما ستنجزه الحكومة داخل العراق. فالدولة العراقية ما زالت تواجه تحديات بنيوية، في مقدمتها ضعف الخدمات، والفساد، وتعدد مراكز القرار، وهي عوامل أثرت في كفاءة مؤسسات الدولة وقدرتها على جذب الاستثمار وبناء الثقة مع الشركاء الدوليين».

وأوضح أن «الولايات المتحدة بدأت تنظر بإيجابية إلى مسار الإصلاح الذي تعلنه الحكومة، لكن هذه الثقة لا تزال مشروطة، وستتوقف على قدرة بغداد على ترجمة التعهدات إلى إصلاحات إدارية وقانونية ومؤسسية ملموسة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض (أ.ب)

وفيما يتصل بطبيعة التوازن في العلاقة بين العراق وكل من الولايات المتحدة وإيران، يقول الدكتور كريم: «إن قراءة العلاقة بمنطق الربح والخسارة لا تعكس مصلحة العراق؛ لذلك، لا أرى أن نجاح العراق يُقاس بالابتعاد عن إيران أو بالاقتراب من الولايات المتحدة، وإنما بقدرته على بناء سياسة خارجية متوازنة تنطلق من المصلحة الوطنية، وتُحافظ على علاقات مستقرة مع الولايات المتحدة ودول الجوار والدول الإقليمية، دون أن يتحول إلى ساحة لتصفية الصراعات بينها».

إساءة ولايتي...

إلى ذلك، سعت إيران إلى احتواء التصريحات المسيئة التي أطلقها ولايتي بحق رئيس الوزراء العراقي، ووصفتها بأنها «غير رسمية». وأبلغ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، نظيره العراقي فؤاد حسين، في اتصال هاتفي، بأن «العلاقات بين البلدين ينبغي ألا تتأثر بالتصريحات الشخصية وغير الرسمية». وأضاف أن «العلاقات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والعراق علاقات راسخة واستراتيجية، تقوم على روابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة، ومصالح مشتركة بين الشعبين»، موضحاً أن «هذه العلاقات القيّمة ينبغي ألا تتأثر ببعض التصريحات الشخصية وغير الرسمية».

وكان ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، قد انتقد زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة، ووصف رئيس الوزراء العراقي بأنه «قليل الخبرة»، وفق ما نقلته وسائل إعلام.

وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين ونظيره الإيراني عباس عراقجي خلال مؤتمر صحافي في بغداد يوم 28 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وقال في مقال صحافي نشرته صحيفة «فرهيختكان»: «إن تصرف رئيس الحكومة خلال لقائه الرئيس الأميركي، بعد وقت قصير من تشييع المرشد السابق علي خامنئي، يُعد وصمة عار كبيرة»، على حد تعبيره.

والتزمت إيران رسمياً الصمت حيال الاتفاقيات التي وُقّعت بين بغداد وواشنطن، والتي من شأنها سحب البساط من تحت أقدامها في العراق، بالتوازي مع هجوم الفصائل المسلحة الموالية لها على الزيارة ومخرجاتها.


الأردن: اعتراض 3 صواريخ إيرانية... والسلطات تنفي إخلاء مطار وميناء العقبة

العاصمة الأردنية عمّان (أرشيفية - بترا)
العاصمة الأردنية عمّان (أرشيفية - بترا)
TT

الأردن: اعتراض 3 صواريخ إيرانية... والسلطات تنفي إخلاء مطار وميناء العقبة

العاصمة الأردنية عمّان (أرشيفية - بترا)
العاصمة الأردنية عمّان (أرشيفية - بترا)

