حجاج ومعتمرون مصريون يزيّنون بيوتهم برسم «الكعبة المشرفة»

طقس متوارث يعبّر عن بهجة زيارة «البيت العتيق»

مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)
مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)
TT

حجاج ومعتمرون مصريون يزيّنون بيوتهم برسم «الكعبة المشرفة»

مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)
مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)

في طقس راسخ يعبِّر عن البهجة، يحرص كثير من المصريين، خصوصاً في القرى الريفية والأحياء الشعبية، على توثيق رحلاتهم إلى البيت العتيق برسم الكعبة المشرفة والطائرات والبواخر على واجهات بيوتهم، إذ يعدّونها «ختماً توثيقياً» لزيارة الأراضي المقدسة.

الفنان التشكيلي إبراهيم البريدي الذي صوَّر رحلات الحج في كثير من لوحاته، يقول لـ«الشرق الأوسط» إنَّ هذه الرحلات ترسَّخت في مخيلته منذ صغره عبر حكايات والدته، موضحاً أنه قبل اتجاهه لعالم الفن التشكيلي، وإقامة المعارض كان يشارك بريشته في رسم واجهات البيوت في مدينته، طنطا، بمحافظة الغربية (دلتا مصر).

رسم الكعبة على واجهات بيوت الحجيج والمعتمرين طقس مصري راسخ (الشرق الأوسط)

ويؤكد أنَّه مع «عودة الحجيج أو المعتمرين من الأراضي المقدسة، خصوصاً في موسم الحج، كان وما زال عدد كبير من أقارب الحجيج يحرصون على طلاء واجهات البيوت لتأخذ حُلةً جديدةً، وكأن لسان حالهم يقول إنَّ المنازل تبدأ حياةً جديدةً مثل أصحابها بعد عودتهم من الحج مغفوري الذنوب، وكانوا يدعونني بعد أن عرفوا موهبتي لرسم الواجهات، فقد صورت لوحات كثيرة، أظن أنَّ بعضها موجود حتى الآن. كانت مكة والسفن والطائرات وعبارات الدعاء والتهاني أهم عناصرها».

ويضيف: «كنت أكتب بخط كبير العبارة الأثيرة لدى كل حاج، (حج مبرور وذنب مغفور)، وكذلك (ألف مبروك يا حاج). كنت وقتها شاباً، وكنت ألبي دعوات كثير من الأهالي للمشارَكة في احتفالاتهم بتأدية أحد أفراد أسرهم فريضة الحج، فقد زينت كثيراً من حوائط البيوت بالزخارف والنخيل، والجِمال، ومكة، والسفن مضيفاً إليها بعض الأدعية والكلمات».

ويرى البريدي أن «رسم واجهات البيوت وتزيينها بتلك الصور يشيران إلى أنَّ هناك مَن أكمل أركان الإسلام الخمسة، بالإضافة إلى البهجة المصاحبة لتلك الزيارة المحببة إلى قلوب المصريين. من هنا يمكن النظر إلى معاني توثيقها على واجهات المنازل بوصفها أجمل ما قام به الرجل أو المرأة في حياته، وهو موروث ثقافي يحمله المصريون في وجدانهم رغم تغيُّرات الحياة وما يحدث من تطورات تهدِّد استمرار كثير من المظاهر الاحتفالية، والتقاليد القديمة في شمال مصر وجنوبها».

رسومات الكعبة وعبارات التلبية دليل على زيارة البيت العتيق (الشرق الأوسط)

طقس رسم واجهات البيوت وتزيينها لاستقبال الحجيج يُعدُّ أساسياً لدى عائلة محمد عبد السلام، وهو رجل «ستيني» تاجر مواد غذائية بمنطقة المنيب (غرب القاهرة) يتذكَّر عندما قام لأول مرة بزيارة مكة وأداء فريضة الحج، وداعَه بالأناشيد والطبول. ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أكثر ما أسعدني عند عودتي مشاهدتي واجهة بيتي وهي مطلية ومزخرفة ومرسومة، وهي لوحة جميلة تبهجني كلما مررت بها، وتجعلني أستعيد الأيام التي قضيتها في مكة، وما مررت به من ذكريات مبهجة».

