الجزائر: جدل بعد إقصاء مرشحين للانتخابات بـ«شبهة الفساد»

نتائج التحقيقات الأمنية كرّست هيمنة الأحزاب الكبرى في البلاد

اجتماع لقيادة "حركة مجتمع السلم" خصص لبحث الترشيحات للانتخابات (إعلام حزبي)
اجتماع لقيادة "حركة مجتمع السلم" خصص لبحث الترشيحات للانتخابات (إعلام حزبي)
TT

الجزائر: جدل بعد إقصاء مرشحين للانتخابات بـ«شبهة الفساد»

اجتماع لقيادة "حركة مجتمع السلم" خصص لبحث الترشيحات للانتخابات (إعلام حزبي)
اجتماع لقيادة "حركة مجتمع السلم" خصص لبحث الترشيحات للانتخابات (إعلام حزبي)

رغم مواجهة غالبية الأحزاب الجزائرية المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقررة يوم الثاني من يوليو (تموز) 2026 لـ«مقصلة» المادة القانونية المتعلقة بشبهات الفساد، فإن نتائج غربلة القوائم أظهرت هيمنة مطلقة للأحزاب التقليدية مقابل حضور محتشم للمستقلين، بعكس مشهد انتخابات عام 2021.

وأكدت «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، في بيان، السبت، أنها رصدت «بقلق خطورة متزايدة التوسع في التطبيق التعسفي للمادة 200 (من قانون الانتخابات) في معالجة ملفات المترشحين، وما ترتب عنه من إقصاء عدد من المترشحين دون الاستناد إلى أدلة قانونية واضحة أو أحكام قضائية نهائية، بما يشكل مساساً خطيراً بالحقوق السياسية والدستورية للمواطنين». وأشارت الحركة إلى أن إقصاء مرشحيها على أساس هذه المادة القانونية «يفتح المجال أمام استعمال إداري انتقائي للقانون، يضرب مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص ويقوِّض مصداقية الانتخابات»، محذرةً من «خطورة استمرار هذه الممارسات التي من شأنها تكريس الانغلاق السياسي وتعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات».

ودعت إلى «مراجعة هذه المقاربات بما يضمن احترام القانون وحماية الحقوق والحريات السياسية بعيداً عن أي توظيف أو تعسف».

أحد الملصقات الدعائية الرسمية للانتخابات ٢ يوليو ٢٠٢٦ في الجزائر (الشرق الأوسط)

جدل الإقصاء

وكان لافتاً أن هواجس اللجوء المكثف لسيف «المادة 200» قد انتابت غالبية الأحزاب منذ بدء تحضير لوائح المرشحين. وتُشكّل المادة 200 (الفقرة 7) من القانون العضوي للانتخابات الصادر في 2021 إحدى أكثر المواد إثارة للجدل السياسي والقانوني في الجزائر؛ حيث تشترط في المترشح للمجالس النيابية والمحلية «ألا يكون معروفاً لدى العامة بصلته مع أوساط المال والأعمال المشبوهة، أو بتأثيره المباشر أو غير المباشر على حرية اختيار الناخبين وحسن سير العملية الانتخابية". واستمد المُشرّع مضمون النص من تجارب سابقة ارتبطت بدخول رجال أعمال بقوة إلى البرلمان، البعض منهم سجنوا بتهمة «الفساد» في سياق المنعرج السياسي الذي أخذته البلاد في 2019، إثر رحيل الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم. وقد قسم هذا النص التشريعي المواقف إلى تيارين متناقضين؛ إذ يدافع عنه المؤيدون بوصفه أداة وقائية وصمام أمان لـ«تنقية» المشهد السياسي من «الشوائب»، وقطع الطريق نهائياً أمام المال الفاسد ومنع شراء الأصوات والحصانة. وفي المقابل، يطعن فيه المعارضون لكونه يستعمل عبارات فضفاضة ومطاطية تُبنى عادة على تقارير أمنية لا تسندها أدلة مادية، فضلاً عن خرقها مبدأ «قرينة البراءة» الدستوري، عبر إقصاء المترشح لمجرد الشبهة، دون الحاجة لصدور حكم قضائي نهائي يدينه.

رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في الجزائر كريم خلفان (الشرق الأوسط)

وفي الممارسة الميدانية، تتولى «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» إسقاط الأسماء بناءً على التحقيقات والتقارير الإدارية، في حين يمنح القانون المعنيين حق اللجوء إلى القضاء الإداري الذي يبقى هو الفيصل الأخير لتصحيح المسار ومنع أي تعسف في تطبيق المادة. ومسّت «المادة 200»، وفق تقارير إعلامية، العديد من الأحزاب، حتى المحسوب منها على السلطة؛ خصوصاً «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي».

وكتب كمال بلخضر القيادي في «جبهة المستقبل» (موالاة) في حسابه بالإعلام الاجتماعي، مستهجناً سبب إقصاء ترشحه: «معطيات إدارية تتنافى مع أخلاقيات العمل السياسي»، وهي العبارة التي تسلّمها من هيئة الانتخابات تفسّر إبعاده من سباق الانتخابات التشريعية.

الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون (إعلام حزبي)

كما شددت الأمينة العامة لـ«حزب العمال» لويزة حنون، في تصريحات صحافية، على «الصرامة البالغة التي تعتمدها هيئات الحزب في انتقاء ممثليها للاستحقاقات الانتخابية»، مشيرة إلى استخدام حزبها «الفيتو» المطلق ضد أي اسم ترتبط به شبهة «المال السياسي» أو الفساد. ورأت أن تشكيلها السياسي الذي تقوده منذ 30 سنة «كان سبّاقاً تاريخياً في خوض معركة شرسة ضد تغلغل المال المشبوه في الحياة العامة»، لافتةً إلى أن الحزب «تحمّل تبعات قاسية ودفع ضريبة مواقفه المبدئية المناهضة للفساد منذ عقود».

أمين عام "التجمع الوطني الديمقراطي" منذر بودن خلال تجمع انتخابي في العاصمة الجزائرية (إعلام حزبي)

هيمنة تقليدية

وباشرت «سلطة الانتخابات» مرحلة الفصل في الترشيحات، عقب الإغلاق الرسمي لباب إيداعها يوم 23 من الشهر الحالي؛ حيث استعرضت، عبر بيان لها، حصيلة الملفات المسجلة وعمليات التدقيق الأولية، التي أسفرت عن رفض العديد من الترشيحات وإسقاط بعض القوائم. وتظهر الأرقام المنشورة هيمنة واضحة للتكتلات الحزبية على مجريات هذه المشاركة؛ حيث جرى إيداع 788 قائمة على المستوى الوطني تضم 10168 مرشحاً، يضاف إليها 66 قائمة مخصصة للجالية الوطنية بالخارج تشمل 528 مرشحاً. وتتوزع القوائم المودعة داخل البلاد بين 649 قائمة تابعة لـ32 حزباً سياسياً، مقابل 138 قائمة للأحرار، وتكتل ائتلافي واحد، مما يترجم الهيمنة المستمرة للآلات الحزبية التقليدية على المشهد الانتخابي. ومن حيث الانتشار الجغرافي، تصدّرت «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي» المشهد بـ69 قائمة لكل منهما، يليهما «جبهة المستقبل» بـ68 قائمة، ثم «حركة البناء الوطني» بـ67 قائمة. ومن جانبها، سجّلت «حركة مجتمع السلم» حضوراً بإجمالي 70 قائمة، موزعة بين 64 قائمة في الدوائر الانتخابية الوطنية و6 قوائم لتمثيل الجالية في الخارج.

أما «جبهة القوى الاشتراكية» (معارضة) فقد بلغت مشاركتها 27 قائمة، منها 22 قائمة عبر التراب الوطني و5 قوائم في دوائر المهجر، في حين اقتصر حجم مشاركة «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» (معارضة) على 10 قوائم، تمثلت في 8 قوائم داخلية وقائمتين مخصصتين للخارج.



