سوريا الجديدة تحسم هويتها الاقتصادية: «الشراكة» بديلاً عن الخصخصة في مسار التعافي

خريطة طريق لربط الرساميل الاغترابية بمنصة تمويل دولية مشتركة

سوريون يلعبون في مدينة ملاهي عيد الأضحى في منطقة مدمرة وسط حي جوبر المدمر بالكامل على مشارف دمشق (أرشيفية - د.ب.أ)
سوريون يلعبون في مدينة ملاهي عيد الأضحى في منطقة مدمرة وسط حي جوبر المدمر بالكامل على مشارف دمشق (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

سوريا الجديدة تحسم هويتها الاقتصادية: «الشراكة» بديلاً عن الخصخصة في مسار التعافي

سوريون يلعبون في مدينة ملاهي عيد الأضحى في منطقة مدمرة وسط حي جوبر المدمر بالكامل على مشارف دمشق (أرشيفية - د.ب.أ)
سوريون يلعبون في مدينة ملاهي عيد الأضحى في منطقة مدمرة وسط حي جوبر المدمر بالكامل على مشارف دمشق (أرشيفية - د.ب.أ)

حسمت سوريا الجدل حول هوية نظامها المالي والاستثماري الجديد؛ متبنيةً مسار «الشراكة الاستراتيجية» بين القطاعين العام والخاص كبديل جذري لخيار الخصخصة المطلقة، ليعلن هذا التحول رسمياً خروج القطاع الخاص من دور المساند الهامشي إلى «قاطرة التنمية الاقتصادية» والشريك الأساسي في قيادة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. هذا التوجه الاستراتيجي، الذي توّجه إطلاق حوار وطني موسع لعام 2026، لا يهدف فقط إلى استقطاب الرساميل الوطنية والمهاجرة وإعادة ربط سلاسل القيمة المحلية، بل يعيد صياغة دور الدولة بوصفها منظِّمة وضامنة للسوق الحرة. ومستنداً إلى رؤية دولية تدعم الاستدامة وحزمة من المحفزات التشريعية غير المسبوقة، يسعى هذا المسار لردم فجوة الثقة الممتدة لسنوات، وبناء اقتصاد سوق اجتماعي منفتح يوازن بين حرية المبادرة الفردية والمسؤولية التنموية الشاملة.

الحوار الأول بعد التحول السياسي

وكانت العاصمة السورية دمشق أسدلت الستار على أعمال «المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص في سوريا لعام 2026»، والذي عُقد على مدار ثلاثة أيام في قصر المؤتمرات. ويعد هذا الحدث الأول من نوعه في البلاد منذ بدء مرحلة التحول السياسي والاقتصادي إثر سقوط النظام السابق نهاية عام 2024.

المؤتمر الذي نظمته وزارة الاقتصاد والصناعة، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبتمويل ودعم من الحكومة اليابانية، شهد مشاركة واسعة ناهزت 500 شخصية اقتصادية، ضمت وزراء، وممثلي الجهات العامة، وغرف التجارة والصناعة والزراعة، ومجالس الأعمال، بالإضافة إلى خبراء ورجال أعمال من داخل سوريا وخارجها ومنظمات دولية. ووفقاً للمعرفات الرسمية لوزارة الاقتصاد والصناعة، استهدف المؤتمر صياغة رؤى وتوصيات عملية تسهم في دعم مسار التعافي والتنمية الشاملة.

وتتقاطع الرؤية الاقتصادية الجديدة في البلاد مع أدبيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والتي تنظر إلى «التنوع الاقتصادي كأصل استراتيجي»؛ حيث لا يُنظر إلى القطاع الخاص السوري ككتلة صمّاء، بل بوصفه منظومة حيوية متنوعة ومرنة تتوزع بنيتها على عدة مستويات، أبرزها المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة والتي تشكل أكثر من 90 في المائة من بنية الأعمال في سوريا، وهي الخزان الرئيسي والقدرة الحقيقية لاستيعاب القوى العاملة الوطنية، والشركات العائلية والورش الحرفية التي حافظت على استمرار المهارات الإنتاجية محلياً طوال سنوات الأزمة تحت ضغوط قاسية؛ والمنتجون الزراعيون والمصنعون المحليون الذين ضمنوا استمرارية الحد الأدنى من تدفق السلع في الأسواق الداخلية.

