رقائق الذاكرة تقود رالياً تريليونياً وتزيح «إنفيديا» عن عرش الذكاء الاصطناعي

بعد صعود «مايكرون» الأميركية و«إس كيه هاينكس» الكورية بدعم من طفرة البنية التحتية

شعار «مايكرون» (رويترز)
شعار «مايكرون» (رويترز)
TT

رقائق الذاكرة تقود رالياً تريليونياً وتزيح «إنفيديا» عن عرش الذكاء الاصطناعي

شعار «مايكرون» (رويترز)
شعار «مايكرون» (رويترز)

لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي العالمي مقتصرة على معالجات الرسوميات فائقة القوة التي تقودها شركات مثل «إنفيديا»، بل انتقلت رسمياً إلى عصب البنية التحتية ومفاصل التخزين ونقل البيانات. وفي خطوة تاريخية تعكس هذا التحول الهيكلي، نجحت شركة «مايكرون تكنولوجي» - أكبر مصنع لرقائق الذاكرة في الولايات المتحدة - في اختراق نادي تريليون دولار للقيمة السوقية، ليلحق بها مباشرة وضمن أقل من 24 ساعة عملاق أشباه الموصلات الكوري الجنوبي «إس كيه هاينكس»، والذي قفز سهمه بنسبة تجاوزت 9 في المائة مدفوعاً بطلب جنوني، ليصبح أحدث أعضاء نادي التريليون الفاخر وينضم إلى مواطنه المتصدر «سامسونغ للإلكترونيات».

هذا السباق المحموم نحو تحقيق «الذكاء الاصطناعي العام» (AGI) لا يعيد صياغة تقييمات الشركات فحسب، بل يدفع برسم خريطة جيوسياسية جديدة تضع الهند في قلب طموحات التوريد العالمية كبديل استراتيجي مرن لشرق آسيا.

وقد سجلت «مايكرون تكنولوجي»، التي تهيمن على الحصة السوقية الأكبر بين الشركات الأميركية في قطاعي رقائق الذاكرة والتخزين، قفزة تاريخية بعد أن تجاوزت قيمتها السوقية حاجز التريليون دولار لفترة وجيزة خلال تعاملات نهاية الأسبوع. وجاء هذا الصعود مدفوعاً بزيادة جنونية في الطلب على رقائق الذاكرة فائقة النطاق (HBM) المستخدمة في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي ومراكز البيانات الضخمة.

وتربّع سهم الشركة على عرش مكاسب قطاع الرقائق بعدما أنهى التعاملات مرتفعاً بنسبة 17.4 في المائة ليصل إلى 881.6 دولار، بعد أن لامس ارتفاعاً بنسبة 19.3 في المائة في الجلسة الإخبارية.

وتلقت الأسواق دفعة قوية عقب قيام مجموعة «يو بي إس» المصرفية برفع السعر المستهدف لسهم «مايكرون» من 535 دولاراً إلى 1625 دولاراً، وهو التقييم الأعلى بين 46 شركة وساطة مالية تغطي أداء الشركة.

وتأتي هذه الطفرة لتعيد كتابة تاريخ الشركة التي تأسست عام 1978 بتمويل أولي مفارق ومثير للاهتمام من مزارعي بطاطس أثرياء في ولاية أيداهو، وعلى رأسهم رجل الأعمال الشهير «جيه إو آر سيمبلوت». ورغم أن الشركة واجهت انهياراً حاداً وقاسياً في سعر سهمها قبل نحو عقد من الزمان هدد مسيرتها، فإن تركيزها الاستراتيجي في السنوات الأخيرة على توسيع نطاقها العالمي والتحول بالكامل نحو رقائق الذاكرة فائقة النطاق (HBM) المخصصة لمراكز البيانات، نجح في قيادة قفزة استثنائية في أرباحها وعوائدها.

الرئيس التنفيذي لـ«مايكرون تكنولوجي» يحمل شريحة إلكترونية في بورصة نيويورك (أرشيفية - رويترز)

إشادة سياسية من ترمب

هذا الأداء الاستثنائي للشركة لم يمر دون التفات الأوساط السياسية في واشنطن؛ فخلال يوم الجمعة الماضي، تلقّت الشركة إشادة علنية مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قال خلال تجمع انتخابي حاشد في نيويورك: «واو، مايكرون مذهلة حقاً».