السيسي يدعو ترمب وإيران لمرونة قبل «فوات الأوان»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)
TT

السيسي يدعو ترمب وإيران لمرونة قبل «فوات الأوان»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة)

وجَّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، نداءً إلى الولايات المتحدة وإيران للتحلي بـ«المرونة» في هذه المرحلة، مشدداً على أهمية التفاهم والحوار «قبل فوات الأوان»، ومحذراً من أن البديل سيجلب نتائج «كارثية» على المنطقة.

وخلال مؤتمر صحافي في القاهرة مع نظيرته السلوفينية ناتاشا پيرتس موسار، حذر السيسي من المساس بأمن المملكة العربية السعودية، مجدداً «رفض بلاده القاطع لأي تهديد قد ينال من أمن واستقرار المملكة وسائر الدول الخليجية».

وحسب إفادة للرئاسة المصرية، تناولت محادثات السيسي مع رئيسة سلوفينيا، التي تزور مصر للمرة الأولى، العلاقات الثنائية، ومستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية.

وأعاد الرئيس المصري التأكيد على موقف بلاده الثابت بشأن التطورات في المنطقة، ودعا في المؤتمر الصحافي المشترك إلى «خفض التصعيد الإقليمي، وتغليب الحلول السياسية، بما يحول دون انزلاق المنطقة إلى دائرة أوسع من الصراع»، كما دعا الأطراف المعنية بالأزمة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة إلى «إعطاء مساحة للتفاهم والحوار، والوصول لتوافق سياسي يحقق المطالب الرئيسية لكل الأطراف».

وشدد الرئيس المصري على أهمية مسار الحوار والتوافق «قبل فوات الأوان»، وقال إن «البديل ستكون آثاره ونتائجه كارثية على المنطقة والعالم، الذي يعاني من أزمات متلاحقة على مدار 6 سنوات»، وناشد واشنطن وطهران «إبداء أكبر قدر ممكن من المرونة في هذه المرحلة، لإيجاد مساحات تفاهم تسمح بحل النزاع القائم».

كما أكد السيسي وقوف مصر وتضامنها الكامل مع الدول العربية، انطلاقاً من إيمانها الراسخ بأن الأمن القومي العربي «وحدة واحدة لا يتجزأ».

وقال إنه «يثق بترمب بوصفه رجل سلام، نجح في نزع فتيل العديد من الأزمات الصعبة»، ودعاه إلى «أن يبذل قصارى جهده في منح الوسطاء كل أشكال الدعم والمساندة الممكنة للوصول إلى أفضل تسوية متاحة، ولتجنيب المنطقة مزيداً من المعاناة، ومنح شعوبها الأمل في حياة أفضل».

القضية الفلسطينية

وأكد الرئيس المصري أن القضية الفلسطينية «تظل القضية المركزية في الشرق الأوسط، وإحدى القضايا التي تعكس مدى التزام المجتمع الدول بمبادئ العدالة وأحكام القانون الدولي»، وشدد على أهمية التزام الأطراف بالتنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأميركي للسلام في غزة، وضمان النفاذ الآمن للمساعدات الإنسانية، داعياً إلى «ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين من أرضهم».

من جانبها، أكدت رئيسة سلوفينيا في المؤتمر الصحافي أنه «لا يمكن تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه»، وشددت على «استمرار التزام بلادها بموقفها إزاء القضية الفلسطينية، واحترام قواعد القانون الإنساني الدولي».

وأشاد السيسي بمواقف نظيرته السلوفينية، على الصعيد الدولي، وسياساتها الداعمة لإعلاء أحكام القانون الدولي، وترسيخ السلام، ومن ضمنها قطاع غزة، وأكد أن «هذه المواقف كانت دائماً محل تقدير».

وعلى الصعيد الثنائي، أشار السيسي إلى أن المحادثات عكست توافقاً في الرؤى، للبناء على ما تحقق في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين خلال السنوات الماضية.

وقال: «تم التوافق على مواصلة العمل لتعزيز التشاور السياسي، وتطوير مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري، والتنسيق حول الموضوعات الإقليمية والدولية في ظل الأزمات المتشابكة حالياً».