طفل يحمل بالونات بينما يتجول المتسوقون في «السوق القديم» بدمشق قبيل عيد الأضحى (أ.ف.ب)

هوية الاقتصاد الجديد

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بيّن الخبير الاقتصادي الذي يشغل منصب المستشار الأول لشؤون السياسات الاقتصادية المحلية في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، أسامة قاضي، أن المؤتمر «أزال اللبس» بشأن هوية الاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة، حيث تم توضيح توجهه، وأنه أقرب ما يكون لاقتصاد السوق الموجه، أو اقتصاد السوق الاجتماعي كما هو الحال في ألمانيا ومعظم أوروبا وكندا، وأن القطاع الخاص يمثل قاطرة التنمية الاقتصادية، وأن القطاع العام لا يواجه مصير الخصخصة، وأن الحكومة تنتهج مسار الشراكة مع القطاع الخاص.

وأوضح أن هوية الاقتصاد لسوريا الجديدة تؤكد آليات العرض والطلب الحرة دون احتكار مع التأكيد على الحكم الرشيد ودور الدولة في مراقبة تطبيق القوانين والتأكد من مرونتها وتطبيقها من أجل خلق بيئة استثمارية جاذبة للاستثمارات وذلك عن طريق فرض معدلات ضريبية محفزة للنشاط الاقتصادي.

قانون الاستثمار 114

ومن خلال قانون الاستثمار 114 لعام 2025، أعفت الحكومة السورية كل النشاط الزراعي والتعليمي من الضرائب، وشجعت الإنتاج الصناعي؛ إذ إن أي شركة استثمارية تصدّر أكثر من 50 في المائة من إنتاجها تُعفى من 80 في المائة من الضرائب، والضريبة عموماً لا تتجاوز 15 في المائة، ‏إضافة إلى إعفاء خطوط الإنتاج والآلات المستخدمة في عمليات الإنتاج من أي ضريبة.

‏ولفت قاضي إلى أن اللائحة التنفيذية لقانون الاستثمار تساعد المشاريع الصغيرة متناهية الصغر والمتوسطة والتي تشكل أكثر من 90 في المائة في سوريا من خلال خطوط الائتمان وإعطاء قروض ميسرة وتوفير حضنات ومسرعات الأعمال، إضافة إلى تشجيع تلك المشروعات من أجل مشاركتها في المعارض المحلية والعالمية، من خلال مجالس الأعمال التي تم الإعلان عنها خلال المؤتمر في أكثر من 17 دولة.

‏التوازن بين المبادرة الفردية ودور الدولة

وخلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، قال وزير الاقتصاد والصناعة، محمد نضال الشعار، إن سوريا تتجه نحو بناء نموذج اقتصادي جديد يجمع بين الواقعية والطموح والانفتاح، وتنظر باهتمام إلى الدول التي حققت نماذج ناجحة، وقفزات تنموية خلال فترات زمنية قصيرة، بهدف التعليم والتكييف وبناء نموذجها الخاص استناداً إلى إمكانياتها وموقعها الاستراتيجي، وطاقات شعبها، وخبرات أبنائه في الخارج والداخل.

الشعار يتحدث خلال افتتاح المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص (إكس)

وأوضح أن «تبني نهج الاقتصاد الحر لا يعني غياب الدولة، ولا ترك ضوابط السوق، فالتجارب الناجحة أثبتت أنها مبنية على نموذج متوازن بين حرية المبادرة ودور الدولة الاستراتيجي»، مضيفاً أن «النهضة الاقتصادية الحديثة لا تُبنى بالشعارات، بل بالكفاءة والانضباط والاستقرار، وبشراكات حقيقية، واقتصاد يمنح الفرصة للمبادرة والإبداع والإنتاج، ضمن رؤية وطنية واضحة».