اللوحات المرسومة على واجهات البيوت تقاوم الزمن، وتظلُّ آمنة حال كانت مرسومة بألوان جيدة مثل قطعة فنية، وهي أبقى، وفق عبد السلام، من الإشارات التي توثِّق لرحلة الحج على مواقع التواصل الاجتماعي، هذه يمكن أن تختفي بكبسة زر، لكن واجهات المنازل تظلُّ قادرةً على البقاء ما لم تمتد إليها الأيادي.

أحد البيوت بمحافظة الدقهلية (الشرق الأوسط)

وعدَّ عمرو حسين، وهو جزار أربعيني بمنطقة الطالبية بالجيزة (غرب القاهرة) رسم واجهة بيته، الذي يشير إلى تأديته فريضة الحج، فرحةً غامرةً وعادةً حافظ عليها كل أفراد عائلته الذين سبقوه جميعاً إلى زيارة الكعبة. يقول لـ«لشرق الأوسط» إنَّه عندما يستيقظ في الصباح وينظر لصورة الكعبة يشعر بفرح كبير، ويتذكَّر مشاعره وهو يستقل الطائرة في رحلتَي الذهاب والعودة. أما عن كتابة التعليقات والصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي فلا تمنحه الشعور بالسعادة بالقدر الذي يصل إليه كلما نظر لواجهة بيته ورأى صور الكعبة والطائرة، وعبارات الدعاء.



مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».


البطولات النسائية تبرز في كلاسيكيات «القاهرة السينمائي» المرمَّمة

فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)
فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)
TT

البطولات النسائية تبرز في كلاسيكيات «القاهرة السينمائي» المرمَّمة

فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)
فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)

تحضر البطولات النسائية بقوة في قائمة الأفلام المرممة التي ستُعرض خلال فعاليات مهرجان «القاهرة السينمائي» الدولي في دورته الـ47، المقررة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية، وبالتزامن مع مرور 50 عاماً على انطلاق دورته الأولى عام 1976.

وحسب بيان المهرجان، يضم برنامج «الكلاسيكيات المصرية المرممة» مجموعة من الأفلام أُنتجت غالبيتها في ستينات وسبعينات القرن الماضي، تؤدي أدوار البطولة في عدد منها فنانات مصريات، من بينها «جريمة في الحي الهادئ» لنادية لطفي، و«امرأة في الطريق» لهدى سلطان، و«القاهرة 30»، و«زوجتي والكلب»، و«غروب وشروق» لسعاد حسني، و«خان الخليلي»، و«ليل وقضبان» لسميرة أحمد، و«مراتي مدير عام»، و«شيء من الخوف» لشادية، و«شفيقة القبطية» لهند رستم.

وأخرج هذه الأفلام نخبة من المخرجين المصريين، من بينهم عز الدين ذو الفقار، وصلاح أبو سيف، وعاطف سالم، وسعيد مرزوق، وفطين عبد الوهاب، وأشرف فهمي، وحسن الإمام، وحسين كمال، وكمال الشيخ، وحسام الدين مصطفى، وشارك فيها عدد من نجوم «العصر الذهبي»، مثل أحمد مظهر، ورشدي أباظة، ويحيى شاهين.

ويضم برنامج «الكلاسيكيات المصرية المرممة» في الدورة المقبلة 27 فيلماً، حسب بيان المهرجان، الذي نشر عبر حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي ملصقاتها الترويجية، مصحوبةً بتعليق: «بعض الأفلام محفورة في ذاكرتنا... شاهدوا سحر كلاسيكيات السينما المصرية على الشاشة الكبيرة في الدورة الـ47 من المهرجان».

فيلم «شيء من الخوف» ضمن الأفلام المرممة (مهرجان القاهرة السينمائي)

ومن بين هذه الأفلام أيضاً «القتلة»، و«قنديل أم هاشم»، و«الرجل الذي فقد ظله»، و«السراب»، و«الزوجة الثانية»، و«الحرام»، و«البوسطجي».

ويرى الناقد الفني المصري طارق الشناوي أن بروز البطولات النسائية في قائمة الأفلام المرممة التي ستُعرض بالمهرجان هذا العام يؤكد أن «السينما المصرية في خمسينات وستينات، وحتى سبعينات القرن الماضي كانت تمنح المرأة مساحة بطولة وموضوعات أكبر».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن مساحة المرأة في السينما، بوصفها نجمة وبطلة محورية، تقلّصت في نهاية التسعينات ومع دخول الألفية الجديدة، إلى جانب تراجع عدد الأفلام والموضوعات المرتبطة بها، مقابل هيمنة النجوم الرجال على البطولات إلى حد كبير، وهو وضع استمر لاحقاً.

وفي السياق، تشهد الدورة المقبلة من «القاهرة السينمائي» عرض عدد من أفلام الفنانة المصرية سميرة أحمد، من بينها «ليل وقضبان» و«خان الخليلي». وأشادت الفنانة بالتقليد الذي أرساه المهرجان برئاسة الفنان حسين فهمي، لافتةً إلى أن ترميم كلاسيكيات السينما المصرية والحفاظ عليها وعرضها للأجيال الجديدة أمر رائع، يتيح لهذه الأجيال التعرّف على تاريخ صناعة السينما المصرية.

«شفيقة القبطية» ضمن الأفلام المرممة (مهرجان القاهرة السينمائي)

ووجّهت سميرة أحمد، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»، التهنئة إلى الفنان حسين فهمي والقائمين على المهرجان وجمهور السينما بمناسبة مرور 50 عاماً على تأسيسه، مؤكدةً أنها تتابعه وسعيدة بكل تفاصيله، وتحتفظ بذكريات عدة من دوراته السابقة تستعيدها بسعادة بالغة.

وعدّت سميرة أحمد فيلميها «ليل وقضبان» و«خان الخليلي» من أجمل وأهم ما قدّمت طوال مسيرتها الفنية، مشيرةً إلى أن بروز البطولات النسائية في تلك المرحلة يعود إلى الموضوعات التي كانت تُقدَّم وتليق بالفنانة البطلة. وأكدت أن أفلامها شهدت مشاركة نجوم رجال لهم مكانة كبيرة ونجومية لافتة، مثل عماد حمدي، وحسن يوسف، ومحمود مرسي، ومحمود ياسين، الذين شاركوها بطولة الفيلمين.

ويشهد «القاهرة السينمائي» في دورته الـ47 فعاليات ومشاركات فنية محلية ودولية بارزة، إلى جانب تكريم كلٍّ من الكاتب مدحت العدل، ومدير التصوير سعيد شيمي، والمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو بجائزة «الهرم الذهبي لإنجاز العمر»، وتكريم الفنان آسر ياسين بجائزة «فاتن حمامة للتميز».


سارة الشعار تُنقِّب في ذاكرة جدران بيروت

سارة الشعار أمام مجموعة من لوحات معرضها «داخل الخارج» (الشرق الأوسط)
سارة الشعار أمام مجموعة من لوحات معرضها «داخل الخارج» (الشرق الأوسط)
TT

سارة الشعار تُنقِّب في ذاكرة جدران بيروت

سارة الشعار أمام مجموعة من لوحات معرضها «داخل الخارج» (الشرق الأوسط)
سارة الشعار أمام مجموعة من لوحات معرضها «داخل الخارج» (الشرق الأوسط)

شكّلت جدران شوارع بيروت وأزقّتها شاهداً صامتاً على حقب مختلفة عاشتها العاصمة. وقد يكون اللبناني المقيم واكب التحوّلات التي رسمتها الأحداث على ملامحها، ولكن ماذا عن المغترب الذي يعود إلى وطنه محاولاً استعادة صلته بالمدينة؟ يبحث بين طبقات جدرانها عن آثار الزمن، علّه يستدرك شيئاً مما فاته، فتبدو جدران المدينة أمامه أجساداً تترنّح بين الماضي والحاضر، مثقلة بندوب أحداث متعاقبة.

من هذه الصورة تنطلق الفنانة التشكيلية سارة الشعار في معرضها «داخل الخارج» الذي افتُتح في 9 أكتوبر (تشرين الأول) ويستمر حتى 30 منه، في غاليري «آرت 56» في الجميزة. فقد هاجرت من لبنان في سنّ مبكرة إلى منطقة الكاريبي، وعندما عادت شعرت بغربة تفصلها عن عاصمته. فقرّرت أن تنسج علاقة جديدة مع المدينة، مستخرجة من جدرانها المتصدّعة ما أخفاه عنها الزمن. ولترجمة رؤيتها، لجأت إلى تقنية في الرسم تقوم على المزج بين الشمع والزيت.

تعكس لوحات الشعّار ما شهدته جدران بيروت على مرّ الزمن (الشرق الأوسط)

وتشرح سارة الشعار، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «للشمع ميزات خاصة، إذ تتراكم طبقاته تلقائياً. وعندما يرغب المرء في اكتشاف الصورة التي يغطّيها، يلجأ إلى خدش هذه الطبقات والتنقيب عمّا تحتها. وهذه هي الصورة التي رغبت في استحضارها في تعاملي مع جدران العاصمة. فكلّما مررت بمحاذاتها، كنت ألحظ التشقّقات التي تسكنها. فأقترب منها لأكمل ما بدأته عوامل الطبيعة، وأكتشف صوراً مطمورة بعد إزاحة طبقات الطلاء عنها».

تبني سارة الشعار لوحاتها بطبقات متعاقبة من الطلاء الممزوج بالشمع، ثم تكشط أجزاء منها، فتُظهر ما يكمن تحتها. وتحاكي هذه العملية تشقّق الجدران وتقشّرها، من دون السعي إلى استنساخها.

تتنقّل بفرشاتها بين جدران متصدّعة، لكنها لا تزال منتصبة، فتستحضر مناظر طبيعية تُرى من الأعلى، وأراضي مجزّأة، وخرائط متآكلة تبدو كأنها بشرة لجدران أنهكها الزمن. وتكمن الحكاية في المسافة الفاصلة بين الداخل والخارج، وفي ما يتوارى خلف الظاهر.

وتفتح عناوين لوحاتها المجال أمام قراءات تتداخل فيها الذاكرة مع المكان، والندوب مع محاولات الترميم. فمن «احتفظت التربة بندوبها» و«صارت أصواتنا ناراً»، إلى «انهيار السطح» و«يمسك الماء بالرمال» و«تحت أطلال صامتة»، تنسج الفنانة حكايات عن أرض لا تنسى ما مرّ بها. وبين ما تكشفه اللوحات وما تحجبه، تترك للمشاهد حرية التنقيب عمّا بقي من الذاكرة وما يمكن أن يولد من جديد.

تستخدم طبقات من الألوان الزيتية والشمع لإنجاز أعمالها (الشرق الأوسط)

وعن ألوانها الصارخة حيناً والدافئة حيناً آخر، توضح: «ساعدتني الألوان في بناء طبقات اللوحة لتتألّق بمظهر يخبرنا عن حالات معيّنة. وبين الأزرق الداكن والفاتح، والأحمر الناري والبرتقالي والبنفسجي والأبيض والزيتي، فتحت نوافذ للنور كي لا تختنق محتويات اللوحة بمشهد بصري واحد. فتداخلت المساحات وتناثرت بينها أجزاء من أشكال لصور وُلدت مباشرة أثناء الرسم».

وتؤكد سارة الشعار أنها أرادت ترك مساحة واسعة للمشاهد ليكتشف موضوع اللوحة وفق رؤيته، وتتابع: «في النهاية، ما أترجمه يتعلّق بالذاكرة الجماعية لدى اللبنانيين، وكلّ واحد منّا يرى الأمور من منظار مختلف. وهذه الفكرة بالذات حفّزتني على إدخال عنصرَي الغموض والمفاجأة في أعمالي، هرباً من مساحات مكرّرة وتقليدية تطالعنا في أعمال كثيرة».