التعاون والشراكة

قال الرئيس المصري إن بلاده تنظر إلى سلوفينيا بوصفها شريكاً مهماً في منطقة وسط أوروبا، وإنه اتفق مع نظيرته على أهمية تحقيق نقلة نوعية في مسار التعاون الثنائي من خلال وضع برنامج عمل بجداول زمنية محددة لتطوير آليات التعاون التجاري والاستثماري، وتعزيز التواصل المباشر بين مجتمعي الأعمال، خصوصاً في مجالات الطاقة والصناعات المرتبطة بها، والنقل، والسياحة والثقافة، والاتصالات والتحول الرقمي، بما يفتح آفاقاً جديدة للإنتاج والاستثمار والتبادل التجاري.

وحسب الرئاسة المصرية، أكدت المحادثات أهمية تعزيز التعاون اللوجيستي والنقل البحري، وربط الموانئ المصرية مع ميناء (كوبر) السلوفيني، وتكامل سلاسل الإمداد بالبلدين.

وشدد السيسي على ضرورة مواصلة تعزيز الشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي، وعلى أهمية تعميق التعاون المصري - السلوفيني دفعاً للشراكة المصرية - الأوروبية.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير جمال بيومي أن دعوة التهدئة والسلام في المنطقة ضرورية في ظل نُذر التصعيد الإقليمي، وقال إن «هناك إدراكاً من الجانب الأوروبي لمركزية الدور المصري في عملية السلام بالمنطقة، وقدرة القاهرة أن تكون وسيطاً أميناً للتهدئة والحوار والسلام الإقليمي».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن هناك توافقاً بين مصر وسلوفينيا في عدد من الملفات الإقليمية، ومن بينها أمن الممرات المائية، لارتباطها بحركة التبادل التجاري بين البلدين. وقال إن زيارة رئيسة سلوفينيا أظهرت حرصها على تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي مع القاهرة، مشيراً إلى أن العلاقات بين البلدين «تاريخية، وتشكل نافذة للعلاقات المصرية - الأوروبية».

وأشار إلى اهتمام سلوفينيا بتوسيع الاستثمارات في منطقة قناة السويس، وخبرتها في مجال الصناعات المعدنية، واستيرادها منتجات غذائية من مصر، مؤكداً أن «هناك فرصاً مشجعة لتوسيع التعاون بين مجتمعات الأعمال في البلدين».


ليبيا: ترحيب حقوقي بحظر إشراك القُصّر في العمليات العسكرية

عناصر تابعة لميليشيات ما يُعرف بـ«اللواء 444» في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لـ«اللواء 444»)
عناصر تابعة لميليشيات ما يُعرف بـ«اللواء 444» في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لـ«اللواء 444»)
TT

ليبيا: ترحيب حقوقي بحظر إشراك القُصّر في العمليات العسكرية

عناصر تابعة لميليشيات ما يُعرف بـ«اللواء 444» في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لـ«اللواء 444»)
عناصر تابعة لميليشيات ما يُعرف بـ«اللواء 444» في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لـ«اللواء 444»)

أعاد تعديل تشريعي أقره مجلس النواب الليبي لحظر تجنيد الأطفال دون 18 عاماً، أو إشراكهم في العمليات العسكرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تسليط الضوء على استقطاب القُصَّر داخل الميليشيات المسلحة في غرب البلاد، وحظي التعديل الجديد بترحيب حقوقيين من «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان»، التي عدّت الخطوة «تطوراً في اتجاه تعزيز حماية الأطفال من الاستغلال العسكري».

وجاء إقرار التعديل التشريعي، الاثنين، بناءً على توصية من «لجنة الدفاع والأمن القومي» بمجلس النواب.

وقال المحلل العسكري، محمد الترهوني، لـ«الشرق الأوسط» إن التعديل التشريعي من جانب مجلس النواب «يُمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو بناء مؤسسة عسكرية منضبطة تقوم على قواعد مهنية وقانونية، بعيداً عن ممارسات بعض التشكيلات المسلحة التي تزج بالقُصّر في مواجهات مسلحة».