وأشار إلى أن دور الدولة الاقتصادي لا يختزل في نقاش بين الملكية العامة والخصخصة، ولا ينظر إلى الخصخصة باعتبارها تهمة أو خياراً افتراضياً أو حلاً تلقائياً للتحديات الاقتصادية، موضحاً أن القيمة الحقيقية للأصول العامة لا تكمن في سعر بيعها بل في قدرتها على خلق قيمة مضافة ومستدامة للاقتصاد الوطني.

قطاعات التحالف الاستراتيجي

وفي تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن القطاعات الحيوية المرشحة لقيادة التحالف بين القطاعين العام والخاص هي: الزراعة والتصنيع الزراعي والطاقة والنقل والبنية التحتية والإعمار، مشيراً إلى أن سوريا بلد بكر لم يُستثمر أكثر من 5 في المائة من إمكانياتها البشرية ومواردها وثرواتها الباطنية، بل تم منح تهميش مكانتها الجيو سياسية التي تدعم اليوم أكثر من ‫ثلث موازنة سوريا، وعلى سبيل المثال، عبَر فوق سوريا في مايو (أيار) الماضي وحده 11800 طائرة استخدمت أجواءها وهذا يدرٌ دخلاً على الموازنة العامة.

‏واعتبر أن أكثر ما يهم في العلاقة ما بين القطاعين الخاص والعام، هو أن تكون هذه الشراكة واضحة، بمعنى أن يتم التزام الشفافية في العقود المبرمة بينهما، واعتماد معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية. وهنا يبرز التوجه نحو «التحول الأخضر والاستخدام الرشيد للموارد» كضرورة اقتصادية ملحة لخفض تكاليف التشغيل الطويلة الأجل وتأهيل المنتجات السورية للأسواق العالمية، وليس كمجرد رفاهية.

مأسسة الشراكة

وشكل انعقاد «حوار القطاع الخاص» داخل دمشق لأول مرة منذ انطلاقه عام 2018 علامة فارقة في مأسسة وتوطين الحوار. والسؤال الذي يطرح: إلى أي مدى يسهم هذا التحول في ردم «فجوة التصورات» وبناء الثقة المتبادلة والمساءلة بين التُجّار والصُنّاع من جهة، والمؤسسات الحكومية من جهة أخرى؟

الخبير الاقتصادي السوري زياد عربش أوضح أن هذا التحول يسهم في ردم فجوة التصورات من خلال نقل النقاش من المنفى إلى أرض الواقع، حيث يلتقي الصناعيون والتُجّار مع الحكومة على نفس التحديات (كهرباء، مواد خام، عطاءات)، وعبر بناء الثقة المتبادلة من خلال حوار مباشر دون وسيط دولي، كما أن وجود كافة الفاعلين في مكان واحد يخلق ضغطاً مجتمعياً للالتزام.

ويسهم هذا التحول في ردم فجوة التصورات عبر «المأسسة»، أي تحويل الحوار من مبادرة مؤقتة إلى آلية مؤسسية دائمة تابعة لوزارة الاقتصاد وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى أن المؤتمر يحول الحوار من نقاش نظري إلى عملية اتخاذ قرار واقعية، وفق عربش.

وتعمل الحكومة السورية منذ تحرير البلاد من النظام السابق على استعادة النمو الاقتصادي وجذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية للمشاركة في إعادة بناء الاقتصاد. وقدر البنك الدولي، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، بينما بلغت قيمة الخسائر المادية المباشرة في البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية نحو 108 مليارات دولار. وفي ظل حذر الرساميل الأجنبية، يجمع الخبراء على أن رأس المال السوري المغترب وشبكات الشتات هما المحرك الأكثر واقعية وسرعة لقيادة التمويل في المدى القريب.

