إسرائيل تختبر دفاعات مدينة النبطية بجنوب لبنان وتعزلها عن محيطها

جيشها تقدّمَ ميدانياً في زوطر الشرقية ساعياً لاستكمال احتلال قرى «الخط الأصفر»

الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)
الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)
TT

إسرائيل تختبر دفاعات مدينة النبطية بجنوب لبنان وتعزلها عن محيطها

الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)
الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)

أحرز الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، تقدماً ميدانياً في محيط مدينة النبطية في جنوب لبنان، ونقل توغلاته إلى شمال نهر الليطاني، وتحديداً إلى المنطقة المدرجة ضمن «الخط الأصفر»، بينما وسّع الحزام الناري إلى مسافة 20 كيلومتراً من الحدود، أدت إلى إخلاء بلدات بالكامل في محيط النبطية.

الأم حياة العقلة تحتضن طفلها علي البالغ من العمر 18 شهراً في مستشفى جبل عامل في مدينة صور حيث يتلقى العلاج بعد تعرضه لإصابة نتيجة غارة إسرائيلية في بلدة شارنيه بجنوب لبنان (أ.ب)

وتمثل الاندفاعة الإسرائيلية بالتوغل في العمق اللبناني، أحدث تصعيد عسكري منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، وجاءت بعد تهديدات إسرائيلية بالتوسع إلى ما بعد الخط الأصفر، بالتزامن مع تدمير واسع وممنهج، أدى إلى تدمير أكثر من 10 آلاف مبنى في قرى الجنوب اللبناني، حسبما أفادت «القناة 14» الإسرائيلية، مشيرة إلى أن ذلك يمثل نحو 70في المائة من المباني التي تخطط إسرائيل لتدميرها في المنطقة الحدودية.

وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، الأربعاء: «نوسّع عملياتنا في لبنان لتعميق حجم الضرر الذي نلحقه بـ(حزب الله)».

توغل جديد شمال النهر

وتوغلت القوات الإسرائيلية في بلدة زوطر الشرقية، الواقعة على الضفة الشمالية لنهر الليطاني، حيث أحرزت تقدماً في أطرافها، في مسعى للوصول إلى قلعة الشقيف الاستراتيجية الواقعة شرق مدينة النبطية، وتشرف من الجهة الشرقية على بلدات لبنانية خاضعة للاحتلال، فضلاً عن أنها تشرف على المستوطنات الشمالية من مسافة لا تتجاوز 10 كيلومترات. وأدرجت إسرائيل القلعة، كما بلدات زوطر وأرنون ويحمر الشقيف، ضمن نطاق الخط الأصفر، رغم أنها تقع شمال الليطاني.

الدخان يتصاعد من مدينة النبطية جراء غارات جوية إسرائيلية تستهدف جنوب لبنان

وقالت مصادر محلية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن القوات الإسرائيلية أرسلت آليات مسيرة إلى العمق الغربي في منطقة قريبة من ميفدون، وذلك لتحسس الدفاعات والاستطلاعات، مضيفة أن ذلك يحمل إشارة إلى محاولات التقدم إلى المرتفعات المحيطة بمدينة النبطية من الجهة الجنوبية، خصوصاً ميفدون وشوكين، وذلك لعزل المدينة التي تعرضت لإنذار إخلاء كامل، الأربعاء، لليوم الثاني على التوالي. وقالت المصادر إن الغارات الجوية تكثفت على قلعة الشقيف ومحيطها في يحمر وكفرتبنيت وأرنون، وهي مناطق مشرفة على النبطية من جهة الشرق.

في المقابل، لم يدلِ الجيش الإسرائيلي بمعلومات حول مجريات المعارك. وقال الجيش الإسرائيلي في بيان أرسله رداً على سؤال من وكالة «الصحافة الفرنسية»، ونسبه إلى مسؤول عسكري إنه «يعمل بشكل موجّه ما بعد خط الدفاع الأمامي بهدف القضاء على التهديدات المباشرة التي تخيم على مواطني دولة إسرائيل وعلى الجنود (...) وفقاً لتوجيهات من القيادة السياسية». وأضاف المسؤول: «لا يمكن تقديم تفاصيل محددة بشأن مواقع الجنود».