وفي نقطة تحول لافتة أثارت انتباه المراقبين والمنشورات البيانية، قادت أسهم الذاكرة هذه الطفرة الجماعية لدرجة جعلت المستثمرين يتجاهلون تماماً غياب شركة «إنفيديا» - المحرك التقليدي المعتاد لقطاع الذكاء الاصطناعي- عن هذا الرالي الأخير لأشباه الموصلات. وتوضح الرسوم البيانية لحركة السوق فجوة وتباعداً كبيراً ونادراً لم يُشهد منذ فترة طويلة بين مسار مؤشر فيلادلفيا الصاعد وبين الأداء المستقر أو المتراجع لسهم «إنفيديا»، مما يؤكد أن الوزن النسبي والقيمة السوقية في قطاع التكنولوجيا يتجهان بقوة نحو شركات «الذاكرة النقية» كمحرك أساسي جديد للنمو.

وفي مؤشر على حجم الاختلال بين العرض والطلب، أعلنت إدارة «مايكرون» أن كامل إنتاجها من رقائق الذاكرة عالية النطاق (HBM) المخطط له لعام 2026 قد تم بيعه بالكامل بالفعل، في حين بدأت الشركة عملياً عمليات إنتاج الجيل الجديد من رقائق (HBM4) لتلبية الطلبيات طويلة الأجل التي يسعى العملاء لتأمينها وسط قلق من استمرار أزمة نقص المعروض وضغوط الأسعار.

وأوضح آرت هوغان، كبير استراتيجيي السوق في مؤسسة «بي رايلي ويلث»، أن «حاجة الأسواق إلى الذاكرة النقية نمت بمعدلات قياسية في فترات زمنية قصيرة للغاية، وتثبت مايكرون اليوم أنها تقف في بؤرة هذه الثورة»، مشيراً إلى أن تجاوز عتبة التريليون دولار يعكس حجم الإنفاق الرأسمالي الهائل الذي تضخه شركات التكنولوجيا الكبرى لبناء مراكز البيانات.

شعار «إس كيه هاينكس» (رويترز)

«سامسونغ» وعمّالها

وفي الضفة الأخرى من السباق التريليوني، تواجه شركة «سامسونغ للإلكترونيات» الكورية الجنوبية - أكبر منتج لرقائق الذاكرة في العالم والتي سبق لـ«مايكرون» الانضمام إليها في نادي التريليون - تعقيدات داخلية؛ فبالرغم من إبرام الإدارة اتفاقاً في اللحظات الأخيرة مع النقابة العمالية لتجنب إضراب شامل، رفعت نقابة عمال الأجهزة الإلكترونية دعوى قضائية أمام المحاكم الكورية لوقف التصويت على الاتفاقية. ويرى المحللون أن أي اضطراب في مصانع «سامسونغ» قد يصب في مصلحة منافستها الأميركية «مايكرون» ويدفع بأسعار الرقائق إلى مستويات قياسية جديدة.

الهند تقتنص الفرصة

وسط هذه التوترات الجيوسياسية في شرق آسيا والمخاوف المحيطة بسلاسل الإمداد التقليدية في تايوان وكوريا الجنوبية، برزت الهند كوجهة استراتيجية بديلة لبناء مرونة في الاقتصاد الرقمي العالمي. إذ طرحت الحكومة الهندية، بموجب «البرنامج المعدل لتطوير النظام البيئي لتصنيع أشباه الموصلات وشاشات العرض»، حوافز مالية وتسهيلات بمليارات الدولارات لجذب عمالقة صناعة الرقائق ومؤسسات التصميم العالمية وتأسيس بنية تحتية صلبة للمستقبل.

وفي هذا الإطار، ترجمت شركة «مايكرون» تطلعاتها التوسعية عبر ضخ استثمارات ضخمة لتأسيس منشأة متطورة للتجميع والاختبار والتعبئة (ATMP) في منطقة ساناند بولاية غوجارات، بتكلفة إجمالية تصل إلى 2.75 مليار دولار، والتي افتتحها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي برفقة الرئيس التنفيذي لشركة «مايكرون»، سانجاي ميهروترا.

وتعمل هذه المنشأة الحيوية كحلقة وصل لربط الرقائق الخام القادمة من المصانع العالمية وتحويلها إلى وحدات ذاكرة جاهزة للسوق ومراكز البيانات. وتتوقع التقارير أن يسهم هذا المشروع في توفير ما يصل إلى 20 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن كونه مغناطيساً يجذب موردي المكونات الكيميائية والركائز الأساسية، مما يسرع انتقال الهند إلى عقدة رئيسية في هندسة الأجهزة العالمية.

دور كبير للمهندسين الهنود

ولم تبدأ قصة نجاح الهند من المصانع؛ بل انطلقت من العقول التكنولوجية؛ إذ تستضيف الحواضر البرمجية مثل بنغالورو، وحيدر آباد مقار، ومراكز أبحاث وتطوير لأبرز أقطاب الصناعة مثل «تكساس إنسترومنتس»، و«أرم»، و«إنفيديا»، و«إيه إم دي»، و«كوالكوم». وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الهند تستأثر حالياً بنحو 20 في المائة من إجمالي مهندسي تصميم أشباه الموصلات في العالم، مما يجعلها عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه في خطوط الابتكار ومستقبل الأجهزة الداعمة للذكاء الاصطناعي لتتحول الهند من مجرد مستهلك للتكنولوجيا إلى ركيزة أساسية في بنية الهاردوير العالمي.


مقالات ذات صلة

«أوبن إيه آي» توسع إعلانات «ChatGPT» إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تكنولوجيا أطلقت الشركة منصة ذاتية تتيح للشركات والوكالات إدارة الحملات الإعلانية مباشرة داخل «ChatGPT» (رويترز)

«أوبن إيه آي» توسع إعلانات «ChatGPT» إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

توسع «أوبن إيه آي» إعلانات «ChatGPT» إلى المنطقة مع منصة ذاتية للمعلنين وفصل واضح بين المحتوى المدفوع وإجابات النموذج.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يضع تعاون الشركة مع «هيوماين» كفاءة استهلاك الطاقة والتكلفة لكل عملية استدلال موضع التطبيق على نطاق واسع

آفاق الحوسبة الجديدة: قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي والجيل السادس للاتصالات و«الحوسبة المتصلة»

شبكات الجيل السادس يتم تصميمها من الألف إلى الياء لتكون نظاماً قائماً على الذكاء الاصطناعي.

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا يعكس إطلاق الخدمة توجهاً نحو فصل أوضح بين التجربة المجانية والمزايا المتقدمة المدفوعة مع اختلاف التوافر بحسب التطبيق والمنطقة ونوع الحساب (ميتا)

«ميتا» توسع نموذج الاشتراكات المدفوعة عبر تطبيقاتها وتضيف مزايا أوسع للذكاء الاصطناعي

توسع «ميتا» نموذج الاشتراكات المدفوعة عبر تطبيقاتها مع أدوات ذكاء اصطناعي ومزايا إضافية للأفراد وصناع المحتوى والشركات، مع بقاء الأساس مجانياً.

نسيم رمضان (لندن)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتفاعل مع التصفيق عقب إلقائها خطاب حالة الاتحاد الأوروبي أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

أوروبا تتحرّك بعد صيف ملتهب... خطة لمواجهة موجات الحر

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأربعاء، إن بروكسل ستطرح «خطة لمواجهة موجات الحر»، بهدف تحسين الاستجابة للأحوال الجوية المتطرفة.

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ)
علوم «انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

تخلُّف تطوير تقنيات السلامة كثيراً عن تطويرات قدراته

مارك سوليفان (واشنطن)

وارش: التضخم لا يزال مرتفعاً جداً... والاقتصاد الأميركي مرن

رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مؤتمره الصحافي (رويترز)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مؤتمره الصحافي (رويترز)
TT

وارش: التضخم لا يزال مرتفعاً جداً... والاقتصاد الأميركي مرن

رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مؤتمره الصحافي (رويترز)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مؤتمره الصحافي (رويترز)

قال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش إن التضخم لا يزال مرتفعاً جداً بدرجة تحول دون اعتبار البنك المركزي أن مساره نحو مستهدفه البالغ 2 في المائة يسير بالسرعة المطلوبة، مؤكداً في الوقت نفسه أن الاقتصاد الأميركي لا يزال مرناً وسوق العمل في وضع جيد.