عمال سوريون يقومون بتحميل أكياس الفريكة شمال غربي سوريا (أ.ب)

ورأى عربش أن ترجمة المخرجات والتوصيات السياساتية إلى خطط تنفيذية محددة بجدول زمني تلتزم بها الجهات العامة، تتطلب وجود آلية مؤسسية واضحة، تتضمن تشكيل لجنة تنفيذية مشتركة تحوّل التوصيات لخطط عمل بمشاريع محددة، ووجود برامج زمنية مادية لكل مشروع، إضافة إلى ربط الخطط بميزانيات واقعية، وإنشاء نظام رصد ومتابعة، وربط الالتزام بالحوافز والعقوبات؛ لأنه دون جدول زمني مُلزم ومساءلة علنية، تبقى التوصيات حبراً على ورق.

وحول الضمانات القانونية والآليات المصرفية لتشجيع رساميل المغتربين على العودة، ذكر عربش أنها تتمثل بما تضمنه القانون 114، وحماية الملكية الخاصة والصناعية، وقوانين ضمان تحويل الأرباح بالعملات الصعبة، وتسهيلات تحويل مالي من الخارج، وقروض ميسّرة للمشاريع المشتركة، إضافة إلى تفعيل التمويل التأجيري.

يضاف إلى ذلك، بحسب عربش، «الحوافز الاستثمارية» المتضمنة إعفاءات ضريبية تمتد من 5 - 10 سنوات، وأراضي صناعية بأسعار رمزية في المدن الصناعية، وشراكات البناء والتشغيل والنقل مع القطاع العام التي تضمن ملكية الدولة والتشغيل الخاص الكفء.

وتحدث عربش عن «مبادرات الشتات»، والمتمثلة بدعم الاتحاد الأوروبي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية للماليين في الشتات لتعزيز الاستثمار الزراعي، وإنشاء منصات رقمية مثل «بنيان سوريا» لربط المغتربين بمشاريع إعادة الإعمار، معقباً: «فالمغتربون يحتاجون إلى ثقة قانونية وسيولة مصرفية وحوافز ملموسة، لا دعوات عاطفية فقط».

المنصة الدولية للتمويل المشترك

وفي ختام تحليله، شدد عربش على الأهمية الاستراتيجية لبناء جسور تواصل متينة مع مؤسسات التمويل الدولية، مستنداً إلى الحضور الدولي الوازن لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والحكومة اليابانية كـ«ضامن دولي» موثوق يحفز كلاً من البنك وصندوق النقد الدوليين، وبنوك التنمية الإقليمية على الانخراط في المشهد الاقتصادي الجديد.

وأوضح أن قوة دور برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تكمن في قدرته على تحقيق تكامل بنيوي على مسارين: ميداني يركز على دعم سبل العيش وتطوير قطاع المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر والمتوسطة محلياً، واستراتيجي يستهدف إصلاح وتطوير بيئة الأعمال على المستوى الوطني. وخلص إلى أن المطلب الأهم والأكثر إلحاحاً اليوم هو تحويل هذا الحوار إلى «منصة تمويل مشترك» قادرة على صهر الموارد العامة، وأموال المانحين، والرساميل الخاصة في بوتقة إنتاجية واحدة، بما يضمن تحويل طاقات القطاع الخاص المتنوعة من مجرد أداة للصمود والمرونة إلى رافعة حقيقية تقود نهضة اقتصادية مستدامة.