وعدّ الترهوني أن «ترسيخ الانضباط المنصوص عليه في القانون يُعدّ خطوة ثانية مهمة على مسار فرض الانضباط العسكري»، مبرزاً أن «الخطوة الأولى المتمثلة في المناورات العسكرية، التي جمعت قوات من شرق ليبيا وغربها في سرت خلال أبريل (نيسان) الماضي، مثّلت إحدى محطات التقارب العسكري».

إحدى جلسات «الحوار المهيكل» الليبي في طرابلس (البعثة الأممية)

وتبرز التحديات، التي تواجه تطبيق القانون في ظل تنامي نفوذ الميليشيات المسلحة في غرب ليبيا، ولا سيما في ضوء سجل من الانتهاكات سبق أن وثّقها حقوقيون، من بينها رصد وجود فتيان لا تتجاوز أعمارهم 16 و17 عاماً ضمن مجموعات مسلحة في غرب البلاد.

وشملت الوقائع الموثقة أيضاً وفاة طفل، ورصد طفل آخر يقود آلية عسكرية مصفحة ومسلحة داخل إحدى محطات الوقود، فضلاً عن حوادث مشابهة سُجلت خلال الاشتباكات التي شهدتها العاصمة طرابلس بين عامي 2024 و2025، وفق إفادات سابقة لـ«المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان».

ولا يقتصر استقطاب القُصَّر، وفق حقوقيين، على «حمل السلاح والمشاركة في المواجهات، بل يمتد إلى نقل الإمدادات وتنفيذ مهام لوجستية، وخدمات دعم داخل التشكيلات المسلحة، مقابل رواتب شهرية تتراوح بين 900 و1000 دينار ليبي».

وسبق أن أعادت توصيات «الحوار المهيكل»، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة والصادرة في يونيو (حزيران) الماضي، طرح القضية ضمن مسار الإصلاح الأمني وحماية المدنيين؛ حيث دعت إلى «حظر تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة، والعمل على تجفيف مصادر الدخل التي تغذي الصراع وتساعد على استمراره». كما أن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) حثّت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا على إنشاء آلية مؤسسية تتيح للدولة رصد الانتهاكات المتعلقة بتجنيد الأطفال ومعالجتها، في ضوء تقارير عن استقطاب قاصرين إلى مجموعات مسلحة.

يأتي ذلك في ظل انقسام عسكري بين شرق البلاد؛ حيث قوات «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، وتشكيلات مسلحة ضمن أطر رسمية تتبع حكومة «الوحدة الوطنية المؤقتة» في غربها.

جلسة مجلس النواب الليبي في مدينة سبها الاثنين (المكتب الإعلامي للمجلس)

من جهته، أبرز عضو مجلس النواب، فهمي التواتي، أن تطبيق القرار في الظروف الحالية يواجه صعوبات، مرجحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عدم قابليته للتنفيذ عملياً في الوقت الراهن، وإن كان يوفر مرجعية قانونية للجهات القضائية عند وقوع مخالفات، أو تقديم شكاوى بشأن تجنيد الأطفال.

وفي قراءة حقوقية، يرى الناشط طارق لملوم أن «الإشكالية لا تتعلق بسن التجنيد الرسمي وحده، بل بقدرة التشكيلات المسلحة على استقطاب القُصَّر خارج الأطر القانونية، عبر الإغراء بالمال والرواتب والسلاح والنفوذ»، لافتاً إلى أن «ليبيا أعلنت منذ عام 2004، عند انضمامها إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل، أن الحد الأدنى للتطوع في قواتها المسلحة هو 18 عاماً»، متسائلاً: «ما قيمة منع تجنيد القُصَّر قانوناً إذا كان بالإمكان استدراجهم إلى التشكيلات المسلحة خارج القانون؟».

وشدد لملوم على أن «حماية الأطفال تتطلب أكثر من تعديل تشريعي، وتشمل منع استغلالهم وإخراجهم من التشكيلات المسلحة، ومحاسبة المسؤولين عن تجنيدهم»، معتبراً أن مواجهة الظاهرة تستلزم التعامل مع مصادر الاستقطاب، وليس الاكتفاء بتحديد السن القانونية للتجنيد.