وأوضح وارش، خلال مؤتمره الصحافي عقب قرار «الفيدرالي» رفع أسعار الفائدة ربع نقطة مئوية إلى نطاق 3.75–4 في المائة، أن «التضخم مرتفع جداً، ولطالما كان كذلك»، مشيراً إلى أن بيانات الصيف لم تقدم دليلاً على تحسن وضع التضخم.

وأضاف أن على «الفيدرالي» أن يكون واثقاً من أن التضخم الأساسي يتحرك نحو مستوى 2 في المائة «في الوقت المناسب»، وأن لجنة السوق المفتوحة خلصت إلى أن هذا الشرط لم يتحقق بعد.

وفي المقابل، وصف وارش الاقتصاد الأميركي بأنه «مرن»، مشيراً إلى قوة تدفقات الائتمان وتحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية خلال الأشهر الأخيرة. وقال إن الاقتصاد «يبدو أنه يزداد قوة» في الوقت الذي اتخذ فيه «الفيدرالي» قراره برفع الفائدة.

وعلى صعيد سوق العمل، قال وارش إن معدل البطالة لا يزال منخفضاً، بينما تتزايد الوظائف الشاغرة وساعات العمل، مضيفاً أن جانب سوق العمل ضمن تفويض «الفيدرالي» «في وضع جيد».

وفي ما يتعلق بالظروف المالية، قال وارش إنه «يصعب عليه اعتبار الظروف المالية مقيدة»، مشيراً إلى أن هذا الرأي كان واسع المشاركة داخل لجنة السوق المفتوحة. وأضاف أن تدفقات الائتمان ظلت قوية.

وقال وارش إن المخاطر المرتبطة بالتضخم تميل إلى الاتجاه الصعودي، في حين تبدو مخاطر سوق العمل متوازنة، مؤكداً أن «التركيز الأساسي للاحتياطي الفيدرالي ينصب على استقرار الأسعار».

وأشار إلى أن قرار اللجنة أزال «قدراً من التيسير» من السياسة النقدية، بعد أن كانت اللجنة قد عبّرت في يوليو (تموز) عن استعداد مشترك للتحرك.

وكشف وارش أنه لم يقدم توقعاً فردياً لمسار أسعار الفائدة ضمن ما يعرف بـ«مخطط النقاط» في اجتماع سبتمبر (أيلول)، في وقت أظهرت فيه التوقعات الجديدة لصناع السياسة أن غالبية أعضاء اللجنة يتوقعون زيادة أخرى للفائدة قبل نهاية العام.

وقال إن هناك «عدداً كبيراً جداً» من فئات الأسعار التي تسجل زيادات تتجاوز 3 في المائة على أساس ستة أشهر و12 شهراً، معتبراً أن ذلك لا يدعم بعد العودة السريعة والمستدامة للتضخم إلى هدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.


تماشياً مع قرار «الفيدرالي»... «المركزي القطري» يرفع الفائدة 25 نقطة أساس

مصرف قطر المركزي (قنا)
مصرف قطر المركزي (قنا)
TT

تماشياً مع قرار «الفيدرالي»... «المركزي القطري» يرفع الفائدة 25 نقطة أساس

مصرف قطر المركزي (قنا)
مصرف قطر المركزي (قنا)

رفع مصرف قطر المركزي أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار 25 نقطة أساس يوم الأربعاء، عقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي رفع سعر الفائدة بالمقدار نفسه.

ورفع مصرف قطر المركزي سعر فائدة الإيداع إلى 4.10 في المائة، وسعر فائدة إعادة الشراء «الريبو» إلى 4.35 في المائة، وسعر فائدة الإقراض إلى 4.60 في المائة، وفقاً لبيان صادر عن المصرف.


عُمان ترفع الفائدة 25 نقطة أساس بعد قرار «الفيدرالي»

البنك المركزي العماني (وكالة الأنباء العمانية)
البنك المركزي العماني (وكالة الأنباء العمانية)
TT

عُمان ترفع الفائدة 25 نقطة أساس بعد قرار «الفيدرالي»

البنك المركزي العماني (وكالة الأنباء العمانية)
البنك المركزي العماني (وكالة الأنباء العمانية)

رفع البنك المركزي العُماني سعر فائدة اتفاقية إعادة الشراء (الريبو) بمقدار 25 نقطة أساس، وفقاً لبيان صادر عن البنك.

ويأتي القرار عقب رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق يتراوح بين 3.75 في المائة و4 في المائة.