مقالات ذات صلة

بدء محاكمة وسيم الأسد بتهم «جرائم حرب»

المشرق العربي وسيم الأسد

بدء محاكمة وسيم الأسد بتهم «جرائم حرب»

انطلقت في «محكمة الجنايات الرابعة» بدمشق، الأربعاء، أولى جلسات محاكمة المتهم وسيم الأسد ‏المتورط في جرائم عدة بحق الشعب السوري خلال عهد النظام البائد...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي شهادة أمام الهيئة القضائية في الجلسة الرابعة لمحاكمة عاطف نجيب الثلاثاء (وزارة العدل السورية)

عاطف نجيب ينكر مجدداً الاتهامات بعد مواجهة مع ضحاياه

عقدت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بقضايا العدالة الانتقالية بدمشق، الجلسة الرابعة من محاكمة عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا.

سعاد جروس (دمشق)
العالم العربي وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مراقبون «دفعة لمسار التقارب» بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

هشام المياني (القاهرة)
المشرق العربي العميد السابق في الحرس الجمهوري

سوريا: توقيف 3 مسؤولين سابقين بينهم عميد في الحرس الجمهوري

ألقت وحدات وزارة الداخلية في حلب القبض على العميد السابق بالحرس الجمهوري خلال عهد نظام الأسد، المدعو يوسف حبيب، لتورطه بانتهاكات وجرائم جسيمة بحق المدنيين.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي احتجاجات النازحين في مدينة السويداء والمطالبة بالعودة إلى قراهم

«فك ارتباط» و«تنصل» غير معلن لفصائل «الحرس الوطني» في السويداء

تحدثت مصادر في مدينة السويداء عن وجود عمليات «فك ارتباط» غير معلنة من فصائل منضوية تحت مظلة ما يُعرف بـ«الحرس الوطني» بسبب «تدهور الأوضاع العامة وفساد الإدارة».

موفق محمد (دمشق)

الصين تُحذّر من «فقدان السيطرة» على الذكاء الاصطناعي

إحدى قاعات المنتدى الاقتصادي العالمي الصيفي المنعقد في مدينة داليان الصينية (أ.ب)
إحدى قاعات المنتدى الاقتصادي العالمي الصيفي المنعقد في مدينة داليان الصينية (أ.ب)
TT

الصين تُحذّر من «فقدان السيطرة» على الذكاء الاصطناعي

إحدى قاعات المنتدى الاقتصادي العالمي الصيفي المنعقد في مدينة داليان الصينية (أ.ب)
إحدى قاعات المنتدى الاقتصادي العالمي الصيفي المنعقد في مدينة داليان الصينية (أ.ب)

حذّر رئيس الوزراء الصيني، لي تشيانغ، المشاركين في «منتدى دافوس الصيفي» يوم الأربعاء، من أن العالم يواجه خطر «فقدان السيطرة» على التقنيات الرائدة، كالذكاء الاصطناعي، إذا تباطأت الحكومات في تنظيمها.

وتتزايد المخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي على أسواق العمل، والمخاطر الأمنية التي يُشكلها، بدءاً من استخدامه في النزاعات، مروراً باختراقات الدفاعات السيبرانية، وصولاً إلى إمكانية ابتكار أسلحة بيولوجية جديدة.

وقال رئيس الوزراء لي تشيانغ في خطاب له: «إن سرعة التقدم التكنولوجي غير مسبوقة»، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي قد عزّز «كفاءة الابتكار». وأضاف: «مع ذلك، لا يمكننا تجاهل المخاطر المتزايدة لفقدان السيطرة على التكنولوجيا، والتجاوزات الأخلاقية... وإذا لم تواكب الحوكمة في هذا المجال هذا التطور فقد تكون العواقب وخيمة».

ويُروَّج للاختراقات التكنولوجية باعتبارها محركات للنمو الاقتصادي، لكن هناك مخاوف من فقدان الوظائف والتوترات الجيوسياسية، وفقاً لما ذكره متحدثون في المؤتمر السنوي الذي ينظمه المنتدى الاقتصادي العالمي في الصين.

وصرح ميريك دوسيك، المدير العام للمنتدى، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، يوم الثلاثاء، بأن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة في مجالات التعليم والرعاية الصحية وغيرها.