وبين الترحيب الحقوقي بالتعديل التشريعي لكونه «يُقلل من نفوذ الميليشيات»، والتحفظات بشأن إمكان تنفيذه، «تظل فاعليته مرتبطة بقدرة المؤسسات الليبية على إخضاع التشكيلات المسلحة لسلطة قانونية موحدة، وإنشاء آليات للرصد والمساءلة، ومعالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، التي تجعل القُصَّر عرضة للاستقطاب»، وفق مراقبين.


وزير داخلية إسبانيا يزور موريتانيا ويلتقي الرئيس و3 وزراء

وزيرة الدفاع الإسبانية خلال زيارتها نواكشوط في أواخر أكتوبر 2024 (وزارة الداخلية الموريتانية)
وزيرة الدفاع الإسبانية خلال زيارتها نواكشوط في أواخر أكتوبر 2024 (وزارة الداخلية الموريتانية)
TT

وزير داخلية إسبانيا يزور موريتانيا ويلتقي الرئيس و3 وزراء

وزيرة الدفاع الإسبانية خلال زيارتها نواكشوط في أواخر أكتوبر 2024 (وزارة الداخلية الموريتانية)
وزيرة الدفاع الإسبانية خلال زيارتها نواكشوط في أواخر أكتوبر 2024 (وزارة الداخلية الموريتانية)

وصل وزير الداخلية الإسباني، فيرناندو غراندي مارلاسكا، إلى موريتانيا، الثلاثاء، في زيارة يلتقي خلالها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني و3 من وزراء حكومته، وفق جدول أعمال نشرته «رئاسة الحكومة الإسبانية (لا مونكلوا)»، دون الإعلان بشكل رسمي عن الملفات التي سيناقشها الوزير الإسباني في موريتانيا.

وسيبدأ وزير الداخلية الإسباني أنشطته الرسمية بلقاء نظيره الموريتاني؛ مختار ولد أحمد بوسيف، قبل أن يعقد اجتماعاً مع وزيرة الصيد؛ عيساتا لام، ثم يلتقي بعد ذلك وزير الدفاع؛ با عثمان، ويختم أنشطته بلقاء الرئيس الغزواني.

وقالت رئاسة الحكومة الإسبانية إن وزير الداخلية سيجري «لقاءات مؤسسية متعددة»، دون تحديد محاورها أو الملفات التي ستتطرق إليها النقاشات، إلا إن مراقبين لاحظوا تزامن هذه الزيارة مع ازدياد تدفق المهاجرين عبر المياه الموريتانية إلى جزر الكناري الإسبانية، والعقبات التي تمنع تجديد «اتفاقية الصيد» بين موريتانيا و«الاتحاد الأوروبي»، وكذا ما يجري من تطورات في ملف الصحراء.

* تعقيدات ملف الهجرة

يعدّ ملف الهجرة غير النظامية، ومحاربة شبكات تهريب البشر، أهم ملفات التعاون بين البلدين، حيث أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية وصول 7133 مهاجراً إلى جزر الكناري بين يناير (كانون الثاني) و30 سبتمبر (أيلول) الماضيين في 95 قارباً، بانخفاض 44.5 في المائة عن المدة نفسها من 2025 حين وصل 12 ألفاً و848 في 211 قارباً.

مهاجر من أفريقيا جنوب الصحراء على متن قارب قبالة سواحل موريتانيا (أ.ف.ب)

لكن الوتيرة عادت إلى الارتفاع في الأسابيع الأخيرة، حيث تشير الأرقام إلى وصول 4162 مهاجراً بين 16 أغسطس (آب) و15 أكتوبر (تشرين الأول) الماضيين، مقابل 1608 في المدة نفسها من العام الماضي، أي بزيادة 159 في المائة، وفق وكالة «إيفي» نقلاً عن وزارة الداخلية الإسبانية.

وتشير هذه الأرقام إلى أن مجموع المهاجرين الذين وصلوا إلى جزر الكناري منذ بداية العام الحالي يقدر بنحو 9 آلاف مهاجر، مقابل 13 ألف مهاجر في المدة نفسها من العام الماضي، لكن لا تزال الأرقام مرشحة للارتفاع.