اشتباكات من «مسافة صفر»

وقال «حزب الله» في بيان، الأربعاء، إن مقاتليه «اشتبكوا مع قوّات العدوّ من مسافة صفر» في بلدة زوطر الشرقية «بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة، وأجبروا العدوّ على التراجع ليعمد بعدها إلى تنفيذ أحزمة ناريّة في المنطقة».وكان الحزب أعلن، منذ فجر الثلاثاء، استهدافه لقوات إسرائيلية حاولت التوغل في البلدة بالقذائف الصاروخية والمسيّرات المفخخة. كما قال في بيانات لاحقة إن قواته أطلقت الصواريخ والمسيرات باتجاه القوات الإسرائيلية على أطراف البلدة، وعلى مدخلها قرب مجرى النهر.

أطفال يجلسون على أضرحة أقربائهم الذين قُتلوا بنيران إسرائيلية في أول أيام عيد الأضحى وذلك في مقبرة حارة صيدا بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأفادت قناة «المنار» الناطقة باسم «حزب الله»، بأن القوات الإسرائيلية تتحرّك عبر 3 محاور عند أطراف بلدة زوطر الشرقية من جهة الحمرا، لافتة إلى «اشتباكات تدور عند 3 نقاط»، نافية وصول القوات الإسرائيلية إلى المدينة الكشفية أو أي تقدّم باتجاه ميفدون أو إلى أحياء البلدة الداخلية في زوطر الشرقية. وتكتسب البلدة الواقعة شمال مجرى الليطاني أهمية استراتيجية، لقربها من مدينة النبطية، كبرى مدن الجنوب. والبلدة ملاصقة للخط الأصفر الذي حدده الجيش الإسرائيلي، الشهر الماضي، في جنوب لبنان، لفصل منطقة بعمق 10 كيلومترات عن الحدود، يمنع سكانها من العودة إليها، عن بقية أجزاء الجنوب. وتزامن تقدم القوات الإسرائيلية إلى البلدة مع إعلان الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، أنه «يعمل بشكل موجّه ما بعد خط الدفاع الأمامي بهدف القضاء على التهديدات المباشرة التي تخيم على مواطني دولة إسرائيل وعلى الجنود».

إفراغ محيط النبطية

وبموازاة محاولات التقدم، تعمل القوات الإسرائيلية على عزل النبطية ومحيطها، عبر توسعة المنطقة العازلة بالنار إلى مسافة تقارب الـ20 كيلومتراً عن الحدود. وقالت مصادر ميدانية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن خط النار الذي أُفرغ من سكانه وصل إلى بلدة الدوير، حيث لم يعد بإمكان أحد الوصول إلى البلدة، حتى سيارات الإسعاف التي باتت تحتاج إلى إذن من (الميكانيزم) للدخول إلى البلدة. وقالت إن مروحة التفريغ «شملت الدوير وحاروف وجبشيت وزبدين وتول وكفرجوز ودير الزهراني وحبوش وكفررمان ووميفدون وشوكين»، كما شملت بلدات شمال النهر الواقعة جنوب غربي النبطية المطلة على ضفة نهر الليطاني.

مسعفون يبحثون عن ضحايا في ركام مبنى سكني استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة البرج الشمالي في مدينة صور (أ.ف.ب)

وجاءت تلك التطورات بعد ساعات على إنذارات إخلاء شملت، الثلاثاء، نحو 50 قرية وبلدة لبنانية، تشمل جميع بلدات أقضية بنت جبيل ومرجعيون وصور، إضافة إلى جزء كبير من قضاء النبطية. ونفذ الجيش الإسرائيلي نحو 150 غارة جوية، الثلاثاء، أسفرت عن مقتل 31 شخصاً، حسب بيانات وزارة الصحة اللبنانية، كما أوقعت 40 جريحاً». ولفت البيان إلى مقتل 14 شخصاً في برج الشمالي قرب صور. والأربعاء، توسع القصف إلى قضاء الزهراني باستهداف بلدة تفاحتا، إضافة إلى قسم كبير من قرى مدينة النبطية. وأوردت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية بأن غارة في محيط مستشفى نبيه بري الحكومي أدت إلى «إحداث أضرار كبيرة بأقسام المستشفى».


مقالات ذات صلة

قاسم يرفض نزع السلاح ويهاجم المفاوضات

المشرق العربي صورة لنعيم قاسم متوسطاً سلفيه حسن نصر الله وهاشم صفي الدين خلال الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

قاسم يرفض نزع السلاح ويهاجم المفاوضات

شنّ الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم هجوماً على السلطة اللبنانية ورئيس الجمهورية جوزيف عون.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية أنصار «حزب الله» متجمعون في موقع اغتيال حسن نصر الله بذكراه الثانية (إ.ب.أ)

ماذا كشفت إسرائيل في الذكرى الثانية لاغتيال نصر الله؟

في اليوم الذي يصادف الذكرى السنوية الثانية لاغتيال الأمين العام السابق لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله، كشفت تقارير إسرائيلية تفاصيل جديدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من موقع تفجير إسرائيلي مُتحكم به في قرية المنصوري (أ.ف.ب)

جنوب لبنان أمام مفترق عسكري والعين على إقليم التفاح

على وقع الحديث الإسرائيلي بالانتقال إلى «مرحلة جديدة» في جنوب لبنان، اتخذت العمليات العسكرية خلال الساعات الأخيرة منحى تصعيدياً.

كارولين عاكوم (بيروت)
الاقتصاد سُحُب كثيفة تخيِّم على كورنيش البحر الأبيض المتوسط بينما يركب صبية دراجاتهم في بيروت (أ.ب)

سندات لبنان الدولارية ترتفع إلى أعلى مستوياتها منذ التعثر في 2020

ارتفعت أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية المتعثرة إلى أعلى مستوياتها، منذ ما قبل إعلان التخلف عن السداد في مارس 2020.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي ومندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير أحمد عرفة يشاركون في افتتاح أعمال المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رئاسة الحكومة)

هل يبدّد لقاء سلام - روبيو المخاوف اللبنانية من توسعة إسرائيل للمنطقة الأمنية؟

يولي الفريق اللبناني المؤيد لـ«اتفاق الإطار» أهمية خاصة للقاء المرتقب بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، الاثنين، في واشنطن.

محمد شقير (بيروت)

الأمن السوري يقبض على المسؤول عن تعذيب الطفل حمزة الخطيب في درعا

عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي بمنطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق أبريل 2026 (أ.ب)
عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي بمنطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق أبريل 2026 (أ.ب)
TT

الأمن السوري يقبض على المسؤول عن تعذيب الطفل حمزة الخطيب في درعا

عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي بمنطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق أبريل 2026 (أ.ب)
عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي بمنطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق أبريل 2026 (أ.ب)

نجحت قوى الأمن الداخلي السوري في إلقاء القبض على العميد جابر محرز إبراهيم الذي شغل منصب ‏قائد اللواء 138 دفاع جوي في بلدة صيدا بريف درعا إبان عهد النظام البائد، وارتبط اسمه بإصدار أوامر بالقتل والاعتقال وقمع ‏المتظاهرين، بينهم الطفل حمزة ‏الخطيب.

وأوضحت قوى الأمن الداخلي، الأحد، أن السجلات ‏والتحقيقات الأولية أظهرت تورط إبراهيم في إصدار أوامر بالقتل والاعتقال وقمع ‏المتظاهرين، فضلاً عن مشاركته في حملات عسكرية استهدفت قرى وبلدات ريف ‏درعا الشرقي، وملاحقة المدنيين واستهداف منازلهم.‏

وذكرت قوى الأمن أن التحقيقات تشير إلى مسؤوليته المباشرة عن مجزرة مساكن ‏صيدا التي راح ضحيتها ما يقارب 120 شخصاً، وارتباط اسمه بعمليات اعتقال ‏وتعذيب ممنهجة طالت عدداً كبيراً من أبناء المحافظة، من بينهم الطفل حمزة ‏الخطيب.‏

عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي بمنطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق أبريل 2026 (أ.ب)

اعتقل النظام السابق الطفل الخطيب (13 عاماً) خلال الأشهر الأولى من الثورة السورية التي اندلعت في مدينة درعا يوم 18 مارس (آذار) 2011، وتوفي تحت التعذيب

في 21 مايو (أيار) 2011، تمّ تسليم جثة الخطيب معذّبة ومشوّهة إلى عائلته، بعد أسابيع من اعتقاله في مظاهرة مناهضة للحكومة. وأثارت وفاته، بالإضافة إلى تعذيب أطفال ومراهقين آخرين لكتابتهم شعارات مناهضة للأسد، احتجاجات واسعة النطاق وقمعاً قاسياً من قِبل القوات الحكومية.

وبعد الإطاحة بالأسد، لم تتمكّن والدة الخطيب من الاحتفال، إذ تلقت صوراً ووثائق تم العثور عليها في سجن صيدنايا، سيئ السمعة، تؤكد أن شقيق حمزة الأكبر، عمر، الذي اعتقلته الشرطة في عام 2019؛ تُوفي أيضاً في أثناء الاحتجاز.

وقالت والدة الصبيين، سميرة، لشبكة «بي بي سي» البريطانية، وهي ترتجف حزناً، إنها كانت تنتظر خروج عمر من السجن. وقالت: «كنت أفكر أنه ربما سيأتي اليوم أو غداً. واليوم، تلقيت خبر وفاته أثناء الاحتجاز». وقالت سميرة إنها تتمنى أن يعيش الأسد ما عاشته.

وتأتي عملية توقيف إبراهيم ضمن ملاحقات تنفذها السلطات السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، بحق مسؤولين وعسكريين سابقين على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات خلال سنوات حكم النظام السابق.

وأفاد بيان لقوى الأمن الداخلي، في 19 من الشهر الحالي، عن «إلقاء القبض على اللواء السابق أحمد محمد إسماعيل، أحد قيادات الصف الأول في الحرس الجمهوري إبان حكم النظام البائد».

وكان القضاء السوري حكم وجاهياً بالإعدام على المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، متهماً إياه بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية»، خلال توليه رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا. وجرّمت المحكمة نجيب بجرائم عدة بينها «القتل العمد» و«القتل القصد لأطفال دون 15 عاماً»، إضافة إلى «التعذيب المُفضي إلى الموت».


قاسم يرفض نزع السلاح ويهاجم المفاوضات

صورة لنعيم قاسم متوسطاً سلفيه حسن نصر الله وهاشم صفي الدين خلال الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
صورة لنعيم قاسم متوسطاً سلفيه حسن نصر الله وهاشم صفي الدين خلال الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
TT

قاسم يرفض نزع السلاح ويهاجم المفاوضات

صورة لنعيم قاسم متوسطاً سلفيه حسن نصر الله وهاشم صفي الدين خلال الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
صورة لنعيم قاسم متوسطاً سلفيه حسن نصر الله وهاشم صفي الدين خلال الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

استغل الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم الذكرى الثانية لاغتيال سلفيه حسن نصر الله وهاشم صفي الدين ليجدد هجومه على مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الذي تسلكه السلطة ورئيس الجمهورية جوزيف عون.

وزعم قاسم، في كلمة ألقاها بالمناسبة، أن «لبنان سيزول بلا مقاومة»، محملاً السلطة مسؤولية استمرار الوضع الأمني المضطرب، معتبراً أن الدولة لم تحقق النتائج المطلوبة منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

وانتقد قاسم المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، داعياً إلى «وضع حد للتنازلات» وتصحيح المسار التفاوضي عبر الانتقال إلى مفاوضات غير مباشرة. وقال إن «حق رئيس الجمهورية في التفاوض لا يعني حقه في مخالفة الدستور واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري»، مضيفاً أنه لا يحق للرئيس «التنازل عن حق لبنان وشعبه وجيشه في الدفاع عن أرضه».

مناصرون لـ«حزب الله» خلال مراسم إحياء الذكرى الثانية لاغتيال نصر الله (أ.ب)

وفيما ربط التجاوب مع الدعوة للحوار بتحقيق التحرير أولاً، سأل: «كيف نحاور من حكم على المقاومة وشعبها بأنهم خارجون عن القانون؟»، داعياً إلى أن يكون رئيس الجمهورية «حَكَماً وجامعاً وليس طرفاً».

وفي ملف إعادة الإعمار، حمّل قاسم السلطة المسؤولية، معلناً أن «حزب الله» سيساعد من خلال تأمين التبرعات والمساعدات. وكشف أن الحزب سيعلن قريباً عن مشروع للإيواء، رغم ما وصفه بـ«الحصار والتضييق حتى من السلطة».

كرر قاسم دفاعه عن استمرار المقاومة، معتبراً أن «المقاومة أوقفت مشروع العدوان ومنعته من تحقيق أهدافه»، وأنها تواجه إسرائيل «في المكان والزمان إلى الحد الممكن في حسابات الربح والخسارة»، إضافة إلى منعها من «الاستقرار وتثبيت الاحتلال».