وقال دوسيك: «ننعم بكثير من التطورات التكنولوجية في الآونة الأخيرة، لكن التحدي الأكبر أمام صناع القرار حول العالم هو: كيف نضمن أن يكون لهذا التطور أثرٌ ملموس في الاقتصاد الحقيقي؟»، محذراً من «خطر حدوث ردود فعل عكسية تجاه بعض هذه التقنيات».

بيئة اقتصادية فاترة

وقد دفعت هذه التحديات البنك الدولي إلى خفض توقعاته للنمو العالمي لهذا العام إلى أدنى مستوى له منذ جائحة «كوفيد-19». وقال دوسيك إن الاقتصاد العالمي يواجه حالياً «بيئة فاترة».

وقد أتاح خطاب لي تشيانغ في «الاجتماع السنوي للأبطال الجدد» -الذي عُقد هذا العام في مدينة داليان الساحلية شمال شرقي الصين- فرصةً لتوجيه رسالة إلى مجموعة مؤثرة من قادة التكنولوجيا والأعمال الحاضرين.

ووصف الرجل الثاني في السلطة الاقتصادية في بكين الاقتصاد الصيني بأنه «ملاذ آمن» في عالم يُعاني الآن «صدمات متعددة، بما في ذلك نقص الطاقة العالمي، واضطرابات حادة في الإنتاج وسلاسل التوريد».

وقال لي إن بلاده «ضخّت جرعة قيّمة من اليقين في عالم يزداد اضطراباً». ومع ذلك، فقد واجه الاقتصاد الصيني، الذي يحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة من حيث الحجم، صعوبةً في السنوات الأخيرة في مواكبة وتيرة نموه السريعة التي شهدها في العقود السابقة.

وعلى الرغم من الطفرة الملحوظة في الصادرات وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، فقد أثّر تباطؤ الاستهلاك المنزلي وأزمة ديون قطاع العقارات المتجذرة سلباً على النمو منذ بدء الجائحة. ومما يزيد الأمور تعقيداً علاقة بكين المتوترة مع واشنطن.

وقال غراهام أليسون، الأستاذ في كلية هارفارد كينيدي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في داليان، إن احتمال نشوب حرب بين القوتين العظميين واردٌ بقوة. ويُعرف أليسون بصياغته مصطلح «فخ ثوسيديدس»، وهي نظرية سياسية تصف ازدياد احتمالية نشوب حرب عندما تتنافس قوة صاعدة جديدة -كالصين- مع قوة راسخة، كالولايات المتحدة.

تجنب مآسي التاريخ

ومع ذلك، فإن التواصل الأخير بين الرئيسين الصيني والأميركي يدعو للتفاؤل بإمكانية تجنب الحرب، حسب أليسون.

وفي قمة عُقدت في بكين الشهر الماضي، سأل الرئيس الصيني شي جينبينغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب عما إذا كان بإمكان البلدين «تجاوز ما يُسمى بـ(فخ ثوسيديدس) وصياغة نموذج جديد للعلاقات بين القوى العظمى».

وأضاف أليسون أن شي «يدرك ذلك تماماً»، وأن إشارته إلى هذا المفهوم التاريخي الغامض «لم تكن من قبيل الصدفة». وأوضح أن ترمب، في الوقت نفسه، «متقلب المزاج بطريقته الخاصة»، واصفاً الحرب الإيرانية هذا العام بأنها «خطأ فادح» و«غير مبرر». لكن ترمب «يدرك أن الصين مختلفة»، خاصة بعد أن عرقلت الأخيرة وصول الولايات المتحدة إلى المعادن الأرضية النادرة الحيوية رداً على الرسوم الجمركية الباهظة التي فرضها ترمب، على حد قول أليسون، الذي أضاف: «من الواضح أن هذين الرئيسين يحاولان إعادة تعريف العلاقة أو إعادة صياغتها بطريقة تتجاوز (فخ ثوسيديدس)».