أعلنت القوات المسلحة الأردنية، الأحد، اعتراض وإسقاط ثلاثة صواريخ إيرانية من أصل أربعة استهدفت أراضي المملكة، فيما سقط الصاروخ الرابع في منطقة نائية جنوب البلاد، من دون تسجيل إصابات أو أضرار مادية.
وقال مصدر عسكري مسؤول في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي، إن منظومات الدفاع الجوي تعاملت مع الصواريخ الإيرانية، واعترضت ثلاثة منها، بينما سقط الرابع في منطقة خالية بعيدة عن التجمعات السكانية.
وأوضح المصدر أن الحادثة لم تسفر عن أي خسائر بشرية أو مادية، مشيراً إلى أن فرق سلاح الهندسة الملكي باشرت تأمين موقع سقوط الصاروخ والتعامل معه وفق الإجراءات الفنية والأمنية المعتمدة.
وأكد أن القوات المسلحة الأردنية تواصل مراقبة أجواء المملكة بأعلى درجات الجاهزية، وستتعامل «بكل حزم» مع أي تهديد يستهدف أمن البلاد وسلامة مواطنيها.
وفي سياق متصل، نفى وزير الاتصال الحكومي والمتحدث الرسمي باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني، صحة ما تردد عن إخلاء مطار العقبة أو مينائها، مؤكداً أن السلطات المختصة لم تصدر أي قرارات بهذا الشأن.
وقال المومني، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن الجهات المختصة لم ترصد أي تهديدات محتملة خلال الساعات الماضية، مشدداً على أن مطار العقبة والميناء يعملان بصورة طبيعية، وأن أي مخاطر محتملة تعلنها الجهات الأردنية الرسمية عند الضرورة.
وجاء النفي الحكومي بعد وقت قصير من تحذير أصدرته السفارة الأميركية في عمّان، قالت فيه إن السلطات الأردنية أخلت مطار العقبة الدولي وميناء العقبة بسبب ما وصفته بـ«تهديد محدد وموثوق».
ودعت السفارة الأميركية، في منشور عبر منصة «إكس»، المواطنين الأميركيين إلى تجنب التوجه إلى المطار أو الميناء، وحثتهم على الالتزام بالتوجيهات الأمنية الصادرة عن السلطات الأردنية، من دون أن تقدم تفاصيل إضافية بشأن طبيعة التهديد.

وقالت السفارة على إكس «ننصح بشدة جميع الأميركيين بتجنب السفر إلى المطار أو الميناء. ونحثهم على مواصلة اتباع جميع التوجيهات الأمنية الصادرة عن السلطات الأردنية».

ولم تقدم السفارة مزيداً من التفاصيل عن طبيعة التهديد.

وجاء بيان السفارة الأميركية غداة إعلان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) مقتل جنديين وفقدان آخر خلال التصدي لهجوم إيراني في الأردن.


الشرع يعيّن خطاب مديراً لمكتب الأمن الوطني... وطحان للاستخبارات العامة

الرئيس السوري أحمد الشرع (د.ب.أ)
الرئيس السوري أحمد الشرع (د.ب.أ)
TT

الشرع يعيّن خطاب مديراً لمكتب الأمن الوطني... وطحان للاستخبارات العامة

الرئيس السوري أحمد الشرع (د.ب.أ)
الرئيس السوري أحمد الشرع (د.ب.أ)

أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع حزمة تعيينات جديدة في المؤسسات الأمنية، شملت عدداً من المناصب القيادية.

وبحسب وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، فقد تضمنت التعيينات تعيين المهندس أنس خطاب مديراً لمكتب الأمن الوطني، إضافة إلى مهامه وزيراً للداخلية، وتعيين حسين السلامة معاوناً لمدير مكتب الأمن الوطني، وتعيين ملهم الشنتوت معاوناً لوزير الداخلية للشؤون الأمنية. كما شملت التعيينات أيضاً عبد القادر طحان رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة.

جاءت هذه التعيينات بعد أيام قليلة من إصدار مرسوم رئاسي يقضي بإحداث الجامعة السورية للعلوم الأمنية، ومقرها الرئيسي دمشق، وتضم كليات ومعاهد في الأمن السيبراني والدراسات الأمنية، في تطور هو الأول من نوعه في سوريا، يعكس توجه دمشق نحو إدارة أمنية للبلاد تعتمد على كوادر أكاديمية مدربة في مجالات الأمن السيبراني والدراسات الاستراتيجية الحديثة، إلى جانب الأمن الميداني.

وزير الداخلية أنس خطاب مستقبلاً رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا ميخائيل أونماخت خلال زيارة رسمية للتنسيق الإقليمي مايو الماضي (سانا)

أنس خطاب رئيس مكتب الأمن الوطني

يعكس تكليف أنس خطاب بوزارة الداخلية وإدارة مكتب الأمن الوطني معاً، رغبة دمشق في توحيد مركز القيادة الأمنية العليا تحت إشراف رئاسي مباشر.

وفق مصادر إعلامية متقاطعة فإن المرحلة الراهنة تتطلب توطيداً سريعاً للاستقرار في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة إقليمياً وداخلياً، من خلال إعادة توزيع المهام على الفريق الأمني الذي واكب عملية الوصول إلى دمشق والإطاحة بالنظام السابق فمن هم أعضاء هذا الفريق.

اللواء عبد القادر طحان رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة (سانا)

اللواء عبد القادر طحان رئيس جهاز الاستخبارات العامة

اللواء عبد القادر طحان الملقب بـ«أبو بلال قدس» من مواليد مدينة حلب عام 1980، درس العلوم الشرعية في المدرسة الشعبانية بحلب، ثم تابع في معهد الفتح بدمشق، التحق بقسم اللغة العربية في جامعة حلب عام 2008، وفي عام 2011 انقطع عن الدراسة لينخرط في العمل المسلح ضد النظام السوري في ريف حلب الغربي.

في عام 2012 أسس «كتيبة القدس» لتصبح لاحقاً «كتائب القدس الإسلامية» التي انضمت إلى «جيش الفتح» ثم «جبهة النصرة» التي تحولت إلى «هيئة تحرير الشام» بعد فك الارتباط بتنظيم «القاعدة».

تولى الطحان قيادة القطاع الشمالي وعرف باسم «عبد الله الأغا / أبو عامر»، وتسلم الملف الأمني في القاطع الغربي لإدلب.

بعد الإطاحة بنظام الأسد تسلم الطحان رئاسة جهاز الأمن العام في سوريا، ونفذ عمليات أمنية أدت إلى تفكيك 34 خلية تابعة لتنظيم «داعش» واعتقال نحو 1300 من عناصرها. وفي مطلع عام 2026 عُيّن نائباً لوزير الداخلية للشؤون الأمنية، ومن ثم تمت ترقيته ليعين رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة السورية خلفاً لحسين سلامة.

معاون مدير مكتب الأمن الوطني خلال المؤتمر الرابع لرؤساء أجهزة مكافحة الإرهاب في مقر الأمم المتحدة بنيويورك نهاية يونيو (سانا)

حسين السلامة معاوناً لمدير مكتب الأمن الوطني

يعرف أيضاً بـ«أبو مصعب الشحيل» كان من مؤسسي «جبهة النصرة» عام 2011 في المنطقة الشرقية. ساهم عام 2014 في تأسيس «مجلس شورى مجاهدي الشرقية» الذي عمل على توحيد الفصائل المناهضة لنظام الأسد في مواجهة تمدد تنظيم «داعش» في دير الزور.

بعد سيطرة «داعش» على شرق سوريا، انتقل السلامة مع مقاتليه إلى شمال غربي سوريا، وتولى مهام قيادية وإدارية في الجناح العسكري لغرفة عمليات «الفتح المبين» التابعة لـ«هيئة تحرير الشام». في عام 2024 وبعد إسقاط النظام وحل «هيئة تحرير الشام»، عين محافظاً للمحافظات الشرقية (دير الزور، الرقة، الحسكة) لفترة وجيزة، قبل استقالته ليتولى رئاسة لجنة التفاوض الحكومية مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، التي انتهت بتوقيع اتفاق 10 مارس 2025 مع «قسد».

في مايو (أيار) 2025 عين رئيساً للاستخبارات العامة خلفاً لأنس خطاب، وفي التعيينات الأخيرة انتقل من رئاسة الاستخبارات إلى رئاسة مجلس الأمن القومي وإدارة التنسيق الاستراتيجي بين وزارة الدفاع والداخلية والخارجية، كما عُيّن معاوناً لمدير مكتب الأمن الوطني.

ملهم الشنتوت معاون وزير الداخلية للشؤون الأمنية (سانا)

ملهم الشنتوت

من مواليد محافظة حماة وسط سوريا، كان ضابطاً في قوات النظام السابق، وانشق عنها ليلتحق بالعمل المسلح ضد نظام بشار الأسد في الشمال السوري، وتركّز عمله على إدارة القطاعات الأمنية والشرطية في شمال غربي سوريا (إدلب وأرياف حماة وحلب). وساهم في هيكلة أجهزة «الأمن الداخلي» وقوى الشرطة التابعة للثورة، مبرزاً كفاءة عالية في مجالات مكافحة الجريمة الجنائية، وتطبيق القوانين ضمن المناطق المعارضة لنظام الأسد.

عُرف عنه ميله إلى العمل المؤسساتي المنظم والابتعاد عن الفصائلية، ما أكسبه قبولاً في الأوساط المدنية، فكان خياراً توافقياً لقيادة أمن حماة لاحقاً لامتلاكه معرفة جيدة بتركيبة ومشاكل المنطقة الاجتماعية والعشائرية. حيث كُلّف رسمياً في مايو 2025 بقيادة الأمن الداخلي لمحافظة حماة، وتمكن من تفكيك خلايا النظام البائد واعتقال مجرمي حرب سابقين.