وقال إن المقاومة «توقع في العدو الخسائر» وتبذل التضحيات، مؤكداً أن تفاصيل إدارة المعركة لا يمكن كشفها، ومشدداً على أن المقاومة تواجه إسرائيل رغم امتلاكها «جحافل» يصل عديدها إلى 90 ألف جندي وضابط، ورغم الدعم الأميركي.

كما رفض قاسم الدعوات إلى نزع سلاح المقاومة، معتبراً أن الضغط على لبنان يهدف إلى إنجاز ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه خلال الحرب، وسأل: «أين الدولة ذات السيادة أيها السياديون؟».


تفاقم الأزمة المعيشية في سوريا... أسعار محروقات وشح مياه يعمقان المعاناة

محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)
محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)
TT

تفاقم الأزمة المعيشية في سوريا... أسعار محروقات وشح مياه يعمقان المعاناة

محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)
محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)

تفاقمت الأزمة المعيشية لأغلبية سكان سوريا، بما فيها العاصمة السورية، مع موجة ارتفاع الأسعار، ما عمّق الفجوة بين قيمة الرواتب الشهرية ومتطلبات المعيشة، وذلك بعد القرار الحكومي الأخير برفع أسعار المحروقات والغاز المنزلي.

وتعمقت الأزمة أكثر في بلاد لا يزال يعيش أكثر من 90 في المائة من سكانها تحت خط الفقر، مع شحّ المياه الذي يجبر العائلات على شرائها بأسعار مرتفعة.

وشهدت أسعار المواد الغذائية والخضار والفاكهة وأجور النقل والشحن ارتفاعات سعرية كبيرة، منذ إصدار اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية في 13 سبتمبر (أيلول) الحالي، نشرة أسعار جديدة مؤقتة للمشتقات النفطية، ما رفع الأسعار بنسب تتراوح بين 9 في المائة و40 في المائة، متأثرة بالأحداث الإقليمية والعالمية.

إلا أنه بعد موجة الاحتجاجات الشعبية الغاضبة التي خرجت رفضاً للقرار، ورغم إعلان وزير الطاقة محمد البشير في 17 سبتمبر، أن الوزارة ستطرح مادة المازوت المدعوم بسعر مخفض توجه أساساً للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة للدعم، فإن عموم أسعار المواد الغذائية والمستلزمات الأساسية لم تتراجع عن المستوى الذي وصلت إليه عقب قرار 13 سبتمبر.

سكان يغلقون طريقاً لمنع ناقلات بحقول النفط في رميلان من المرور خلال الاحتجاجات المستمرة ضد ارتفاع أسعار الوقود عند مدخل تل تمر شمال شرقي سوريا 16 سبتمبر (أ.ب)

«سامر العدنان» الذي يعمل معقب معاملات، ورغم أنه يعدّ من ذوي الدخل المتوسط، يصف الأسعار في الأسواق بأنها «كاوية جداً، لا تتناسب أبداً مع دخله الشهري».

يقول العدنان لـ«الشرق الأوسط»: «نحن تحسدنا الناس على ما نكسبه في الشهر ولا نستطيع التعامل مع هذه الأسعار، فكيف سيتعامل معها الفقراء الذين يشكلون أغلبية عظمى في البلاد».

ويقدر خبراء اقتصاديون ودراسات تكاليف الأسرة المكونة من 3 أفراد في الشهر لتأمين متطلباتها الأساسية للعيش في مستوى متوسط بما لا يقل عن 80 ألف ليرة سورية، وهي 4 أضعاف المرتب الشهري لأغلبية موظفي الدرجة الأولى الحكوميين، الذي لا يتعدى 20 ألف ليرة.

وأدّت هذه الفجوة العميقة بين قيمة الراتب الشهري والمتطلبات الأساسية للمعيشة إلى اتّباع عدد كبير من العائلات سياسة تقشف كبيرة في تأمين متطلباتها الأساسية للعيش.

وزير الطاقة السوري محمد البشير يقدّم إحاطة في مجلس الشعب حول واقع قطاع الطاقة وارتفاع أسعار المحروقات (حساب الوزارة)

توضح «ريما الأحمد»، وهي مدرسة مرحلة التعليم الأساسي (حلقة ثانية)، وزوجها يعمل موظفاً في مصرف حكومي، أن الوضع في البلاد تحسن بعد تحرير سوريا من النظام السابق من عدة نواحٍ، أبرزها ناحية بسط الأمن والأمان وتراجع حالة الخوف إلى حد كبير. ولكن الوضع المعيشي، وفق حديث الأحمد لـ«الشرق الأوسط»، «يزداد سوءاً بسبب قرارات حكومية تؤدي إلى ارتفاع خيالي في الأسعار، إضافة إلى عدم ضبط الأسعار في الأسواق من قبل الحكومة، والمطلوب إيجاد حلّ لهذه الضائقة المعيشية التي أفقدت الأسر قدرتها على التحمل».