شحنات بقيمة 125 مليار دولار تنتظر عبور مضيق هرمز

1150 سفينة تُقدر قيمتها مع قيمة البضائع التي تحملها بنحو 125 مليار دولار وعلى متنها ما يصل إلى 20 ألف بحار تنتظر عبور مضيق هرمز (رويترز)
1150 سفينة تُقدر قيمتها مع قيمة البضائع التي تحملها بنحو 125 مليار دولار وعلى متنها ما يصل إلى 20 ألف بحار تنتظر عبور مضيق هرمز (رويترز)
TT

شحنات بقيمة 125 مليار دولار تنتظر عبور مضيق هرمز

1150 سفينة تُقدر قيمتها مع قيمة البضائع التي تحملها بنحو 125 مليار دولار وعلى متنها ما يصل إلى 20 ألف بحار تنتظر عبور مضيق هرمز (رويترز)
1150 سفينة تُقدر قيمتها مع قيمة البضائع التي تحملها بنحو 125 مليار دولار وعلى متنها ما يصل إلى 20 ألف بحار تنتظر عبور مضيق هرمز (رويترز)

أفادت شركة «أليانز ريسيرتش»، الأربعاء، بأن نحو 1150 سفينة، تُقدَّر قيمتها مع قيمة البضائع التي تحملها بنحو 125 مليار دولار وعلى متنها ما يصل إلى 20 ألف بحار، تنتظر استئناف العمليات في الخليج، بعدما أدت حرب إيران إلى إغلاق مضيق هرمز.

وأضافت مجموعة التأمين، التي تتخذ من ميونيخ مقراً: «حتى لو صمد الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران وأُعيد فتح مضيق هرمز كما ينبغي، سيكون من الضروري تقديم ضمانات قوية بالمرور الآمن، بمشاركة المجتمع الدولي، ولا سيما إذا كان من المتوقع عودة حركة الملاحة إلى مستوياتها قبل الحرب، والتي تصل إلى 140 سفينة يومياً».

وأشارت «أليانز» إلى أن تغطية التأمين البحري كانت متاحة طوال فترة الصراع مع رفع أقساط التأمين. وأضافت: «ومع ذلك، تمحورت المشكلة الحقيقية أمام مُلاك السفن حول المخاطر التي تواجه الطواقم والسفن عند عبور منطقة الصراع، أكثر من الاعتبارات التأمينية البحتة».

وبالنسبة للسفن البالغ عددها 1150 سفينة، احتسبت «أليانز» السفن التي تزيد حمولتها الإجمالية عن 100 طن.

ووفق التقديرات، تنتظر شحنات يبلغ حجمها نحو 29 مليون طن عبور المضيق.

وقالت المنظمة البحرية الدولية، يوم الثلاثاء، إن خطة خروج قيد التنفيذ لتمكين مئات السفن التي تقطعت بها السبل في الخليج، وتُقل نحو 11 ألف بحار، من المغادرة.


اليابان تخطط لتحسين إدارة احتياطياتها المخصصة لحماية الين

أوراق نقدية من فئات مختلفة للين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئات مختلفة للين الياباني (رويترز)
TT

اليابان تخطط لتحسين إدارة احتياطياتها المخصصة لحماية الين

أوراق نقدية من فئات مختلفة للين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئات مختلفة للين الياباني (رويترز)