وفي 22 أكتوبر الماضي وصل أكثر من 400 مهاجر إلى جزيرة إل إييرو في 4 قوارب، أحدها غادر مدينة نواذيبو شمال موريتانيا وعلى متنه 33 سنغالياً، في حين انطلق آخران من السواحل السنغالية والغامبية.

وقالت «المنظمة الدولية للهجرة» في 13 أكتوبر الماضي إن تشديد المراقبة داخل مناطق المغادرة التقليدية في المغرب وموريتانيا والسنغال أسهم في انتقال نقاط الانطلاق جنوباً نحو غامبيا وغينيا وغينيا بيساو، موضحة أن الرحلات أصبحت أطول وأخطر.

* «اتفاقية الصيد»

من جهة أخرى، تأتي الزيارة قبل أقل من أسبوعين على انتهاء «بروتوكول الصيد» بين «الاتحاد الأوروبي» وموريتانيا، ودخول الطرفين مفاوضات شاقة لتجديده، لكنها لم تُفضِ إلى نتيجة. وتعدّ إسبانيا أكبر متضرر من فشل هذه المفاوضات.

وتعود «اتفاقية الصيد» إلى عام 2021، وتسمح موريتانيا بموجبها لسفن 10 دول أوروبية بصيد ما يصل إلى 280 ألف طن سنوياً، مقابل إسهام مالي أوروبي قدره 60 مليون يورو في السنة، وتتصدر إسبانيا المستفيدين من هذه الاتفاقية، حيث حصلت 33 سفينة إسبانية على تراخيص في 2024، وصادت أكثر من 15 ألف طن من القشريات والأسماك القاعية والرخويات والتونة.

وقال وزير الزراعة والصيد الإسباني، لويس بلاناس، في بروكسل يوم 28 سبتمبر (أيلول) الماضي، إن بلاده تطلب من «المفوضية الأوروبية» «تكثيف اتصالاتها» لتجديد الاتفاق، مبرزاً أن غالبية الدول الأعضاء تؤيد ذلك، وأن إسبانيا لا تريد أن يضطر الأسطول الأوروبي إلى مغادرة المياه الموريتانية.

وتتعثر المفاوضات بسبب خلافات على حصص الوصول والمقابل المالي. فقد قالت جمعية مالكي السفن «أنامار» الإسبانية إن نواكشوط تريد إسهاماً أكبر، بينما أشارت وزارة الصيد الموريتانية إلى «إعادة تنظيم الوصول»؛ بسبب مخاطر تهدد أرصدتها من الأسماك السطحية الصغيرة المستنزفة.

قضية الصحراء

الزيارة تلفت الانتباه أيضاً لأنها تتزامن مع تعثر «مجلس الأمن» الدولي في تمديد ولاية «بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (مينورسو)»، وهو الملف الذي يعني إسبانيا بوصفها قوة استعمارية سابقة للإقليم، وموريتانيا بصفتها عضواً مراقباً في المفاوضات.

صورة مأخوذة من فيديو للمباحثات بين وزير داخلية إسبانيا ونظيره الموريتاني السابق في نواكشوط عام 2022 (الداخلية الإسبانية)

وكانت جبهة «البوليساريو» قد طلبت عبر ممثلها في إسبانيا من الحكومة، التي ستنبثق عن الانتخابات العامة المقررة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تَحمّل مسؤوليتها «بوصفها القوة القائمة بالإدارة» للإقليم، مع الإشارة إلى أن رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، غيّر في 2022 موقف بلاده، وقبل خطة المغرب أساساً للتفاوض.

وفي خضم التطورات الأخيرة، طلبت موريتانيا تشكيل لجنة لترسيم الحدود؛ مما أثار الجدل بخصوص مصير مدينة لكويره، التي كانت تحت الحماية الإسبانية، لكنها تحولت مدينةً مهجورةً بسبب الحرب في منتصف سبعينات القرن الماضي، وتقع اليوم على بعد كيلومترات قليلة من مدينة نواذيبو؛ العاصمة الاقتصادية لموريتانيا؛ مما يعطيها مستوى من الحساسية بالنسبة إلى الموريتانيين.