وكانت الحكومة السورية قد أصدرت عدة مراسيم بزيادة رواتب الموظفين، لكن الفجوة بقيت كبيرة بين المداخيل الشهرية وتكاليف المعيشة. كما أن الارتفاع الأخير في الأسعار الذي أعقب رفع أسعار المحروقات، وقبل ذلك قرار زيادة تعريفة استهلاك الكهرباء أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بنسبة تعادل 60 إلى 70 ضعفاً، مقارنةً بأسعارها السابقة التي كانت في حدود 10 ليرات للكيلوواط الساعي، التهم قيمة تلك الزيادات.

شاحنة صغيرة تبيع المياه في حي الزاهرة بدمشق بسبب عدم وصولها عبر الشبكة الحكومية (الشرق الأوسط)

وما عمّق من الأزمة المعيشية لأغلبية سكان دمشق وريفها وأثقل كاهلهم، هو شحّ شديد في مياه الشرب والغسيل، التي تصل إلى المنازل من الشبكة الحكومية، بسبب ضعف الضغط، الأمر الذي يجبر أعداداً كبيرة من العائلات على شرائها من الصهاريج بأسعار مرتفعة.

وعلى الرغم من اتباع الحكومة برنامج تقنين لتزويد مناطق وأحياء دمشق بالماء يتضمن ضخّها نحو 10 ساعات كل 3 أيام، فإن «أبو حمزة» القاطن في حي «دف الشوك» جنوب دمشق، يؤكد أنه طوال فصل الصيف لم تصل المياه إلى منزله سوى مرتين أو 3 مرات.

ويقول الرجل لـ«الشرق الأوسط»: «العائلات تعبت جداً. همّها تأمين قوت اليوم وتأمين فاتورة الكهرباء وثمن الماء. الحياة باتت صعبة جداً».

فلسطينية أمام منزلها المدمر في مخيم اليرموك بعد سقوط الأسد (أ.ف.ب)

الخبير الاقتصادي الأكاديمي، زياد عربش، يوضح أن أزمة المعيشة في سوريا تتفاقم بسبب 3 فجوات مترابطة، هي: ميزان المدفوعات، والموازنة العامة، والقدرة الشرائية مقابل الأسعار.

يرى عربش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن رفع أسعار المحروقات أو تعديل الدعم منفرداً لن يحل الأزمة، لأن معالجة سعر المازوت بمعزل عن سعر الصرف والموازنة لن تنجح. وبالتالي، المطلوب وفق عربش هو «خطة متكاملة متدرجة تتضمن إجراءات فورية خلال أسابيع، مثل سلة غذائية مدعومة، تحويلات نقدية، منافذ بيع بأسعار مدعومة، برامج تشغيل مؤقت، تثبيت سعر صرف مرجعي للسلع الأساسية، وإصلاحات متوسطة خلال أشهر، تشمل الكهرباء والزراعة والمشروعات الصغيرة، وإصلاحات هيكلية خلال سنوات للموازنة والتجارة والطاقة المتجددة.

كما يلزم إعادة الإقراض الإنتاجي والميسّر، واعتماد فوري لسياسة تجارية ذكية تحمي المنتج المحلي، ودعم المدخلات ثم الكميات المنتجة، فالقاعدة الذهبية، من وجهة نظر عربش تتمثل في أنه «لا رفع أسعار دون بدائل، ولا خفض دعم دون تعويض الفقراء، ولا إصلاح دون عدالة اجتماعية، والسيناريو الأفضل يحقق تحسناً ملموساً خلال 2-3 سنوات بتنفيذ خطة اقتصادية ما زالت غائبة، والأسوأ يستمر 5-10 سنوات باستمرار تلمس الطريق دون فاعلية، والعبرة بتطبيق الخطة والشفافية ومكافحة الفساد، لأن التأخير يعني مزيداً من الفقر والهجرة، والمواطن لم يعد يملك رفاهية الانتظار، وكل يوم تأخير خصم من المستقبل».