تعتزم الحكومة اليابانية دراسة سبل تحسين إدارة احتياطياتها من النقد الأجنبي البالغة 1.3 تريليون دولار، التي تُعد احتياطياً نقدياً مخصصاً للتدخل في سوق الين مستقبلاً، وذلك وفقاً لمسودة تقرير استراتيجية النمو التي اطلعت عليها «رويترز» يوم الأربعاء. وتعكس هذه الخطط رغبة الحكومة في تعزيز عائدات الاحتياطيات والمساهمة في إنعاش مواردها المالية المتردية، في الوقت الذي تعهدت فيه رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي بالإنفاق الاستباقي لدعم رابع أكبر اقتصاد في العالم. وحسب مسودة الاستراتيجية، التي تُعدّ ركيزة أساسية في أجندة تاكايتشي السياسية، ستدرس الحكومة جدوى تحسين إدارة الأصول التي يحتفظ بها القطاع العام، بما في ذلك الحساب الخاص لصندوق النقد الأجنبي، واستخدامها بشكل أكثر فاعلية، مع مراعاة أغراضها المُخصصة.

واستأنفت طوكيو تدخلها المكثف في أواخر أبريل (نيسان) عندما انخفض سعر صرف الين إلى ما دون 160 يناً للدولار، بعملية شراء ين بقيمة 73 مليار دولار، مما أدى إلى انخفاض قياسي في الاحتياطيات بنسبة 5.6 في المائة في مايو (أيار)، مما سلّط الضوء على حدود التدخلات المستدامة واسعة النطاق. ولا تُفصّل مسودة الاستراتيجية تغييرات محددة في توزيع أصول الاحتياطيات، التي تراكمت خلال جولات سابقة من التدخل بشراء الدولار، ويُعتقد أنها مُستثمرة في الغالب في سندات الخزانة الأميركية.

ويُحوّل الجزء الأكبر من فائض الاحتياطيات، بما في ذلك عائدات سندات الخزانة الأميركية، إلى الحساب العام بوصف ذلك مصدر تمويل لميزانية الدولة.

وصرّحت تاكايتشي سابقاً بأن الاحتياطيات الأجنبية استفادت بشكل كبير من ضعف الين، وأنها «تحقق أداءً ممتازاً»، وهو تصريح عدّه بعض المسؤولين الحكوميين إشارةً إلى أملها في استخدام الفائض لتمويل خطة مثيرة للجدل لتعليق ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية. ويقترح بعض المشرعين من الحزب الحاكم والمعارض دمج الاحتياطيات الأجنبية، وحيازات صناديق المؤشرات المتداولة التابعة للبنك المركزي، وأصول المعاشات التقاعدية في صندوق ثروة سيادي سعياً وراء عوائد أعلى.

ومع ذلك، قال مسؤولون حكوميون إن تغيير محفظة الاحتياطيات بشكل جذري أمر غير واقعي، نظراً لأن الاحتياطيات يُحتفظ بها في المقام الأول بوصفها مصدراً جاهزاً للتمويل للتدخل في سوق العملات.

وقال مصدر مطلع على الأمر، طلب عدم الكشف عن هويته نظراً لسرية التقرير: «سيكون من الصعب تحقيق عوائد بطريقة تتعارض مع الغرض من الاحتياطيات». وبدوره أضاف أكيرا موروغا، كبير استراتيجيي السوق في بنك أوزورا: «مع أن السعي من أجل تحقيق أرباح أعلى أمر مفهوم، إلا أن مثل هذه الاستراتيجيات قد تقوض سلامة الاحتياطيات، وهو ما قد يُنظر إليه سلباً من قبل الأسواق». وتابع: «في نهاية المطاف، توجد الاحتياطيات الأجنبية لدعم مصداقية الدولة، لذا ينبغي الاحتفاظ بها في المقام الأول في أصول عالية الموثوقية والسيولة بدلاً من الاستثمارات عالية المخاطر».

وقال سايسوكي ساكاي، كبير الاقتصاديين في معهد ميزوهو للأبحاث: «إذا أردنا الاستخدام الأمثل لاحتياطيات النقد الأجنبي، فسيتطلب ذلك بيع سندات الخزانة الأميركية. في ظل ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية طويلة الأجل، هل سيكون ذلك ممكناً في ضوء العلاقات الأميركية؟»، علماً بأن اليابان هي أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأميركية.